الطب والصيدلة

ابن خاتمة الأنصاري .. أديب أطباء الأندلس

ملخص المقال

    أبو جعفر ابن خاتمة الأنصاري أديب أطباء الأندلس، وصاحب تحصيل غرض القاصد فى تفصيل المرض الوافد، فكيف كانت حياته العلمية وسيرته الشخصية؟ وما أشهر مؤلفاته؟ وكيف كانت علاقته بابن الخطيب؟

أبو جعفر ابن خاتمة الأنصاري الأندلسي (تُوفِّي بعد 770هـ= بعد 1369م)، أحد الفقهاء المقرئين، والأدباء البلغاء، والشعراء النجباء، والأطباء المرموقين في بلاد الأندلس، خلال القرن (الثامن الهجري= الرابع عشر الميلادي)، وكانت بينه وبين لسان الدين بن الخطيب (713-776هـ= 1313-1374م) صداقة وطيدة وأخوَّة حميمة، وهو صاحب الكتاب الطبِّي الشهير “تحصيل غرض القاصد فى تفصيل المرض الوافد” في وصف وباء الطاعون وعلاجه.

اسم ابن خاتمة ونسبه

أبو جعفر أحمد بن علي بن محمد بن علي بن محمد بن محمد بن خاتمة الأنصاري، المري، الأندلسي، الشاعر، الفقيه، الكاتب، الطبيب، المؤرخ.

مولد ابن خاتمة

وُلِد في ألمرية -ثغر جنوبي الأندلس، ولا يُعرف تاريخ مولده على التحديد، إلَّا أنَّه (تُوفِّي بعد 770هـ= بعد 1369م)، وذكر ابن الجزري في “غاية النهاية” أنَّه تُوفِّي “وله نيِّفٌ وسبعون سنة”، فيكون تاريخ مولده حدود سنة (700هـ= 1299م)، بينما ذكر التنبكتي في نيل الابتهاج أنه توفي “عن نحو ستين عامًا” فيكون مولده حدود سنة (710هـ= 1310م)، وهو ما قال به عمر رضا حكالة. بينما ذكر زهير حمدان أنه ولد سنة (707هـ= 1307م)، بينما ذكر محمد عبد الله عنان أن تاريخ مولده سنة (724هـ= 1324م).

نشأة ابن خاتمة ورحلته العلمية

عاش ابن خاتمة الأنصاري في مدينة ألمرية، وأخذ علومه في مجالس شيوخها، فحفظ القرآن الكريم، وتعلَّم علوم العربية من الشعر والأدب على كبار أدبائها المشهورين، وقد ذكر لسان الدين ابن الخطيب -وكان صديقه- ثبتًا بخطِّ ابن خاتمة فيه عددٌ من شيوخه، منهم: على علي بن محمد بن أبي العيش المري الأنصاري (تُوفِّي بعد 560هـ)، أخذ عنه علوم القرآن والقراءات، حيث “قرأ عليه ولازمه، وبه جلّ انتفاعه”. كما أخذ -كذلك- القراءة عن الشيخ الخطيب الأستاذ الصالح أبو إسحاق إبراهيم بن العاص التَّنُّوخي، وقرأ على المقرئ أبي جعفر الأغرِّ.

وأخذ علوم الحديث والواية عن محمد بن جابر بن محمد بن حسّان الوادي آشي؛ وعن الشيخ أبي البركات ابن الحاج، وسمع عليه الكثير، وأجازه إجازةً عامَّة، ومنهم الشيخ الخطيب أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن شعيب القيسي المري، والقاضي أبو جعفر القرشي بن فركون. وأخذ عن الوزير الحاجِّ الزاهد أبي القاسم محمد بن محمد بن سهل بن مالك، وغيرهم.

تلامذة ابن خاتمة

غدا ابن خاتمة من كبار قرَّاء ألمرية وعلمائها، فتصدَّر للإقراء في جامعها الأعظم، وكان له مجلس علم يقصده كثيرٌ من طلاب العلم الذين تخرَّجوا بعد أن أجازهم ابن خاتمة، وممَّن أجازهم أبو عبد الله محمد بن محمد بن ميمون البلوي الغرناطي (تُوفِّي حوالي 828هـ)، وغيره.

