مصر والشام والجزيرة العربية

الحضارة والنظم فى العصر الفاطمى

نظام الحكم

قام نظام الحكم على نظرية الإمامة التى اعتبرها الشيعة حقا لهم.

إرثًا عن النبى – صلى الله عليه وسلم – ويختلفون فى ذلك عن أهل السنة القائلين بحق الأمة فى اختيار إمامها، كما يختلفون مع الإمامية الإثنا عشرية الذين ساقوا الإمامة فى اثنى عشر رجلا من آل البيت، كان آخرهم «محمد بن الحسن العسكرى»، بينما وقف بها الإسماعيلية بعد «جعفر الصادق» عند ابنه «إسماعيل» الذى نُسِبَت الدولة إليه، وركزت كلتا الطائفتين على حق آل البيت فى الإمامة، وأن مهمة الإمامة هى الحفاظ على تراث النبوة.

الوزارة

هى أرفع المناصب بعد الخلافة، وكانت تنقسم إلى:

1 – وزارة قلم.

2 – وزارة سيف.

وكان يُطلَق عليها رتبة الوساطة أو السفارة فى أول عهد الدولة، ولم تظهر كلمة وزير إلا فى عهد «العزيز» ثانى الخلفاء الفاطمىىن فى «مصر»، وكان يتم اختيار الوزير -غالبًا – من بين أرباب الأقلام، وتحول هذا المنصب إلى سلطة استبدادية أثناء الشدة المستنصرية؛ فكان «بدر الجمالى» وزير سيف، وبه بدأ عهد استبداد الوزراء، وتحولت الوزارة إلى وزارة تفويض، وأصبح الوزير متحكمًا فى جميع أمور الدولة؛ بل أصبح الوزراء يتدخلون فى تولية الإمام وولى عهده، فعظم أمرهم وقويت شوكتهم.

كان وزير التنفيذ يُلقَّب بالأجَلِّ، أما وزراء التفويض فكانت ألقابهم تدل على السلطة الواسعة التى تمتعوا بها، مثل: أمير الجيوش، وكافل قضاة المسلمين، وهادى دعاة المؤمنين، وتلقَّب الوزير «طلائع بن رزيك» بالملك المنصور، وتلقَّب ابنه «رزيك بن طلائع» بالملك العادل، وكذلك تلقب «صلاح الدين الأيوبى» آخر وزراء الفاطميين وأول سلاطين الدولة الأيوبية بالملك الناصر، كما وُصِف بعض هؤلاء الوزراء بالسلطان.

كانت للوزير فى العصر الفاطمى علامات تميزه عن غيره من موظفى الدولة، وانفرد بلبس زى خاص، وبلغ راتبه خمسة آلاف دينار شهريا،وكان له حق الجلوس بجوار الخليفة، وكان مجلسه بدار الوزارة الكبرى – التى بُنى لها قصر كبير بجوار باب النصر – لا يقل فى الأبهة والعظمة عن مجلس الخليفة نفسه.

واشتُرط فيمن يتولى منصب الوزارة أن يكون مخلصًا لعقيدة الدولة، وأن تكون لديه المهارة فى تدبير الأموال، ولذلك تولى وزارات التنفيذ وزراء من أهل الذمة ظلوا على عقيدتهم.

نظام الإدارة

ورث الفاطميون نظام العباسيين فى الإدارة، فعملوا على تركيز السلطة فى أيديهم، وأصبح نظامهم الإدارى شديد المركزية تُدار شئونه من داخل القصر، باستثناء بعض الظروف النادرة التى نُقل فيها ديوان الوزارة إلى دور الوزراء، وسرعان ما يعود إلى القصر ثانية.

انقسمت الشئون الإدارية فى عهد الفاطميين إلى:

1 – ديوان الإنشاء الذى يقوم بتنفيذ أوامر السلطة العليا.

2 – ديوان المالية، ويقوم بجباية الأموال وإنفاقها.

3 – ديوان الإدارة المحلية التى تحكم الولايات.

وتفرع عن كل ديوان من هذه الدواوين أقسام عديدة، كان لكل منها عمل معين، وعلى الرغم من محاولة «جوهر الصقلى» إحلال المغاربة محل المصريين فى الوظائف الإدارية، فإنه فشل فى ذلك، لجهل البربر بدقائق الإدارة، فبقى المصريون من المسلمين وأهل الذمة فى مناصبهم الإدارية، وتشير المصادر التاريخية إلى استخدام القبط واليهود – بكثرة – فى مختلف دواوين الدولة.

