موسوعة علوم الاحاديث

الخبر المردود


وفيه ثلاثة مقاصد: – المقصد الأول: الضعيف. – المقصد الثاني: المردود بسبب سقط من الإسناد. – المقصد الثالث: المردود بسبب طعن في الراوي.

الخبر المردود، وأسباب رده

1- تعريفه

هو الخبر الذي لم يترجح صدق المخبر به. وذلك بفقد شرط أو أكثر من شروط القبول التي مرت بنا في بحث الصحيح.

2- أقسامه، وأسباب رده

لقد قسم العلماء الخبر المردود إلى أقسام كثيرة[١]، وأطلقوا على كثير من تلك الأقسام أسماء خاصة بها، ومنها ما لم يطلقوا عليها اسما خاصا بها، بل سموها باسم عام، هو “الضعيف”. أما أسباب رد الحديث فكثيرة، لكنها ترجع في الجملة إلى أحد سببين رئيسيين، هما: أ- سقط من الإسناد. ب- طعن في الراوي. وتحت كل من هذين السببين أنواع متعددة، سأتكلم عليها بثلاثة مقاصد مستقلة مفصلة إن شاء الله تعالى، مبتدئا بمقصد “الضعيف” الذي يعد هو الاسم العام لنوع المردود.

المقصد الأول: الضعيف

1- تعريفه: الضعيف

أ- لغة: ضد القوي، والضعف حسي ومعنوي، والمراد به هنا الضعف المعنوي. ب- اصطلاحا: هو ما لم يجمع صفة الحسن، بفقد شرط من شروطه. قال البيقوني في منظومته: وكل ما عن رتبة الحُسْنِ قَصُرْ … فهو الضعيف وهو أقسام كُثُرْ

2- تفاوته

ويتفاوت ضعفه بحسب شدة ضعف رواته وخفته، كما يتفاوت الصحيح. فمنه الضعيف، ومنه الضعيف جدا، ومنه الواهي، ومنه المنكر، وشر أنواعه الموضوع[٢].

3- أوهى الأسانيد

وبناء على ما تقدم في “الصحيح” من ذكر أصح الأسانيد، فقد ذكر العلماء في بحث “الضعيف” ما يسمى بـ “أوهى الأسانيد” وقد ذكر الحاكم النيسابوري[٣] جملة كبيرة من “أوهى الأسانيد” بالنسبةإلى بعض الصحابة، أو بعض الجهات والبلدان، وأذكر بعض الأمثلة من كتاب الحاكم وغيره، فمنها:

أ- أوهى الأسانيد بالنسبة لأبي بكر الصديق رضي الله عنه: “صدقة بن موسى الدقيقي، عن فرقد السبخي، عن مرة الطيب، عن أبي بكر”[٤].

ب- أوهى أسانيد الشاميين “محمد بن قيس المصلوب، عن عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة”[٥].

ج- أوهى أسانيد ابن عباس رضي الله عنه “السُّدِّيُّ الصغير محمد بن مروان، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس” قال الحافظ ابن حجر: “هذه سلسلة الكذب، لا سلسلة الذهب”[٦].

4- مثاله

ما أخرجه الترمذي من طريق “حكيم الأثرم” عن أبي تميمة الهجيمي، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من أتى حائضا أو امرأة في دبرها أو كاهنا فقد كفر بما أنزل على محمد”، ثم قال الترمذي بعد إخراجه: “لا نعرف هذا الحديث إلا من حديث حكيم الأثرم عن أبي تميمة الهجيمي عن أبي هريرة” ثم قال: “وضعَّفَ محمد[٧] هذاالحديث من قبل إسناده”[٨] قلت: لأن في إسناده حكيما الأثرم، وقد ضعفه العلماء، فقد قال عنه الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب: “فيه لين”.

5- حكم روايته

يجوز عند أهل الحديث وغيرهم رواية الأحاديث الضعيفة، والتساهل في أسانيدها من غير بيان ضعفها -بخلاف الأحاديث الموضوعة فإنه لا يجوز روايتها إلا مع بيان وضعها- بشرطين، هما:

أ- ألا تتعلق بالعقائد، كصفات الله تعالى. ب- ألا يكون في بيان الأحكام الشرعية مما يتعلق بالحلال والحرام. يعني تجوز روايتها في مثل المواعظ والترغيب والترهيب والقصص وما أشبه ذلك، وممن روي عنه التساهل في روايتها سفيان الثوري، وعبد الرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل[٩]. وينبغي التنبه إلى أنك إذا رويتها من غير إسناد فلا تقل فيها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، وإنما تقول: روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، أو بلغنا عنه كذا، وما أشبه ذلك؛ لئلا تجزم بنسبة ذلك الحديث للرسول وأنت تعرف ضعفه.

6- حكم العمل به

اختلف العلماء في العمل بالحديث الضعيف، الذي عليه جمهور العلماء أنه يستحب العمل به في فضائل الأعمال، لكن بشروط ثلاثة، أوضحها الحافظ ابن حجر[١٠] وهي:

أ- أن يكون الضعف غير شديد. ب- أن يندرج الحديث تحت أصل معمول به. ج- ألا يعتقد عند العمل به ثبوته، بل يعتقد الاحتياط. 7- أشهر المصنفات التي هي مظنة الضعيف: أ- الكتب التي صنفت في بيان الضعفاء: ككتاب الضعفاء لابن حبان، وكتاب ميزان الاعتدال للذهبي؛ فإن مؤلفيها يذكرون أمثلة للأحاديث التي صارت ضعيفة بسبب رواية أولئك الضعفاء لها. ب- الكتب التي صنفت في أنواع من الضعيف خاصة: مثل كتب المراسيل والعلل والمُدرَج وغيرها. ككتاب المراسيل لأبي داود، وكتاب العلل والدارقطني.

المقصد الثاني: المردود بسبب سقط من الإسناد

1- المراد بالسقط من الإسناد

المراد بالسقط من الإسناد انقطاع سلسلة الإسناد بسقوط راوٍ أو أكثر، عمدا من بعض الرواة، أو عن غير عمد، من أول السند أو من آخره أو من أثنائه، سقوطًا ظاهرا أو خفيا.