علم ابن خاتمة ومكانته وعلو منزلته

كان ابن خاتمة مشاركًا في ضروبٍ من العلوم والمعارف، مشهورًا بالبراعة والإتقان، سالكًا خطةً حميدةً من الزهد والتقوى، بارعًا في الأغراض الشعرية، أثنى عليه معاصروه، ومن بينهم لسان الدين ابن الخطيب، الذي خصَّه بعددٍ من التراجم في كتبه التي ألَّفها.

ففي كتاب الإحاطة قال: “هذا الرجل صدرٌ يُشار إليه، طالبٌ متفنِّنٌ، مُشارك، قويُّ الإدراك، سديد النَّظر، قويُّ الذهن، موفور الأدوات، كثير الاجتهاد، معين الطبع، جيِّد القريحة، بارع الخط، ممتع المجالسة، حسن الخلق، جميل العشرة، حسنة من حسنات الأندلس، وطبقة في النظم والنثر، بعيد المرقى في درجة الاجتهاد، وأخذه بطرق الإحسان؛ عقد الشروط، وكتب عن الولاة ببلده، وقعد للإقراء ببلده، مشكور السِّيرة، حميد الطريقة، في ذلك كله” ا.هـ.

وفي كتاب الكتيبة الكامنة قال ابن الخطيب: “ناظم درر الألفاظ، ومقلد جواهر الكلام نحور الرواة ولبات الحفَّاظ، ذو الآداب التي أضحت شواردها حلم النيام وسمر الإيقاظ، وكمن في بياض طرسها وسواد نقسها سحر اللحاظ؛ اشتهر اشتهار البدر ليلة الصحو، وعمرو بن قنبر في صناعة النحو، وأمن ثبت فضله من المحو، وكان العلم الذي إليه يُشار، وتحدَّى العشار، لا يُساجل بحره بالدلاء، ولا يسد مسده بالبدلاء، مجموع فنون، وخوان ضب منها ونون، قلَّ أن يذكر ضرب من المعارف إلا عرفه، أو يمر بنهر من أنهارها إلا شرب من مائه واغترفه، وأمَّا الأدب فهو فيه الحجة التي لا تجهل، والمحجة التي قصدها هو الأسهل، مطولاته بحور زاخرة، ومقطوعاته درر فاخرة، ورسائله بالرياض ساخرة، وللنجوم الزهر مفاخرة، إلى الطرف، وطيب العرف؛ خبا بوفاته الكوكب الوقاد، وألقى إلى الضالة المهملة المقاد، واستولى من بعد اليقظة الرقاد، واستعجل النقاد” ا.هـ.

وفي موضعٍ آخر قال: “ناظم درر الألفاظ، ومقلد جواهر الكلام نحور الرُّواة ولبَّات الحفَّاظ، والآداب التي أصبحت شواردها حلم النائم وسمر الأيقاظ، وكم في بياض طرسها وسواد نقسها سحر الألحاظ، رفع في قطره راية هذا الشأن على وفور حلبته، وقرع فنُّه البيان على سموِّ هضبته، وفوَّق سهمه إلى بحر الإحسان، فأثبته في لبَّته؛ فإن أطال شأن الأبطال، وكاثر المنسجم الهطَّال؛ وإن أوجز، فضح وأعجز؛ فمن نسيب تهيج به الأشواق، وتضيق عن زفراتها الأطواق؛ ودعابة تقلَّص ذيل الوقار، وتزري بأكواس العقار؛ إلى انتماء للمعارف، وجنوح إلى ظلِّها الوارف؛ ولم تزل معارفه ينفسح آمادها، وتحوز خصل السباق جيادها” ا.هـ.

