مصر والشام والجزيرة العربية

الحجاز

علاقة الحجاز بمصر فى عهد الأيوبيين

كان سقوط الدولة الفاطمية فى سنة (567هـ = 1771م)، وقيام الدولة الأيوبية عاملا من عوامل تقوية العلاقات بين «مصر» و «الحجاز»؛ إذ قامت خطة «صلاح الدين الأيوبى» على تحقيق الوحدة الداخلية بين الأقطار الإسلامية كمرحلة أولى، تتلوها المواجهة مع الصليبيين، وحرص على أن ينال رضا الخليفة على خطته، ليكون رضاه عاملا من عوامل توحيد صفوف المسلمين وجمع شملهم.

لم يتدخل «صلاح الدين» فى شئون «الحجاز» الداخلية؛ بل اكتفى بإجراءات تحقق الأمن والعدل لسكانه وللحجاج القادمين إليه، ولم يغير نظام الحكم الذى كانت تتولاه أسرة الهواشم فى الحرمين الشريفين، وأسقط فى سنة (572هـ) المكوس عن الحجاج إلى «مكة» فى البحر عن طريق «عيذاب»، وعوض أمير «مكة» عن ذلك بثمانية آلاف إردب قمحًا، تُحمل إليه سنويا إلى ساحل «جدة»، وأوقف لذلك أوقافًا بصعيد «مصر»، وأرسل الأقوات إلى المجاورين والفقراء بالحرمين الشريفين.

وحينما حج الملك المعظم «توران شاه بن نجم الدين أيوب» أخى «صلاح الدين»، قادمًا من «اليمن» فى سنة (570هـ)؛ منح أهل الحرمين عطاءً كبيرًا وأغدق عليهم، وعمهم بالخير، وقام بعدة إصلاحات فى الحرمين الشريفين.

حاول الصليبيون غزو «المدينة المنورة» فى سنة (578هـ) للتنكيل بالمسلمين، وعبر الصليبى «أرناط» أمير «الكرك» «بحر القلزم» (الأحمر) إلى «عيذاب» على الساحل الشرقى للبحر الأحمر، وقتل وأسر الكثيرين من أهاليها، ومضى يريد «المدينة المنورة»، وبلغ ذلك «صلاح الدين»، فأمر بتجهيز جيش عظيم بقيادة الحاجب «حسام الدين لؤلؤ» لرد عدوان «أرناط»؛ فخرج الجيش ونجح فى هزيمة «أرناط» وإحراق أسطوله وإفشال حملته، وأُسِر عدد كبير من جنوده، فأمر «صلاح الدين» بقتل الأسرى من جنود «أرناط»؛ ليكونوا عبرة لكل من تسول له نفسه الاعتداء على حرم الله -تعالى- وحرم رسوله – صلى الله عليه وسلم -.

كانت وفاة «صلاح الدين» سنة (589هـ)، وكان تقسيم المملكة بين أبنائه وأخيه «العادل» بداية لتطورات جديدة فى العلاقات الأيوبية الحجازية، فقد ازداد تدخل الأيوبيين فى شئون «الحجاز» الداخلية؛ بسبب النزاع الذى نشب بين «مكثر» حاكم «مكة»، وأخيه «داود»، ولم ينته الصراع بينهما حتى مات «مكثر»، فخلفه «أبو عزيز قتادة بن إدريس الحسنى» المعروف بالنابغة، والذى كان يستوطن مع أهله «نهر العلقبة» من «وادى ينبع» وأصبحت له الرئاسة على قومه، وباتت فى يديه أزمَّة أمورهم، وبلغه ما صارت إليه حال الهواشم من خلافات، فزحف على «مكة»، ثم تطلع إلى زعامة «المدينة» التى كانت تتوارث بين أفراد الفرع الحسينى من الأسرة العلوية، فزحف إلى «المدينة»، إلا أنه لم يستطع دخولها؛ فعاد إلى «مكة» ثانية.