2- أنواع السقط

يتنوع السقط من الإسناد بحسب ظهوره وخفائه إلى نوعين، هما:

أ- سقط ظاهر: وهذا النوع من السقط يشترك في معرفته الأئمة وغيرهم من المشتغلين بعلوم الحديث، ويعرف هذا السقط من عدم التلاقي بين الراوي وشيخه؛ إما لأنه لم يدرك عصره، أو أدرك عصره، لكنه لم يجتمع به “وليست له منه إجازة ولا وجادة”[١١]لذلك يحتاجالباحث في الأسانيد إلى معرفة تاريخ الرواة؛ لأنه يتضمن بيان مواليدهم، ووفياتهم، وأوقات طلبهم وارتحالهم، وغير ذلك. وقد اصطلح علماء الحديث على تسمية السقط الظاهر بأربعة أسماء، بحسب مكان السقط، أو عدد الرواة الذين أسقطوا. وهذه الأسماء هي: 1- المعلق. 2- المرسل. 3- المعضل. 4- المنقطع. ب- سقط خفي: وهذا لا يدركه إلا الأئمة الحُذَّاق المطلعون على طرق الحديث وعلل الأسانيد. وله تسميتان، وهما:

1- المدلس. 2- المرسل الخفي. وإليك البحث في هذه المسميات الستة مفصلة على التوالي: أ- أنواع السقط الظاهر:

1- المعلق:

1- تعريفه

أ- لغة: هو اسم مفعول من “علق” الشيء بالشيء، أي أناطه وربطه به، وجعله معلقا. وسمي هذا السند معلقا بسبب اتصاله من الجهة العليا فقط، وانقطاعه من الجهة الدنيا، فصار كالشيء المعلق بالسقف ونحوه.

ب- اصطلاحا: ما حذف من مبدأ إسناده راوٍ فأكثر على التوالي[١٢].

2- شرح التعريف

ومبدأ السند هو طرفه الأدنى الذي من جهتنا، وهو شيخ المؤلف. ويسمى “أول السند” أيضا. وسمي “مبدأ السند”؛ لأننا نبدأ قراءة الحديث به.

3- من صُوَرِهِ

أ- أن يحذف جميع الإسناد، ثم يقال مثلا: “قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذا”. ب- ومنها: أن يحذف كل الإسناد إلا الصحابي، أو إلا الصحابي والتابعي[١٣].

4- مثاله

ما أخرجه البخاري في مقدمة باب ما يذكر في الفخذ: “وقال أبو موسى: غطى النبي صلى الله عليه وسلم ركبتيه حين دخل عثمان”[١٤].

فهذا حديث معلق؛ لأن البخاري حذف جميع إسناده إلا الصحابي، وهو أبو موسى الأشعري.

5- حكمه

الحديث المعلق مردود؛ لأنه فقد شرطا من شروط القبول، وهو اتصال السند، وذلك بحذف راوٍ أو أكثر من إسناده، مع عدم علمنا بحال ذلك الراوي المحذوف.

6- حكم المعلقات في الصحيحين

هذا الحكم -وهو أن المعلق مردود- هو للحديث المعلق مطلقا، لكن إن وجد المعلق في كتاب التزمت صحته -كالصحيحين- فهذا له حكم خاص، قد مر بنا في بحث الصحيح[١٥]، ولا بأس بالتذكير به هنا، وهو أن: أ- ما ذكر بصيغة الجزم: كـ “قال”، و”ذكر”، و”حكى” فهو حكم بصحته عن المضاف إليه. ب- وما ذكر بصيغة التمريض: كـ “قيل”، و”ذكر”، و”حُكِيَ”؛ فليس فيه حكم بصحته عن المضاف إليه. بل فيه الصحيح والحسن والضعيف، لكن ليس فيه حديث واهٍ؛ لوجوده في الكتاب المسمى بالصحيح[١٦]. وطريق معرفة الصحيح من غيره هو البحث عن إسناد هذا الحديث، والحكم عليه بما يليق به[١٧].

2- المرسل:

1- تعريفه

أ- لغةً: هو اسم مفعول من “أرسل” بمعنى “أطلق”، فكان المرسِل أطلق الإسناد ولم يقيده براو معروف. ب- اصطلاحًا: هو ما سقط من آخر إسناده مَنْ بعد التابعي[١٨].

2- شرح التعريف

أي هو الحديث الذي سقط من إسناده الراوي الذي بعد التابعي، والذي بعد التابعي هو الصحابي، وآخر الإسناد هو طرفه الذي فيه الصحابي.

3- صورته

وصورته: أن يقول التابعي -سواء كان صغيرا أو كبيرا- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذا، أو فعل كذا، أو فُعِل بحضرته كذا، وهذه صورة المرسل عند المحدثين.

4- مثاله

ما أخرج مسلم في صحيحه، في كتاب البيوع قال: “حدثني محمد بن رافع، ثنا حجين، ثنا الليث، عن عقيل، عن ابنشهاب، عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع المزابنة”[١٩]. فسعيد بن المسيب تابعي كبير، روى هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بدون أن يذكر الواسطة بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم، فقد أسقط من إسناد هذا الحديث آخره, وهو من بعد التابعي، وأقل هذا السقط أن يكون قد سقط الصحابي، ويحتمل أن يكون قد سقط معه غيره، كتابعي مثلا.

5- المرسل عند الفقهاء والأصوليين

ما ذكرته من صورة المرسل هو المرسل عند المحدثين، أما المرسل عند الفقهاء والأصوليين فأعم من ذلك، فعندهم أن كل منقطع مرسل على أي وجه كان انقطاعه، وهذا مذهب الخطيب أيضا.

6- حكمه

المرسل في الأصل ضعيف مردود؛ لفقده شرطا من شروط المقبول، وهو اتصال السند، وللجهل بحال الراوي المحذوف؛ لاحتمال أن يكون المحذوف غير صحابي، وفي هذه الحال يحتمل أن يكون ضعيفا.

لكن العلماء من المحدثين وغيرهم اختلفوا في حكم المرسل، والاحتجاج به؛ لأن هذا النوع من الانقطاع يختلف عن أي انقطاع آخر في السند؛ لأن الساقط منه غالبا ما يكون صحابيا، والصحابة كلهم عدول، لا يضر عدم معرفتهم.

ومجمل أقوال العلماء في المرسل ثلاثة أقوال، هي: أ- ضعيف مردود: وهذا عند جمهور المحدثين، وكثير من أصحاب الأصول والفقهاء. وحجة هؤلاء هو الجهل بحال الراوي المحذوف؛ لاحتمال أن يكون غير صحابي. ب- صحيح يحتج به: وهذا عند الأئمة الثلاثة -أبي حنيفة، ومالك، وأحمد في المشهور عنه- وطائفة من العلماء، بشرط أن يكون المرسِل ثقة، ولا يرسل إلا عن ثقة. وحجتهم أن التابعي الثقة لا يستحل أن يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا إذا سمعه من ثقة. ج- قبوله بشروط: أي يصح بشروط، وهذا عند الشافعي، وبعض أهل العلم؛ وهذه الشروط أربعة؛ ثلاثة في الراوي المرسِل، وواحد في الحديث المرسَل، وإليك هذه الشروط:

1- أن يكون المرسِل من كبار التابعين. 2- وإذا سمى من أرسل عنه سمى ثقة. أي إذا سئل عن اسم الراوي الذي حذفه، فإنه يذكر اسم شخص ثقة. 3- وإذا شاركه الحفاظ المأمونون لم يخالفوه. أي أن الراوي المرسِل ضابط تام الضبط، بحيث إذا شاركه الرواة الضابطون يوافقون على روايته. 4- وأن ينضم إلى هذه الشروط الثلاثة واحد مما يلي: أ- أن يروى الحديث من وجه آخر مسندا. ب- أو يروى من وجه آخر مرسَلا أرسله من أخذ العلم عن غير رجال المرسِل الأول. ج- أو يوافق قول صحابي. د- أو يفتي بمقتضاه أكثر أهل العلم[٢٠].

