المسلمون في أفريقيا جنوبي الصحراء

الاسلام في شرق افريقيا

يقصد بتاريخ الإسلام فى شرق إفريقيا السلطنات الإسلامية التى ظهرت فى بلاد «الحبشة» و «الزيلع» فى العصور الوسطى، مثل «سلطنة شوا» و «أوفات» و «عدل»، وتلك التى ظهرت على طول الساحل الشرقى من القارة جنوب «الحبشة» حتى «نهر الزمبيزى» فى «موزمبيق»، مثل سلطنة «مقديشيو» و «بات» و «كلوا».

أ – الإسلام والسلطنات الإسلامية فى بلاد الحبشة والزيلع (منطقة القرن الإفريقى):

كان للحبشة صلات قديمة مع بلاد العرب قبل الإسلام، وهى صلات تجارية وسياسية وحربية، تتمثل فى التجارة وفى غزو الأحباش لبلاد «اليمن»، ولم يقطع الإسلام هذه العلاقات وإنما زادها قوة، فاتصال الإسلام بالحبشة يرجع إلى السنة الخامسة من البعثة حين هاجر بعض المسلمين إلى «النجاشى» اعتصامًا بعدله ونجاة من أذى «قريش» وعدوانها.

ثم بدأت الدولة الإسلامية تحتك بالحبشة فى عهد «عمر بن الخطاب» الذى أرسل إليها فى عام (20هـ = 641م) سرية بقيادة «علقمة بن مجزر المدلجى»، كان نصيبها الفشل، ويرى بعض الباحثين أن أخبار هذه الحملة لا تتفق مع علاقات الود التى سادت بين الأحباش والمسلمين منذ أيام الرسول – صلى الله عليه وسلم -، ولم يكن «عمر» بالرجل الذى يخرج على أمر قرره الرسول، والتعليل الصحيح لإرسال هذه السرية أنها أُرسِلت لرد إغارات قراصنة البحر من الأحباش الذين كانوا قد أغاروا على ساحل بلاد «الحجاز» مرة فى عهد الرسول – صلى الله عليه وسلم -، ومرة أخرى فى عهد «عمر بن الخطاب» نفسه، وذلك بعد أن مات «النجاشى» الذى استقبل المهاجرين واعتنق الإسلام سرا، وأعقبه «نجاشى» آخر لم يَرْع هذه العلاقات الطيبة بين المسلمين و «الحبشة»، وقد عاد الأحباش إلى الإغارة على «جدة» عام (83هـ = 702م) فى عهد «بنى أمية»، فلم يجد العرب بُدا من الحصول على قاعدة بحرية قريبة من الشاطئ الإفريقى تمكنهم من رد غارة هؤلاء الأحباش، فاستولوا على جزر «دهلك» وأقاموافيها، وقد وجدت فيها نقوش عربية يرجع تاريخها إلى منتصف القرن التاسع الميلادى. ويبدو أن المسلمين انسحبوا من هذه الجزر بعد ذلك، لكنهم تركوا بها جالية من المسلمين من أهل البلاد، فكانت جزر «دهلك» أول رأس جسر يقيمه المسلمون على الساحل الشرقى لإفريقيا، ويبدو أن هذه كانت آخر محاولة للتدخل الرسمى فى شرقى إفريقيا، فقد ترك الإسلام يتسرب إلى البلاد تسربًا سلميا بطيئًا فى ركاب المهاجرين إلى إفريقيا من التجار والدعاة عبر المسالك البحرية المعهودة.

كانت عودة العلاقات التجارية بين «الحبشة» وبلاد العرب، واتساع دائرتها وخاصة فى تجارة الرقيق، بسبب إقبال الإمارات المستقلة فى الأمصار الإسلامية المختلفة على الاستعانة بالجنود السودانيين عوضًا عن جنود العرب الذين تفرقوا فى الأمصار، وكان لذلك أثر كبير فى نمو المدن الساحلية الزيلعية التى ازدحمت بهؤلاء الوافدين من تجار المسلمين.

وظهرت فى هذا العصر جاليات إسلامية قوية فى «دهلك» و «سواكن» و «باضع» و «زيلع» و «بربرة».

وقد أجمع كتاب القرن العاشر الميلادى مثل «المسعودى» و «ابن حوقل» وغيرهما على ازدهار الحياة الإسلامية فى تلك المدن وتوطد النفوذ الإسلامى على طول السهل الساحلى، وقد ظهرت مدن إسلامية على ذلك الساحل كأنها العقد أو الطراز فى الفترة بين القرن العاشر والثالث عشر الميلادى.

وقد أصبحت هذه المدن الإسلامية الساحلية مراكز وَثَبَ منها التجار والدعاة إلى المناطق الداخلية فى بلاد الزيلع والحبشة؛ إذ كان هؤلاء يرحلون إلى المناطق الداخلية التماسًا للتجارة ويقيمون بعض الوقت ثم ينحدرون إلى الساحل من جديد، وفى أثناء إقامتهم يخاطبون الناس وينشرون الإسلام ويوطدون صلتهم بالطبقة الحاكمة.

ويبدو أن الإسلام نفذ إلى الداخل فى وقت مبكر، ربما فى القرن الثالث الهجرى حين تطرق إلى منطقة «شوا» حيث قامت سلطنة إسلامية عملت على نشر الإسلام فى جنوب وشرق الحبشة، وقدألقى ضوء جديد على تاريخ هذه السلطنة حينما عثر المستشرق الإيطالى «تشيروللى» على مختصر لتاريخها يؤرخ لخمسين عاماً من عمرها (13م).

السابق
الاسلام في الجزر الإسلامية
التالي
الإسلام والدول الإسلامية فى غرب إفريقيا