المؤرخون

ابن حيان القرطبي – شيخ مؤرخي الأندلس

ملخص المقال

    دراسة حول ابن حيان القرطبي شيخ مؤرخي الأندلس وحامل لواء التاريخ في الأندلس والمغرب من خلال حياته ومؤلفاته ومنهجه في الكتابة التاريخية

يتبوأ ابن حيان القرطبي الأندلسي مكانة مرموقة بين مفكري الأندلس؛ نتيجة لما أخرجه من تراث تاريخي لا يمكن الاستغناء عنه في دراسة تاريخ المغرب والأندلس، وهو بلا شك -كما يؤكد دكتورمحمود علي مَكي: “أعظم مؤرخ أنجبته الأندلس، بل والغرب كله الإسلامي والمسيحى منه على السواء”، وقد أشاد المستشرق الهولندي دوزي Dozy (ت 1883م) بصدق الرواية عند ابن حَيَّان؛ ناهيك عن شهادة المؤرخ والفيلسوف ابن خلدون (ت 808هـ / 1406م) في مقدمته فقال أنه: “قَيَّد شوارد عصره واستوعب أخبار أفقه وقطره”. فمن هو ابن حيان شيخ مؤرخي الأندلس وعمدتهم؟

نسب ابن حيان ونشأته:
هو الإمام، المحدث، المؤرخ، النحوي، صاحب التصانيف، أبو مروان حيان بن خلف بن حسين بن حيان بن محمد بن حيان بن وهب بن حيان القرطبي الأندلسي الأخباري الأديب، شيخ الأدب ومؤرخ الأندلس ومسندها. ابن أسرة عُرفت بقربها من السلطة، فقد كان جده الكبير حيان مولى للأمير عبد الرحمن الداخل بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان مؤسس الدولة الأموية في الأندلس. ولد ابن حيان في قرطبة حاضرة الأندلس سنة 377هـ / 987م، وكان أبوه خلف بن حيان كاتبًا لشؤون المال والإدارة لدى المنصور بن أبي عامر حاكم الأندلس المطلق، أي أحد وزرائه بمفهوم عصرنا، وتوطدت علاقة الوالد بالمنصور فلازمه في غدواته وغزواته إلى الممالك النصرانية في الشمال.

شيوخه وتلاميذه:
ذكره الحافظ أبو علي الغساني في شيوخه وقال: “كان عالي السن، قوي المعرفة مستبحرا في اللآداب بارعا فيها، صاحب لواء التاريخ بالأندلس، أفصح الناس فيه، وأحسنهم نظما له. لزم الشيخ أبا عمر بن أبي الحباب النحوي صاحب أبي علي البغدادي، ولزم أبا العلاء صاعد بن الحسن الربعي البغداذي وأخذ عنه كتابه المسمى بالفصوص، وسمع الحديث علي أبي حفص عمر بن حسين بن نابل وغيره”.  وروى عنه أبو محمد عبد الرحمن بن عتاب، وأبو الوليد مالك بن عبد الله السهلي، والحافظ أبو علي الغساني، وقد أثنى عليه الحافظ الغساني في فصاحته وصدقه وبلاغته وقال: وسمعته يقول:” التهنئة بعد ثلاث استخفاف بالمودة، والتعزية بعد ثلاث إغراء بالمصيبة”.

ولم يذكر الذين ترجموا لابن حيان أنه تنقل في مدن الأندلس، أو غادرها إلى بلاد المشرق، كغيره من العلماء والأدباء. وقد كتب ابن حيان في كتبه عن أبيه روايات تاريخية عدة عن أحداث وقعت في قصور الخلافة الأموية في الأندلس، ساهمت في إيقاظ حاسته التاريخية، ومكنته من الوقوف على شؤون الدولة ودراسة مختلف التيارات السياسية.

كما سنحت لابن حيان، وهو معاصر لدول الطوائف، ومدوِّن لأحداثها، فرصة لدراسة أحوال هذه الدويلات عن قرب، فقد ولى الوزارة لبني جهور سادة قرطبة وحكامها عن طريق نظام الجماعة أو الشورى، وكان أحد معاوني أبي الوليد محمد بن جهور ابن أبي الحزم بن جهور مؤسس حكومة الشورى، واستمر في وظيفة الوزارة حتى انهيار دولة بني جهور، إثر افتتاح المعتمد بن عباد حاكم إشبيلية لها في سنة 462هـ /1070م، وعلى إثر هذا الفتح أرسل ابن حيان برسالة تهنئة إلى المعتمد بن عباد.