فإذا تحققت هذه الشروط تبين صحة مَخرَج المرسَل وما عضده، وأنهما صحيحان، لو عارضهما حديث صحيح من طريق واحد رجحناهما عليه بتعدد الطرق إذا تعذر الجمع بينهما. هذا ويمكن توضيح هذه الأمور التي ينبغي أن ينضم واحد منها إلى الشروط الثلاثة السابقة بما يلي:

أ- حديث مرسل + حديث مسند= صحيح. ب- حديث مرسل + حديث مرسل= صحيح. ج- حديث مرسل + قول صحابي= صحيح. د- حديث مرسل + فتوى أكثر العلماء= صحيح.

7- مرسَل الصحابي

هو ما أخبر به الصحابي عن قول الرسول صلى الله عليه وسلم أو فعله، ولم يسمعه أو يشاهده؛ إما لصغر سنه، أو تأخر إسلامه، أو غيابه، ومن هذا النوع أحاديث لصغار الصحابة؛ كابن عباس، وابن الزبير، وغيرهما.

8- حكم مرسَل الصحابي

القول الصحيح المشهور الذي قطع به الجمهور أنه صحيح محتجٌّ به؛ لأن رواية الصحابة عن التابعين نادرة، وإذا رووا عنهم بينوها، فإذا لم يبينوا، وقالوا: قال رسول الله، فالأصل أنهم سمعوها من صحابي آخر، وحذف الصحابي لا يضر، كما تقدم. وقيل: إن مرسَل الصحابي كمرسَل غيره في الحكم، وهذا القول ضعيف مردود.

9- أشهر المصنفات فيه

أ- المراسيل، لأبي داود. ب- المراسيل، لابن أبي حاتم. ج- جامع التحصيل لأحكام المراسيل، للعلائي[٢١].

3- المعضل

1- تعريفه

أ- لغةً: اسم مفعول من “أعضله” بمعنى أعياه. ب- اصطلاحًا: ما سقط من إسناده اثنان فأكثر على التوالي[٢٢].

2- مثاله

“ما رواه الحاكم في “معرفة علوم الحديث” بسنده إلى القعنبي عن مالك أنه بلغه أن أبا هريرة قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق”. قال الحاكم: هذا معضل عن مالك، أعضله هكذا في الموطأ”[٢٣]

فهذا الحديث معضل؛ لأنه سقط منه اثنان متواليان بين مالك وأبي هريرة. وقد عرفنا أنه سقط منه اثنان متواليان من رواية الحديث خارج الموطأ هكذا ” … عن مالك عن محمد بن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة”[٢٤].

3- حكمه

المعضل حديث ضعيف، وهو أسوأ حالا من المرسل والمنقطع[٢٥]، وذلك لكثرة المحذوفين من الإسناد، وهذا الحكم على المعضل بإجماع العلماء.

4- اجتماعه مع بعض صور المعلق

إن بين المعضل وبين المعلق عموما وخصوصا من وجه: أ- فيجتمع المعضل مع المعلق في صورة واحدة، وهي: إذا حذف من مبدأ إسناده راويان متواليان. فهو معضل ومعلق في آن واحد.

ب- ويفارقه في صورتين: 1- إذا حذف من وسط الإسناد راويان متواليان، فهو معضل، وليس بمعلق. 2- إذا حذف من مبدأ الإسناد راوٍ فقط، فهو معلق، وليس بمعضل.

5- من مظانِّ المعضل

قال السيوطي[٢٦]: من مظانِّ المعضل والمنقطع والمرسل: أ- كتاب السنن، لسعيد بن منصور. ب- مؤلفات ابن أبي الدنيا.

4- المنقطع:

1- تعريفه

أ- لغة: هو اسم فاعل من “الانقطاع” ضد الاتصال.

ب- اصطلاحا: ما لم يتصل إسناده، على أي وجه كان انقطاعه[٢٧].

2- شرح التعريف

يعني أن كل إسناد انقطع من أي مكان كان؛ سواء كان الانقطاع من أول الإسناد، أو من آخره، أو من وسطه، فيدخل فيه -على هذا- المرسل والمعلق والمعضل، لكن علماء المصطلح المتأخرين خصوا المنقطع بما لم تنطبق عليه صورة المرسل، أو المعلق، أو المعضل، وكذلك كان استعمال المتقدمين، في الغالب. ولذلك قال النووي: “وأكثر ما يستعمل في رواية من دون التابعي عن الصحابي، كمالك عن ابن عمر”[٢٨].

3- المنقطع عند المتأخرين من أهل الحديث

هو ما لم يتصل إسناده، مما لا يشمله اسم المرسل، أو المعلق، أو المعضل. فكأن المنقطع اسم عام لكل انقطاع في السند، ما عدا صورًا ثلاثًا من صور الانقطاع، وهي: حذف أو الإسناد، أو حذف آخره، أو حذف اثنين متواليين من أي مكان كان، وهذا هو الذي مشى عليه الحافظ ابن حجر في النخبة وشرحها[٢٩]. ثم إنه قد يكون الانقطاع في مكان واحد من الإسناد، وقد يكون في أكثر من مكان واحد، كأن يكون الانقطاع في مكانين أو ثلاثة مثلا.

4- مثاله

ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع، عن حذيفة مرفوعا: “إن وليتموها أبا بكر فقوي أمين”[٣٠].

فقد سقط من هذا الإسناد رجل من وسطه، وهو “شريك” سقط من بين الثوري وأبي إسحاق؛ إذ إن الثوري لم يسمع الحديث من أبي إسحاق مباشرة، وإنما سمعه من شريك، وشريك سمعه من أبي إسحاق. فهذا الانقطاع لا ينطبق عليه اسم المرسل، ولا المعلق، ولا المعضل، فهو منقطع.

5- حكمه

المنقطع ضعيف بإجماع العلماء لفقده شرطا من شروط القبول، وهو اتصال السند، وللجهل بحال الراوي المحذوف.

ب- أنواع السقط الخفي:

1- المدلَّس

1- تعريف التدليس

أ- لغةً: المدلس: اسم مفعول، من “التدليس” والتدليس في اللغة: كتمان عيب السلعة عن المشتري، وأصل التدليس مشتق من “الدلس” وهو الظلمة، أو اختلاط الظلام، كما في القاموس[٣١]؛ فكأن المدلس لتغطيته على الواقف على الحديث أظلم أمره، فصار الحديث مدلسا.

ب- اصطلاحا: إخفاء عيب في الإسناد، وتحسين لظاهره[٣٢]

2- شرح التعريف

أي أن يستر المدلِّس العيب الذي في الإسناد، وهو الانقطاع في السند، فيسقط المدلِّس شيخه، ويروي عن شيخ شيخه ويحتال في إخفاء هذا الإسقاط، ويحسن ظاهر الإسناد بأن يوهم الذي يراه بأنه متصل، لا سقط فيه.

