الدولة العثمانية

إمارة آل عثمان

استولى «جنكيزخان» فى الربع الأول من القرن الثالث عشر الميلادى على شمالى «الصين»، وبدأ زحفه نحو «تركستان» التى نجحت قواته المغولية فى اجتيازها، واقتربت من «إيران»، وكانت تلك القوات تثير الفزع والرعب فى نفوس الناس، لقيامها بالأعمال الوحشية التى لم تعهدها البشرية من قبل.

وفى أثناء هذه الفترة المضطربة، المشوبة بالخوف والهلع، كان فى جنوب «صحراء قراقورم» بشمالى «الصين» ما يقرب من (70) ألف خيمة بدوية، يسكنها نحو نصف مليون إنسان من الأتراك المسلمين، من بينهم عشيرة صغيرة، تُسمى «قايى»، وقد اضطر هذا الجمع الكبير إلى هجرة أوطانهم عندما أحسُّوا بقرب خطر المغول، فعبروا «إيران» واقتربوا من «الأناضول» غير أنهم لم يستقرُّوا جميعًا فيها، بل استقر بعضهم فى «العراق الشمالى»، وبعضهم فى غربى «إيران»، وبعضهم الآخر فى «القوقاز»، فى حين واصلت عشيرة «قايى» الصغيرة هجرتها نحو «الأناضول» وكان عددها نحو (4000) فرد.

كان يرأس هذه العشيرة رجل تركى يدعى «كوندوز ألب»، ثم خلفه فى رئاستها بعد وفاته ابنه «أرطغرل» والد الأمير «عثمان» مؤسس الدولة العثمانية التى عرفت باسمه.

وفى أثناء ذلك دارت فى منطقة «أرزنجان» (الواقعة الآن فى الشمال الشرقى لتركيا) معركة سميت باسم «ياسى جمن» بين سلطان «قونية» السلجوقى، و «جلال الدين خوارزم شاه» خاقان «تركستان» وكاد سلطان قونية أن ينهزم، لولا تدخل عشيرة «قايى» بقيادة «كوندوز ألب» فأقاله من عثرته، وكان سببًا فى نصره، ولم تكن هذه العشيرة تعلم من أمر القتال شيئًا، لكنها تدخلت نجدة للملهوف ونصرة للضعيف.

عرف سلطان «قونية» أن هذه العشيرة تبحث عن وطن، فأقطعها ثغرًا على الحدود بين سلطنته (الدولة السلجوقية) فى «الأناضول» وبين الإمبراطورية البيزنطية، تقديرًا لقوتهم وشجاعتهم وبراعتهم الحربية.

وفى سنة (651هـ = 1253م) تُوفِّى «كوندوز ألب» وخلفه ابنه«أرطغرل» وبعد فترة تُوفِّى هو الآخر، فأصدر سلطان قونية مرسومًا بتعيين الأمير القبلى «عثمان» محل أبيه، فتولى الأمر وهو فى الثالثة والعشرين من عمره.

ثم زالت دولة سلاجقة الروم فى «الأناضول» وحل محلها عدة إمارات صغيرة نجح العثمانيون فى ضمها إلى دولتهم التى بدأت تنمو وتتوسع حتى توحد «الأناضول» تحت قيادتهم.

 

الأمير عثمان

تولى بعد أبيه مسئولية الإمارة، وبدأ فى توطيد سلطانه على أساس من العدل والنظام، وأخذ فى توسيع رقعة دولته حتى وصلت إلى مدينة «ينى شهر» التى اتخذها عاصمة لبلاده، وبذلك أصبح على مرمى البصر من «بروصة» و «نيقية» وكانتا من أهم المدن فى غربى «الأناضول».

ولما وجد «عثمان» أن إمارة «آل قرمان» هى أقوى الإمارات التى قامت على أنقاض دولة سلاجقة الروم، أرسى سياسته على عدم الاصطدام بها والتوسع غربًا تجاه البيزنطيين، وبدأ فى إرسال حملاته من موقعه الحصين فى «ينى شهر» إلى المدن اليونانية المجاورة، ونجح فى الاستيلاء على كثير من الحصون، قبل أن تتحرك جيوش الدولة البيزنطية لمواجهته.

عرف الأمير «عثمان» بشخصيته القوية، وتحليه بالصبر والمثابرة وضبط النفس، وحماسته للإسلام، لكن فى غير تعصب، بل فى سماحة ورفق، فلم يضطهد أهل الذمة، وإنما اجتذبهم إلى خدمته، فأسلم منهم جماعات كثيرة صارت ركيزة من ركائز دولته الناشئة.