عصر ابن حيان السياسي والفكري:
وُلد أبو مروان ابن حيان القرطبي سنة 377هـ/ 987م، وتوفي سنة 469هـ/ 1076م، وعلى ذلك فإنه شهد في مطلع شبابه وحدة الأندلس ومنعتها على عهد الدولة العامرية، ثم شهد قيام الفتنة وزوال خلافة قرطبة وقيام دول ملوك الطوائف في الأندلس. آلمه كثيرًا ما آلت اليه حال الأندلس من تمزق وفرقة بعد أن نعمت بالوحدة والمنعة أيام الخلافة الأموية، التي يسميها ابن حيان بأيام الجماعة، فأخذ في تدوين تاريخ عصره بعمقٍ وإسهاب.

أما الوضع السياسي:
فقد شاهد ابن حيان في شبابه تغيرات سياسيّة خطيرة كان لها آثارها الخطيرة على الوجود الإسلامي في الأندلس، إذ انهارت الدولة العامرية المسيطرة على شؤون الحكم في الأندلس، وأعقبها ترنح الخلافة الأموية على مدار 40 عامًا، ثم سقطت لينفرط عقد المدن الأندلسية ووحدة البلاد السياسية، فقامت على أنقاض الأندلس دويلات عدة عرفت بدول الطوائف وكان بعضها لا يزيد على كونه مدينة ودولة، فيما أخذت البقايا الأسبانية تعيد تنظيم قواتها وتبدأ في توجيه جيوشها صوب الأراضي الأندلسية.

وعلى الصعيد الاقتصادي:
وبعد انهيار الخلافة ثم سقوطها حدثت الانتكاسة وعم الكساد الاقتصادي وتدهور العمران، وحفل العصر بالأزمات إلى حدِّ المجاعة وأفل نجم قُرْطُبَة عمرانيًا وبشريًا، وصور ابن حَيَّان الوضع قائلًا: “.. وطمست أعلام قصر الزهراء ..، فطوي بخرابها بساط الدنيا وتغير حسنها؛ إذ كانت جنة الأرض، فعدا عليها قبل تمام المائة من كان أضعف قوة من فارة المسك، وأوهن بنية من بعوضة النمروذ، والله يسلط جنوده على من يشاء، له العزة والجبروت”.

وعلى الصعيد الاجتماعي:
شهد المجتمع الأندلسي في ظل الخلافة والحجابة مرحلة المزج والانصهار بين العرقيات المتنوعة ليحدث نوع من التجانس لم تشهده الأندلس من قبل؛ إلا أن السخائم العرقية والإقليمية عادت مرة أخرى لتؤثر سلبيًا في هذا التجانس، ولتمزق وحدة الأندلس من جديد بظهور النزعة العنصرية؛ ولذا لم يغب عن ابن حَيَّان أيضًا أن يعبر عن تلك النزعة في الأندلس في تلك الفترة؛ وذلك من خلال حديثه عن اجتماع خازنَي بيت المال في عهد الأمير محمد، وهما “عبد الله بن عثمان بن بسيل، ومحمد بن وليد بن غانم “واستدعى الأمر أن يكتب ابن غانم كتابًا قدم نفسه فيه، فما كان من ابن بسيل إلا أن قال له: “والله لا أطبع كتابًا تتقدمني أنت فيه، وأنا شامي وأنت بلدي”. كما أشار أيضًا إلى الفتنة بين اليمنية والمضرية.

أما الحالة الثقافية:
فالعجيب أنه وعلى النقيض من الوضع السياسي؛ لم تكن الثقافة الأندلسية يومًا أشد إشعاعًا، وأقوى خصوبة كما كانت عليه في تلك الفترة. ففي الغالب تكون الأزمة “تحديًا” يوجب “الاستجابة” -حسب مفهوم أرنولد توينبي، وغالبًا ما تناط النخبة المفكرة بريادة الاستجابة على الصعيدالمعرفي. ويجمع الدارسون على ازدهار الحركة الثقافية في عصر ملوك الطوائف وذلك راجع إلى تداعيات وظلال العصر السابق، بما يؤكد أن الظواهر الفكرية في تطورها وفي أفولها تحتاج إلى فترة زمنية طويلة.

هذا وقد مجد الأندلسيون العلماء والفقهاء ورجال الأدب، وكان لهؤلاء القيادة والريادة في المجتمع الأندلسي. أما العلماء فقلَّ من تجده متبحرًا في علم واحد أو علمين؛ بل فيهم من يعد من الفقهاء والمحدثين والفلاسفة والأدباء والمؤرخين واللغويين، ولم يقتصروا على العلوم النظرية بل كانت لهم دراسات في علوم عملية كالفيزياء، وعلم العقاقير والصيدلة، والزراعة (علم الفلاحة) والذي أبدعوا فيه وصنفوا التصاميم المشهورة، مسجلين ما توصلت إليه تجاربهم في النباتات والتربة.