3- أقسام التدليس

للتدليس قسمان رئيسيان هما: تدليس الإسناد، وتدليس الشيوخ.

4- تدليس الإسناد

لقد عرف علماء الحديث هذا النوع من التدليس بتعريفات مختلفة، وسأختار أصحها وأدقها -في نظري- وهو تعريف الإمامين أبي بكر أحمد بن عمرو البزار، وأبي الحسن بن القطان. وهذا التعريف هو: أ- تعريفه: أن يروي الراوي عمن قد سمع منه ما لم يسمع منه، من غير أن يذكر أنه سمعه منه[٣٣]. ب- شرح التعريف: ومعنى هذا التعريف أن تدليس الإسناد: أن يروي الراوي عن شيخ قد سمع منه بعض الأحاديث، لكن هذا الحديث الذي دلسه لم يسمعه منه، وإنما سمعه من شيخ آخر عنه، فيسقط ذلك الشيخ، ويرويه عن الشيخ الأول بلفظ محتمل للسماع وغيره، كـ “قال” أو “عن” ليوهم غيره أنه سمعه منه. لكن لا يصرح بأنه سمع منه هذا الحديث، فلا يقول: “سمعت” أو “حدثني” حتى لا يصير كذابا بذلك، ثم قد يكون الذي أسقطه واحدًا أو أكثر.

ج- الفرق بينه وبين الإرسال الخفي: قال أبو الحسن بن القطان بعد ذكره للتعريف السابق: “والفرق بينه وبين الإرسال هو: أن الإرسال روايته عمن لم يسمع منه”.

وإيضاح ذلك: أن كلا من المدلِّس والمرسِل إرسالا خفيا يروي عن شيخ شيئا لم يسمعه منه، بلفظ يحتمل السماع وغيره، لكن المدلس قد سمع من ذلك الشيخ أحاديث غير التي دلسها، على حين أن المرسل إرسالا خفيا لم يسمع من ذلك الشيخ أبدًا، لا الأحاديث التي أرسلها ولا غيرها، لكنه عاصره أو لقيه.

د- مثاله: ما أخرجه الحاكم[٣٤]، بسنده إلى علي بن خشرم قال: “قال لنا ابن عيينة: عن الزهري، فقيل له: سمعته من الزهري؟ فقال: لا، ولا ممن سمعه من الزهري. حدثني عبد الرزاق عن معمر عن الزهري” ففي هذا المثال أسقط ابن عيينة اثنين بينه وبين الزهري.

5- تدليس التسوية

هذا النوع من التدليس هو في الحقيقة نوع من أنواع تدليس الإسناد. أ- تعريفه: هو رواية الراوي عن شيخه، ثم إسقاط راوٍ ضعيف بين ثقتين لقي أحدهما الآخر. وصورة ذلك: أن يروي الراوي حديثا عن شيخ ثقة، وذلك الثقة يرويه عن ضعيف، عن ثقة، ويكون الثقتان قد لقي أحدهما الآخر، فيأتي المدلس الذي سمع الحديث من الثقةالأول، فيسقط الضعيف الذي في السند، ويجعل الإسناد عن شيخه الثقة، عن الثقة الثاني، بلفظ محتمل، فيسوي الإسناد كله ثقات.

وهذا النوع من التدليس شر أنواع التدليس؛ لأن الثقة الأول قد لا يكون معروفا بالتدليس، ويجده الواقف على السند كذلك بعد التسوية قد رواه عن ثقة آخر، فيحكم له بالصحة. وفيه غرر شديد. ب- أشهر من كان يفعله، هما:

1- بقية بن الوليد. قال أبو مسهر: “أحاديث بقية ليست نقية، فكن منها على تقية”[٣٥]. 2- الوليد بن مسلم. ج- مثاله:

ما رواه ابن أبي حاتم في “العلل” قال: “سمعت أبي -وذكر الحديث الذي رواه إسحاق بن راهويه، عن بقية قال: حدثني أبو وهب الأسدي عن نافع، عن ابن عمر، حديث: “لا تحمدوا إسلام المرء حتى تعرفوا عقدة رأيه”- قال أبي: هذا الحديث له أمر قل من يفهمه. روى هذا الحديث عبيد الله بن عمرو، عن إسحاق بن أبي فروة، عن نافع، ثقة ضعيف ثقةعن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم. وعبيد الله بن عمرو، كنيته أبو وهب، وهو أسدي، فكناه بقية ونسبه إلى بني أسد كي لا يفطن له، حتى إذا ترك إسحاق بن أبي فروة لا يهتدى له”[٣٦].

6- تدليس الشيوخ

أ- تعريفه: هو أن يروي الراوي عن شيخ حديثا سمعه منه، فيسميه، أو يكنيه، أو ينسبه، أو يصفه بما لا يعرف به كي لا يعرف[٣٧].

7- شرح التعريف

أي أن يروي الراوي المدلس عن شيخ حديثا سمعه منه، يعني لا يوجد إسقاط ولا حذف في تدليس الشيوخ، لكن يوجد تمويه وتغطية لاسم الشيخ، أو كنيته، أو نسبته، أو صفته. وتوضيح ذلك: أن يكون:

1- اسم الشيخ: محمود بن أحمد الطحان. 2- وكنيته: أبو حفص. 3- ونسبته: الطحان. 4- ومن صفاته: أن لحيته بيضاء. فيأتي المدلس فيقول: حدثني: 1- ابن أحمد. 2- أو “أبو سهيل”. 3- أو “محمود الحلبي”. 4- أو “ذو اللحية البيضاء”. فهذه الأمور تنطبق على الشيخ، وذلك لأنه: 1- بالنسبة للاسم: هو ابن أحمد حقيقة. 2- وبالنسبة للكنية: فهو أبو سهيل؛ لأن سهيلا ابن من أبنائه. 3- وبالنسبة للنسبة: فهو حلبي؛ لأنه من مدينة حلب. 4- وبالنسبة لصفته: فهو ذو لحية بيضاء حقيقة. ولكن الشيخ لا يعرف بين الناس بهذه الأسماء، فتسميته بها نوع من الإخفاء والتدليس لاسم الشيخ، وهذا هو الذي يريده المدلس؛ يصفه بما لا يعرف به كي لا يعرف؛ وذلك لوجود عيب فيه؛ كضعف، أو صغر سن، أو غير ذلك.

ب- مثاله:

قول أبي بكر بن مجاهد، أحد أئمة القراء: “حدثنا عبد الله بن أبي عبد الله، يريد به أبا بكر بن أبي داود السجستاني”.

8- حكم التدليس

أ- أما تدليس الإسناد: فمكروهٌ جدًّا. ذمه أكثر العلماء، وكان شعبة من أشدهم ذمًّا له، فقال فيه أقوالا، منها: “التدليس أخو الكذب”.

