المسلمون في أفريقيا جنوبي الصحراء

الإسلام والدول الإسلامية فى غرب إفريقيا

يقتضى الحديث عن الإسلام والدول الإسلامية التى قامت فى بلدان غربى إفريقيا، التى كانت تعرف ببلاد «السودان الغربى»؛ أن نبدأ بإعطاء نبذة عاجلة عن انتشاره أولا بين بربر الصحراء الكبرى، الذين كانوا يعرفون باسم «الطوارق» أو «الملثمين» أو «الصنهاجيين»، فهذه القبائل هى التى قامت بجهد كبير فى نشر الإسلام فى بلاد «السودان الغربى».

وقد انتشر الإسلام فى البداية فى شمال إفريقيا؛ بحيث لم يأتِ القرن الثانى الهجرى حتى كانت «بلاد المغرب» قطرًا إسلاميا خالصًا وكانت الصحراء الكبرى تحد «بلاد المغرب» من ناحية الجنوب، ويسكنها قبائل «الطوارق» أو «الملثمين»، ويلى هذه الصحراء «بلاد السودان الغربى»، التى كانت بها دولة وثنية تعرف بدولة «غانة»، وهى من أقدم الدول التى ظهرت فى هذه البقعة النائية من إفريقيا، ولكى يصل الإسلام إلى غربى إفريقيا كان لابد أن ينتشر أولا بين قبائل «الطوارق»، ثم يتسرب من خلالهم إلى دولة «غانة» الوثنية، وقد بدأت المحاولات الأولى لنشر الإسلام بين ديار «الملثمين» فى ولاية «عقبة بن نافع الفهرى» الثانية (60 – 63هـ) فى عهد «بنى أمية»؛ إذ استطاع هذا القائد أن يتدفق بقواته إلى «المغرب الأقصى»، ثم هبط جنوبًا إلى «إقليم السوس الأدنى»، ثم واصل تقدمه حتى وصل إلى مدينة «ماسه» بالسوس الأقصى، وأشرف على مدينة «أغمات»، وتوغّل فى بلاد «الملثمين» (مسوفة ولمتونة وجدالة) حتى وصل إلى مدينة «تارودنت»، وتذكر بعض الروايات أنه وصل إلى بلاد «غانة» و «التكرور».

كان «عقبة» أول من دعا «الملثمين» إلى الإسلام كأول عربى مسلم يرتاد هذه الأقاصى، ولما جاء «موسى بن نصير» فاتح «الأندلس» أتمَّ ما بدأه «عقبة»، فقد وصل إلى مواطن «الملثمين»، ودعاهم إلى الإسلام وأنشأ مسجدًا فى مدينة «أغمات» التى غدت من أهم مراكز الإسلام وثقافته فى «المغرب الأقصى».

وعندما قامت «دولة الأدارسة» فى «المغرب الأقصى» (172 – 373هـ = 788 – 983م) وحدوا بين السهول الساحلية وإقليم المراعى، كما وحدوا بين قبائل «صنهاجة» ووجهوا أنظارهم إلى نشر الإسلام فكانوا أشبه بالدعاة منهم بالولاة، فانتشر الإسلام فى إقليم «الواحات» بعد أن أصبحت مضارب «الملثمين» القريبة من جبال «أطلس» (تعرف بجبال درن) خاضعة للأدارسة وجزءًا من أملاكهم، وقد أدَّى إسلام قبائل «الملثمين» فى القرن الثالث الهجرى، إلى قيام حلف قوى جمع بين قبائل «صنهاجة» (لمتونة وجدالة ومسوفة) بزعامة «لمتونة»، وكان هذا الحلف يشير إلى موجة من التوسع صوب الجنوب؛ لنشر الإسلام بين القبائل الزنجية بالسودان الغربى.

فقد استطاع «تيولوتان» زعيم هذا الحلف أن يحمل راية الجهاد، ودان له معظم ملوك «السودان الغربى»، واستولى على مدينة «أودغشت»، التى كانت محطة رئيسية لقوافل الصحراء، واتخذها عاصمة له بعد أن خلصها من يد ملك «غانة» الوثنى.