النظام الدينى

أطلِق لقب: «أصحاب الوظائف الدينية» على علماء الدين فى العصر الفاطمى، وكانت هذه الوظائف تضم:

1 – القضاء: ويعتمد على التشريع الإسماعيلى.

2 – الدعوة: وتعتمد على العقيدة الشيعية للدولة.

ويتفق التشريع الشيعى مع التشريع السنى فى أن كلا منهما يعتمد على القرآن الكريم والسنة النبوية كأساس للتشريع، مع اختلاف جوهرى هو أن الفاطميين وضعوا تأويلا باطنيا لنصوص القرآن والسنة؛ فالصلاة – مثلا – هى الفرائض الخمس المعروفة، ولكن معناهاالباطنى هو الإخلاص للإمام الباطنى، ولذلك لا يقبلون من الأحاديث إلا ما رواه آل البيت ونُقل عنهم، حتى وإن كانت هناك أحاديث مشتركة بين الطرفين اختلف رواتها.

لم يمنع المذهب الشيعى الاجتهاد، ولكنه اشترط أن يكون هذا الاجتهاد قائمًا على الأصول التى وضعها الفاطميون، ولذا أصبح اجتهاد الشيعة مقيدًا.

تولى أصحاب الوظائف الدينية الإشراف على القضاء فى أرجاء الخلافة، فكان منهم: قاضى القضاة، وصاحب المظالم، والمحتسب، وصاحب الشرطة.

وقامت الدعوة على أسس العقيدة الشيعية؛ لأن الدولة الفاطمية دولة قامت على أسس مذهبية، وكانت دعوتها تُسمَّى رسميا: الدعوة الهادية، أو الدعوة العلوية، وكان الهدف من هذه الدعوة تأييد حكم الفاطميين ليترسخ فى النفوس حق الفاطميين فى حكم العالم الإسلامى، فأيدت حق الإمام المطلق فى ولاية أمر المسلمين، ولجأت إلى تأويل القرآن بما يتفق مع تأييد وجهة نظرها، بزعم أن أبناء «فاطمة» بنت رسول الله وذريتها هم وحدهم القادرون على هذا التأويل، ولديهم معنى واضح وآخر باطن لكل كلمة قرآنية.

بمجىء الفاطميين إلى «مصر» أصبحت «القاهرة» مقر داعى الدعاة؛ الذى له حق الإشراف على الدعوة فى «مصر» والعالم الإسلامى، وعليه إرسال الدعاة فى أنحاء العالم أجمع للتبشير بمذهب الفاطميين، ولهذا كان يجب عليه أن يكون عالمًا بالمذهب الإسماعيلى، عارفًا بأسرار العقيدة، بليغًا، ذكيا، عالمًا بقواعد الدين.

كانت مجالس الدعوة تُعقد بصفة منتظمة ودورية، فخصص يوم الأحد للرجال، ويوم الثلاثاء للأشراف والشخصيات المرموقة، ويوم الأربعاء للنساء، وكانت المحاضرات المقروءة فى هذه المجالس تُسمَّى:

مجالس الحكمة، أو مجالس الدعوة، فإذا فرغ الداعى من إلقاء محاضرته تزاحم عليه الناس فى طقوس غريبة، فيمسح على رءوسهم برقعة وضع عليها الخليفة توقيعه.

كان الداعى يلى قاضى القضاة فى الرتبة والمكانة، وكان راتبهالشهرى مائة دينار مثل راتب القاضى، وتلقَّب بألقاب فخمة مثل:

«الشيخ الأجلّ»، وكانت له سلطة روحية غير محدودة على جميع الشئون السياسية والدينية فى الدولة.

النظام الحربى

كان الجيش الفاطمى من أقوى الجيوش فى عصره، وكانت له دواوين خاصة قامت على تنظيمه وإعداده، كديوان الجيش الذى أشرف على إعداد الجنود وأعدادهم، وديوان الرواتب الذى اختص بتسجيل العطاءات، وديوان الإقطاع الذى اختص بالنظر فى الإقطاعات التى تمنحها الدولة لبعض العسكريين مقابل قيامهم بواجبات معينة، وقد أتت مكانة قائد الجيش بعد صاحب الباب الذى كان يلى الوزير مباشرة، وتميز قادة الجيش عن بعضهم بعلامات يحملونها، وسكن الجنود فى معسكرات خاصة بهم حتى لا يضايقوا الأهالى فضلا عن تواجدهم فى مراكز الحدود.