ب- وأما تدليس التسوية: فهو أشد كراهة منه، حتى قال العراقي: “إنه قادح فيمن تعمد فعله”. ج- وأما تدليس الشيوخ: فكراهته أخف من تدليس الإسناد؛ لأن التدليس لم يسقط أحدا، وإنما الكراهة بسبب تضييع المروي عنه، وتوعير طريق معرفته على السامع، وتختلف الحال في كراهته بحسب الغرض الحامل عليه.

9- الأغراض الحاملة على التدليس

أ- الأغراض الحاملة على تدليس الشيوخ أربعة، وهي:

1- ضعف الشيخ، أو كونه غير ثقة.

2- تأخر وفاة الشيخ، بحيث شارك الطالب في السماع منه جماعة جاءوا بعد هذا الطالب.

3- صغر سن الشيخ، بحيث يكون أصغر من الراوي عنه.

4- كثرة الرواية عن الشيخ، فلا يحب الإكثار من ذكر اسم شيخه على صورة واحدة.

ب- الأغراض الحاملة على تدليس الإسناد خمسة، وهي:

1- توهيم علو الإسناد؛ أي أن يوهم الناس أن إسناده عالٍ.

2- فوات شيء من الحديث عن شيخ سمع منه الكثير.

3، 4، 5- الأغراض الثلاثة الأولى المذكورة في تدليس الشيوخ.

10- أسباب ذمِّ المدلِّس: ثلاثة وهي

أ- إيهامه السماع ممن لم يسمع منه. ب- عدوله عن الكشف إلى الاحتمال. ج- علمه بأنه لو ذكر الذي دلس عنه لم يكن مرضيا[٣٨].

11- حكم رواية المدلس

اختلف العلماء في قبول رواية المدلس على أقوال؛ أشهرها قولان، وهما: أ- رد رواية المدلس مطلقا، وإن بَيَّنَ السماع؛ لأن التدليس نفسه جرح. “وهذا القول غير معتمد”. ب- التفصيل: “وهو القول الصحيح”. 1- إن صرح بالسماع قبلت روايته، أي إن قال: “سمعت” أو نحوها قبل حديثه. 2- وإن لم يصرح بالسماع لم تقبل روايته، أي إن قال: “عن” ونحوها لم يقبل[٣٩] حديثه.

12- بم يعرف التدليس؟

يعرف التدليس بأحد أمرين، هما:

أ- إخبار المدلس نفسه -إذا سئل- أنه دلس، كما جرى لابن عيينة. ب- نص إمام من أئمة هذا الشأن؛ بناءً على معرفته ذلك من البحث والتتبع.

13- أشهر المصنفات في التدليس والمدلسين

هناك مصنفات في التدليس والمدلسين كثيرة، أشهرها: أ- ثلاثة مصنفات للخطيب البغدادي، واحد في أسماء المدلسين، واسمه “التبيين لأسماء المدلسين”[٤٠]، والآخران أفرد كلا منهما لبيان نوع من أنواع التدليس[٤١].

ب- التبيين لأسماء المدلسين: لبرهان الدين ابن الحلبي “وقد طبعت هذه الرسالة”. ج- تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس، للحافظ ابن حجر “وقد طبعت أيضا”.

2- المرسَل الخفي:

1- تعريفه

أ- لغة: المرسَل لغة: اسم مفعول من الإسال، بمعنى الإطلاق، كأن المرسِل أطلق الإسناد ولم يصله. والخفي: ضد الجلي؛ لأن هذا النوع من الإرسال غير ظاهر، فلا يدرك إلا بالبحث. ب- اصطلاحا: أن يروي الراوي عمن لقيه، أو عاصره، ما لم يسمع منه، بلفظ يحتمل السماع وغيره كـ “قال”[٤٢].

2- مثاله

ما رواه ابن ماجه من طريق عمر بن عبد العزيز، عن عقبة بن عامر مرفوعا: “رحم الله حارس الحرس”[٤٣]؛ فإن عمر لم يلقَ عقبة، كما قال المزي في الأطراف.

3- بم يُعرَف الإرسال الخفي؟

يُعرَف الإرسال الخفي بأحد أمور ثلاثة، وهي: أ- نص بعض الأئمة على أن هذا الراوي لم يلقَ من حدَّث عنه، أو لم يسمع منه مطلقا.

ب- إخباره عن نفسه بأنه لم يلق من حدث عنه، أو لم يسمع منه شيئا.

ج- مجيء الحديث من وجه آخر، فيه زيادة شخص بين هذا الراوي، وبين من روي عنه.

وهذا الأمر الثالث فيه خلاف للعلماء؛ لأنه قد يكون من نوع “المزيد في متصل الأسانيد”.

4- حكمه

هو ضعيف؛ لأنه من نوع المنقطع، فإذا ظهر انقطاعه، فحكمه حكم المنقطع.

5- أشهر المصنفات فيه

كتاب “التفصيل لمبهم المراسيل”، للخطيب البغدادي.

ملحقات الحديث المنقطع: المعنعن، والمؤنن:

1- تمهيد

لقد انتهت أنواع المردود الستة التي سبب ردها سقط من الإسناد، لكن لما كان المعنعن والمؤنن مختلفا فيهما، هل هما من نوع المنقطع، أو المتصل، لذا رأيت إلحاقهما بأنواع المردود بسبب سقط من الإسناد.

2- تعريف المعنعن

أ- لغة: المعنعن: اسم مفعول من “عنعن” بمعنى قال: “عن، عن”. ب- اصطلاحا: قول الراوي: فلان عن فلان[٤٤]

3- مثاله

ما رواه ابن ماجه قال: “حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا معاوية بن هشام، ثنا سفيان، عن أسامة بن زيد، عن عثمان بن عروة، عن عروة، عن عائشة. قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف”[٤٥].

4- هل هو من المتصل أم المنقطع؟

اختلف العلماء فيه على قولين:

أ- قيل إنه منقطع حتى يتبين اتصاله. وهذا القول غير معتمد. ب- والقول الصحيح الذي عليه العمل، وقاله الجماهير من أصحاب الحديث والفقه والأصول: إنه متصل بشروط، اتفقوا على شرطين منها، واختلفوا في اشتراط ما عداهما؛ أما الشرطان اللذان اتفقوا على أنه لا بد منهما -ومذهب مسلم الاكتفاء بهما- فهما:

1- ألا يكون المعنعن مدلسا. 2- أن يمكن لقاء بعضهم بعضا. أي لقاء المعنعِن بمن عنعن عنه. وأما الشروط التي اختلفوا على اشتراطها زيادة على الشرطين السابقين فهي: 1- ثبوت اللقاء: وهو قول البخاري وابن المديني والمحققين. 2- طول الصحبة: وهو قول أبي المظفر السمعاني. 3- معرفته بالرواية عنه: وهو قول أبي عمرو الداني.