عظم فى هذا الوقت أمر «بنى رسول» فى «اليمن» بعد وفاة السلطان «مسعود الأيوبى» سنة (626هـ)، وحاولوا بسط نفوذهم على «مكة» و «المدينة»، وتمكنوا من السيطرة على «مكة» وظلت تحت أيديهم إلى سنة (630هـ)، حتى جاء «الشريف راجع» وتمكن من استرجاعها منهم بشرط أن يظل تحت نفوذهم (نفوذ «آل رسول»).

شهد تاريخ «مكة» و «المدينة» بعد وفاة «الكامل» فى سنة (635هـ)، نزاعًا متصلا بين «آل رسول» والأيوبيين وظل الأمر على ذلك حتى وفاة «الشريف راجع»، فرأى «ابن رسول» أن يصرف نظره عن أبناء «راجع» الذين ولَّوْا «أبا نهى» بعد أبيه «الحسن بن قتادة» بالاشتراك مع عمه «إدريس»، فشغل «أبو نهى» وأولاده من بعده الشرافة فى «مكة» و «المدينة» قرنًا من الزمان تقريبًا.

وهكذا كانت «الحجاز» مرتبطة بمصر ارتباطًا وثيقًا فى بداية عهد الدولة الأيوبية، وزاد من هذا الارتباط أن سلاطين الأيوبيين الأوائل لم يتدخلوا فى شئون «الحجاز» الداخلية، واكتفوا بتأمين حجاجها، وتوفير العدل والأمان لأهلها، إلا أن وفاة «صلاح الدين»، والصراعالذى دار بين حكام «الحجاز» أنفسهم كانا من أسباب تدخل الأيوبيين المباشر فى شئون «الحجاز»، وظلوا على ذلك حتى دخلت المنطقة فى مرحلة جديدة تحت حكم المماليك.

المماليك والحجاز

خلفت دولة المماليك الأولى دولة الأيوبيين فى ملكها الواسع ونفوذها العريض، وحملت لواء الجهاد من بعدها فى وجه الصليبيين والمغول، فلما تعاظمت قوة المماليك، وصارت «القاهرة» مقرا للخلافة العباسية تطلع المماليك إلى السيطرة على الحرمين الشريفين كمظهر مكمل لسيطرتهم على العالم الإسلامى، فأدرك «أبو نهى» حاكم «مكة» أن المماليك غدوا مركز الثقل فى المنطقة، فأعلن الولاء لهم، وبدأ عهد جديد فى علاقة «مصر» بالحجاز سياسيا واقتصاديا، ودينيا، واجتماعيا، وعلميا، إذ حرص «الظاهر بيبرس» عندما ذهب للحج فى سنة (667هـ) على تثبيت سلطان المماليك فى «الحجاز»، وتقوية علاقتهم بها، فكان «أبو نهى» محور هذه العلاقات فترة طويلة، ثم من بعده أولاده وأحفاده الذين دخلوا فى سلسلة طويلة من المنازعات والخصومات، فكان سلاطين المماليك -دائمًا – يعملون على إيجاد الحلول لخصوماتهم، وتسليم السلطة فى «الحجاز» لمَنْ يثقون به منهم، ولكن هذا الوضع لم يستمر طويلا فى عهد المماليك الشراكسة، حيث ظهرت بالحجاز شخصيات قوية مثل «الحسن بن عجلان» الذى سيطر على الأمر فى «الحجاز»، وحاول المماليك التدخل، ولكنهم لم يستطيعوا – فى أواخر عهدهم – أن يغيروا من أوضاع «الحجاز» السياسية، وظل الأشراف مسيطرين على «الحجاز» طوال عهد المماليك، ومن بعدهم.

أمَّن المماليك طرق التجارة بين «مصر» و «الحجاز»؛ فقد كانت تدر عليهم أموالا طائلة، وأصدروا أوامرهم بإلغاء المكوس التجارية فى الحرمين الشريفين، وأصدروا مراسيم تحدد مكوس التجارة الواردة إلى «جدة»، وكانوا يهبُّون إلى نجدة أهل الحرمين فى أزماتهم الاقتصادية، ويرسلون إليهم المعونات من الحبوب والمؤن.