وهذا التعدد المعرفي لعب دورًا مهمًا في إثراء فكر ابن حَيَّان خاصة وأنه كان مكثرا من الاطلاع على تلك الكتب، وسهلت له تلك النهضة العلمية الاطلاع على تاريخ الممالك النصرانية أيضًا، مما يرجح أنه كان يعرف عجمية الأندلس وأن ما أورده ابن حَيَّان من أخبار عن إسبانيا النصرانية ينم عن معرفته الدقيقة بكل أحوالهما وأنساب حكامها.

وكان لكثرة مطالعاته التاريخية أن تجنب الروايات الخرافية والأسطورية ولم يشع ذلك في كتاباته؛ مما كون وعى تاريخى ناقد لديه ومكنه من أن يصور ما وُجد فى البلاط الأندلسي من دسائس وفتن بين الحجاب والوزراء تصويرًا نقديًا لا يعتمد على القص فقط.

كما كانت قرطبة في القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي، غدت أحد أعظم مراكز العلم والحضارة في العالم الإسلامي، وأضحت جامعتها الشهيرة في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري إحدى أعظم جامعات الأندلس قاطبة. فاستفاد ابن حيان من هذا الجو العلمي سواء الذي وفره له والده، أو الكفاءات العلمية المتوافرة في قرطبة، فانكبّ على دراسة الحديث والأدب واللغة، وبرع في الأدب والرواية حتى غدا أحد أعلامها ومحققيها. وكانت نشأته في أسرة ميسورة الحال ترتبط بالأوساط العليا في قرطبة تتيح له الاطلاع على أفضل ما في مكتبات قرطبة، خصوصًا المكتبة الملحقة بقصر الخلافة، كبرى مكتبات العالم آنذاك ولم تقارن إلا بمكتبات بغداد والقاهرة.

والخلاصة أن الفكر التاريخي قد اذدهر إبان تلك الحقبة التي شهدت “القرن الذهبي” في تاريخ الفكر الإسلامي، وخير نموذج هو حامل لواء التاريخ في الأندلس “ابن حَيَّان القرطبي”.

مكانة ابن حيان العلمية والفكرية:
أجمع معظم الذين ترجموا لابن حيان  القرطبي الأندلسي على أنه كان إمام المؤرخين في الأندلس؛ لما تميزت به كتاباته التاريخية من سعة ودقة وتفصيل وجودة وجمال وأسلوب. لذا يحظى بتقدير كبير من المؤرخين، وعموم الكتاب ببلده يعتمدونه في الأخبار، وينقلون عنه تراجم الرجال، ويعجبون بأدبه وأسلوبه البليغ، حتى قال فيه تلميذه أبو علي الغساني (ت 498هـ / 1105م)، وهو من هو علما ودينا وقد ذكره ضمن شيوخه: “كان عالي السن قوي المعرفة، مستبحرا في الآداب بارعا فيها، صاحب لواء التاريخ بالأندلس، أفصح الناس فيه وأحسنهم نظما (أي تأليفًا) له”.

ونقل ابن بشكوال عن أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عون قوله: “كان أبو مروان بن حيان فصيحا في كلامه، بليغا فيما يكتبه بيده. وكان لا يعتمد كذبا في ما يحكيه في تاريخه من القصص والأخبار”. وقال الحميدي في جذوة المقتبس: “صاحب التاريخ الكبير في أخبار الأندلس وملوكها، وله حظ وافر من العلم والبيان وصدق الإيراد ..، وأدركناه بزماننا”. أما ابن الآبار فيسميه “جهينة أخـبار المروانية، ومؤرخ آثارها السلطانية”.

وقيل إن ابن حيان ثلب أبا الحزم بن جهور، فتوعّده حفيده عبد الملك بن جهور، وحلف أن يسفك دمه، فأحضره أبوه أبو الوليد محمد وقال: والله، لئن طرأ على ابن حيّان أمر، لا آخذنّ أحدا فيه سواك، أتريد أن يضرب بنا المثل في سائر البلدان: بأنّا قتلنا شيخ الأدب والمؤرخين ببلدنا تحت كنفنا، مع أن ملوك البلاد القاصية تداريه وتهاديه؟ وأنشد له نظما، وقال: سبحان من جعله إذا نثر في السماء، وإذا نظم تحت تخوم الماء”.

 ونوه به ابن حزم في رسالته في فضل الأندلس وذِكر رجالها، بقوله: “”ومنها كتاب التاريخ الكبير في أخبار أهل الأندلس تأليف أبي مروان بن حيان، نحو عشرة أسفار، من أجلّ ما ألف في هذا المعنى. وهو في الحياة بعد، لم يتجاوز الاكتهال”. وكذلك نوه به الشقندي في رسالته المعروفة. وعده ابن خلدون مؤرخ الأندلس والدولة الأموية.

