الجغرافيا

ابن ماجد – أسد البحر الهائج

ملخص المقال

    ابن ماجد .. أسد البحر الهائج، الذي ترك بصمة كبيرة في علم الملاحة والجغرافيا، فمن هو ابن ماجد ؟ وما حقيقة لقاء ابن ماجد بفاسكو دي جاما ؟

عالم جغرافي أدهش العالم كله -سواء من المسلمين أو غير المسلمين- بما قَدَّمه من مؤلفات رائدة، اعترف بفضلها كلُّ مَنْ عَمِل في مجال الكشوف والرحلات، وأول مَن اعترف بهذا الفضل البرتغاليون، الذين نهلوا من علمه وبَنَوْا عليه ما توصَّلُوا إليه من كشوفات جغرافية.

من هو ابن ماجد
هو شهاب الدين أحمد بن ماجد بن محمد بن عمر بن فضل بن دويك بن يوسف بن حسن بن حسين بن أبي معلق السعدي ابن أبي الركائب النجدي [1].

عُرِفَ بأسد البحر الهائج، والمعلم، والسائح ماجد، كما لَقَّب نفسه بشاعر القبلتين، واشتهر لدى مؤرخي العلوم باسم النجدي نسبة إلى منطقة نجد، وُلِدَ في جلفار على الساحل الجنوبي من الخليج العربي -إمارة رأس الخيمة– في عام (836هـ=1432م) [2] في أغلب الآراء.

نشأة ابن ماجد
نشأ ابن ماجد في أسرة اشتغل أفرادها بقيادة السفن؛ فوالده كان بحارًا عظيمًا، كما كان جدُّه متمكِّنًا من علم البحر، وهكذا نشأ ابن ماجد في أسرة تَعْرِف أصول الملاحة جيدًا.

كما اطَّلع ابن ماجد على الكثير من الكتب في الفنون المختلفة؛ ومنها: معرب المجسطي البطليموسي، وكتب البتاني وأبي حنيفة الدينوري، وكتاب المشترك لياقوت الحموي، وكتب ابن سعيد وابن حوقل [3].

لذا كان لنشأة ابن ماجد أثر كبير في نجاحه، ويتحدَّث ابن ماجد واصفًا نشأته فيقول عن جدِّه أنه كان متمكنًا من علم البحر مالكًا لناصيته، وأنه كان: “محقِّقًا فيه ومدقِّقًا، ولم يقرأ لأحد فيه إلا وزاد عليه الوالد -رحمة الله عليه- بالتجريب والتكرار، ففاق علمه علم أبيه، فلما جاء زماننا جرَّبنا هذا، وكرَّرناه قريبًا من أربعين سنة، وقد حرَّرْنَا وقرَّرْنَا علم الرَّجُلَيْنِ النادرين، وأرَّخْنَاه، وفهمنا جميع ما جرَّبوه” [4].

ولم يقتصر نبوغ ابن ماجد على علم الجغرافيا فقط، بل نبغ في اللغة العربية، فتميز أسلوبه بالدقة في المعاني والألفاظ، وتكثيف الحقائق العلمية، والابتعاد عن الحشو في العرض، وكما نبغ في علوم الدين والتاريخ والأدب والأنساب، كما كان واسع الاطلاع، ومطلعًا على كثير من الكتب [5].

ويتحدَّث ابن ماجد عن تَعَلُّمِهِ الملاحة منذ صغره قائلاً:

وكم نظرتُ في الحساب العـربي *** وحسـبة الهندي مذ كنت صبي

ويتحدَّث عن تلقِّيه علوم اللغة قائلاً:

عن نحوكم قدمي ذا غير منصرف *** والنحو من حكمة الأقلام ينصرف

ويتحدَّث عن شيوخه الذين شاركوا في تثقيفه قائلاً:

ألا ليت شعري هل تراه شيوخنا *** فتحمده أو والدي وابن هيثم [6]

مؤلفات ابن ماجد
لقد ترك ابن ماجد تراثًا جغرافيًّا كان له عظيم الأثر في كل من نهج طريق هذا العلم، ومن تلك المؤلفات:

كتاب (الفوائد في أصول علم البحر والقواعد) الذي يعتبر من أشهر كتب ابن ماجد، الذي جمع فيه معظم المعلومات النظرية والعلمية التي تهمُّ الملاَّحين في البحر الأحمر والمحيط الهندي وبحر الصين، وقد وضع فيه ابن ماجد خبراته التي اكتسبها أثناء تجواله في هذه البحار، فوصف الجزر والمواني والبحار، وغيرها من الأمور التي وجدها أثناء ترحاله.