وذكر التنبكتي في نيل الابتهاج عن ابن خاتمة: “قال الحضرمي: صاحبنا الفقيه الجليل الفاضل، كان فاضلًا أستاذًا أديبًا بارعًا كاتبًا بليغًا، صدرًا حافلًا طيبًا ماجدًا فاضلًا، عدلًا بارعًا ناظمًا ناثرًا شاعرًا، بليغًا كاتبًا مجيدًا محصلًا متفننًا، تصدَّر للإقراء بالجامع الأعظم بالمرية، وعقد مجلسًا للجمهور، وقيَّد الكثير وصنَّف، طيِّبًا، طبًّا للأمور حسن الإلقاء، طلق الوجه بارًّا بإخوانه وأصحابه، هَشًّا بَشًّا”.

بين ابن خاتمة ولسان الدين ابن الخطيب

كانت بين ابن خاتمة ولسان الدين ابن الخطيب مراسلات تدل على صداقة وطيدة، إذ كان ابن خاتمة كثير التردد على غرناطة، قال ابن الخطيب: “دخل غرناطة غير ما مرَّة، منها في استدعاء شمال الخواصِّ من أهل الأقطار الأندلسية، عند إعذار الأمراء في الدولة اليوسفيَّة، في شهر شعبان من عام أحد وخمسين وسبعمائة (751هـ)”.

 ومن الرسائل المتبادلة بينهما، رسالة حب وإخاء كتبها ابن خاتمة إلى صديقه ابن الخطيب، كتبت في العاشر من ربيع الأول عام (748هـ= 1347م).

ومن ذلك أن الوزير لسان الدين ابن الخطيب حينما عقد النية على مغادرة الأندلس، التمس إلى سلطانه الغني بالله محمد الخامس (755–793هـ= 1354-1391م) أن يسمح له بالسفر إلى المغرب، ثم إلى الحج إن تيسَّر له، بعد أن ضاق ذرعًا بأحوال المملكة يومئذٍ، بسبب سعاية الوشاة من حسَّاده ومنافسه، فأثار عزمه هذا جزع الكثيرين من أصدقائه الخواص، وفي مقدِّمة هؤلاء الكاتب الكبير ابن خاتمة الأنصاري، فكتب إلى ابن الخطيب من ألمرية رسالة مؤثرة، يُحاول فيها أن يُثنه عن عزمه، وأن يُقنعه بضرورة البقاء في وطنه،

قال ابن الخطيب: “ولمـَّا قضى الله عزَّ وجلَّ بالإدالة، ورجعنا إلى أوطاننا من العدوة، واشتهر عني ما اشتهر من الانقباض عن الخدمة، والتِّيه على السلطان والدولة، والتَّكبُّر على أعلى رتب الخدمة، وتطارحت على السلطان في استنجاز وعد الرحلة، ورغبت في تفويت الذِّمَّة، ونفرت عن الأندلس بالجملة، خاطبني بعد صدر بلغ من حسن الإشارة، وبراعة الاستهلال الغاية، بقوله: …”. ثم ذكر كتاب ابن خاتمة إليه.

كتاب ابن خاتمة: “وإلى هذا يا سيدي، ومحل تعظيمي وإجلالي، أمتع الله الوجود بطول بقائكم، وضاعف في العز درجات ارتقائكم، فإنَّه من الأمر الذي لم يغب عن رأي المقول، ولا اختلف فيه أرباب المحسوس والمعقول، إنكم بهذه الجزيرة شمس أفقها، وتاج مفرقها، وواسطة سلكها، وطراز ملكها، وقلادة نحرها، وفريدة دهرها، وعقد جيدها المنصوص، وكمال زينتها على المعلوم والمخصوص، ثم انتم مدار أفلاكها، وسرُّ سياسة أملاكها، وترجمان بيانها، ولسان إحسانها، وطبيب مارستانها، والذي عليه عقد إدارتها، وبه قوام إمارتها، فلديه يُحلُّ المشكل، وإليه يُلجأ في الأمر المعضل، فلا غرو أن تتقيَّد بكم الأسماع والأبصار، وتحدق بكم الأذهان والأفكار …”. وهي رسالةٌ طويلة.