ولا يستغرب من أهل الأندلس أن يحيطوا نابغة من نبغائهم بهذه الهالة من التقدير، وهم الذين عرفوا بفرط الاعتزاز ببلدهم، والاعتداد برجالاتهم إلى حد التعصب. على أنه في الواقع شخصية فذة لا جدال في قيمة ما قدمه إلينا من مادة تاريخية دسمة، تتوزع ماضي الأندلس من لدن الفتح العربي إلى زمنه، وحاضرها المعاصر له، في كتابيه “المقتبس” و”المتين”، بمجلداتهما العديدة التي لم يصلنا منها إلا أقل القليل.

ونُقل عن دوزي أنه قال: “إن كتاب العرب يمتدحون في كتب ابن حيان صدق الرواية بقدر ما يعجبون بجمال أسلوبه وجزالة لغته ورنين عباراته. وأنا أؤيدهم في ذلك كل التأييد، ولا أتردد في القول بأنه كتبه -لو بقيت- لألقت على تاريخ الأندلس الغامض ضياء باهرا، وصورته لنا أحسن تصوير، ولوجدنا أنها تبلغ من الامتياز مبلغا يجعلنا نستغني بها عن غيرها من الكتب التي تتناول تاريخ هذه العصور”.

وبالجملة فهو من كبار المؤرخين الذين ظهروا في مغرب الوطن العربي، وإن لم يكتب تاريخا عاما يشمل البلاد العربية والإسلامية، كما فعل ابن جرير الطبري وابن الأثير وابن كثير  وأبو الفداء وابن خلدون وغيرهم من أئمة التاريخ العام، لكنه وقد قصر تاريخه على بلاده الأندلس، سدّ فراغا لولاه لم يسدّ وعمل في دائرته الخاصة عملا متقنا، فلحق بركب المؤرخين المجيدين والمؤلفين المتميزين في هذا الشأن، ويبالغ بعض الكتاب في شأنه فيجعلونه أعظم مؤرخ ظهر في الأندلس.

مؤلفات ابن حَيَّان (التصنيف والمحتوى):
ارتكزت كتابات ابن حيان على الأندلس وما مرّت به من أحداث منذ فتحها سنة91هـ/ 711م وحتى عصر الطوائف. لذلك اعتبر أحد أكبر مؤرخي الأندلس، خصوصًا أن مؤرخي الأندلس اللاحقين لم ينسجوا على منواله، وينهجوا نهجه، واكتفوا بالكتب الإقليمية الضيقة، فلم يضطلع أحد منهم بكتابة موسوعة مثل موسوعته، لكن ثمة مؤرخ يشبه ابن حيان في أسلوبه النقدي القوي، وهو الوزير لسان الدين بن الخطيب مؤرخ غرناطة.

وقد ترك ابن حيان مؤلفات كثيرة في التاريخ، وغيره، قاربت الخمسين مؤلفا، فُقد معظمها، ولم يبق منها إلا اليسير. واشتمل محتوى تلك الأعمال من مختلف الجوانب حيث اشتملت على جوانب عديدة، سياسية، واقتصادية، واجتماعية، وثقافية. وأهم تلك المؤلفات هي: “المقتبس في تاريخ الأندلس” وكتاب “المتين”، وكتاب “البطشة الكبرى”، وكتاب “أخبار الدولة العامرية”، وكتاب في “تراجم الصحابة”، وكتاب “تاريخ فقهاء قرطبة”. ومجموع هذه الكتب يشكل ما يطلق عليه اسم “التاريخ الكبير” لابن حَيَّان.

كتاب المقتبس في أخبار الأندلس:
خصص ابن حيان كتابه الرئيس والأكثر شهرة “المقتبس في أخبار الأندلس” لمعالجة تاريخ الأندلس منذ الفتح الإسلامي حتى نهاية عصر الخليفة الحكم المستنصر. ويقدم لنا فيه أوسع رواية عن تاريخ الأندلس في القرون الهجرية الأربعة التي يغطيها الكتاب بصورة لم تتكرر في كل ما وصلنا من كتب عن تاريخ الأندلس. وهو كتاب من أعاظم كتب التاريخ، لم تصلنا سوى أجزاء متفرقة منه. وموضوعه تاريخ الأندلس منذ الفتح العربي سنة 91هـ حتى آخر خلافة الحكم المستنصر سنة 336هـ. وهو أحد الكتب التي فاخر بها ابن حزم في رسالته في فضل الأندلس قال: “ومنها كتاب التاريخ الكبير في أخبار أهل الأندلس تأليف أبي مروان بن حيان، نحو عشرة أسفار، من أجلّ ما ألف في هذا المعنى. وهو في الحياة بعد، لم يتجاوز الاكتهال”.

