الدولة العثمانية

الاستعمار الأوربى فى الوطن العربى حتى الحرب العالمية الأولى

الاستعمار: هو السيطرة التى تفرضها دولة قوية على أخرى ضعيفة، وهذه السيطرة قد تأخذ أشكالا مختلفة، مثل السيطرة العسكرية على البلاد أو السيطرة الفكرية والاقتصادية على الأمم المقهورة.

وقد ادعت الدول الأوربية كذبًا أنها قامت بحركة التوسع الاستعمارى بهدف تحضير وتطوير العالم الثالث، وأن ذلك رسالة الرجل الأبيض تجاه شعوب العالم الثالث، وليس أبلغ فى الدلالة على كذب هذه الدعوى من رفض الكتاب والمفكرين الغربيين لها.

كانت الدولة العثمانية فى القرنين الخامس عشر والسادس عشر قوة عظمى تسيطر على غرب ووسط «آسيا» وشمال «إفريقيا»، وجنوب شرق «أوربا»، ثم أخذت الدولة العثمانية فى الضعف وطمعت دول «أوربا» فى ممتلكاتها.

 

الاستعمار البريطاني

أولا: الجنوب العربى

تعرض الجنوب العربى وبخاصة «عدن» لسيطرة الاستعمار المبكرة، ففى سنة (1214هـ= 1799م) احتلت «بريطانيا» «بريم»، وعين أول مندوب بريطانى فى اليمن سنة (1216هـ= 1801م)، ثم أنشأ الإنجليز مستودعًا للفحم سنة (1245هـ= 1829م)، وأرادت «إنجلترا» أن تشترى مرفأ «عدن» من السلطان العثمانى ولكنه رفض واستولت عليه بالقوة فى (1255هـ= 1839م).

وبعد افتتاح «قناة السويس» سنة (1286هـ= 1869م) امتد نفوذ «بريطانيا» إلى «حضرموت»، واخترعت نوعًا جديدًا للسيطرة الاستعمارية وهو فرض الحماية على كل زعماء ومشايخ المنطقة كل على حدة.

ثانيًا: وادى النيل

أراد «إسماعيل باشا» والى «مصر» أن يتشبه بالمدنية الأوربية، وأن يجعل «مصر» قطعة من «أوربا»، وعمل على أن تكون له إمبراطورية إفريقية امتدت جنوبًا إلى خط الاستواء؛ حيث ضمت «دارفور» ومنابع «نهر النيل»، كما ضمت «إريتريا» و «هرر» و «الصومال» فى شرق «إفريقيا»، ولكنه مع ذلك أغرق نفسه فى الديون التى شجعته عليها دول «أوربا» حتى وقع فى أزمة مالية، فانتهزت «إنجلترا» الفرصةللتدخل فى شئون «مصر» ماليا، فجاءت البعثات الغربية للمحافظة على أموال الدائنين، ثم أنشئ صندوق الدَّين للحد من حرية تصرف الدولة المصرية فى الإدارة والحكم، وكان هذا التدخل السياسى تمهيدًا للتدخل العسكرى من جانب «إنجلترا» فى عهد الخديو «توفيق»، الذى تولى بعد عزل الخديو «إسماعيل».

ولما قامت الثورة العرابية بقيادة «أحمد عرابى» مطالبة بحق المصريين فى قيادة الجيش ومناصب الدولة العليا، أذعن الخديو لبعض مطالبها ثم تشكلت وزارة برئاسة «محمود سامى البارودى» تولى «عرابى» فيها نظارة الحربية، ولكن «إنجلترا» و «فرنسا» أخذتا فى تصعيد الأزمة بين الخديو ووزارة «البارودى»، ثم تطور الأمر فأرسلت «إنجلترا» و «فرنسا» أساطيلها إلى مياه «الإسكندرية» وطالبتا – فى مذكرة مشتركة – الحكومةَ المصرية بإبعاد زعماء الحركة العرابية عن «مصر» وإقالة حكومة «البارودى»، فرفض الوزراء والشعب هذه المذكرة، ولكن الخديو قبلها، وكان من الصعب تشكيل وزارة بدون «عرابى»، الذى أصبح ينال تأييد كلٍّ من الجيش والشعب، ولكن «إنجلترا» التى كانت مصممة على احتلال «مصر» بدأت أساطيلها فى ضرب «الإسكندرية» يوم (11 من يوليو 1882م) واضطر الجيش المصرى إلى إخلاء المدينة، ثم تقدمت القوات الإنجليزية حتى احتلت «القاهرة»، بعد أن هزمت العرابيين فى معركة «التل الكبير» فى (ذى القعدة 1300هـ= سبتمبر 1882م).

الحركة المهدية

نشأت الحركة المهدية فى «السودان» على يد السيد «محمد أحمد المهدى»، الذى نشأ بالقرب من «دنقلة»،وحفظ القرآن الكريم وتعلم الفقه والحديث والتوحيد.

نادى «المهدى» بالتمسك بكتاب الله وسنة نبيه، وهاجم الاختلاف فى الشروح والمسائل الفقهية الفرعية.