وكان كتاب الفوائد عبارة عن موسوعة الرائدة في علم الملاحة جاءت في عشرة أجزاء، ولكنه خشي أن يستثقلها النُّسَّاخ والقرَّاء، ولا سيما البحارة؛ فإنهم في البحر منهمكون في العمل الشاقِّ، فاختصر من العشرة الأجزاء كتاب (الفوائد)، في مجلد واحد فرغ من تأليفه سنة 895هـ، بعد تسع وعشرين سنة من نظم أول أرجوزة له، وهي أرجوزة الحاوية التي نظمها في أول شبابه [7].

وقد نشر غابريال فران (ferrand) عام 1921م في باريس كتاب الفوائد مصوَّرًا في مجلدين مع مؤلفات سليمان المهري [8].

وكان ابن ماجد قد ألَّف كتابًا -لا يزال مجهولاً- ذكره في كتابه (الفوائد)، شرح فيه منظومته البائية المسماة بـ(الذهبية).

منظومات ابن ماجد
أما منظومات ابن ماجد فهي كثيرة؛ ومنها:

– (حاوية الاختصار في أصول علم البحار): وهي في قواعد الملاحة، عارض بها من حيث عدد أبياتها أرجوزة والده المسماة بـ (الحجازية)، وفرغ ابن ماجد من نظمها عام 866هـ.

 يقول في بدايتها:

الحمد لله الخالق ذي الجلال ** القاهر الفرد بلا مثال

– (المعربة): وهي أرجوزة من مائة وثمانية وسبعين بيتًا، صحَّح فيها قياسات الخليج البربري -خليج عدن- ومجاريه من مرسى حافون إلى باب المندب، ومن مراسي الساحل البربري –الصومالي- إلى مراسي الساحل العربي المقابل له.

ووصف ابن ماجد علاماته البحرية والبرية قائلاً:

يا سائلي عن صفة المجاري ** ثم قياس الأنجم الدراري [9]

– (الأرجوزة السَّبْعِيَّة): لأن فيها سبعة علوم من علوم البحر غير الفراسة والإشارات، عام (888هـ=1483م).

– (أرجوزة تصنيف قبلة الإسلام في جميع الدنيا أو تحفة القضاة) عام (893هـ=1487م) [10].

– (تصنيف القبلة): وهي منظومة من 295 بيتًا في وصف جهات القبلة في جميع أقطار العالم القديم، وانتهى منها في عام 893هـ، وبدايتها:

باسم الإله المستعان أبتدي ** مصلِّيًا على النبي أحمد

– (أرجوزة برّ العرب في الخليج ): وهي قصيدة في وصف مسالك الخليج العربي، عدد أبياتها مائة بيت مطلعها:

يا طالقًا من آخر الفرات ** والبصرة الفيحاء خذ وصاتي [11]

– (البائية المسماة بالذهبية): في شرح الإرقاق والإعزاز، أي الاقتراب من الساحل والابتعاد عنه إلى عرض البحر، والعلامات البحرية لبَرِّ الهند والصومال، وقياساتها، عدد أبياتها 193 بيتًا مطلعها:

بدأت باسم الله ربي وخالقي ** ومستخلفي في جيرتي وأقاربي

– (السفالية): وهي في وصف الطرق البحرية من ساحل الهند الغربي وعُمَان إلى مراسي ساحل شرقي إفريقيا من رأس (جردفون) أو (جردفوي) إلى (سفالة) بساحل موزمبيق، وقياساتها وعلاماتها البحرية، عدد أبياتها 807، مطلعها:

الحمد لله الذي أنشأ الملا ** من عدمٍ جل تعالى وعلا [12]

وقد انتشرت مؤلفات ابن ماجد انتشارًا واسعًا -وهو على قيد الحياة- بين أهل البحار العرب، فكان البحارة العرب يرجعون إلى مصنفاته في كل شيء، ولم يقتصر الأمر على العرب فقط، بل تعدَّاه إلى أبعد من ذلك، فقد نقلها البعض إلى لغة الأردو، ونقلها آخرون إلى اللغة التركية العثمانية، كما تناول الباحثون في القرنين التاسع عشر والعشرين مصنفات ابن ماجد، فتُرْجِمَتْ ثلاثة أراجيز إلى اللغتين الروسية البرتغالية، وتُرْجِمَتْ (السفالية) وكتاب (الفوائد) إلى اللغة الإنجليزية [13].