روى «المقريزى»: «أن خزائن المال وأمتعة الجيش حملها عشرون ألف جمل، حين خرج جيش العزيز قاصدًا الشام، وعمل الفاطميون على تزويد الجيش بأحدث أنواع الأسلحة. ولذا يمكن القول بأن الجيش الفاطمى كان جيد الإعداد مثل غيره من جيوش الدول الكبرى آنذاك».

قام الأسطول الفاطمى بعدة حملات بحرية فى البحر المتوسط أثبت خلالها شدة بأسه، وكانت له غزوات مظفرة على «بيزنطة» و «إيطاليا» و «فرنسا» و «إسبانيا»، ويروى «القلقشندى» أن وحدات الأسطول الفاطمى كانت مرتبة ومتواجدة بجميع الشواطىء الساحلية، ماعدا سواحل الشام التى فقدوا سيطرتهم عليها فى القرن الأخير من حكمهم، فقد غلبهم عليها الصليبيون.

خصصت الدولة الفاطمية جزءًا كبيرًا من ميزانيتها للإنفاق على إعداد الجيش وتجهيز رجاله بما يحتاجون إليه من أدوات الحرب وغيرها، وكان للجيش ديوان خاص يُدعى «ديوان الجهاد»، وأُنشئت الموانئ لبناء السفن التى كان بعضها يتسع لحمل ألف وخمسمائة شخص، وأصبح الأسطول الفاطمى من أكبر الأساطيل، وبقى نموذجًا احتذى به الأيوبيون والمماليك.

مُنْشآت الفاطميين

تميز العصر الفاطمى بمنشآته العديدة، وكان على رأسها تأسيس «القاهرة»، وإنشاء «الجامع الأزهر»، وتشييد «القصر الشرقى»، و «القصر الغربى»، و «قصر البحر»، و «قصور عين شمس»، و «جامع الحاكم»، و «جامع الأولياء».

تأسست مدينة «القاهرة» سنة (358هـ) لسبعة عشر يومًا خلت من شهر شعبان، واختطت قبائل البربر مساكنها حول قصر «المعز» بها.

وأصبحت منذ ذلك اليوم مقرا للحكم، ومركزًا لنشر الدعوة الشيعية، وحصنًا يصد هجمات الأعداء، وأطلق عليها اسم «المنصورية» نسبة إلى «المنصور» والد «المعز»، وقد اختلف المؤرخون فى سبب تسميتها بالقاهرة؛ فذكر «ابن دقماق»: أن أساسها حُفِر أثناء طلوع كوكب يُقال له «القاهر» فسميت به. وقيل إن «المعز» قال لجوهر الصقلى: «لتدخلن فى خرابات ابن طولون، وتبنى مدينة تقهر الدنيا»، فلما حدث ذلك سماها «جوهر» «القاهرة»، وهناك من ذكر أنها سُميِّت بذلك لأنها تقهر من يشذ عنها.

أحاط «جوهر» «القاهرة» بسور كبير من الطوب اللَّبِن، وإلى الجنوب الشرقى منها كانت مدينة «الفسطاط»، وإلى الغرب منها وقع ميناء «المقس»، ثم وضع «جوهر» أساس القصر الذى شيده من أجل مولاه «المعز»، ذلك القصر الذى قيل عنه إنه احتوى على أربعة آلاف حجرة، وتأثَّث بفاخر الرياش، وبأفخر ما يحتاج إليه خاصة الناس لاسيما الملوك والخلفاء.

كانت «القاهرة» مدينة الخاصة، فلم يكن أحد يسكنها إلا الخليفة ورجاله، وقد بنى «العزيز بن المعز» فيها قصرًا عُرِف بالقصر الغربى، فعرفت المنطقة الواقعة بين قصرى «المعز» و «العزيز» – الشرقى والغربى- باسم: «بين القصرين»، وكان «الأزهر» أول مسجد شُيد فى «القاهرة» المعزية، وقد شرع «جوهر» فى بنائه يوم السبت الموافق (4 من رمضان سنة 359هـ)، وأقيمت الصلاة به لأول مرة فى (7 من رمضان سنة 360هـ)، وصار منذ ذلك الوقت إلى الآن أشهر جامع فى العالم الإسلامى، وكان «على ابن النعمان» أول مَنْ مارسالتدريس فيه، حيث أملى على الطلاب مختصر أبيه «القاضى النعمان» فى الفقه على المذهب الشيعى، كما كان «العزيز بالله» أول مَنْ حَوَّل «الأزهر» من مسجد تُقام فيه الصلاة إلى جامعة تُدرس فيها العلوم، وهو أول مَن أجرى الأرزاق على طلاب العلم فيه، وتبعه فى ذلك الخلفاء والأمراء والوزراء؛ فبنوا الأروقة لتكون منازل مُعَدَّة لسكنى الطلاب، وجعلوا لكل بلد رواقًا خاصا بطلابه، فكان هناك رواق الصعايدة، ورواق المغاربة، ورواق الأكراد .. الخ.