ولم يعثر إلى الآن إلا على أربعة أجزاء من مجمل أجزاء “المقتبس” العشرة، وقد نشرت الأجزاء الأربعة، وهي: الجزء الثاني، ويتناول الفترة 232 – 267هـ، والجزء الثالث، ويتناول الفترة 275 – 298هـ، والجزء الخامس، ويتناول الفترة 299 – 330هـ، والجزء السابع، ويتناول الفترة 360 – 364هـ.

وفضلًا عن ذكر أخبار الأندلس، يأتي “المقتبس” -وبدقة- على بعض أخبار إسبانيا المسيحية، مما جعل باحثًا حديثًا يقرر بأن “ابن حيان ينبغي ان يُجعل في طليعة من يرجع إليهم عند الحديث عن تاريخ إسبانيا المسيحية حتى أواخر القرن العاشر الميلادي”. ولعل ابن حيان كان يعرف عجمية مستعربي الأندلس، أو أنه استمد أخباره من المستعربين بقرطبة، وكانوا على اتصال بإخوانهم في الدين في شمال إسبانيا.

كتاب المتين:
لابن حيان أيضًا كتاب “المتين”، وفيه تناول بالتفصيل أخبار الفتنة، وقيام ممالك الطوائف في الأندلس من 399هـ إلى 462هـ، وضاع ضمن تراث الأندلس، إلا أن بعض الروايات يصفه بأنه يقع في 60 جزءًا. وكتاب المتين هو كتابُ ابن حيان الأصيل، لم يصلنا الا في مقتطفات ونتفٍ أوردها ابن بسام الشنتريني في كتاب “الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة”، كما احتفظ ببعض فقرات الكتاب المؤرخون الذين أتوا بعد ابن بسام كابن الأبار وابن عذاري وابن الخطيب. وإن الفقرات التاريخية في كتاب ابن بسام الموسوعي، الذي أرخ فيه للأدب الأندلسي في القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي، مقتبسة في معظمها من كتاب “المتين” لابن حيان. يقول ابن بسام: “واعتمدت المائة الخامسة من الهجرة، فشرحت بعض محنها ..، وأحصيت علل استيلاء طوائف الروم على هذا الإقليم الأندلس ..، وعولت في معظم ذلك على تاريخ ابن مروان بن حيان ..، فإذا أعوزني كلامه، وعزني سرده ونظامه، عكفت على طللي البائد، وضربت في حديدي البارد”. ويقول ابن بسام في موضع آخر من “الذخيرة” إنه يلخص أخبار ملوك الجزيرة الأندلس اعتمادًا على ابن حيان “لأني إذا وجدت من كلامه فصلًا قد أحكمه أو خبرًا قد سرده ونظمه، عولت على ما وصف ..؛ إقرارًا بالفرق، واعفاءً لنفسي من معارضة من أحرز بأفقنا في وقته قصـبات السبق”.

كتاب أخبار الدولة العامرية:
كذلك خصّ فترة حكم المنصور بن أبي عامر بكتاب “المآثر العامرية” أو ” أخبار الدولة العامرية المنسوخة بالفتنة البربرية”، وهو مؤلف ضخم، ضم أخبار الفترة الواقعة بين 336هـ إلى 399هـ، يقص فيه ابن حيان سيرة المنصور، وتفاصيل غزواته الخمسين.

كتاب البطشة الكبرى:
أمّا كتاب “البطشة الكبرى” فيتضمن تفاصيل قيام دولة بني جهور في قرطبة وسقوطها (422هـ – 449هـ)، إضافة إلى تفاصيل غدر المعتمد بن عباد واستيلائه على قرطبة وبطشه بحكامها بني جهور ونفيه لهم، وهم الذين استنجدوا به لإنقاذهم من غزوة المأمون بن ذي النون حاكم طليطلة.

وقد نقل مؤرخو الأندلس الذين جاؤوا من بعد ابن حيان معظم كتب الأخير وضمنوها في ثنايا كتبهم، فحفظوا لنا تراث أحد أهم أعلام الأندلس، ومؤرخها الأول بلا جدال.

ملاحظات على كتابات ابن حيان التاريخية:
هناك عدة ملاحظات حول أعمال ابن حيان التارخية من حيث أنه “أرخ للعدوتين الأندلس والمغرب” تأريخا شاملًا مؤسسًا على الاهتمام بالأخبار بالدرجة الأولى خاصة في كتابه “المقتبس”، ولم يحاول لسبب أو لآخر أن يكتب في تاريخ أي قطر من أقطار العالم والإسلامي، وإنما قَصَرْ نشاطه العلمي على العدوتين -المغرب والأندلس. والملاحظة الأخرى أنه ركّز بصفة خاصة على قُرْطُبَة التي كان يعتد بها أشد الاعتداد، متخذًا من ولاءه لبني أمية منطلقًا أساسيًا في كتاباته ؛ مما أدى ذلك إلى تسفيه خصومهم في الداخل والخارج .