مزايا مؤلفات أحمد بن ماجد
تتميز مؤلفات ابن ماجد بمنهجها العلمي الواضح الذي يُرَكِّز على ثلاثة أسس؛ هي: اصطفاء صحيح القديم، واختراع الأصول السليمة، واختيار التليد المختار والطريف المبتكر، فهو لا يُخَطِّئ أعمال الأوائل عامة، بل يعترف باحتوائها على بعض المعارف الصحيحة، فيختار منها ما يناسب المقام مع إسقاط الحشو، ولا يكتفي ابن ماجد بذلك بل مَكَّنَتْهُ ممارسة مهنته وركوب البحر من ابتكار الجديد [14].

قصة لقاء أحمد بن ماجد بفاسكو دي جاما (Fasco de gama)
لقد نال ابن ماجد شهرة كبيرة، ولم تقتصر تلك الشهرة على العرب فقط، بل امتدَّت لتشمل الهند والسند والديلم والترك، وغيرها من البلاد.

وقد أُثِير جدل كبير حول قصة لقاء ابن ماجد بفسكو دي جاما، وهل قابله أم لا، وقد انقسم الباحثون حول لقاء ابن ماجد بفاسكو دي جاما؛ فهناك من يقولون: إن ابن ماجد التقى بفاسكو دي جاما. ويرون ذلك مفخرة للعرب؛ لأن الاكتشافات الجغرافية التي عُرِفَتْ فيما بعد كانت مجهولة، وابن ماجد الملاح العربي هو أول من نبه إليها؛ لأن البحر بين شرقي إفريقيا والهند بحر خطر يصعب عبوره [15].

أما الفريق الآخر من الباحثين فينكرون قصة لقاء ابن ماجد بفاسكو دي جاما، ويعتبرون ذلك خيانة عظيمة يجب دفعها عن البحارة العرب [16].

وهناك بعض الروايات تقول: إن فاسكو دي جاما قد وصل إلى تلك المناطق، بعيدًا عن مساعدة ابن ماجد له، حيث وصل إلى مالندي –بالقرب من ممباسا [17] حاليًّا- عام 1498م، وأرسى في مينائها، فزاره أحد خَوَاصِّ ملك مالندي، ولكن دي جاما احتجزه، ولم يُطْلِق سراحه إلا بعد أن أرسل الملك دليلاً اسمه (كاناكا) يدله على الطريق إلى الهند.

وهناك قصة أخرى تقول: إن بعض الهنود صَعِدوا إلى سفينة فاسكو دي جاما في ميناء مالندي، وكان معهم مسلم من كجرات اسمه (ماليموكانا)، الذي أجاب طلب ملك مالندي وذهب برفقة دي جاما ليدله على الطريق إلى الهند، وقد انبهر دي جاما بسعة علم الملاح المسلم عندما أراه خريطة الساحل الهندي كله وعليها خطوط الطول والعرض مفصَّلة، ثم أطلع دي جاما الملاحَ المسلمَ على إسطرلاب وآلات فلكية، ولكن الملاح المسلم لم يَعْجَبْ من ذلك بل أطلعه على آلات متقنة، مؤلَّفة من ثلاث لوحات، فأدرك دي جاما أنه أمام عالم فذٍّ فأقلع متجهًا إلى الهند [18].

وكلمة (ماليمو) تعني معلِّم و(كانا) كلمة سنسكريتية معناها الفلكي الرياضي الكاتب، وقد اختلف الباحثون -كما سبق ذكره- أكان هذا الملاح ابن ماجد أم لا؟

شهادة علماء الغرب له
لقد نال ابنُ ماجد إعجابَ وتقدير علماء الغرب؛ فها هو ذا المستشرق الروسي كراتشكوفسكي (Ignaij Julianovic Krackovskij) يتحدث عنه قائلاً: “وابن ماجد قارئ مطَّلع في مجال الأدب ولا يقتصر محيط قراءته على أهل الجغرافيا الملاحية ..، ومعرفة ابن ماجد بالأدب الجغرافي عامة ليست أقل من معرفته بالأدب الملاحي، وتحتلُّ المكانة الأولى بالنسبة إليه بطبيعة الحال الجغرافيا الرياضية، فيَرِدُ لديه ذكر المجسطي والبتاني وعبد الرحمن الصوفي والمراكشي والطوسي وأولغ بك ..، ومن ناحية أخرى تُقَابِلُنَا لديه أسماء ابن حوقل وابن سعيد وياقوت، أضف إلى هذه أنه لا يُهمل إيراد أسماء مصنفات أدبية صرفة، كما يستشهد بأبيات لعدد من الشعراء، ابتداءً من العصر الجاهلي إلى القرن الخامس عشر” [19].