وبنى «العزيز بالله» قصورًا عديدة فى «عين شمس»، وأسس «قاعة الذهب»، وبدأ بناء مسجد أتمه ابنه «الحاكم» وفرشه بستة وثلاثين ألف متر من الحصر، وأضاءه بالقناديل، وعلَّق على أبوابه الستور الحريرية، وحبس عليه أملاكًا كثيرة لرعايته والإنفاق عليه، وفى سنة (395هـ) أنشأ «الحاكم» «دار الحكمة» وألحق بها مكتبة كبرى أطلق عليها اسم «دار العلم»، وأنشأ «الظاهر» «قصر اللؤلؤ»؛ الذى يُعدُّ من أجمل قصور العصر الفاطمى، وظل مكانًا يلجأ إليه الخلفاء من بعده وقت فيضان النيل.

ولنا أن نشير إلى اهتمام خلفاء الدولة الفاطمية ووزرائها بإقامة المنشآت على النيل؛ لتوزيع المياه بطريقة تكفل زراعة أكبر مساحة من الأراضى.

الحالة الاقتصادية

وجَّه الفاطميون اهتمامهم إلى الزراعة والصناعة والتجارة، وفرضوا الضرائب على بعض المنتجات، فقد قاست «مصر» الأمرَّين فى أواخر الدولة الإخشيدية؛ حيث انخفض ماء النيل، وعم القحط وانتشر الوباء لدرجة أن الناس عجزوا عن تكفين موتاهم، فلما فتح «جوهر» «مصر»، منع احتكار الحبوب، وعهد إلى المحتسب برقابتها فى الأسواق، ثم عاد الخير إلى «مصر» ثانية بعودة مياه النيل إلى الزيادة، فبلغت الأرض المنزرعة فى عهد «المعز» (285 ألف فدان)، وارتقت البلاد زراعيا بفضل إنشاء القناطر وإقامة السدود، وتنظيف الترع والمصارف، ثم حدثت المجاعة التى عُرفَت بالشدة العظمى فى عهد «المستنصر».

بزغ نجم «مصر» عاليًا فى مجال الصناعة فى عهد الفاطميين، وبرع المصريون فى صناعة المنسوجات، وزادت ثروتهم من صادرات هذه الصناعة لاسيما منتجات «دمياط» و «تنيس» و «الأشمونيين»، التى نالت منسوجاتها شهرة عالمية. كذلك ارتقت صناعات الفرش والسجاد والسيرج والذهب والفضة، ورُصِّع عرش الخلافة الفاطمية بمائة وسبعةَ عشر ألف مثقال من الذهب، ووُضع ستار قبالة هذا العرش رُصِّع بألف وخمسمائة وستين قطعة من الجواهر المختلفة الألوان، وحُلى بثلاثمائة ألف مثقال من الذهب الخالص، وكان لدى المستنصر طاووس من الذهب مرصع بالأحجار الكريمة، وعيناه من الياقوت، وريشه من الزجاج المموه بالذهب، كما وجد بدار الوزير «الأفضل» ثمانية تماثيل لثمانى جوارٍ متقابلات، أربع منهن بيضاوات والأربع الأخر لونهن أسود، مرتديات أفخر الثياب، متزينات بأثمن الجواهر، إذا دخل «الأفضل» من باب المجلس نكسن رءوسهن إجلالا له.

كذلك برع المصريون فى صناعة الأطباق والصحاف والزجاج، لدرجة أنهم استطاعوا إنتاج نوع شفاف من الزجاج يشبه «الزمرد» لنقائه الشديد فكان يباع بالوزن.