وملاحظة أخرى تم رصدها من خلال العديد من مفرداته وهي تعدد مجالات المعرفة الاجتماعية والثقافية التي طرقها ابن حَيَّان وعكست لنا ألوانًا من الحياة الأندلسية الاجتماعية والثقافية؛ فنراه يرصد العديد من الظواهر الاجتماعية عندما يصور شرائح المجتمع بما فيها من صور الوشاية، والذم، والمكائد، وفساد القضاة، كما عكس الصراع الذي كان يدور بين الفقهاء والخليفة وأوضحت أيضًا مدى اهتمامه بالجانب الاقتصادي من خلال تعدد مفردات مثل” دار السكة” و”دار الضرب” و”خالص الذهب والفضة”، و”قبض الجباية”، و”تدليس العملة” الخ .

وهناك ملاحظة أخرى اتصفت بها بعض كتابات ابن حيان حيث اتصف بشيء لا يحمد عليه، ولا يعد من المميزات الحسنة، بل هو نقطة ضعف في تاريخه، تجعل القارئ لا يطمئن إلى كل ما يرويه أو ما يخبر به. ونعني بذلك الذمّ والطعن والتشنيع على الناس مما ضج منه غير واحد من العلماء والمؤرخين الذين نقلوا عنه واستفادوا منه، فكانوا يستخلصون المعلومات والإفادات التي تهمهم في الموضوع ويعرضون عن لمزاته ونيله من الأعراض والأشخاص الذين يترجم لهم. وابن بشكوال في كتابه “الصلة” أول من يفعل ذلك. ولما ترجم لابن حيان أثنى عليه الثناء الجميل، وأشار إلى ما ينتقد عليه من ذلك في صورة إبراء على عادة العلماء. إذ حكى عن الفقيه الصالح أبي عبد الله بن عون أنه رآه في النوم بعد وفاته، فسأله ما فعل الله به فقال: غفر لي. قال: فقلت له فالتاريخ الذي صنعت ندمت عليه؟ فقال: أما والله لقد ندمت عليه إلا أن الله عز وجل بلطفه عفا عني وغفر لي.

  فهذه الحكاية صحّت أم لا، في سياقها الجميل اعتذار لطيف كان هو الإعلان من ابن بشكوال رحمه الله عن عدم موافقته على صنيع ابن حيان في نبش عيوب الناس ولو كانت واقعا ثابتا، فإنه لم يقدح في صدقه، ولكنه استنكر التشهير بعباد الله فيما أمرنا بستره وعدم البحث عنه، ولا سيما مع عدم المقتضي لذكره واستكمال فائدة الخبر بالسكوت عنه، فإنه حينئذ يصبح هِجاء، وهل يكون المؤرخ هَجَّاء.

المرجعية التاريخية لابن حَيَّان:
استند ابن حيان في تاريخه إلى مرجعيات عدة منها: “المشاهدات العيانية” خاصة وأن عصره كان زاخرًا بالأحداث التي تستحق الرصد والتسجيل، واعتمد كذلك على”الروايات الشفوية” التي أخذها عن مقربيه ومكاتبيه، وهم أشخاص توافرت لديهم المعرفة بالحدث والثقة فيما يوردون من أخبار؛ فدوّن الكثير برواية هؤلاء كما استند أيضًا إلى”الوثائق الرسمية”، التي اطلع عليها بحكم نشأته في أسرة مقربة من بلاط الخلافة، أو ًاطْلَعهُ عليها والده حيث كان كاتبًا ووزيرًا مقربًا للعامريين، كما استند إلى آثار من تقدمه من الإخباريين والمؤرخين.

وقام بنقل مؤلفات هي الآن في عداد المفقود من التراث الأندلسي، وكان في المقتبس أكثر اعتماده على الكتب والنقل منها. وكان ابن حَيَّان قد عرف كيف يستفيد من جميع الكتب السابقة ذات القيمة التاريخية؛ ولذا اجتهد في أن يجمع أكبر عدد من المصادر التي تنوعت بتنوع الموضوعات التي عالجها في تاريخه الكبير منذ الفتح الإسلامي للأندلس حتى عصره.

خصائص وأسلوب الكتابة التاريخية عند ابن حَيَّان:
كان أسلوب ابن حيان يمتاز بالسهولة والوضوح والتعبير الدقيق عن الحقائق، وقوة التدليل والتفسير والتعليل، وامتاز بترابط الفكرة، وتخير المفردات والتراكيب العربية السليمة، وتخلص من قيود السجع ومحسنات البديع المتكلفة، وتدلنا كتاباته التاريخية على أدبه الرفيع مع التزام الدقة والأمانة التاريخية.