ويرجع تاريخ هذه الرسالة والجواب إلى ثاني عشر شعبان سنة 770هـ، ونستنتج منها مبلغ الصداقة التي كانت تربط بين ابن خاتمة بابن الخطيب، ومقدار حرص ابن خاتمة على بقاء مسئول مثله في مواقع القيادة بالأندلس، كما نستنبط من رسالة ابن الخطيب مدى مكانة ابن خاتمة لديه كأستاذ وأديب أثير [وتوجد من هذه الرسالة نسخة مخطوطة ضمن مجموعة تحفظ بمكتبة الإسكوريال (رقم 1785 الغزيرى)].

وذكر ابن الخطيب أنَّ ابن خاتمة كتب إليه عند انصرافه من غرناطة في بعض قدماته عليها ما نصه: “مما قلته بديهة حين الإشراف على جنابكم السعيد ودخوله مع النفر الذين أتحفتهم سيادتك بالإشراف عليه والدخول إليه وإن كان يومًا قد غابت شمسه، ولم يتفق إن كمل أنسه، وأنشدته بعض من حضر ولعله لم يبلغكم وإن كان قد بلغ فضلكم يحملني على إعادة الحديث:

أقول وعين الدمع نصب عيوننا *** ولاح لبستان الوزارة جانب

أهذي سماء أم فناء سما به *** كواكب غضت عـن سناها الكواكب

تناظرت الأشكال منه تقابلًا *** علـى السعد وسطى عقده والجنائب

وقد جرت الأمواه فيه مجرةً *** مذانبها شهــب لهــــن ذوائب

وأشرف من أعلاه فهو تحفه *** شمــاس زجاج وشيهــــا متناسب

يطل على ماء به الآس دائرًا *** كما افتر ثغر أو كما اخضـــر شارب

هنالك ما شاء العلا من جلالة *** بهـــا يزدهــي بستانها والمراتـب

ولمـَّا أحضر الطعام هنالك، دعي شيخنا أبو البركات فاعتذر بأنَّه صائم بيته من الليل، فحضرني أن قلت (ابن خاتمة):

دعونَا الخطيبَ أبا البركاتِ *** لأكلِ طَعَامِ الوزيرِ الأجَلْ

وقد ضَمَّنَا في نداهُ جِنَانٌ *** بِهِ احتَفَلَ الحسنُ حتى كَمَلْ

فأعْرضَ عنا لعذرِ الصِّيامِ *** وما كلُّ عذرٍ له مقتبلْ

فإن الجِنانَ محَلُّ الجزاءِ *** وَلَيْسَ الجنانُ محَلَّ العَمَلْ

قال ابن الخطيب: “وعندما فرغنا من الطعام أنشدته الأبيات (أي الشيخ أبي البركات)، فقال لي: لو أنشدتنيها وأنتم لم تفرغوا من الطعام لأكلت برًّا بهذه الأبيات” ا.هـ.

ابن خاتمة الأديب الشاعر

ولابن خاتمة ديوان شعر، ومنه قوله من قصيدةٍ طويلة:

من لم يشاهد موقفًا لفراق *** لــم يدر كيف تولـه العشاق

إن كنت لم تره فسائل من رأى *** يخبرك عن ولهى وعن أشواقى

من حر أنفاس وخفق جوانح *** وصدوع أكباد وفيـض مآق

دهى الفؤاد فلا اللسان بناطق *** عند الوداع ولا بلفظ فراق

وقوله من قصيدةٍ أخرى:

لولا حيائي من عيون النرجس *** للثمت خد الورد بين السندس

ورشفت من ثغر الأقاحة ريقها *** وضممت أعطاف الغصون الميس

شتان بين مظاهر ومخاتل *** ثـــوب الحجا ومطهر ومـدنس

ومجمجم بالعذل باكرنى به *** والطيــر أفصح مسعـد بتأنس

وقوله:

هو الدهر لا يبقى على عائذ به *** فمن شاء عيشًا يصطبر لنوائبه

فمن لم يصب فى نفسه فمصابه *** لفــوت أمانيه وفقـد حبائبه

ومنه قوله:

