علماء اللغة

الجاحظ واتجاهاته السياسية

ملخص المقال

    الجاحظ واتجاهاته السياسية، محاولة لفهم ميول واتجاهات الجاحظ من خلال علاقته بسلطة العباسيين وما كتبه في رسالتيه العباسية والعثمانية

ربما ندر من ماثل الجاحظ في حجمه وتنوعه، وساعد على ذلك أيضًا قابليته الفكرية المتنوعة التي جعلت منه موسوعيًا، حتى بات من النادر أن تجد موضوعًا لم يلجه أو يخط فيه بقلمه الرشيق المتحذلق ولو برأي أو فكرة عابرة.

الجاحظ والتكوين الثقافي
ولد الجاحظ أبو عثمان عمرو بن بحر في البصرة في حدود عام 160ه، وتوفي في عام 255هـ، فناهز بعمره هذا الخامسة والتسعين، وهي بلا شك سنوات طويلة حفلت بنشاط فكري [1].

أشارت الوقائع الكثيرة إلى أن الجاحظ أعد نفسه للعلم والثقافة والأدب منذ نعومة أظفاره، فألقى بها بين العلماء والأدباء، خالطهم وجالسهم وأخذ عنهم، وعرَّض نفسه للضائقات الكثيرة مصرًّا على إتمام ما اختطَّه لها من منحىً حياتيٍّ، وترافقت هذه النشأة مع ظرفها الملائم فزادتها خصوبة.

وتمثل هذا الظرف باهتمام الخلافة العباسية الكبير والواسع بشؤون الثقافة والأدب والعلم والفكر، اتساقًا مع منهج الدولة الإسلامية في عصرها الجديد بتحويل الاهتمام الأكبر للدولة من النشاط العسكري إلى النشاط المدنيِّ والحضاريِّ. فلا غرابة إذن أن يجد الجاحظ لنفسه مكانًا بدأ مقبولًا ليصبح مرموقًا إلى حد كبير وعلى مستويات وميادين عديدة.

الجاحظ والسلطة العباسية
بدأ اتصال الجاحظ بالسلطة العباسية في البصرة، مترددًا على دار الإمارة في مناسبات عدة، ثم تعمقت علاقته بالسلطة لتبلغ شأنًا كبيرًا في خلافة المأمون، الذي أقام أول عهده في مرو -عاصمة إقليم خراسان، فكان الجاحظ بين الذين أنيط بهم إعداد الكتب والرسائل في موضوع الإمامة، فأنجزها وأودعها لدى الخليفة، ثم زاره مرات أخرى لمعرفة رأيه فيها [2].

وفي بغداد أصبح يتردد على بلاط المأمون [3]، ثم استكتب في هذه الأثناء في ديوان الرسائل، الذي لم يمكث فيه سوى ثلاثة أيام فقط [4]، ، على الرغم من الإشارات التي أفادت أنه تقلد خلافة إبراهيم بن العباس الصولي على هذا الديوان مرات عديدة.

واستمرت صلة الجاحظ بالسلطة العباسية حتى خلافة المتوكل، غير أن هذا الأخير لم يكن شديد الحماس لعلاقاته، ومن ناحية أخرى وثَّق الجاحظ صلاته برجالات الدولة الآخرين، ولا سيما الوزراء منهم، فأهداهم كتبه ورسائله ومصنفاته، فأجزلوا له العطاء بدورهم وأفاضوا عليه.

غير أن هذه العلاقات انتابها بعض الهزات فكاد أن يناله الأذى الكبير، بسبب التصفيات التي جرت في خلافة المتوكل لولا بلاغته المشفوعة بالتوسلات التي أنقذته في المواقف الحرجة [5]. ويظهر على وجه العموم أن صلاته بالسلطة كانت مصيرية؛ فغالبًا ما تحدث بصيغة الانتساب إليها، مثل قوله: “أصحابنا وخلفاؤنا وملوكنا” [6].