ولقد بذل المماليك جهودًا كبيرة فى تأمين طرق الحج، والمحافظة على حجاج بيت الله الحرام من المعتدين وقطاع الطرق، وقام السلاطين بإصلاح طرق الحج، وحفر آبار جديدة لكى يأمن الحجاج من العطش أثناء رحلتهم لقضاء المناسك ذهابًا وإيابًا، وكان يصحب قافلة الحجاج المصريين كثير من الأمراء والقادة وتابعيهم للدلالة على قوة السلطنة المملوكية، وكانت هذه القافلة تحمل معها كسوة الكعبة التى صنعت فى «مصر»، والتى حرص السلاطين على إرسالها كل عام فى موكب مهيب، وأوقفوا عليها الأوقاف كى لا تنقطع، وكى تظل تأكيدًا على نفوذ المماليك فى «الحجاز»، وحينما حاول «شاه رخ» أن يكسو الكعبة فى عهد السلطان «برسباى» وطلب السماح له بذلك، رفض «برسباى» بشدة ومن ورائه الشعب والقضاة والعلماء، لأن كسوة الكعبة شرف يمثل أقوى الروابط الإسلامية فى نظرهم، ولا يمكنهم التخلى عنه. وقد حرص سلاطين المماليك على أداء فريضة الحج وزيارة الأراضى المقدسة بالحجاز؛ لكى يكونوا من بين حجاج بيت الله الحرام دون أية أبهة أو عظمة كسائر الناس.

كانت الحياة الاجتماعية فى الحرمين فى عهد المماليك حياة هادئة باستثناء سنوات قليلة تعرضت فيها «الحجاز» للقحط، ولم يكن للمماليك يد فى ذلك، فقد أجروا السبل، وحفروا الآبار والعيون حفاظًا على مدن «الحجاز» خاصة الحرمين الشريفين.

لم يقتصر دور المماليك فى «الحجاز» على الحرمين الشريفين؛ بل كانت لهم اليد الطولى فى إثراء الناحية الثقافية بالحجاز، وأقاموا المدارس، وبذلوا الأموال للمدرسين والدارسين معًا، وكثيرًا ما أرسلوا الكتب من «مصر» لكى تدرس فى الحرمين، ويُستفاد منها فى تلك المدارس التى ربطوا لها الأوقاف الكثيرة للإنفاق عليها؛ لذا كان عهدهم عهد ازدهار واستقرار للحرمين الشريفين وسكانهما، فقد كفاهم المماليك شرور الغزو، وتسلط الأعداء.

وإنصافًا لحق سلاطين الدولة المملوكية لا يجب أن نلقى عليهمباللائمة فيما حدث بالحجاز من أحداث داخلية حرمته استقراره حينًا من الوقت، لأن أمراء «الحجاز» أنفسهم هم المسئولون عن ذلك بما قام بينهم من منازعات وصراعات كانت السبب الرئيسى فى إشعال نار الفتن؛ التى كثيرًا ما كان يتدخل المماليك لإطفائها من أجل مصلحة سكان الحرمين الشريفين وما حولهما، إلا أن الضعف الذى دب فى أوصال الدولة المملوكية فى أواخر أيامها بعد اكتشاف طريق «رأس الرجاء الصالح» وتحول مسار التجارة العالمية عن «مصر»، كان سببًا جوهريا لدخول العلاقات بين «مصر» و «الحجاز» فى دور جديد فى عهد السلطان «الغورى»، وحُرمت «الحجاز» من مصدر مالى شديد الأهمية وتلا ذلك سقوط المماليك فى الشام فى معركة «مرج دابق» سنة (922هـ)، ثم معركة «الريدانية» بمصر سنة (923هـ)، فسقطت بذلك دولة المماليك وتوارت، وارتفع الستار عن الدولة العثمانية، القوة الجديدة فى العالم الإسلامى؛ فكان على «الحجاز» أن ينضوى تحت لوائها ويبدأ مرحلة جديدة فى تاريخ علاقاته.

السابق
البحرين
التالي
الحضارة والنظم فى العصر الفاطمى