وقد نشطت التجارة بين «مصر» والعالم نشاطًا ملحوظًا، وكانت حركة السفن التجارية لا تتوقف غدوا ورواحًا بميناءى «عيذاب»، و «القلزم» (السويس)، وكانت نسبة الضرائب تزيد وتنقص تبعًا لزيادة المحصول وقلته نتيجة الزيادة أو النقصان فى ماء النيل، وبلغت ضريبة الفدان فى عهد «المعز» سبعة دنانير، وبلغت ضريبة الرءوس دينارًا وربع الدينار عن كل فرد، ثم كانت الجزية التى تُحصَّل من قادرى اليهود والنصارى دون ظلم أو إجحاف مقابل رعايتهم وإعفائهم من الخدمة العسكرية، ولم تكن الجزية مبلغًا كبيرًا لقلة عدد اليهود والنصارى بعد تحول معظم المصريين إلى الإسلام.

وفرضت الضرائب على الصناع والحرفيين، وروعى فيها العدل -غالبًا- أثناء قوة الخلافة الفاطمية وخلفائها، فلما حَلَّ الضعف بها وتسلطالوزراء على الخلفاء والبلاد؛ أُهملَت النواحى الاقتصادية، ولم يراعِ هؤلاء الوزراء حالة المواطنين، فكان ذلك سببًا فى فتح أبواب البلاد أمام الطامعين.

طوائف الشعب

كان سواد الشعب المصرى من أهل السنة حين دخلها الفاطميون، فحاولوا نشر مذهبهم الشيعى بالترغيب مرة وبالترهيب أخرى، ومنحوا العطايا والهبات، فكان لذلك أثره الكبير فى اعتناق الكثيرين للمذهب الشيعى، فضلا عن رغبة البعض فى الإبقاء على وظائفهم؛ إذ تحتم على من يرغب فى الإبقاء على وظيفته اعتناق المذهب الشيعى.

وكان المغاربة وعلى رأسهم الكتاميون الذين قدموا مع الجيش الفاطمى، وقامت دولة الفاطميين بسواعدهم – ضمن طوائف الشعب بعد أن استقر لهم الأمر، وطاب لهم العيش بمصر، وكذلك كان هناك أهل الذمة من اليهود والنصارى؛ الذين تقلدوا مناصب رفيعة. وشغلوا معظم الوظائف المالية، تُضاف إليهم طائفة الأتراك الذين كثر عددهم منذ عهد الطولونيين، وظلوا بمصر، فدار بينهم وبين المغاربة تطاحن وتنابذ فى عهد الحاكم، أما السودانيون فقد كثر عددهم منذ «كافور الإخشيدى»، وقويت شوكتهم فى عهد «الحاكم»، فاستعان عليهم بالأتراك، ثم زاد خطرهم ثانية وقويت شوكتهم حين تزوج «الظاهر» واحدة منهم.

مكانة المرأة

كان للنساء شأن كبير فى الدولة الفاطمية، لدرجة أنهن كن يتدخلن فى توجيه سياسة الدولة، وحققت الكثيرات منهن ثروات طائلة، مثل:

«رشيدة ابنة المعز لدين الله»، التى بلغت ثروتها مليونًا وسبعمائة ألف دينار، وكان لأختها «عبدة» خزائن عديدة ملأى بالحلى، وصناديق كثيرة يحوى كل منها خمسة أكياس من «الزمرد» وثلاثمائة قطعة فضية وثلاثين ألف ثوب صقلى وغير ذلك، وامتلكت الملكة «تغريد» زوج «المعز» أموالا طائلة، وشيَّدت مسجدًا بالقرافة.

تزوج «العزيز» امرأة نصرانية من الروم، وعين أخويها بطريركين بالإسكندرية و «بيت المقدس»، وولدت «للعزيز» ابنه «الحاكم» وابنته«ست الملك»، فكان لها نفوذ كبير، ثم كان لابنتها «ست الملك» من النفوذ والدهاء ما مكنها من تأجيل انهيار الدولة الفاطمية فترة طويلة بعد أن أزاحت «الحاكم» عن العرش، كما سبق ذكره، وتركت «ست الملك» ثروة ضخمة كان منها ثمانمائة جارية وعدد كبير من الأحجار الكريمة، وبلغت مخصصاتها السنوية خمسين ألف دينار، وكانت زوجة «الظاهر» وهى أم «المستنصر» من النساء اللاتى حظين بنفوذ كبير فى الدولة الفاطمية، فأكثرت من بنى جلدتها السودانيين حتى وصل عددهم إلى خمسين ألفًا.

