المؤرخون

ابن دقماق – مؤرخ الديار المصرية

ملخص المقال

    لقد أكب ابن دقماق على التاريخ حتى كتب فيه نحو مائتي سفر من تأليفه كلها مفيدة وجيدة وكان كثير الاطلاعه حسن المعتقد، ولم يكن عنده فحش قط.

ابن دقماق .. اسمه ونسبه
هو صارم الدين إبراهيم بن محمد بن أيدمر العلائي المعروف بابن دقماق القاهري الحنفي، مؤرخ الديار المصرية. ومصدر كلمة دقماق مشتق من الكلمة التركية “تقماق” ومعناها المطرقة [1]. ولقد أخطأ الكثيرون من المؤرخين عندما أشاروا إلى أنّ دقماق هو جده لأبيه، وأن مؤرخنا هو إبراهيم بن محمد بن دقماق [2].

أسرة ابن دقماق
أما والده محمد بن أيدمر فإننا نجهل حقيقة أمره، حيث لا تطالعنا المصادر بمعلومات وافية عنه، سوى ما وجدناه عند العسقلاني [3] من أن والد ابن دقماق محمدا، كان “دوادار” بدر الدين ابن خالة القلانسي وأنه توفي في الحادي والعشرين من شوّال سنة 761هـ‍ / 1359م بالعقيبة.

وأما جده أيدمر العلائي الذي لقبه دقماق فإننا أيضا لم نجد الشيء الكثير عن حياته وأثره سوى ما ذكره لنا ابن حجر العسقلاني من أنه كان متوليا نقابة العساكر المصرية آنذاك وكان من خيرة المتولين، وظل كذلك إلى أن توفي في رجب سنة 734هـ‍ / 1333م [4].

مولده ابن دقماق
ونعود إلى مؤرخنا ابن دقماق صارم الدين إبراهيم، حيث أجمعت المصادر التاريخية على أنه ولد في حدود سنة 750هـ‍ / 1349م وتوفي في حدود سنة 809هـ‍ / 1406م [5]. ولم نجد من خالف هذا التاريخ سوى السيوطي وحاجي خليفة، حيث ذكرا تاريخ وفاته في حدود سنة 790هـ‍ / 1388م [6]. وإن كان حاجي خليفة يعود ليستدرك فيشير في كتابه أكثر من مرة إلى وفاته في سنة 809هـ‍ / 1406م [7].

نشأة ابن دقماق
لم نقع في أغلب المصادر التي ترجمت لابن دقماق على مبدأ حياته العملية أو العلمية بشيء من التفصيل، بل كل ما وجدناه عنه هو شذرات يسيرة تعطينا فكرة واضحة عن خلفيات نشأته، وتشير تلك المصادر في أغلبها إلى أنّ ابن دقماق مؤرخنا كان في بداية أمره متزييا بزيّ الجند، ثم حبب إليه العلم فطلبه وتفقه يسيرا بجماعة من فقهاء الحنفية واتجه إلى الأدب، ثم حبب إليه التاريخ ومال إليه بكليته [8].

ولقد ذكره السخاوي [9] وقال عنه: “إن تصانيفه في التأريخ كانت مفيدة وجيدة واطلاعه كثير واعتقاده حسن، ولم يكن عنده فحش في كلامه ولا في خطه”. وذكره المقريزي فقال عنه: “إنه أكب على التاريخ حتى كتب فيه نحو مائتي سفر من تأليفه وغير ذلك. وكتب تاريخا كبيرا على السنين وآخر على الحروف وأخبار الدولة التركية في مجلدين، وسيرة للظاهر برقوق وطبقات الحنفية امتحن بسببها، وكان عارفا بأمور الدولة التركية مذاكرا بجملة أخبارها مستحضرا لتراجم أمرائها، يشارك في غيرها مشاركة جيدة” [10].

محنة ابن دقماق
ولقد وقعت لابن دقماق فتنة قاسى منها بسبب ما نسب إليه في وقوعه بحق الإمام الشافعي، وتفصيل الأمر أنه في سنة 804هـ‍ / 1401 م وجد بخط ابن دقماق كلام بحق الإمام الشافعي فاستجوب بذلك في مجلس القاضي الشافعي، فذكر أنه نقله من كتاب عند أولاد الطرابلسي، فكان أن حكم القاضي جلال الدين عليه بالضرب والحبس [11].