تُوفِّى «تيولوتان» عام (222هـ= 836م) وتفرق الحلف الصنهاجى أثناء حكم أحفاده عام (306هـ= 918م) واستطاعت مملكة «غانة» أن تستعيد مدينة «أودغشت»، واحتفظت تلك المملكة بقوتها كأعظم ما تكون فى «السودان الغربى»، حتى قام الحلف الصنهاجى الثانى عام (426هـ = 1035م) بزعامة الأمير «أبى عبدالله بن يتفاوت اللمتونى»، الذى استأنف الجهاد وحارب «غانة» وقبائل من «السودان»، لكنه استشهد فى موقعة «غارة» بالقرب من مدينة «تاتكلاتين» عام (429هـ= 1038م) بعد ثلاث سنوات من حكمه، وبذلك أخفق «الملثمون» فى استعادة «أودغشت» والسيطرة عليها مرة أخرى.

وكان من نتيجة هذه الهزيمة أن تخلَّتْ «لمتونة» عن زعامة «الملثمين» وخلفتها فى الزعامة قبيلة «جدالة» فى شخص «يحيى بن إبراهيم الجدالى» الذى اتبع طريقة أسلافه فى الجهاد داخل بلاد «السودان الغربى» لنشر الإسلام، وأسس دولته على دعوة دينية إصلاحيةرائدها فقيه مغربى مالكى يدعى «عبدالله بن ياسين» فامتد بذلك نفوذ المذهب المالكى من «القيروان» إلى «المغرب الأقصى» ثم تخطى حدود هذا الإقليم نحو الجنوب وانتشر فى بلاد «السودان الغربى».

وبعد موت الأمير «يحيى بن إبراهيم» أصبح «عبدالله بن ياسين» بلا معين، وفقد الحماية التى كان يبسطها عليه زعيم «جدالة» ورئيس الحلف الصنهاجى، وأصبح وجوده غير مرغوب فيه، لتشدده فى تنفيذ التعاليم الإسلامية، ولاختياره «يحيى بن عمر اللمتونى» خلفًا ليحيى بن إبراهيم الجدالى، فنقل الزعامة بذلك من «جدالة» إلى «لمتونة».

لهذا كله رحل «ابن ياسين» إلى بلاد «السودان الغربى» وأقام رباطًا أو رابطة هناك فى أحد الأودية على حافة الصحراء الجنوبية قرب مضارب «لمتونة»، ناحية مصب «نهر السنغال» وتبعه كثير من الذين آمنوا بدعوته، ولما ازدادت قوته قام يجاهد قبائل البربر ويدعوهم إلى تنفيذ تعاليم الإسلام الحقَّة ومعه «يحيى بن عمر» وأخوه «أبو بكر بن عمر اللمتونى»، لكن «يحيى» استشهد عام (448هـ = 1056م)، فأخذ «ابن ياسين» البيعة لأخيه «أبى بكر» وأقامه مكانه، وتوجَّه لقتال «برغواطة» عام (451هـ = 1059م) حيث استشهد «ابن ياسين» من جراح أصابته.

وبعد أن فرغ «أبو بكر» من السيطرة على قبائل «الملثمين» وأعاد الأمن إلى الصحراء رأى أن يوجه جهوده لمحاربة الوثنيين فى بلاد السودان الغربى».

وكان «ابن ياسين» قد انتزع مدينة «أودغشت» من ملك «غانة» بل وجاوزها إلى ناحية الجنوب فاتخذها الأمير «أبو بكر» مرتكزًا له فى جهاده ضد ملك «غانة»، وبعد جهاد دام أكثر من خمس عشرة سنة استولى «أبو بكر» على القسم الأكبر من مملكة «غانة» وضمه إلى دولته.

ثم رحل هذا الأمير بعد ذلك إلى الشمال فى عام (464هـ = 1072م) قاصدًا «مرَّاكش» التى كان قد بناها عام (454هـ = 1062م)، وتم الصلح بينه وبين ابن عمه «يوسف بن تاشفين» على أساس أن يترك«أبو بكر» لابن تاشفين بلاد «المغرب الأقصى»، وأن يعود هو إلى الصحراء مؤثرًا وحدة الصف، متجنبًا سفك الدماء، وكرس كل جهوده للتوسع فى بلاد «السودان» ونشر الإسلام بين قبائله، وكان هدفه هذه المرة هو إسقاط إمبراطورية «غانة» الوثنية التى أصبحت دولة «غانة» الإسلامية فيما بعد.

دولة غانة الإسلامية [469 – 600 هـ = 1076 – 1203م]: «غانة» التى نقصدها بهذا الحديث ليست هى «غانا» التى تقع اليوم فى أقصى الجنوب من غرب إفريقيا وعاصمتها «أكرا» وإنما هى التى تقع بين منحنى «النيجر» و «نهر السنغال»، وتضرب حدودها فى جنوبى «موريتانيا» الحالية، وكانت عاصمتها مدينة تُسمَّى «كومبى» وتقع على بعد (200) ميل شمال «باماكو» عاصمة دولة «مالى» الحالية.