وبالاطلاع على ما أمكن من هذه المادة، نجد أنه حقا أديب متمكن واسع المعرفة جزل العبارة قوي الأسلوب، بحيث يعد من بلغاء كتاب عصره، إلا أنه سلم من آفة السجع الذي كان قد أصبح حلية الكتاب وعلامة البراعة. وهذه المكانة الأدبية هي التي جعلته متميزا بين المؤرخين بصفاء ديباجته وعلو لغته، لأن طبع الأديب فيه يغلب على طبع المؤرخ، حتى إنه يقع في كلامه بعض الألفاظ الغريبة أحيانا. ومع ذلك فهو في التاريخ نسيج وحده في عصره وبلده، استوعب تواريخ من سبقه لعهد الولاة وخلافة قرطبة إلى حين سقوطها. وسجل ما شهده من أحداث التاريخ الكبرى كأخبار الدولة العامرية، والفتنة البربرية وقيام ملوك الطوائف، وغير ذلك بدقة متناهية واستقصاء كامل، مما جعله المرجع الوحيد في هذه الفترة الخطيرة من تاريخ الأندلس الذي لا غنى عنه لكاتب أو باحث.

كماكان ابن حيان مفسرا للتاريخ، فطن إلى أهمية التفسير والتعليل في مجال كتابة التاريخ؛ وذكر السبب بالحدث قد استمد تفسيراته من الاستقراء الواعي للأحداث حيث قام بتعليل وتفسير العديد من الأحداث، وقد عول في تفسيره على عدة محاور منها: التعويل على العقل والاستقراء الواعي للأحداث، وكذلك على البعد المذهبي، ونراه أيضًا يعول على التفسير الإثني أو العرقي، كما استند في تفسيراته على البعدين الديني والأخلاقي.

اهتمام المستشرقين بكتابات ابن حيان:
نال ابن حَيَّان اهتمامًا كبيرًا من المستشرقين وعلى رأسهم دوزي الذي فطن مبكرًا إلى قيمة ما كتبه ابن حَيَّان، واستعان بمخطوطاته في كتاباته عن تاريخ الأندلس، وقام بإبراز مكانته بين مؤرخي الإسلام، وجاء من بعده المستشرق الإسباني فرانشيسكو كوديرا F.Codrea (ت 1917م) الذي نشر بعض الأبحاث استفاد فيها من المقتبس تحت عنوان “دراسات نقدية حول تاريخ الأندلس”.

وهناك أيضًا جهود ملتشور أنطونيا Antonia (ت 1936م)، الذي يرجع إليه الفضل في نشر أول أثر تاريخي لابن حَيَّان، وقام بإعداد رسالته للدكتوراه حول ابن حَيَّان ومؤلفاته التاريخية، ونشر فصولًا حول هذا الموضوع في مجلة “مدينة الله” Ciudad de Dios”، ثم نال درجة الدكتوراه ببحثه هذا في سنة 1933م. وواصل الاهتمام بتاريخ ابن حَيَّان المستشرق الفرنسي ليفي بروفنسال Lévi Provençal (ت 1956م) خليفة دوزي، وتابَع عمله في محاولة كتابة تاريخ شامل للأندلس.

وهناك أيضًا دراسة قيمة نشرها بدرو تشالميتا Pedro Chalmeta بعنوان “الكتابات التاريخية الإسبانية خلال العصور الوسطى: المدونات العربية” نشرها في مجلة  الأندلس” Al-Andalus، وناقش فيها إنتاج اثنين من كبار مؤرخي الأندلس هما: ابن حَيَّان، وابن عذارى المراكشي (ت720هـ/1320م). وبالنسبة لابن حَيَّان ناقش قضية تاريخ تأليف “المقتبس” بصورة تفصيلية. وهناك مقال المستشرقة ماريا خيسوس بيغيرا Viguera، ونشر في مجلة “القنطرة” حول التاريخ الذي كتب فيه ابن حَيَّان”، ومقال آخر لنفس الباحثة بعنوان “ملاحظات حول ابن حَيَّان” ونشرته في مجلة “شؤون عربية” والتي تصدرها جامعة الدول العربية في تونس في طبعتها الإسبانية سنة 1986م.

كما أن هناك دراسة ماريا لويسا آبيلاAvila Maria Lusia بعنوان “تاريخ كتابة المقتبس لابن حَيَّان” La Feche de redaccion del Muqtabis وهو منشور في مجلة “القنطرة” المجلد الخامس.