ثقافة ابن دقماق
لم يكن صارم الدين ابن دقماق ضليعا بثقافة أدبية ولغوية تجعلان منه مؤرخا على قدر من البلاغة ومتانة في اللغة العربية، وإن كان كما ذكره بعض المؤرخين غزير الإنتاج في كتاباته التاريخية، حيث قال عنه السخاوي نقلا عن المقريزي: إنه كتب ما يزيد على مائتي سفر منها [12].

ولا شك أن مؤرخنا هذا الذي عاش في العصر المملوكي وكان عارفا بأمور الدولة التركية ومتأثرا بطابعها، تأثر أيضا وإلى حد بعيد بثقافة ذلك العصر التي غلب عليها طابع العامية في الكتابة عند أكثر المؤرخين، وانتشار اللغة التركية في تلك الحقبة. ورغم ذلك فلقد وصف بعض المؤرخين ابن دقماق بأنه لم يكن عنده فحش في كلامه ولا في خطه [13]، غير أنه رغم اشتغاله بالأدب كان عريا عن العربية فلهذا وقعت عبارته خارجة عن قواعد العربية. وقال عنه السخاوي: “كان يحب الأدبيات مع عدم معرفته بالعربية” [14].

أخلاق ابن دقماق
لقد أجمع المؤرخون على أن صارم الدين إبراهيم ابن دقماق كان جميل العشرة كثير الفكاهة، حسن الود، قليل الوقيعة في الناس [15]. قال عنه ابن العماد نقلا عن المقريزي: “كان جميل العشرة فكه المحاضرة كثير التودد، حافظا للسانه من الوقيعة في الناس، لا تراه يذم أحدا من معارفه بل يتجاوز عن ذكر ما هو مشهور عنهم مما يرمي به أحدهم ويعتذر بكل طريق” [16].

حياة ابن دقماق العملية
ذكرت بعض المصادر أنه في آخر أيامه تولى إمرة دمياط، فلم يفلح بها ولم تطل مدته فيها ورجع إلى القاهرة، فمات بها في ذي الحجة سنة 809هـ‍ / 1406 م وقد جاوز الستين [17].

مكانة ابن دقماق بين علماء عصره
مما لا شك فيه أن ابن دقماق كان من أبرز مؤرخي عصره، نظرا لوفرة تصانيفه في كتابة التاريخ وتنوعه في موضوعاته، ومما كان يعزز هذا الرأي ما أشار إليه كل من المقريزي (ت 845هـ‍ / 1441م) وابن حجر العسقلاني (ت 852هـ‍ / 1448م) وابن تغري بردي (ت 874هـ‍ / 1469م)، إلا أن العديد من مؤرخي ذلك العصر قد أخذوا عنه ونقلوا من كتبه وخطه الشيء الكثير.

ويذكر شمس الدين السخاوي [18] (ت 902/ 1496م) أن شيخه -ويقصد به ابن حجر العسقلاني- اعتمد ابن دقماق وأن غالب ما نقله من خطه ومن خط ابن الفرات عنه، مما يعني أيضا أن ابن الفرات (ت 807هـ‍ / 1404م) أخذ عن ابن دقماق وكذلك البدر العيني (ت 855هـ‍ / 1451م)، ويضيف أن البدر العيني يكاد يكتب منه الورقة الكاملة متوالية [19].

ويؤكد ابن حجر العسقلاني ما جاء سابقا أنه اجتمع بصارم الدين إبراهيم ابن دقماق كثيرا وغالب ما ينقله من خطه ومن خط ابن الفرات عنه [20]. ولا يفوتنا ذكر المقريزي عن صحبته لابن دقماق ومجاورته وملازمته له سنين كثيرة [21].