5- تعريف المؤنَّن

أ- لغة: اسم مفعول من “أنَّن” بمعنى قال: “أن، أن”. ب- اصطلاحا: وهو قول الراوي: حدثنا فلان أن فلانا قال …

6- حكم المؤنَّن

أ- قال أحمد وجماعة: هو منقطع حتى يتبين اتصاله، وهذا القول غير معتمد. ب- وقال الجمهور: “أن” كـ “عن” ومطلقه محمول على الاتصال والسماع بالشروط المتقدمة. أي أن “المؤنن” كـ”المعنعن” في الحكم، وبالشروط نفسها المذكورة في نوع المعنعن.

المقصد الثالث: المردود بسبب طعن في الراوي

1- المراد بالطعن في الراوي

المراد بالطعن في الراوي جرحه باللسان، والتكلم فيه من ناحية عدالته ودينه، أو من ناحية ضبطه وحفظه.

2- أسباب الطعن في الراوي

أسباب الطعن في الراوي عشرة أسباب؛ خمسة منها تتعلق بالعدالة، وخمسة منها تتعلق بالضبط. أ- أما التي تتعلق بالطعن في العدالة فهي:

1- الكذب. 2- التهمة بالكذب. 3- الفسق. 4- البدعة. 5- الجهالة “أي جهالة العين”. ب- وأما التي تتعلق بالطعن في الضبط فهي: 1- فحش الغلط. 2- سوء الحفظ. 3- الغفلة. 4- كثرة الأوهام. 5- مخالفة الثقات. وسأذكر أنواع الحديث المردود بكل بسبب من هذه الأسباب على التوالي، مبتدئا بالسبب الأشد طعنا وهو الكذب.

الموضوع:

إذا كان سبب الطعن في الراوي هو الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحديثه يسمى “الموضوع”.

1- تعريفه

أ- لغة: هو اسم مفعول، من “وضع الشيء” أي “حطه”؛ سمي بذلك لانحطاط رتبته.

ب- اصطلاحا: هو الكذب، المختلق، المصنوع، المنسوب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم[٤٦].

2- رتبته

هو شر الأحاديث الضعيفة، وأقبحها، وبعض العلماء يعده قسما مستقلا، وليس نوعا من أنواع الأحاديث الضعيفة.

3- حكم روايته

أجمع العلماء على أنه لا تحل روايته لأحد علم حاله في أي معنى كان إلا مع بيان وضعه، لحديث مسلم: “من حدث عني بحديث يُرَى أنه كذب فهو أحد الكاذبين” [٤٧].

4- طرق الوضاعين في صياغة الحديث

للوضاعين في صياغة الحديث طريقان:

أ- إما أن ينشئ الوضاع الكلام من عنده، ثم يضع له إسنادا ويرويه. ب- وإما أن يأخذ كلاما لبعض الحكماء، أو غيرهم، ويضع له إسنادا.

5- كيف يعرف الحديث الموضوع؟

يعرف الحديث الموضوع من دون النظر في إسناده بأمور؛ منها: أ- إقرار الواضع بالوضع: كإقرار أبي عصمة نوح بن أبي مريم بأنه وضع حديث فضائل سور القرآن سورة سورة، عن ابن عباس. ب- أو ما يتنزل منزلة إقراره: كأن يحدث عن شيخ، فيسأل عن مولده هو، فيذكر تاريخا تكون وفاة ذلك الشيخ قبل مولده هو، ولا يعرف ذلك الحديث إلا عنده. ج- أو قرينة في الراوي: مثل أن يكون الراوي رافضيا، والحديث في فضائل أهل البيت. د- أو قرينة في المروي: مثل كون الحديث ركيك اللفظ، أو مخالفا للحس، أو مخالفا لصريح القرآن.

6- دواعي الوضع، وأصناف الوضاعين

لوضع الحديث دواعٍ كثيرة تدعو الوضاع لوضعه، فمن أبرزها ما يلي: 1- التقرب على الله تعالى: وذلك بوضع أحاديث ترغب الناس في الخيرات، وأحاديث تخوفهم من فعل المنكرات، وهؤلاء الوضاعون قوم ينتسبون إلى الزهد والصلاح، وهم شر الوضاعين؛ لأن الناس قبلت موضوعاتهم ثقة بهم.

ومن هؤلاء: ميسرة بن عبد ربه، فقد روى ابن حبان في الضعفاء عن ابن مهدي قال: “قلت لميسرة بن عبد ربه: من أين جئت بهذه الأحاديث: من قرأ كذا فله كذا؟ قال: وضعتها أرغب الناس”[٤٨]. 2- الانتصار للمذهب: لا سيما مذاهب الفرق السياسية، وذلك بعد ظهور الفتنة، وظهور الفرق السياسية، كالخوارج، والشيعة، فقد وضعت كل فرقة من الأحاديث ما يؤيد مذهبها، كحديث: “علي خير البشر، من شك فيه كفر”.

3- الطعن في الإسلام: وهؤلاء الوضاعون قوم من الزنادقة لم يستطيعوا أن يكيدوا للإسلام جهارا، فعمدوا إلى هذا الطريق الخبيث، فوضعوا جملة من الأحاديث بقصد

تشويه الإسلام والطعن فيه، ومن هؤلاء: محمد بن سعيد الشامي، المصلوب في الزندقة، فقد روى عن حميد، عن أنس، مرفوعا: “أنا خاتم النبيين لا نبي بعدي، إلا أن يشاء الله”[٤٩]، ولقد بين جهابذة الحديث أمر هذه الأحاديث، ولله الحمد والمنة.

4- التزلف إلى الحكام: أي تقرب بعض ضعفاء الإيمان إلى بعض الحكام بوضع أحاديث تناسب ما عليه الحكام من الانحراف، مثل قصة غياث بن إبراهيم النخعي الكوفي مع أمير المؤمنين المهدي، حين دخل عليه وهو يلعب بالحمام، فساق بسنده على التوِّ إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “لا سبق إلا في نصلٍ، أو خفٍّ، أو حافرٍ، أو جناح” فزاد كلمة “أو جناح” لأجل المهدي، فعرف المهدي ذلك، فأمر بذبح الحمام، وقال: أنا حملته على ذلك. وطرد هذا الوضاع المتزلف، وعامله بعكس قصده.

5- التكسب وطلب الرزق: كبعض القصاص الذين يتكسبون بالتحدث إلى الناس، فيوردون بعض القصص المسلية والعجيبة، حتى يستمع إليهم الناس ويعطوهم، كأبي سعيد المدائني.

6- قصد الشهرة: وذلك بإيراد الأحاديث الغريبة التي لا توجد عند أحد من شيوخ الحديث، فيقلبون سند الحديث

ليستغرب، فيرغب في سماعه منهم، كابن أبي دحية وحماد النصيبي[٥٠].

7- مذاهب الكرامية في وضع الحديث

زعمت فرقة من المبتدعة، سموا بالكرامية، جواز وضع الأحاديث في باب الترغيب والترهيب فقط، واستدلوا على ذلك بما روي في بعض طرق حديث: “من كذب علي متعمدا” من زيادة جملة: “ليضل الناس”؛ ولكن هذه الزيادة لم تثبت عند حفاظ الحديث.