وبموجب هذه الصلة وبفضل ما امتكله من مواهب بلاغية وقدرات معرفية، ظهر بوصفه كاتبًا شبه رسمي واجبه إذاعة ونشر وتفسير الأوامر الحكومية أو الأفكار الدينية التي مالت إليها السلطة، ثم الدفاع عن العباسيين وتبرير وجودهم في السلطة، وربما قاده ذلك أيضًا إلى الإسهام في صنع سياسة الدولة وصياغة مقولاتها والمشاركة في توجيهها [7].

وأحيل إليه مرات عديدة وضع الكتب والرسائل في موضوعات أرادتها السلطة أن تذيع وتنتشر بين جمهور الناس، فكفى لها أن اقترنت باسمه ليلتقطها الناس، وهو أمر أدركته السلطة جيدًا فأفادت منه، فكلفه المأمون بوضع رسائل في موضوع الإمامة، وكلفه المتوكل بوضع رسالة في الرد على النصارى [8]، حتى بات الجاحظ من بين أهم وسائل الدعاية التي استخدمتها السلطة بين عامي 198هـ و247هـ. فعمل لأكثر من نصف قرن مروجًا للسلطة العباسية.

الميول السياسية للجاحظ
قبلًا، لابد لنا من البحث عن موقع الجاحظ على خارطة التيارات السياسية المتجاذبة آنذاك، فمن يقرأ الجاحظ قراءة مجتزأة وغير تاريخية، يرى فيه كاتبًا قفز على الحبال ومتقلبًا في أفكاره السياسية، فربما اكتشف أنه رافضيٌّ مرة، وربما استنتج في أخرى أنه أمويٌّ، وقد يرسخ لديه الاقتناع أنه عباسيُّ الميل.

وهذه الاتجاهات الثلاثة ليست متقاربة من بعضها، بما يسمح له أن يخلط بين أفكارها دون أن يكون ذلك مبعث دهشة واستغراب، بل هي اتجاهات تقاطع بعضها مع بعض إلى حد كبير، ولجلاء هذه الصورة، ينبغي أن يقرأ الجاحظ قراءة شاملة تغطي كل ما كتبه ليكون بالإمكان تلمس الخيوط التي نسج عليها وبالتالي تتبُّعها، بما يكشف حقيقة ميوله واتجاهاته السياسية.

ثم لابد من أن تكون هذه القراءة تاريخية أيضًا، أعني أنه لابد من ربط ما كتبه بواقع التحولات السياسية والفكرية التي شهدها وعايشها الجاحظ نفسه، فذلك وحده الذي يقود إلى إصدار أحكام موضوعية دقيقة في هذا الجانب، ولا سيما أن الجاحظ إذا ما نافح عن فريق أو فكرة ما، فإنه يرمي في ذلك بكل ثقله الفكري وبكل أدواته البلاغية والمنطقية والحجاجية، حتى يكاد يوهم قارئه بأنه هو مبتدع هذه العقيدة أو الفكرة وليس غيره.

وهو أمر عكس في الوقت نفسه سعة ما امتلكه الجاحظ من أخبار ومرويات ومعلومات وأفكار تصلح لتوظيفها لأية أغراض سياسية وفي كل وقت وحين، مع قدرة كبيرة على المحاجَّة المنطقيَّة، تسلَّح بها في معظم كتاباته.

الجاحظ في رسالته العباسية
دافع الجاحظ، في رسالته الموسومة بـ “العباسية” التي نشر السندوبي مقتضبًا لها عن حق العلويين في ميراث الرسول صلى الله عليه وسلم، حتى كاد أن يكون رافضيًا قحًا، بحيث انتقد كثيرًا سياسة كل من أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما تجاه هذه المسألة [9]، وبما أن الرسالة جاءت مقتضبة، فقد أدَّى ذلك إلى التركيز على هذا الجزء منها.

ولما كان موضوعها الرئيس هو العباسية، فإنه بوسعنا الاستنتاج أن الرسالة تعرضت لقضية إرث الخلافة بالأصل، وصولًا إلى حق العباسيين فيها، عن هذا الطريق، مبررًا بذلك وجودهم في السلطة ومسبغًا عليه المشروعية والقداسة لأنه ميراث الرسول صلى الله عليه وسلم، فالعباس بن عبد المطلب رضي الله عنه عم الرسول وصاحب الحق بوراثته؛ فالعم أب والعم وارث، وهو ما استند إليه أبو جعفر المنصور في محاجَّته لمحمد النفس الزكية، الثائر عليه، في رسائل جرت بينهما.