وإذا ما نظرنا إلى ما جاء في دائرة المعارف الإسلامية لوجدنا أن المقريزي قد تتلمذ على يد ابن دقماق مدّة من الزمن كما أثبته “فولرز” في مقدمة كتاب ابن دقماق “الانتصار لواسطة عقد الأمصار”، حيث أشار إلى أنه رغم أن المقريزي قد تتلمذ على يد ابن دقماق فإنه لم يستطع أن يستفيد من مصنفات أستاذه، وأن ابن دقماق قد استمد من مصادر أهم من التي اعتمد عليها المقريزي [22]، كما أن السيوطي (ت 911هـ‍) ذكر في مقدمة كتابه “حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة” بأنه اعتمد في تأليف هذا الكتاب على مؤلفات كثيرة ومنها كتاب طبقات الحنفية لابن دقماق [23].

مؤلفات ابن دقماق
مما لا شك فيه أن مؤرخنا إبراهيم بن محمد بن أيدمر الملقب بابن دقماق، كان من أبرز مؤرخي الديار المصرية في وقته، كتب نحو مائتي مؤلف في التاريخ من تأليفه ومنقوله. وكان معروفا بالإنصاف في تواريخه. وبالرغم من غزارة كتاباته في التاريخ وغيره فإنه لم يبق منها إلا القليل المبعثر في مكتبات العالم، منها.

– الانتصار لواسطة عقد الأمصار
ذكره حاجي خليفة في كشف الظنون، مشيرا إلى أنه في عشرة مجلدات، لخص منه كتابا سمّاه: “الدرة المضية في فضل مصر والإسكندرية” [24]. والجدير بالذكر أن كتاب الانتصار قد نشر منه “فولرز” المجلدين الرابع والخامس عن نسخة بخط مؤلفها تحتفظ بها دار الكتب المصرية تحت الرقم 1244 تاريخ، طبع بمصر سنة 1309 و1310هـ‍ / 1891 – 1892م مع فهارس مطولة للأعلام وفيهما وصف مطول للفسطاط وأسواقها وجوامعها ومدارسها وسائر أبنيتها وشوارعها، وكذلك الإسكندرية وضواحيها وجانب كبير من قرى مصر وبلادها [25].

– ترجمان الزمان في تراجم الأعيان
كتاب في التاريخ مرتب على الحروف، ذكره حاجي خليفة في كشف الظنون، وكحالة في معجم المؤلفين، ودائرة المعارف الإسلامية بالعربية.

– الجوهر الثمين في سير الملوك والسلاطين
كتاب عن تاريخ مصر إلى سقوط السلطان برقوق. حققه مؤخرا محمد كمال الدين عز الدين علي، ونشره في جزأين من منشورات عالم الكتب – بيروت 1983م.

– الدرّة المنضّدة في وفيات أمة محمد
ذكره كحالة في معجم المؤلفين.

– الدرة المضية في فضل مصر والإسكندرية
ذكره حاجي خليفة في كشف الظنون، وهو كما ذكرنا سابقا مقتطف من كتاب الانتصار لواسطة عقد الأمصار.

– عقد الجواهر في سيرة الملك الظاهر
ذكره حاجي خليفة في كشف الظنون، وكحالة في معجم المؤلفين.

– فرائد الفوائد
كتاب في تفسير الأحلام، ذكره حاجي خليفة في كشف الظنون، ودائرة المعارف الإسلامية بالعربية.

– الكنوز المخفية في تراجم الصوفية
له ذكر في دائرة المعارف الإسلامية.

– نظم الجمان في طبقات أصحاب إمامنا النعمان
كتاب في ثلاثة أجزاء يتناول الأول منها مناقب الإمام أبي حنيفة والثاني والثالث أصحابه. ذكره حاجي خليفة في كشف الظنون، والزركلي في الأعلام، وكحالة في معجم المؤلفين.

– ينبوع المزاهر في سيرة الملك الظاهر
ذكره حاجي خليفة في كشف الظنون، وأيضا دائرة المعارف الإسلامية، وهو كتاب مختصر عقد الجواهر.