وتُوفى «عثمان» فى الوقت الذى كان ابنه «أورخان» يحاصر مدينة «بورصة» بعد أن ترك له وصية وهو على فراش الموت، سجَّلها المؤرخ العثمانى «عاشق ُلبى»، جاء فيها:

«يا بنى أحط من أطاعك بالإعزار، وأنعم على الجنود، ولايغرنك الشيطان بجهدك وبمالك، وإياك أن تبتعد عن أهل الشريعة، يا بنى! لسنا من هؤلاء الذين يقيمون الحروب لشهوة حكم أو سيطرة أفراد، فنحن بالإسلام نحيا، وللإسلام نموت، وهذا يا ولدى ما أنت أهل له.

يا بنى إنك تعلم أن غايتنا هى إرضاء رب العالمين، وأن بالجهاد يعمنور ديننا كل الآفاق، فتحدث مرضاة الله جل جلاله».

ويُعَدُّ «عثمان» أول من استقل بالإمارة، وراوده حلم إرساء قواعد دولة مترامية الأطراف، وكان أهل إمارته يطلقون عليه لقب «قرة عثمان» رمزًا لقوة الشخصية والحيوية الجسمانية.

الأمير أورخان

تولى «أورخان» الحكم بعد وفاة أبيه سنة (726هـ = 1326م)، ولم يكد يمضى على توليته وقت طويل حتى تقدم نحو بحر «مرمرة» وهزم حملة بيزنطية، كان يقودها الإمبراطور «أندرنيكوس الثالث» وبعدها تخلت بيزنطة عن بذل الجهود الخاصة بتنظيم المقاومة العسكرية فى «الأناضول» أو تعزيز حاميات ما تبقى لها من المدن هناك، وقد أدى ذلك إلى نجاح «أورخان» فى الاستيلاء على معظم شبه جزيرة «نيقيا»، وسواحل خليج «نيقوميديا» وسقوط «نيقيا» دون مقاومة، ثم استيلائه على ما تبقى من الأراضى البيزنطية فى غربى «الأناضول» دون صعوبة، مما جعل دولته أقوى إمارات التركمان فى المنطقة، لاسيما وقد تعزز مركزها باعتبارها زعيمة الجهاد ضد البيزنطيين، كما عزز «أورخان» مركزه بالتوسّع على حساب إمارات الطوائف التى تطل على شواطئ «بحر مرمرة» وسيطر على ساحله الجنوبى مما سهل له مهمة العبور إلى أوربا حين سنحت له الفرصة.

وقد أمضى «أورخان» بعد استيلائه على إمارة «قرة سى» عشرين سنة دون أن يخوض معارك، وإنما شغل نفسه فى وضع النظم المدنية والعسكرية التى تقوى من شأن الدولة، وفى تعزيز الأمن الداخلى، وبناء المساجد والمدارس ورصد الأوقاف عليها، وإقامة المنشآت العامة.

وتميزت الإدارة العثمانية فى عهد «أورخان» بالكفاءة، وإتاحة الفرص أمام رعايا الدولة، ومعاملة أهل الذمة بتسامح كامل، والاهتمام بالتعليم وأهله.

الأمير مراد بن أورخان

تولى حكم الدولة بعد وفاة أبيه سنة (761 هـ = 1360 م)، وواصل جهود أبيه فى الفتح، ونجح فى العام التالى من توليه الحكم فى فتح مدينة «أدرنة» ونقل إليها العاصمة بعد أن كانت فى «بورصة»،ثم فتح أراضى الدولة البيزنطية فى «البلقان»، حتى أصبحت «القسطنطينية» عاصمة البيزنطيين محاصرة تمامًا بالأراضى العثمانية، ونتيجة لتلك الفتوحات صارت الدولة العثمانية متاخمة لكل من «الصرب» و «البلغار» و «ألبانيا».

وأدى هذا النشاط العثمانى إلى انزعاج أوربا وازدياد قلقها، فكتب أمراء تلك المناطق إلى ملوك أوربا الغربية وإلى البابا يستنجدون بهم ضد المسلمين، فقام البابا بالدعوة إلى قيام حرب صليبية جديدة، غير أن ملك الصرب هاجم «أدرنة» عاصمة العثمانيين وكان «مراد» غائبًا عنها، فلما علم بأخبار هذا الهجوم عاد بجيشه ليحارب الصرب، ونجح فى إلحاق الهزيمة بهم.