وكان من أسباب قيام الحركة المهدية إرهاق حكومة «السودان» المواطنين بالضرائب، واحتكارها للمحاصيل والسلع التجارية المهمة، وإهمال السودان وعدم إرسال الإمدادات إليه أثناء انشغال «مصر»بالحركة الوهابية، فاستغل أنصار «المهدى» انشغال العرابيين بالاحتلال الإنجليزى فاستولوا على «كردفان»، فقاد «هكس باشا» حملة مصرية للقضاء على المهديين، ولكن الحملة فشلت وقضى المهديون عليها، فطلب الإنجليز من الحكومة المصرية سحب قواتها من «السودان»، ولكن «شريف باشا» رئيس الوزارة رفض وقدم استقالته احتجاجًا على السياسة البريطانية، وخلفه «نوبار باشا» الذى استجاب وسحب الجيش المصرى من «السودان».

ثم عهد الإنجليز إلى «غوردون باشا» بأمر الانسحاب فاستهان بأمر «المهدى» وحركته، فزحف «المهدى» إليه وحاصره فى «الخرطوم» وقتلوا «غوردون باشا»، مما كان له أثر كبير فى انتشار المهدية فى ربوع «السودان».

ثم تُوفى «المهدى» فى سنة (1303هـ= 1885م) وخلفه «عبد الله التعايشى» الذى لم يكن على مستوى «المهدى» ونفوذه، فحاول غزو «مصر» ولكنه فشل ثم أرسل الإنجليز حملة كبيرة بقيادة «كتشنر» تمكنت من هزيمة المهدية والقضاء على حركتهم واحتلال «السودان».

الاحتلال الفرنسى للمغرب العربى

أولاً: الجزائر

أرادت الحكومة الفرنسية فى عهد الملك «شارل العاشر» أن تصرف شعب «فرنسا» عن الثورة، وأن تشغله عن المشاكل الداخلية بالدخول فى مغامرات خارجية تحقق بها أمجادًا وانتصارات ترضيه بها، وكانت الجزائر فى ذلك الوقت دولة لها ديون على «فرنسا»، والتى اتخذت من قصة المذبَّة المشهورة ذريعة لاحتلال «الجزائر» فى يوليو سنة (1246هـ= 1830م).

ولكن «الجزائر» لم تهدأ فقامت المقاومة بقيادة الأمير «عبد القادر الجزائرى» الذى أعلن قيام إمارة مستقلة فى جنوب «الجزائر»، ولكن «فرنسا» بعد عقدها معاهدة مع الأمير نقضت بنودها، وتشددت فى قتاله حتى استولت على أغلب مدن «الجزائر» فالتجأ الأمير «عبدالقادر» إلى «مراكش»، ولكن «فرنسا» أنذرت سلطان «مراكش» بعدم قبول الالتجاء، فسلم «عبد القادر» نفسه إليهم، حيث نفى إلى «دمشق» ليقضى بقية حياته بالشام.

احتلال تونس

أراد حكام «تونس» إدخال المدنية الغربية إلى بلادهم، ومن أجل ذلك قبلوا الاستدانة من دول «أوربا»، مما أوجد فى النهاية الفرصة للتدخل الأجنبى فى شئون «تونس».

وكانت «فرنسا» هى المعنية بالدرجة الأولى بأمر «تونس»، ولكى تبرر تدخلها السافر فى أمر «تونس»، ادعت قيام إحدى القبائل التونسية بالاعتداء على عمال فرنسيين، فدخلت قوات «فرنسا» «تونس» وحاصرت العاصمة وأجبرت الباى على توقيع «اتفاقية تاردو» سنة (1299هـ= 1881م)، والتى يعترف فيها بالحماية الفرنسية على «تونس»، وبحق «فرنسا» فى إبقاء قواتها فى الأراضى التونسية بالإضافة إلى رعاية «فرنسا» لمصالح «تونس» فى الخارج، أى قبوله احتلال «فرنسا» لتونس.

ولكن الشعب التونسى رفض قبول هذه الاتفاقية وثار عليها، ولكن القوات الفرنسية المجهزة بأحدث الأسلحة أخمدت هذه الثورة بكل عنف سنة (1301هـ= 1883م) وقيدت الباى بمعاهدة جديدة استكملت بها احتلال «تونس».

احتلال مراكش

أرادت «فرنسا» أن تكون «مراكش» مكملة لمستعمراتها فى «المغرب العربى»، فدخلت فى صراع مع عدد من دول أوربا، فإسبانيا ترى فيها مجالاً حيويا لتمد سلطانها إلى الجنوب، و «إنجلترا» تريد السيطرة على «مضيق جبل طارق»، و «ألمانيا» التى دخلت حلبة الصراع الاستعمارى متأخرة تريد أن تكون «مراكش» مستعمرة لها، ولكن «إنجلترا» التى خشت من تزايد قوة البحرية الألمانية عقدت مع «فرنسا» ما عرف بالاتفاق الودى (1322هـ= 1904م) والذى أنهى النزاع حول «مراكش»، فقد أيدت «بريطانيا» احتلال «فرنسا» لمراكش فى مقابل عدم مطالبة «فرنسا» «إنجلترا» بالانسحاب من «مصر»، كما عقدت «فرنسا» معاهدة مع «إسبانيا» اعترفت فيها «إسبانيا» بمركز «فرنسا» فى «مراكش» فى مقابل اعتراف «فرنسا» بمركز «إسبانيا» فى منطقة الريف الساحلية المواجهة لإسبانيا.