وأغلب الظن أن الجاحظ وضع رسالته هذه في غضون العشرين السنة الأولى من القرن الثالث للهجرة، عندما اشتدت الخصومة بين السلطة والمحدثين، الأمر الذي احتاج إلى تأكيد مسألة الوراثة هذه، إضفاءً لطابع القداسة على تولي العباسيين للخلافة، وللحد من مناوأة هذا الفريق للدولة التي كانت قد تبنت الاعتزال معتقدًا فكريًّا لها.

الجاحظ في رسالته العثمانية
غير أننا نجد في رسالة العثمانية التي وضعها الجاحظ بعد العباسية وقبل عام 240هـ، وإذا قصدنا الدقة أكثر، كان ذلك في أول عهد المتوكل، عندما تحولت الدولة إلى موقف مناوئ للعلويين ومناهض لهم، نجد في هذه الرسالة خصومة شديدة للرافضة، وتفنيدًا لآرائهم في العديد من مسائل الإمامة، ومقدمًا في الوقت نفسه كمًّا كبيرًا من الحجج والآراء التي أكدت أفضلية أبي بكر رضي الله عنه وأحقيته في الخلافة [10]، وهو الذي كان قد انتقد الكثير من سياساته في رسالته السابقة العباسية، فجاء هذا التحول انسياقًا وراء تقلبات مواقف السلطة الحاكمة ومتطلبات هذه المواقف.

الجاحظ وموقفه من الأمويين
أما موقف الجاحظ من الأمويين، الذين كانوا قطبًا آخر للصراع الفكري الدائر في القرن الثالث للهجرة، ممثلين بتيار النابتة والمحدثين أو ما أطلق عليه بـ “الحشوية”، فكان ذا شعبتين متضادتين. فمال إليهم مرة، ونال منهم في أخرى.

حيث وضع في عصر المأمون رسالته في إمامة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه وهي نفسها رسالته في النابتة، وانطلقت هي أيضًا من روح الخصومة بين السلطة والمحدثين، وفي الأجواء التي حاول فيها المأمون لعن معاوية رضي الله عنه على المنابر، لذا جاءت هذه الرسالة مستعرة بعبارات حادة في حديثها عن الأمويين [11].

منها مثلًا: “فعندما استولى معاوية على الملك واستبد على بقية الشورى وعلى جماعة المسلمين من الأنصار والمهاجرين في العام الذي سموه عام الجماعة، وما كان عام جماعة، بل كان عام فرقة وقهر وجبرية وغلبة، والعام الذي تحولت فيه الإمامة ملكًا كسرويًّا والخلافة منصبًا قيصريًّا”. حتى بلغ به الأمر حد إكفاره.

ثم جاءت رسالته الأخرى في فضل هاشم على عبد شمس، التي وضعها في أول خلافة الواثق [12]، فنال فيها من الأمويين؛ وبما أنها كانت من رسائل المفاخرة التي دأب الجاحظ على اعتمادها في موضوعات عديدة أخرى، ولأن أسلوب المفاخرة هذا اعتمد فيه الحجج المتقابلة، فإنه عرض في هذه الرسالة حجج الأمويين أيضًا بما أظهرهم بصورة لم يكونوا فيها أقل من الهاشميين شأنًا، لذا جاء عموم موقفه من الأمويين في إطار تسويغ استيلاء العباسيين على السلطة، الأمر الذي استوجب أن ينحي باللائمة على الأمويين في هاتين الرسالتين بالذات.

غير أننا نجد، من ناحية أخرى، عشرات الإشارات التي تضمنتها كتابات الجاحظ المختلفة، تطرق فيها إلى ذكر الأمويين في مواضع الإشادة والمدح والثناء، ومنبهًا على مناقبهم ومآثرهم في الإدارة والحكم، وأورد الكثير من العبارات التي جرت على ألسنتهم، على سبيل الحكمة والغاية في البلاغة والجزالة.