– نزهة الأنام في تاريخ الإسلام
وهو كتاب تاريخ مرتب على السنين انتهى به مؤلفه عند سنة 779هـ‍ / 1377م ويقع في حوالي 12 مجلدة [26]، منه قطعة من سنة 436 إلى سنة 552هـ‍ في “غوطا” بخط المؤلف وقطعة أخرى من سنة 628 إلى سنة 659هـ‍ في باريس، ومن سنة 701 إلى سنة 742هـ‍ ومن 768 إلى سنة 779هـ‍ في معهد “غوطا” وفي دار الكتب المصرية قطعة في 80 صفحة تبدأ بسيرة الملك المنصور علي من سنة 778 إلى سنة 804هـ‍ [27].


[1] دائرة المعارف الإسلامية باللغة العربية – المجلد الأول 1352هـ‍ / 1933 م، 1/ 160. جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، 3/ 188
[2] السخاوي: الضوء اللامع، لأهل القرن التاسع، 1/ 11. حاجي خليفة:كشف الظنون، 5/ 18. ابن تغري بردي: المنهل الصافي، 1/ 120. السيوطي: حسن المحاضرة، 1/ 266.
[3] ابن حجر: الدرر الكامنة، 3/ 394.
[4] المصدر السابق، 1/ 430.
[5] الضوء اللامع، 1/ 11. ابن العماد: شذرات الذهب، 8/ 80. الزركلي: الأعلام، 1/ 64. آداب اللغة العربية، 3/ 188. عمر رضا كحالة: معجم المؤلفين، 1/ 86. المنهل الصافي، 1/ 120.
[6] حسن المحاضرة، 1/ 266 . كشف الظنون، 5/ 18.
[7] كشف الظنون، 2/ 1151 و 1941 و 1961. دائرة المعارف الإسلامية، 1/ 161.
[8] الضوء اللامع، 1/ 146، شذرات الذهب، 8/ 81. المنهل الصافي، 1/ 120.
[9] الضوء اللامع، 1/ 146.
[10] القول هنا ما يزال للسخاوي نقلا عن المقريزي. الضوء اللامع، 1/ 146. شذرات الذهب، 8/ 81.
[11] الضوء اللامع، 1/ 146. المنهل الصافي، 1/ 120.
[12] الضوء اللامع، 1/ 146. الشذرات، 8/ 81.
[13] الضوء اللامع، 1/ 146. المنهل الصافي، 1/ 120.
[14] الضوء اللامع، 1/ 145.
[15] المصدر السابق، 1/ 145.
[16] شذرات الذهب، 8/ 81. المنهل الصافي، 1/ 120 – 121.
[17] الضوء اللامع، 1/ 11. المنهل الصافي، 1/ 120 – 121.
[18] الضوء اللامع، 1/ 11. دائرة المعارف الإسلامية، 1/ 160.
[19] باطلاعنا على الجزء الأول من كتاب عقد الجمان (حوادث 648 – 664هـ‍) للبدر العيني، الذي حققه الدكتو محمد محمد أمين بالقاهرة 1978، وهو الجزء الذي يشترك ببعض السنين مع أحداث مخطوطة ابن دقماق نزهة الأنام، لم نجد ما يشير إلى أن العيني نقل عن ابن دقماق، بل إنه اعتمد على العديد من المصادر المتنوعة التي كان يشير إليها في كتابه عندما يتعرض لحدث من الأحداث أو ترجمة من التراجم. قارن ما جاء عند العيني في ذكره لأحداث سنة 648هـ‍ و 656هـ‍ في عقد الجمان، الجزء الأول.
[20] ابن حجر: إنباء الغمر في أنباء العمر، 1/ 4.
[21] الضوء اللامع، 1/ 146. الشذرات 8/ 81. المنهل الصافي، 1/ 120 – 121.
[22] دائرة المعارف الإسلامية 1/ 161
[23] مقدمة كتاب حسن المحاضرة – الجزء الأول.
[24] كشف الظنون، 1/ 174.
[25] تاريخ آداب اللغة العربية، 3/ 189.
[26] كشف الظنون، 2/ 1941، دائرة المعارف الإسلامية، 1/ 160. الزركلي: الأعلام، 1/ 64. محمد رزق سليم: عصر سلاطين المماليك ونتاجه العلمي والأدبي، 3/ 109.
[27] تاريخ آداب اللغة العربية، 3/ 188.

السابق
ابن الأثير – والكامل في التاريخ
التالي
محمد بن سعد صاحب الطبقات الكبرى