ثم قام ملك الصرب – الجديد وقتها – بعقد حلف عسكرى مع أمير «بلغاريا» لمحاربة العثمانيين، فلما قامت الحرب بينهما هرب أمير البلغار من المعركة، ثم اصطلح الطرفان الصربى والبلغارى مع الدولة العثمانية، نظير جزية سنوية يقدمانها لها، لكن الصرب نقضوا عهدهم فأقام ملكهم تحالفًا صليبيا مع «ألبانيا» ضد العثمانيين، والتقى الفريقان فى مكان يُسمَّى «قوصوة» سنة (197هـ= 9831م) حيث دارت معركة من أعظم معارك الإسلام، انتصر فيها العثمانيون، وهُزِم الصرب هزيمة منكرة، وقتل ملكهم.

وعقب انتهاء المعركة قام الأمير «مراد» بتفقد ساحة المعركة، وكان الليل حالك السواد، والهلال والنجوم فى السماء، وساحة المعركة مدرجة بالدماء، فأوحى ذلك بفكرة العلم العثمانى كما يقال، فجاء علمًا أحمر الأرضية يذكِّر بالدماء التى ملأت أرض «قوصوة» ويزين العلم الهلال والنجوم، ولايزال علم تركيا على هذه الصورة حتى الآن.

وأثناء تفقد الأمير المنتصر «مراد» ساحة القتال؛ إذا بصربى جريح يقوم من بين القتلى ليطعنه بخنجر فيقتله على الفور، ويستشهد فى ساحة الجهاد، وهو يبلغ من العمر (65) عامًا.

عُرف الأمير «مراد الأول» بالعدل، وبمعاملة رعيته من أهل الذمةمعاملة حسنة، وبكثرة المعارك التى حالفه فيها النصر، حتى إنه دخل (73) معركة فى «الأناضول» وفى «البلقان» خرج منها جميعًا مظفرًا، كما أنه تسلم الدولة من أبيه ومساحتها نحو (59000كم2)، وتركها عند استشهاده وهى تبلغ (500000 كم2)، أى أنها زادت فى مدى (29) سنة أكثر من خمسة أمثالها حين تسلمها من أبيه.

نظام الحكم العثمانى

بدأت التنظيمات الإدارية فى عهد الأمير «أورخان» مستوعبة النظم المتبعة فى الدول الإسلامية، فالأمير هو قمة الجهاز الحكومى، وسلطته مقيدة بالكتاب والسنة، وكان يتمتع بالسلطتين؛ التشريعية التى كان يعهد بها إلى علماء الشرع، والتنفيذية التى كان يعهد بها إلى وزيره.

وكانت المراتب الأساسية للقانون فى الإمارة العثمانية هى على التوالى: القرآن، والسنة، والمذاهب الأربعة، والمراسيم (الخطوط الشريفة).

وظهرت فرقة «الإنكشارية» فى عهد «عثمان» وكانت أهم فرق جيش الإمارة، ولم يسمح للإنكشاريين بالزواج، وكان عليهم أن يقيموا فى ثكناتهم العسكرية ليواصلوا التدريب، وضم الجيش أيضًا فرق الفرسان ولم تكن لهم ثكنات خاصة بهم، وإنما عاش معظمهم فى القرى القريبة من العاصمة.

الملامح العامة للحضارة العثمانية

عنى العثمانيون فى هذه المرحلة بالأدب الذى تأثر بالأدب الفارسى، وكان الإلمام بالأدب فى هذه الفترة من الأدوات اللازمة للمثقف والباحث والمتأدِّب، كما اهتم العلماء والأدباء باللغة العربية اهتمامًا واضحًا.

ونشطت الحركة المعمارية، وتأثرت تأثرًا واضحًا بالطرز السلجوقية، ويبدو ذلك واضحًا فى المساجد الأولى التى شيدت فى مدينة «بورصة» مثل: «أولوجامع»، الذى بدأ تشييده فى عهد «مراد الأول»، كما شيَّد حكام الإمارة فى ذلك الوقت قصورًا فى «بورصة» و «أدرنة» لم يبقَ لها أثر الآن.

واشتهرت «الأناضول» فى تلك الفترة بصناعة السجاد الذى كان من ابتكار القبائل الرحل التركمانية.

السابق
خطورة اللعن و علاجه
التالي
العثمانيون فى عهدهم الثانى