ثم يتحدث كراتشكوفسكي في موضع آخر قائلاً: “واطلاع ابن ماجد الواسع وتجربته العريضة يُبرِّرَانِ إلى حدٍّ كبير الفكرة الرفيعة التي كَوَّنها عن نفسه وعن مصنفاته، ولهذا السبب فإن فران وهو خبير في هذا النمط من الأدب لم يبالغ حين رأى في (كتاب الفوائد) أثرًا يدعو إلى الإعجاب، واعتبره ذروة التأليف الفلكي الملاحي لعصره.كما اعْتُبِرَ ابن ماجد أول مؤلف للمرشدات البحرية الحديثة.

ووصفه للبحر الأحمر لم يَفُقْه بل ولم يعادله -باستثناء بعض التصحيحات في العروض- أيَّ مرشدٍ أوربي في الملاحة الشراعية، كما وأن معلوماته عن الرياح الموسمية والرياح المحلية، وطرق الملاحة الساحلية والبعيدة المدى تتميز بأقصى درجة من الدقة والتفصيل يمكن أن نتوقَّعُها في ذلك العصر” [20].

وفاة ابن ماجد
لا يُعْرَفُ بالتحديد تاريخ وفاة ابن ماجد، إلا أنه توفي بعد عام 904هـ، بعدما ترك بصمة كبيرة في علم الملاحة والجغرافيا ما زال أثرها موجودًا إلى اليوم.


[1] د/ عبد الرحمن حميدة: أعلام الجغرافيين العرب ص615.
[2] د/ علي بن عبد الله الدفاع: رواد علم الجغرافية في الحضارة العربية والإسلامية ص233.
[3] د/ عبد الرحمن حميدة: أعلام الجغرافيين العرب ص615.
[4] ابن ماجد: الفوائد في أصول علم البحر والقواعد ص343، نقلاً عن حسن صالح شهاب: أحمد بن ماجد والملاحة في المحيط الهندي ص30.
[5] إبراهيم خوري: أحمد بن ماجد حياته، مؤلفاته، استحالة لقائه بفاسكو دي جاما ص51.
[6] حسن صالح شهاب: أحمد بن ماجد والملاحة في المحيط الهندي ص31-32.
[7] حسن صالح شهاب: أحمد بن ماجد والملاحة في المحيط الهندي ص51.
[8] د/ عبد الرحمن حميدة: أعلام الجغرافيين العرب ص616.
[9] حسن صالح شهاب: أحمد بن ماجد والملاحة في المحيط الهندي ص52.
[10] إبراهيم خوري: أحمد بن ماجد حياته، مؤلفاته، استحالة لقائه بفاسكو دي جاما ص66-67.
[11] حسن صالح شهاب: أحمد بن ماجد والملاحة في المحيط الهندي ص52.
[12] حسن صالح شهاب: أحمد بن ماجد والملاحة في المحيط الهندي ص53-55.
[13] إبراهيم خوري: أحمد بن ماجد حياته، مؤلفاته، استحالة لقائه بفاسكو دي جاما ص87.
[14] إبراهيم خوري: أحمد بن ماجد حياته، مؤلفاته، استحالة لقائه بفاسكو دي جاما ص77.
[15] حسن صالح شهاب: أحمد بن ماجد والملاحة في المحيط الهندي ص43.
[16] المصدر السابق.
[17] ممباسا: هي ثاني أكبر مدن كنيا وميناؤها الرئيس.
[18] د/ عبد الرحمن حميدة: أعلام الجغرافيين العرب ص616، 617.
[19] كراتشكوفسكي: تاريخ الأدب الجغرافي العربي، ترجمة صلاح الدين عثمان هاشم 2/ 577.
[20] كراتشكوفسكي: تاريخ الأدب الجغرافي العربي، ترجمة صلاح الدين عثمان هاشم 2/ 577.

السابق
ابن جبير – الجغرافي الفاضل
التالي
ياقوت الحموي – الجغرافي الأديب