وقال بعضهم: “نحن نكذب له، لا عليه” وهذا الاستدلال في غاية السخف؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لا يحتاج شرعه إلى كذابين ليروجوه.

وهذا الزعم خلاف إجماع المسلمين، حتى بالغ الشيخ أبو محمد الجويني، فجزم بتكفير واضع الحديث.

8- خطأ بعض المفسرين في ذكر بعض الأحاديث الموضوعة في تفاسيرهم

لقد أخطأ بعض المفسرين في ذكرهم أحاديث موضوعة في تفاسيرهم من غير بيان وضعها. لا سيما الحديث المروي عن أبي بن كعب في فضائل القرآن سورة سورة، ومن هؤلاء المفسرين: أ- الثعلبي. ب- الواحدي. ج- الزمخشري. د- البيضاوي. هـ- الشوكاني.

9- أشهر المصنفات فيه

أ- كتاب الموضوعات: لابن الجوزي، وهو من أقدم ما صنف في هذا الفن، لكنه متساهل في الحكم على الحديث بالوضع، لذا انتقده العلماء وتعقبوه.

ب- اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة: للسيوطي، وهو اختصار لكتاب ابن الجوزي، وتعقيب عليه، وزيادات لم يذكرها ابن الجوزي.

ج- تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأحاديث الشنيعة الموضوعة: لابن عراق الكناني، وهو تلخيص لسابقيه، وهو كتاب حافل مهذب مفيد.

المتروك [٥١]:

إذا كان سبب الطعن في الراوي هو التهمة بالكذب -وهو السبب الثاني- سمي حديثه: المتروك.

1- تعريفه

أ- لغة: اسم مفعول من “الترك” وتسمي العرب البيضة بعد أن يخرج منها الفرخ “التريكة” أي متروكة، لا فائدة منها[٥٢].

ب- اصطلاحا: هو الحديث الذي في إسناده راوٍ متهم بالكذب[٥٣].

2- أسباب اتهام الراوي بالكذب

أسباب اتهام الراوي بالكذب أحد أمرين؛ هما: أ- ألا يروى ذلك الحديث إلا من جهته، ويكون مخالفا للقواعد المعلومة[٥٤].

ب- أن يعرف الراوي بالكذب في كلامه العادي، لكن لم يظهر منه الكذب في الحديث النبوي.

3- مثاله

حديث عمرو بن شمر الجعفي الكوفي، عن جابر، عن أبي الطفيل، عن علي وعمار قالا: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقنت في الفجر، ويكبر يوم عرفة من صلاة الغداة، ويقطع صلاة العصر آخر أيام التشريق. وقد قال النسائي والدارقطني وغيرهما من عمرو بن شمر: “متروك الحديث”[٥٥].

4- رتبته

مر بنا أن شر الضعيف الموضوع، ويليه المتروك، ثم المنكر، ثم المعلل، ثم المدرج، ثم المقلوب، ثم المضطرب. كذا رتبه الحافظ ابن حجر[٥٦].

المنكَر: إذا كان سبب الطعن في الراوي فحش الغلط، أو كثرة الغفلة، أو الفسق -وهو السبب الثالث والرابع والخامس- فحديثه يسمى المنكر.

1- تعريفه

أ- لغة: هو اسم مفعول من “الإنكار” ضد الإقرار.

ب- اصطلاحا: عرف علماء الحديث المنكر بتعريفات متعددة، أشهرها: تعريفان، وهما: 1- هو الحديث الذي في إسناده راوٍ فحش غلطه، أو كثرت غفلته، أو ظهر فسقه. وهذا التعريف ذكره الحافظ ابن حجر، ونسبه لغيره[٥٧]، ومشى على هذا التعريف البيقوني في منظومته فقال:

ومنكر الفرد به راوٍ غدا … تعديله لا يحمل التفردا 2- هو ما رواه الضعيف مخالفا لما رواه الثقة[٥٨].

وهذا التعريف هو الذي ذكره الحافظ ابن حجر،واعتمده، وفيه زيادة على التعريف الأول، وهي: قيد مخالفة الضعيف لما رواه الثقة.

2- الفرق بينه وبين الشاذ

أ- أن الشاذ ما رواه المقبول مخالفا لما رواه من هو أولى منه. ب- أن المنكر ما رواه الضعيف مخالفا لما رواه الثقة[٥٩]. فيعلم من هذا أنهما يشتركان في اشتراط المخالفة، ويفترقان في أن الشاذ راويه مقبول، والمنكر راويه ضعيف.

قال ابن حجر: “وقد غفل من سوى بينهما”[٦٠].

3- مثاله

أ- مثال للتعريف الأول: ما رواه النسائي وابن ماجه من رواية أبي زكير يحيى بن محمد بن قيس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة مرفوعا “كلوا البلح بالتمر؛ فإن ابن آدم إذا أكله غضب الشيطان”[٦١].

قال النسائي: “هذا حديث منكر، تفرد به أبو زكير، وهو شيخ صالح، أخرج له مسلم في المتابعات، غير أنه لم يبلغ مبلغ من يحتمل تفرده”.

ب- مثال للتعريف الثاني: ما رواه ابن أبي حاتم من طريق حُبيب بن حَبيب الزيات، عن أبي إسحاق، عن العيزار بن حريث، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من أقام الصلاة، وآتى الزكاة، وحج البيت، وصام، وقرى الضعيف دخل الجنة”. قال أبو حاتم: “هو منكر؛ لأن غيره من الثقات رواه عن أبي إسحاق موقوفا، وهو المعروف”[٦٢].

4- رتبته

يتبين من تعريفَي المنكر المذكورين آنفا أن المنكر من أنواع الضعيف جدا؛ لأنه إما راوية ضعيف موصوف بفحش الغلط، أو كثرة الغفلة، أو الفسق، وإما راوية ضعيف مخالف في روايته تلك لرواية الثقة، وكلا القسمين فيه ضعف شديد، لذلك مر بنا في بحث “المتروك” أن المنكر يأتي في شدة الضعف بعد مرتبة المتروك.

المعروف [٦٣]:

1- تعريفه

أ- لغة: هو اسم مفعول، من “عرف”. ب- اصطلاحا: ما رواه الثقة مخالفا لما رواه الضعيف[٦٤]. فهو بهذا المعنى مقابل للمنكر، أو بتعبير أدق، هو مقابل لتعريف المنكر الذي اعتمده الحافظ ابن حجر.

2- مثاله

أما مثاله فهو المثال الثاني الذي مر في نوع المنكر، وهو: “من أقام الصلاة، وآتى الزكاة، وحج البيت، وصام، وقرى الضيف، دخل الجنة”. لكن من طريق الثقات الذين رووه مرقوفا على ابن عباس، أي أنه من كلام ابن عباس، وليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وهو عكس رواية حبيب الذي رواه مرفوعا؛ لأن ابن أبي حاتم قال -بعد أن ساق حديث حبيب المرفوع: “هو منكر؛ لأن غيره من الثقات رواه عن أبي إسحاق موقوفًا، وهو المعروف”.