الدراسات العربية حول كتابات ابن حيان التاريخية:
أن عن الدراسات العربية حول كتابات ابن حيان التاريخية فكان أهمها على الإطلاق، دراسة الأستاذ الدكتور محمود علي مَكي عندما قام بتحقيق كتاب المقتبس – السفر الثاني- سنة 1973م واستعرض فيها قيمة ابن حَيَّان التاريخية ونشأته وشيوخه وأعماله ومنهجه في كتابة التاريخ، ثم تابع الدراسة سنة 2002م عندما قام بنشر السفر الثاني (الشطر الأول المكتشف حديثًا)، وهناك دراسات متخصصة حول ابن حَيَّان تضمنها عدد مجلة المناهل الذي صدر بمناسبة الندوة العلمية التي عقدت بالرباط عام 1981م حول ابن حَيَّان وآثاره التاريخية، وحمل رقم 29، ونعرض باختصار لأهم تلك الأبحاث.

ومنها مقال الدكتور إحسان عباس حول “طريقة ابن حَيَّان في الكتابة التاريخية”، وتعرض فيه لمنهج الكتابة التاريخية عند ابن حَيَّان وتتبع فيه عددًا من النصوص، التي نص ابن حَيَّان في المقتبس على أنه نقلها عن مؤرخين سابقين، مثل ابن الْقُوْطِيَّة، والرَّازي، والزُّبَيْديّ، وابن حَزْم وانتهى من المقابلة بين ما كتبه ابن حَيَّان، وما ورد في أصول هؤلاء المؤرخين إلى نتيجة وهى أن “ابن حَيَّان لم يكن يرى في نفسه محض ناقل عن الآخرين، بل كان له من قدرته على التحليل والأسلوب الجميل، ما يقنعه بأنه لابد من أن يعيد كثيرًا مما كتبه غيره، ليكون التاريخ متناسقًا في مستوياته المختلفة”.

ويلي هذا البحث مقال للدكتور مصطفى الشكعة بعنوان “أبو مروان ابن حَيَّان بين الأدب الإبداعي، وأدب كتابة التاريخ”، واستعرض فيه خصائص وأسلوب الكتابة لدى ابن حَيَّان، وأن الكتابة التاريخية لديه قد تحولت إلى أدب متميز. أما دراسة الدكتور محمد مفتاح عن “منهاجية ابن حَيَّان في تأريخ الأدب ونقده” وقام بتوجيه النظر إلى التراجم، التي ساقها ابن حَيَّان في تاريخه للشعراء، والأدباء، التي تبدو فيها خصائص الكتابة التاريخية عند ابن حَيَّان.

وهناك دراسة الدكتورة وداد القاضي واستعرضت فيه مسألة “الفكر السياسي لابن حَيَّان” والمهمات التي يجب على الخليفة أن يضطلع بها من وجهة نظر ابن حَيَّان سواء بالنسبة للجهاد ضد العدو الخارجي، أو موقفه من الفتن الداخلية بمختلف أشكالها السياسية والمذهبية.

وهناك دراسة قيمة عن فكر ابن حَيَّان التاريخي للأستاذ الدكتور محمود إسماعيل في كتاب “الفكر التاريخي في بلاد المغرب والأندلس”، وتضمن دراسة تقويمية لفكر ابن حَيَّان ورؤيته التاريخية وما له وما عليه.

وفاة ابن حيان القرطبي:
عاش المؤرخ ابن حيان عمرا طويلا إذ بلغ أكثر من 90 عامًا، حيث تُوفي في 27 من ربيع الأول سنة 469هـ / 1076م، ودفن يوم الأحد بعد صلاة العصر في مقبرة الربض في جنوب شرقي قرطبة، مثوى عظماء رجال الأندلس.

فرحم الله ابن حيان القرطبي شيخ مؤرخي الأندلس وحامل لواء التاريخ فيه.


المصادر والمراجع:
– ابن حيان: المقتبس في أخبار الأندلس، من التقديم الذي وضعه للكتاب  الدكتور صلاح الدين الهواري، المكتبة العصرية، صيدا – بيروت، 2006م.
– ابن بشكوال: الصلة في تاريخ أئمة الأندلس، عني بنشره وصححه وراجع أصله: السيد عزت العطار الحسيني، الناشر: مكتبة الخانجي، الطبعة: الثانية، 1374هـ / 1955م.
– د. أنور زناتي: حامل لواء التاريخ في الأندلس ابن حيان القرطبي، دار زهران للنشر والتوزيع، د.ت.
– عبد الله كنون: نقطة ضعف في تاريخ ابن حيّان، مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراث، المغرب.
– ابن حيان .. مؤرّخ الأندلس الضائع، موقع الجريدة، سبتمبر 2009م.
– أحمد توفيق الطيبي: الدولة العامرية وزمن الفتنة وممالك الطوائف في الأندلس كما أرخ لها ابن حيان القرطبي، جريدة الحياة، رقم العدد: (13400)، 24/4/1422هـ / 15/7/2001م.

السابق
ابن إسحاق شيخ مؤرخي السيرة النبوية
التالي
الفتح بن خاقان – أديب مؤرخي الأندلس