وكانت غانة القديمة متسعة النفوذ والسلطان حتى قيل عنها: إنها كانت إمبراطورية خضع لها معظم بلاد «السودان الغربى» فى النصف الأول من العصور الوسطى. وتعد هذه الدولة أو الإمبراطورية من أقدم ممالك غربى إفريقيا شمال نطاق الغابات، ويرجع تاريخ نشأتها إلى الفترة مابين القرن الثالث والرابع الميلاديين، ويبدو أن كلمة «غانة» كانت لقبًا يطلق على ملوكهم، ثم اتَّسع مدلول هذا الاسم حتى أصبح يطلق على العاصمة والإمبراطورية. وقد قامت هذه الدولة على يد جماعة من البيض وفدوا من الشمال، وكان أول ملوكهم المدعو «كازا» قد اتَّخذ مدينة «أوكار» قرب «تمبكت» الحالية عاصمة له، وكان الشعب يتكون من قبائل «السوننك»، وهى أحد فروع شعب «الماندى» الذى يسكن معظم نواحى غرب إفريقيا.

واستطاعت هذه الدولة منذ أواخر القرن الثامن الميلادى، وبعد أن انتقل الحكم إلى فرع «السوننكى» – أن تُخضِع بلاد «فوتا» حيث التكرور والولوف والسرير، ووصل هذا التوسع إلى نهايته القصوى فى مستهل القرن الحادى عشر للميلاد، فأصبحت «غانة» تسيطر على المسافات الممتدة من أعالى «نهر السنغال» وأعالى «نهرالنيجر»، وامتد نفوذها إلى موقع «تمبكت» شرقًا وبلاد «التكرور» أو «السنغال» غربًا، وينابيع نهر «النيجر» جنوبًا، وأغلب الصحراء الغربية (موريتانيا حاليا) شمالا، وانتقلت عاصمتها إلى مدينة «كومبى» أو «كومبى صالح» وهى نفسها مدينة «غانة».

وقد اعتمدت إمبراطورية «غانة» على التجارة كمصدر رئيسى فى اقتصادها خاصة تجارة الذهب، حتى صارت تعرف ببلاد الذهب، وأصبح ملوك «غانة» من أغنى ملوك الأرض؛ بفضل سيطرتهم على الطرق المؤدية إلى مناجم الذهب والتى كانت تقع فى منطقة «وانقارة» أو «وانجارة» جنوبى مملكة «غانة».

وقد أدَّى رواج التجارة إلى أن أصبحت «غانة» (العاصمة «كومبى صالح») أكبر أسواق بلاد «السودان»، ودخل الإسلام إليها سلميا عن طريق التجار والدعاة المسلمين، ويتبين هذا من رواية «البكرى» الذى زار هذه البلاد فى عام (460هـ = 1068م)، وذكر أن مدينة «غانة» مدينتان يحيطهما سور، إحداهما للمسلمين وبها اثنا عشر مسجدًا، يُعيَّن لها الأئمة والمؤذِّنون، والقضاة، أما المدينة الأخرى، فهى مدينة الملك وتسمى بالغابة، وبها قصر الملك ومسجد يصلى فيه من يَفدُ عليه من المسلمين. ويضيف «البكرى» أن مترجمى الملك وصاحب بيت ماله وأكثر وزرائه كانوا من المسلمين، وهذا يدل على أن الإسلام قد انتشر بين زنوج غربى إفريقيا لدرجة أن شعب «التكرور» بأكمله أسلم على يد الملك «وارجابى بن رابيس» الذى توفى عام (432هـ = 1040م)، كذلك امتد الإسلام إلى مدينة «سلى» التى تقع بين «التكرور» و «غانة»، وإلى مدينة «غيارو» التى تبعد عن مدينة «غانة» مسيرة (18) يومًا.

ويتحدث «البكرى» عن مملكة أخرى هى مملكة «ملل» ويقصد بها مملكة «مالى» التى تقع جنوبى مملكة «غانة»، ويقول: إن ملكها يعرف بالمسلمانى لأنه أعلن إسلامه على يد أحد الفقهاء المسلمين الذى خرج معه للاستسقاء بعد أن أجدبت البلاد وكاد الناس يهلكون،ولما استجاب الله وهطل المطر أمر الملك بتحطيم الدكاكير (أى الأصنام)، وأخرج السحرة من بلاده، وأسلم هو وأهله وخاصته وحَسُنَ إسلامهم، على الرغم من أن أغلب أهل مملكته كانوا وثنيين.