ولكن «ألمانيا» رفضت ذلك وساندت السلطان المغربى فى مطالبته باستقلال مدينة «طنجة».

وعقد مؤتمر الجزيرة الذى وقفت فيه «إنجلترا» و «إسبانيا» و «إيطاليا» إلى جانب «فرنسا»، وتقرر فى هذا المؤتمر الاعتراف بالنفوذ الفرنسى والإسبانى فى «مراكش».

وانتظرت «فرنسا» الفرصة لاحتلال «المغرب» وواتتها الفرصة سنة (1330هـ= 1911م) عندما ثارت القبائل على السلطان «عبد الحفيظ» الذى استنجد بفرنسا التى سارعت إلى نجدته ودخلت قواتها مدينة «فاس» فى (ربيع 1330هـ= مارس 1911م)، ثم عقدت معاهدة الحماية مع السلطان «عبد الحفيظ» سنة (1331هـ= 1912م)، كما تمت التسوية بين «فرنسا» و «إسبانيا» فى (نوفمبر 1912م) وحددت مناطق نفوذ كل منهما، واتفق على أن يعين السلطان خليفة له فى منطقة الريف التى تخضع للنفوذ الإسبانى، وبذلك دخل «المغرب» تحت الاحتلال الفرنسى من ناحية، والإسبانى من ناحية أخرى.

الاحتلال الإيطالى لليبيا

بعد أن أتمت «إيطاليا» وحدتها أخذت تهيئ نفسها لدخول حلبة الاستعمار الأوربى، ولكنها وجدت معظم الأقطار الإفريقية والأسيوية وقعت فريسة فى يد «إنجلترا» أو «فرنسا»، ولكنها رأت أن «ليبيا» التى تقع فى شمال «إفريقيا»، والتابعة للدولة العثمانية من الممكن أن تكون مستعمرة إيطالية، فأخذت الحكومة الإيطالية ترسل الإرساليات المختلفة من مدارس ومستشفيات وبنوك لتقرض الأهالى ثم تستولى على أراضيهم.

ثم لعبت السياسة الاستعمارية دورها فأعلنت «إيطاليا» الحرب على الدولة العثمانية، وقامت باحتلال «ليبيا» سنة (1330هـ= 1911م)، لتكون مستعمرة لها، ومن أجل صرف نظر السلطان العثمانى عن «ليبيا» قامت «إيطاليا» بمهاجمة ميناء «الدردنيل» وميناء «بيروت» وساحل «اليمن»، وافتعلت ثورة فى منطقة «البلقان» لتجبر السلطان العثمانى على توقيع معاهدة سنة (1331هـ= 1912م) والتى اعترف فيها باستعمار «إيطاليا» لليبيا، مقابل اعتراف «إيطاليا» بالسيادة الروحية لتركيا، ولكن الشعب الليبى أخذ يقاوم الاحتلال عن طريقالزوايا السنوسية التى نظمت حركة الجهاد أثناء الحرب العالمية الأولى، وعقدت عدة اتفاقيات حتى الحرب العالمية الثانية، حيث نالت «ليبيا» استقلالها.

الحركة السنوسية

تنتسب هذه الحركة إلى مؤسسها السيد «محمد بن على السنوسى» الذى اتصل بالحركة الوهابية وتأثر بها أثناء قيامه بأداء فريضة الحج، ثم قام بإنشاء أول زاوية له بالحجاز سنة (1253هـ= 1837م)، ثم اتجه إلى موطنه الأصلى فى «الجزائر» سنة (1256هـ= 1840م)،ولكنه آثر تركها لوجود الاحتلال الفرنسى بها واتجه إلى «ليبيا»، وهناك التف حوله الأنصار والأتباع واتسعت حركته وانتشرت الزوايا السنوسية فى أنحاء «ليبيا»، وكانت تخضع للزاوية الرئيسية فى واحة «جغبوب» ثم فى «واحة الكفرة».

وقد نادى «السنوسى» بالعقيدة الإسلامية الصحيحة، وتحكيم شرع الله، والعمل على محاربة البدع والمنكرات التى انتشرت فى بعض أنحاء العالم الإسلامى.

كما دعا وتمسك بضرورة الانضواء تحت لواء الخلافة العثمانية على أنها الأمل الباقى لجمع المسلمين وتوحيد كلمتهم، وقد تصدى السنوسيون بكل قوة للاحتلال الإيطالى، وقادت الزوايا السنوسية حركة الجهاد ضده، وقد أحرز السنوسيون العديد من الانتصارات على القوات الإيطالية.

السابق
بناء مصر الحديثة فى عهد محمد على
التالي
السلطان عبد الحميد الثانى وانهيار الدولة