ملاكُ الأمرِ تقوى اللَّه فاجعل *** تُقَاهُ عُدَّةً لِصَلَاحِ أَمْرِكْ

وَبَادِرْ نَحوَ طاعَتِهِ بعزمٍ *** فما تدري متى يمضي بعُمْرِكْ

ابن خاتمة الطبيب

شـهد ابن خاتمة ظهور وباء الطاعون الذي اجتاح الصين ومعظم أقطار قارَّة آسيا متجهًا إلى الغرب منها حتى وصل سواحل البحر المتوسط، واجتازه غربًا ووصل إلى سـواحل  الأندلس الشرقية عام (749هـ=1328م) وتغلغل في أرضها ومدنها، وقد كان ابن خاتمة يُسعف المرضى والمصابين به، ويُراقب بكل اهتمامٍ وعنايةٍ كيفيَّةَ انتشاره وانتقاله بين كلِّ شرائح المجتمع، ويُسجِّل مشاهداته وملاحظاته ممَّا أفاده في دراسة كيفيَّة انتشار هذا الوباء وأسباب هذا الانتشار، وقد اعتمد على هذه المشاهدات في تقرير نظريَّته عن هذا الوباء القاتل وسرعة انتشاره وأودعها في كتابه الطبي كتاب “تحصيل غرض القاصد في تفصيل المرض الوافد”.

تحصيل غرض القاصد في تفصيل المرض الوافد

وهذا الكتاب يُعدُّ من أهمِّ مؤلَّفاته، صنَّفه سنة (749هـ=1348م)، إثر ظهور الطاعون بألمرية بالأندلس، ووضع له تعريفًا علميًّا لحقيقة هذا الوباء ويقول في صدد ذلك: “إنَّه حمَّى خبيثة دائمة عن سوء مزاج قلبي بسبب تغيير الهواء عن حالته الطبيعية إلى الحرارة والرطوبة، مهلكة في الغالب، يتبعها كرب وعرق غير عام، لا يعقب راحة ولا ترتفع عقبه حرارة، وقد يوجد لها فتور في اليوم التالي واضطراب في عامَّة الأوقات ثم تتزايد من بعد، وقد يتبعها تشنُّجٌ وبردٌ في الأطراف، وقيءٌ مراريٌّ سمج متواتر، وعطش، واختلاف سَحْج على ألوان، أو ثقل في الصدر وضيق في التنفس، ونفث في الدم، أو نخس في أحد الجانبين أو تحت النهدين مع التهاب، وعطش شديد، وسعال، وسواد في اللسان أو تورم في الحلق، واختناق مع امتناع الابتلاع أو عُسره، أو وجع في الرأس، أو سَدَر ودوار، وغثيان، وانطلاق فضول سمجة، وقد تتداخل بعض هذه الأعراض، وقد يكون ذلك مع نتوء عقد وطواعين تحت الإبط أو في الأرْبيَّتَيْن أو خلف الأذنين، أو فيما يلي هذه المواضع بوجعٍ متقدِّم في الموضع أو دونه، وقد تحدَّث قروح سود في مواضع الجسد وأكثر ذلك في الظهر والعنق، وقد تحدَّث في الأطراف”.

ويقول في موضعٍ آخر عن أنَّ انتقال الطاعون يكون في العــدوى: “… وجدتُ بعد طول معاناة أنَّ المرء إذا ما لامس مريضًا أصابه الداء وظهرت عليه علاماته، فإن نزف الأول دمًا نزف الآخر، وإن ظهر في الأول ورم ظهر في الآخر -أيضًا- في المكان نفسه، وإن تكوَّنت قروحٌ سال منها قيح في الأول حصل للآخر مثله، وهذا سبيل انتقاله من المريض الثاني إلى الثالث”، ثم يستطرد ويقول: “… واعلم أنَّ سببه القريب غالبًا هو تغيير الهواء المحيط بالإنسان الذي فيه تنفسه، وهذا التغيير يكون في الكيف ويكون في الجوهر”.