لم يكن لنساء العامة أى أثر فى الحياة السياسية، ولم تذكر المصادر أى نشاط لهن فى الدولة الفاطمية، فقد كان ذلك مقصورًا على نساء الطبقة الحاكمة.

المواسم والأعياد

كان للمصريين أعيادهم المختلفة ومواسمهم المعينة قبل الفتح الإسلامى، علاوة على ما استجد من الأعياد الدينية بعد الفتح الإسلامى، وبما أن الدولة الفاطمية دولة دينية مذهبية، فقد كانت الحفلات بالنسبة إلى خلفائها مناسبة لتأكيد عقيدتهم، وعملوا على صبغها بالصبغة المذهبية، فمن الأعياد التى كانت موجودة قبل الفتح الإسلامى وظلت باقية بعده «عيد وفاء النيل» الذى ظل تقليدًا بعد الفتح مع إدخال بعض التعديلات على الاحتفال به لتتناسب مع الدين الإسلامى، وكان هناك «عيد الغطاس» الذى يحتفل فيه النصارى بذكرى المسيح فى ليلة (11 من طوبة = 9من يناير)، وذكر «المقريزى» أنها أحسن ليلة تكون بمصر وأشملها سرورًا ولا تغلق فيها الدروب»، وعيد «النوروز» الذى يقول عنه «المقريزى»: «إنه أول السنة القبطية بمصر، وهو أول يوم من توت، و «عيد الميلاد» فى (29 من كيهك)، و «خميس العهد».

أما الأعياد والمواسم الدينية التى عرفها المصريون بعد الفتح الإسلامى؛ فلم تأخذ شكلها الفخم ومظهرها الرائع إلا بعد مجىء الفاطميين، ومن أشهر هذه الأعياد: «عيد رأس السنة الهجرية»، الذى كانوا يعدون العدة للاحتفال به ابتداء من العشر الأواخر من شهر ذىالحجة، فكان الاحتفال به مثالا للروعة والبهاء، كما كان لهم كبير اعتناء بليلة أول المحرم من كل عام، وبأعياد ليالى الوقود الأربعة وهى: الأول من رجب ونصفه، والأول من شعبان ونصفه، وكذلك بعيدى «الفطر» و «الأضحى»، وفيهما تُقَام الولائم وتُعدُّ الموائد للشعب، وفى الثانى عشر من شهر ربيع الأول من كل عام يقام الاحتفال بالمولد النبوى الشريف بمراسم خاصة فخمة تليق بالمكانة العظيمة للنبى – صلى الله عليه وسلم – فى نفوس المسلمين. ذلك بالإضافة إلى أعياد الشيعة المذهبية كعيد «غديرخم» نسبة إلى الغدير الموجود بهذا الاسم بين «مكة» و «المدينة»، ويذكر الشيعة أن النبى – صلى الله عليه وسلم – نزل بموضع «الغدير»، وآخى «علىَّ بن أبى طالب» فى عودته من «مكة» إلى «المدينة» بعد حجة الوداع سنة (10هـ)، ثم قال – صلى الله عليه وسلم -: «علىٌّ منى كهارون من موسى، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصر مَنْ نصره، واخذل مَنْ خذله»، فاعتبر الشيعة هذه المقولة بمثابة وصية من الرسول لعلىّ، وأنه أحق بالخلافة من غيره. ومن احتفالات الفاطميين احتفال بذكرى مقتل «الحسين بن علىّ» -رضى الله عنهما – وهو عندهم يوم حزن يُمدُّ فيه سماط يُسمَّى «سماط الحزن»، ذلك إضافة إلى أعياد أخرى مثل الاحتفال بإرسال الكسوة بصحبة قافلة الحج، والاحتفال بشهر رمضان، والاحتفال بذكرى مولد الكثير من الأئمة، ومولد الخليفة القائم بالأمر.

ولا يعرف التاريخ دولة إسلامية استطاعت طبع «مصر» بطابع قوى وجديد مثلما فعلت الدولة الفاطمية، التى مرت عبر صفحات التاريخ شأنها شأن أىة دولة تباينت قوة وضعفًا، واعتورها الصواب والخطأ، بيد أنها سطرت صفحة ناصعة من ألمع الصفحات فى التاريخ الإسلامى تمثلت فى «الجامع الأزهر» ومدينة «القاهرة».

السابق
الحجاز
التالي
الدولة الآيوبية