شمائل الرسول صلى الله عليه وسلم

أحكام الخشوع في الصلاة (2/1)

تعريف الخشوع:

من التعريفات التي أوردها ابن القيم في (مدارج السالكين):

الخشوع: قيام القلب بين يدي الربّ بالخضوع والذلّ.

الخشوع: الانقياد للحق، ومن علاماته أن العبد إذا خولف ورُدّ عليه بالحق استقبل ذلك بالقبول والانقياد.

وقال الجنيد: الخشوع تذلّل القلوب لعلاّم الغيوب. (مدارج السالكين 1/ 521).

ولعلّ التعريف الذي أورده ابن رجب هو أجودها. قال ابن رجب: “أصل الخشوع لين القلب ورقته وسكونه وخضوعه وانكساره وحرقته.

فإذا خشع القلب تبعه خشوع جميع الجوارح والأعضاء، لأنها تابعة له” (الخشوع: لابن رجب ص17).

محل الخشوع:

الخشوع محلّه القلب، ولا بدّ أن تظهر آثاره على الجوارح، على الوجه والجسم. أما إذا ظهرت آثار الخشوع على الجوارح ولم يكن في القلب شيء منه فهذا خشوع النفاق.

قال حذيفة: إياكم وخشوع النفاق.  قيل: وما خشوع النفاق؟

قال: أن ترى الجسد خاشعاً والقلب ليس بخاشع (مدارج السالكين 1/ 521).

النمطية والاعتياد:

هناك أمران يترتب أحدهما على الآخر إن لم ينتبه المرء لذلك؛ فاعتياد الصلاة أمر حرص الشارع الحكيم على أن يكون في المكلّف؛ ولذلك أمرنا أن نأمر أولادنا بالصلاة لسبع وأن نضربهم عليها لعشر، حتى تتكوّن عندهم هذه العادة فتصبح جزءاً من تكوينهم. وهذا أمر طيب.

ولكن الذي يحصل أن ذلك يقود -في حال الغفلة- إلى النمطية، والنمطية تذهب الشعور بالجمال وتضعف الإحساس بالمعنى الكريم.

إن ألفة العمل والمداومة عليه تقود إلى النمطية، فيشرع المرء بالصلاة ويقرأ ما يقرأ دون أن يوافق ذلك تأثر وتدبُّر، ولذلك لا بُدّ من معالجة هذا الأمر. ولنبتعد عن النمطية يجب اتباع الوسائل التي تعين على الوصول إلى الخشوع.

ونؤكد ما يأتي:

– تدبر معنى الأذكار وتدبّر معنى الآيات التي يقرؤها المصلّي أمر يعين على الخشوع، وسنذكر بعض هذه المعاني على سبيل المثال.

– ومما يساعد على التدبر أن يلزم المرء نفسه كل يوم بل كل صلاة أن يقرأ بعد الفاتحة آيات جديدة غير التي قرأها في الصلوات السابقة، أما الذي يفعله كثير من الناس وهو أن يقرأ الفاتحة وسورة الإخلاص -مثلاّ- في كل ركعة فهذا يجعل الصلاة عملاً آليًّا بعيداً عن التدبر والخشوع.

وإذا كان هذا مقبولاً من العامة الأميين، ومن الأعاجم فغريب أن يكون من المثقفين الذين يعرفون العربية ويفهمونها. وجدير بهؤلاء أن يكون نصيبهم من حفظ القرآن نصيباً موفوراً.

إن هذا مما يساعد المصلّي على الخشوع.

الخشوع … واليقظة

إن اليقظة والنشاط أمران لا بد أن يتوافرا للمصلي حتى يحصل على الخشوع .. ولذلك ورد النهي عن الصلاة والمرء ناعس لأنه لا يدرك ما يقول.

فعن عائشة (رضي الله عنها) أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: “إذا نعس أحدكم وهو يصلّي فليرقد، حتى يذهب عنه النوم، فإنه إذا صلّى وهو ناعس لعلّه يذهب يستغفر فيسب نفسه”  (رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي).

وعن أنس (رضي الله عنه) قال، قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): “إذا نعس أحدكم وهو يصلّي فلينصرف فلينم حتى يعلم ما يقول.” (رواه أحمد والبخاري والنسائي).

وفي هذا الحديث توجيه كريم إلى أن لا يؤخر الإنسان صلاة العشاء حتى يغلبه النعاس وهو في الصلاة، وإن كان الحديث فيه عموم.

وكذلك فيه توجيه إلى أن لا يسهر الإنسان السهر الطويل حتى إذا قام لصلاة الفجر بواسطة منبه الساعة -مثلاً- لا يدري ما يقول ويعجل بصلاته عجلة تذهب كل معاني الخشوع.

الإمام … والخشوع

وإذا كنت يا أخي إماماً في الصلاة فعليك أن تحرص على الخشوع أنت أولاً ثم عليك أن تعين إخوانك الذي يأتمُّون على الخشوع. وذلك بأن:

تصلي وتعطي أركان الصلاة حقها الشرعي من الطمأنينة والذكر.

وأن تحسن القراءة فتقرأ بصوت حسن وأن تجوّد القراءة وفق قواعد التجويد.

وأن لا تطيل إطالة تجعل من يقف وراءك طائر اللبّ ضجراً يتمنى بكل حرقة أن تخفف من قراءتك.

فعن أبي مسعود بن عمرو البدري الأنصاري قال، جاء رجل إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال: إني لأتأخر عن صلاة الصبح من أجل فلان مما يطيل بنا. فما رأيت النبي (صلى الله عليه وسلم) غضب في موعظة قط أشدّ مما غضب يومئذٍ. فقال: “يا أيها الناس إن منكم منفرين، فأيكم أمّ فليوجز، فإن من ورائه الكبير والصغير وذا الحاجة” (رواه البخاري ومسلم).

وقد أورد ابن حجر الأثر الذي رواه البيهقي في «شعب الإيمان» بإسناد صحيح عن عمر (رضي الله عنه) أنه قال: “لا تبغضوا الله إلى عباده؛ يكون أحدكم إماماً فيطوّل على القوم الصلاة، حتى يبغّض إليهم ما هم فيه” (فتح الباري 2/ 195).

وعن أنس عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: “إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد إطالتها، فأسمع بكاء الصغير فأتجوز في صلاتي مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه” (رواه البخاري ومسلم).

وجدير بك أيها الإمام أن لا تعجل في صلاتك؛ ففي الركعتين الآخيرتين من الصلاة الرباعية يعجل كثير من الأئمة بحيث لا يمكّنون المأمومين من قراءة الفاتحة فيفوّت ذلك عليهم الخشوع.

والاعتدال في ذلك هو المطلوب.

وقال ابن دقيق العيد كما نقل عنه ابن حجر: “وقول الفقهاء: لا يزيد الإمام في الركوع والسجود على ثلاث تسبيحات لا يخالف ما ورد عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه كان يزيد على ذلك؛ لأن رغبة الصحابة في الخير تقتضي ألا يكون ذلك تطويلاً” (فتح الباري 2/ 199).

___________________________________

السابق
هدي النبي (صلى الله عليه وسلم) في سجود السهو
التالي
أحكام الخشوع في الصلاة (2/2)