والكتاب مرتَّبٌ على عشر مسائلٍ، وهي: حقيقة وباء الطاعون والمعنى اللغوي والطبي، أسباب الوباء القريبة والبعيدة، ما باله خصَّ قومًا دون آخرين على قرب الجوار، ما ظهر من عدواه وهي أروع وأهم ما عالجه الكتاب، كيف التحفُّظ والاحتراز منه، ما علاجه إذا نزل، ما جاء عن الشرع فيه، ما معنى حديث النهي عن القدوم على أرضه أو الخروج عنها، ما معنى قوله صلى الله عليه وسلم “لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ“، وأخيرًا كيف الجمع بين الحديثين.

ولهذا يُعدُّ هذا الكتاب أوَّل كتابٍ في علم الأوبئة، وأعمق ما كُتب عن الطاعون.

مؤلَّفات ابن خاتمة

كما لابن خاتمة مؤلَّفات أخرى غير كتابه “تحصيل غرض القاصد فى تفصيل المرض الوافد“، أهمها: “إلحاق العقل بالحس في الفرق بين الجنس وعلم الجنس“، و”مزية المرية على غيرها من المدن الأندلسية” في التاريخ، و”رائق التحلية في دقائق التورية” في الأدب، و”أبراد اللآل، من إنشاد الضوال” وهو معجم صغير لمفردات من اللغة وأسماء البلدان وغيرها، و”ريحانة من أدواح ونسمة من أرواح” وهو ديوان شعره.

وفاة ابن خاتمة

ذكر ابن الجزري أن ابن خاتمة “تُوفِّي سنة ثمان أو سنة تسع وستين وسبعمائة (768 أو 769هـ)، وله نيف وسبعون سنة”، بينما ذكر التنبكتي أنَّ ابن خاتمة تُوفِّي في سابع شعبان عام 770هـ عن نحو ستِّين عامًا. والراجح أنَّ وفاته كانت (بعد 770هـ= بعد 1369م)؛ لأنَّ رسالة ابن الخطيب لابن خاتمة كانت في ثاني عشر شعبان سنة 770هـ.

_________________

المصادر والمراجع:

– لسان الدين ابن الخطيب: الإحاطة في أخبار غرناطة، الناشر: دار الكتب العلمية – بيروت، الطبعة: الأولى، 1424هـ.

– لسان الدين ابن الخطيب: الكتيبة الكامنة في من لقيناه بالأندلس من شعراء المائة الثامنة، تحقيق: إحسان عباس، الناشر: دار الثقافة – بيروت، الطبعة: الأولى، 1963م.

– ابن الأحمر: أعلام المغرب والأندلس في القرن الثامن، تحقيق: الدكتور محمد رضوان الداية، الناشر: مؤسسة الرسالة – بيروت، الطبعة: الأولى، 1396هـ= 1976م.

– ابن الجزري: غاية النهاية في طبقات القراء، الناشر: مكتبة ابن تيمية، الطبعة: عني بنشره لأول مرة عام 1351هـ ج. برجستراسر.

– التنبكتي السوداني: نيل الابتهاج بتطريز الديباج، عناية وتقديم: الدكتور عبد الحميد عبد الله الهرامة

الناشر: دار الكاتب – طرابلس – ليبيا، الطبعة: الثانية، 2000م.

– محمد عبد الله عنان: دولة الإسلام في الأندلس، الناشر: مكتبة الخانجي – القاهرة، الجزء الخامس، الطبعة: الرابعة، 1417هـ= 1997م.

– الزركلي: الأعلام، الناشر: دار العلم للملايين، الطبعة: الخامسة عشر – مايو، 2002م.

– عمر رضا كحالة: معجم المؤلفين، الناشر: مكتبة المثنى – بيروت، دار إحياء التراث العربي بيروت، د.ت.

– محمد العربي الخطابي: الطب والأطباء في الأندلس الإسلامية، الناشر: دار الغرب الإسلامي – بيروت، 1988م.

– زهير حمدان: ابن خاتمة، الموسوعة العربية العالمية، المجلد الثامن، ص724.

السابق
عمار الموصلي – رائد طب العيون
التالي
ابن الجزار القيرواني – شيخ الطب