ويتحدث «البكرى» أيضًا عن مدن أخرى أهلها مسلمون مثل مدينة «كونمة» ومدينة «الوكن» ومدينة «كوكو» عند انحناءة «نهر النيجر» تجاه بلاد «الهوسا»، والمدينة الأخيرة مدينتان، مدينة الملك ومدينة المسلمين، ويبدو أن ملكهم كان مسلمًا، بدليل ما يذكره «البكرى» من أن ملكهم كان يتسلَّم عند تنصيبه خاتمًا وسيفًا ومصحفًا، يزعمون أن أمير المؤمنين بعثها إليه. ويصرح «البكرى» فى نهاية حديثه بأن ملكهم مسلم ولا يتولى العرش أحد من غير المسلمين.

وحتى يسير الإسلام فى مجراه الطبيعى ويستقر بين هذه الشعوب التى آمنت به، وحتى ينتهى دور «غانة» فى مناهضة الإسلام والاعتداء على القبائل المسلمة كان الهدف الأساسى الذى كرَّس له الأمير «أبو بكر بن عمر اللمتونى» زعيم «الملثمين» جهوده هو الاستيلاء على «غانة» وإخضاعها لدولة المرابطين التى أقامها هؤلاء «الملثمون» من قبائل صنهاجة.

وعلى الرغم من أن أغلب المصادر تغفل تفاصيل جهاد هذا الأمير فى بلاد «السودان الغربى» فإننا نعرف أنه استطاع أن يفتح مملكة «غانة»، وأن يستولى على العاصمة عام (469هـ = 1076م) ويسقط الحكومة الغانية الوثنية. ومنذ ذلك الوقت يمكن أن يؤرخ لإمبراطورية «غانة» الإسلامية حتى اختفائها من التاريخ فى مطلع القرن الثالث عشر الميلادى. فقد أضحت حكومتها إسلامية، ويقال إن ملكها اعتنق الإسلام بدليل أن المرابطين تركوه فى الحكم بعد أن أعلن الخضوع ودفع الخراج لهم. وبإسلام هذا الملك دخل عدد كبير من سكان المملكة فى الإسلام.

ولم تستمر سيطرة المرابطين على «غانة»؛ إذ سرعان ما تخلَّصت من هذه السيادة على أثر اغتيال الأمير «أبى بكر» أمير المرابطين عام(480هـ = 1087م) على يد أتباع أحد زعماء قبائل «الموسى» بجنوب «داهومى» وانتهزت بلاد «السودان الغربى» هذه الفرصة وما تبعها من اضطراب الجيوش المرابطية هناك بعد موت قائدها فأعلنت «غانة» استقلالها وانفصالها عن الدولة المرابطية، ونقضت تبعيتها لها، وفى الوقت نفسه استطاعت بعض الولايات التى كانت تابعة لإمبراطورية «غانة» أن تنفصل هى الأخرى وتستقل فى حكمها، مثل مملكة «أنبارة» وولاية «ديارا» و «كانياجا»، وأصبحت ممالك مستقلة، بينما أصبحت سلطة ملوك «غانة» لا تتعدَّى «أوكار» و «باسيكورو» مما أضعف الدولة ومهد للقضاء عليها.

ومعنى ذلك أن فتح المرابطين لغانة لم يقض عليها تاريخيا، ولكنه حولها إلى الإسلام، وجاءت الصدمة القاضية على الوجود التاريخى لإمبراطورية «غانة» على يد قبائل «الصوصو» الوثنية التى استقلت بولاية «كانياجا» كما سبق القول، وكانوا من قبل يدفعون الجزية لحكومة «غانة» لفترة طويلة. وفى مطلع القرن الثالث عشر الميلادى استولى أعظم أباطرة «الصوصو» وهو «سومانجورو» على العاصمة «كومبى صالح» فى عام (600هـ= 1203م) بعد معركة طاحنة مع ملك «غانة» الإسلامية.

وبذلك أنهى «الصوصو» سيادة الملوك الغانيين المسلمين فتفرقوا فى البلاد، وقام زعيم «الصوصو» بالاتجاه نحو الجنوب؛ حيث توجد دولة «الماندنجو» النامية فى «كانجابا» واستولى عليها ولكن أحد أبناء ملك «كانجابا» ويسمى «سندياتا» أو (مارى جاطهـ) نجح فى استرداد الأراضى التى ضاعت من أبيه، بل واستطاع أن يقضى على «سومانجورو» نفسه وأن يضم جميع أملاك «الصوصو» إليه. وذلك بعد موقعة حربية فاصلة (632هـ = 1235م)، وفى عام (638هـ = 1240م) نجح «مارى جاطة» فى تدمير ما بقى من «كومبى صالح» عاصمة «غانة»، وكان ذلك هو الفصل الختامى فى اختفاء إمبراطورية «غانة» من مسرح التاريخ.