ففي المثال الآتي، تحدث عن مناقب معاوية رضي الله عنه الذي كان يكتب إلى أطرافه وعماله وإلى زياد في العراق بإطعام السابلة والفقراء وذوي الحاجة، وله في كل يوم أربعون مائدة يتقاسمها وجوه جند الشام [13]. فعلى الرغم من أنه كان عليه مناوأة الأمويين، لكنه في الواقع لم يخف مواقفه المعجبة بسياساتهم ومهاراتهم في الإدارة والحكم وببلاغتهم أيضًا.

وفضلًا عما ما قدمناه من رأي في كيفية فهم كتابات الجاحظ هذه، فإنه وقف وراء هذه الكتابات عامل آخر، هو رغبة الجاحظ في إظهار براعته ومهارته في التعامل مع كل الأفكار والاتجاهات على تباينها، دون أن يعني ذلك تبنيها جميعًا، وإن أوحى قلمه أحيانًا بمثل هذه النتيجة. وهو نفسه نبه على ذلك.

فأسلوبه هذا أوهم الأولين أيضًا، فقال:
“وعبتني بحكاية قول العثمانية والضرارية، وأنت تسمعني أقول في أول كتابي: وقالت العثمانية والضرارية؛ كما سمعتني أقول: قالت الرافضة والزيدية، فحكمت عليَّ بالنصب لحكايتي قول العثمانية، فهلا حكمت عليَّ بالتشيع لحكايتي قول الرافضة!! وهلا كنتُ عندك من الغالية لحكايتي حجج الغالية” [14].

فقد دأب الحاحظ على زيادة معارفه ثم عرضها متفننًا ومظهرًا مهاراته الفكرية، ومن أجل ذلك، جالس أشخاصًا من مشارب شتى، فيهم الغلاة والخوارج [15] وغيرهم في أغلب الظن.

إن ما يمكن أن نخلص منه هو أن الجاحظ لم يكن سوى عباسيٍّ في ميوله السياسية، وانصب في هذا المجرى ما كتبه سياسيًا، مباشرًا كان ذلك أم غير مباشر، ومارس بذلك دورًا دعائيًا واسعًا لمصلحة العباسيين.


[1] شارل بيلا: الجاحظ في البصرة، ترجمة إبراهيم الكيلاني، دمشق، 1961م، ص92.
– ابن المرتضى: طبقات المعتزلة، تحقيق زلور، بيروت، 1961م، ص70.
[2] الجاحظ: البيان والتبيين، تحقيق عبد السلام هارون، القاهرة، 1948م، ج3، ص45.
[3] الأصفهاني: الأغاني، طبعة دار الكتب، القاهرة، ج10، د. ت، ص116.
[4] ياقوت الحموي: معجم الأدباء، تحقيق مرجليوث، ج6، القاهرة، 1930م، ص58.
[5] ياقوت الحموي: معجم الأدباء، ج6، ص 58- 59، 62، 74، 76.
[6] الجاحظ: الحيوان، تحقيق عبد السلام هارون، القاهرة، د. ت، ج1، ص73، 125، 233، 294.
[7] طه الحاجري: الجاحظ حياته وآثاره، القاهرة، 1962م، ص278.
[8] ياقوت الحموي: معجم الأدباء، ج6، ص72.
[9] رسائل الجاحظ، جمعها ونشرها حسن السندوبي، القاهرة، 1933م، ص300 -ـ 303.
[10] الجاحظ: العثمانية، تحقيق عبد السلام هارون، القاهرة، 1955م، ص7 من المقدمة.
– طه الحاجري: الجاحظ حياته وآثاره، ص187.
[11] طه الحاجري: الجاحظ حياته وآثاره، ص187، 193، 227.
[12] رسائل الجاحظ، تحقيق السندوبي، المصدر السابق، ص76، 294.
– رسائل الجاحظ، تحقيق عبد السلام هارون، القاهرة، 1965، ج2، ص12.
[13] الجاحظ: التاج في أخلاق الملوك، تحقيق أحمد زكي باشا، القاهرة، 1914، ص15.
[14] الجاحظ، الحيوان، ج1، ص11.
[15] الجاحظ، الحيوان، ج3، ص20 – 23.

السابق
الهمذاني رائد القصة والمقالة
التالي
الخليل بن أحمد الفراهيدي