وعلى الرغم من أن «غانة» الإسلامية لم تعمَّر طويلا فإن أهلهاوأغلبهم من «السوننك» اشتهروا بحماسهم للإسلام وبالدعوة إليه، حتى إن بعض العشائر السوننكية تكاد تختص بالعمل فى الدعوة إلى الإسلام، بل إن كلمة «سوننك» فى أعالى نهر «غمبيا» استخدمها «الماندنجو» الوثنيون مرادفة لكلمة «داعية»، مما يدل على الدور الكبير الذى نهض به «السوننك» فى نشر الإسلام.

ويبدو أن هذه الدفعة التى دفعها المرابطون للإسلام كانت من القوة بحيث تركت فى تاريخ الإسلام فى غربى إفريقيا آثارًا عميقة، ذلك أن دعاة المرابطين نشروا الإسلام فى المنطقة الواقعة بين «السنغال» و «النيجر» وعلى ضفاف «السنغال»، وتمخض ذلك عن إسلام شعب «التكرور» الذى عمل بدوره على متابعة الدعوة إلى هذا الدين الحنيف بين قبائل «الولوف» و «الفولبة» (الفولانى) و «المندنجو».

وفى ركاب المرابطين دخلت الثقافة الإسلامية متدفقة من مدارس «المغرب» و «الأندلس»، فقد وحَّد المرابطون بين «السودان الغربى» و «المغرب» و «الأندلس» فى دولة واحدة. وفى عهدهم تم تأسيس مدينة «تمبكت» التى أصبحت حاضرة الثقافة العربية فى غربى «السودان» وقد أسَّسها قوم من طوارق «مقشرن» فى آخر القرن الخامس الهجرى، وأصبحت سوقًا مهمة يؤمُّها الرحالة ويَفِدُ إليها التجار من «مَرَّاكُش» و «السودان».

وسرعان ما اقتفى العلماء أثر التجار فوفدوا إليها من «المغرب الأقصى» و «الأندلس»، بل ومن «مصر» و «توات» و «تافللت» و «فاس» وغيرها، وأصبح مسجدها الجامع الذى يسمى مسجد «سنكرى» جامعة إسلامية زاهرة فى هذه البقعة النائية، وامتدَّ الإسلام إلى مدينة أخرى كان لها ما لتمبكت من أثر فى تاريخ الإسلام والثقافة العربية، وهى مدينة «جنى» التى أسلم أهلها آخر القرن الخامس الهجرى، وأمَّها الفقهاءُ والعلماءُ، كما انتشرت اللغة العربية بين كثير من أهالى دولة «غانة» الإسلامية، وأصبحت لغة العبادة والثقافة الوحيدة بالبلاد بجانب كونها لغة التجارة والمعاملات.

انتهى هذا الدور بانتشار الإسلام فى بلاد «السودان الغربى» على نطاق واسع، وبتوطُّن الثقافة العربية فى مركزين مشهورين فى «تمبكت» و «جنى»، وبسقوط مملكة «غانة» الإسلامية على يد «الصوصو»، وورثتها مملكة «مالى» الناشئة، وبدأ دور جديد يمكن أن نسميه دور الازدهار فى تاريخ الدول والممالك الإسلامية التى قامت فى غرب إفريقيا فى العصور الوسطى.

وفى هذا الدور انتقلت السلطة إلى أهل البلاد الأصليين الذين دخلوا الإسلام وتشربوا من ثقافته واقتبسوا من نظمه، وهو التطور نفسه الذى حدث فى «المغرب» حينما انتقل السلطان إلى أهل البلاد أنفسهم، بل شهده كل قطر دخله الإسلام وتغلغل فيه.

ومن الدول الإسلامية التى قامت من أهل البلاد الأصليين فى غربى إفريقيا دولة «مالى» ودولة «صنغى» ودولة «الكانم والبرنو». وهذه الدول بعد قيامها كانت تشتغل بالحياة الإسلامية وتتخذ مظهرًا إسلاميا واضح المعالم.

السابق
الاسلام في شرق افريقيا
التالي
الإسلام والسلطنات الإسلامية فى منطقة الساحل الشرقى لإفريقيا