الشاذ والمحفوظ:

1- تعريف الشاذ

أ- لغة: اسم فاعل، من “شذ” بمعنى “انفرد” فالشاذ، معناه: “المنفرد عن الجمهور”. ب- اصطلاحا: ما رواه المقبول مخالفا لمن هو أولى منه[٦٥].

2- شرح التعريف

المقبول هو: العدل الذي تم ضبطه، أو العدل الذي خف ضبطه، والذي هو أولى منه: هو الراوي الذي يكون أرجح منه؛ لمزيد ضبط، أو كثرة عدد، أو غير ذلك من وجوه الترجيحات. هذا وقد اختلف العلماء في تعريفه على أقوال متعددة، لكن هذا التعريف هو الذي اختاره الحافظ ابن حجر، وقال: إنه المعتمد في تعريف الشاذ بحسب الاصطلاح[٦٦].

3- أين يقع الشذوذ؟

يقع الشذوذ في السند، كما يقع في المتن أيضا. أ- مثال الشذوذ في السند: ما رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه، من طريق ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عوسجة، عن ابن عباس، “أن رجلا توفي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يدع وارثا إلا مولى هو أعتقه”[٦٧] وتابع ابن عيينة على وصله ابن جريج وغيره، وخالفهم حماد بن زيد، فرواه عن عمرو بن دينار، عن عوسجة، ولم يذكر ابن عباس.

ولذا قال أبو حاتم: “المحفوظ: حديث ابن عيينة” فحماد بن زيد من أهل العدالة والضبط، ومع ذلك فقد رجح أبو حاتم رواية من هم أكثر عددا منه. ب- مثال الشذوذ في المتن:

ما رواه أبو داود والترمذي من حديث عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعا: “إذا صلى أحدكم الفجر فليضطجع عن يمينه”[٦٨] قال البيهقي: خالف عبد الواحد العدد الكثير في هذا؛ فإن الناس إنما رووه من فعل النبي صلى الله عليه وسلم. لا من قوله، وانفرد عبد الواحد من بين ثقات أصحاب الأعمش بهذا اللفظ.

4- المحفوظ

هذا ويقابل الشاذ “المحفوظ” وهو: ما رواه الأوثق مخالفا لرواية الثقة. ومثاله: هو المثالان المذكوران في نوع الشاذ. لكن من طريق الأوثق. 5- حكم الشاذ والمحفوظ: من المعلوم أن الشاذ حديث مردود، أما المحفوظ فهو حديث مقبول.

المعلَّلُ:

إذا كان سبب الطعن في الراوي هو “الوهم” فحديثه يسمى المعلل، وهو السبب السادس.

1- تعريفه

أ- لغة: اسم مفعول، من “أعله” بكذا فهو “معل” وهو القياس الصرفي المشهور، وهو اللغة الفصيحة، لكن التعبير بـ”المعلل” من أهل الحديث جاء على غير المشهور في اللغة[٦٩] ومن المحدثين من عبر عنه بـ”المعلول” وهو ضعيف مرذول عند أهل العربية واللغة[٧٠].

ب- اصطلاحا: هو الحديث الذي اطُّلِع فيه على علة تقدح في صحته، مع أن الظاهر السلامة منها[٧١].

2- تعريف العلة

هي سبب غامض خفي قادح في صحة الحديث[٧٢].

فيؤخذ من تعريف العلة هذا أن العلة عند علماء الحديث لا بد أن يتحقق فيها شرطان، وهما:

أ- الغموض والخفاء. ب- القدح في صحة الحديث. فإن اختل واحد منهما -كأن تكون العلة ظاهرة، أو غير قادحة- فلا تسمى عندئذ علة اصطلاحا.

3- قد تطلق العلة على غير معناها الاصطلاحي

إن ما ذكرته من تعريف العلة في الفقرة السابقة هو المراد بالعلة في اصطلاح المحدثين، لكن قد يطلقون العلة أحيانا على أي طعن موجه للحديث، وإن لم يكن هذا الطعن خفيا، أو قادحا. أ- فمن النوع الأول: التعليل بكذب الراوي، أو غفلته، أو سوء حفظه، أو نحو ذلك. حتى لقد سمى الترمذي النسخ علة.

ب- ومن النوع الثاني: التعليل بمخالفة لا تقدح في صحة الحديث، كإرسال ما وصله الثقة، وبناء على ذلك فقد قال بعضهم: من حديث الصحيح ما هو صحيح معلل.

4- جلالته، ودقته، ومن يتمكن منه

معرفة علل الحديث من أجل علوم الحديث، وأدقها؛ لأنه يحتاج إلى كشف العلل الغامضة الخفية التي لا تظهر إلا للجهابذة في علوم الحديث. وإنما يتمكن منه ويقوى على معرفته أهل الحفظ والخبرة والفهم الثاقب، ولهذا لم يخض غماره إلا القليل من الأئمة، كابن المديني، وأحمد، والبخاري، وأبي حاتم، والدارقطني.

5- إلى أي إسناد يتطرق التعليل؟

يتطرق التعليل إلى الإسناد الجامع شروط الصحة ظاهرا؛ لأن الحديث الضعيف لا يحتاج إلى البحث عن علله؛ إذ إنه مردود لا يعمل به.

6- بِمَ يستعان على إدراك العلة؟

يستعان على إدراك العلة بأمور، منها:

أ- تفرد الراوي. ب- مخالفة غيره له. جـ- قرائن أخرى تنضم إلى ما تقدم في الفقرتين “أ، ب” هذه الأمور تنبه العارف بهذا الفن إلى وهم وقع من راوي الحديث، إما بكشف إرسال في حديث رواه موصولا، وإما بكشف وقف في حديث رواه مرفوعا، وإما بكشف إدخاله حديثا في حديث، أو غير ذلك من الأوهام، بحيث يغلب على ظنه ذلك، فيحكم بعدم صحة الحديث.

7- ما هو الطريق إلى معرفة المعلَّل؟

الطريق إلى معرفته هو جمع طرق الحديث، والنظر في اختلاف رواته، والموازنة بين ضبطهم وإتقانهم، ثم الحكم على الرواية المعلولة.

8- أين تقع العلة؟

أ- تقع العلة في الإسناد -وهو الأكثر- كالتعليل بالوقف، والإرسال. ب- وتقع في المتن -وهو الأقل- مثل حديث نفي قراءة البسملة في الصلاة.

9- هل العلة في الإسناد تقدح في المتن؟

أ- قد تقدح في المتن مع قدحها في الإسناد، وذلك مثل التعليل بالإرسال. ب- وقد تقدح في الإسناد خاصة، ويكون المتن صحيحا، مثل حديث يعلى بن عبيد، عن الثوري، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر مرفوعا: “البيعان بالخيار”، فقد وهم يعلى على سفيان الثوري في قوله: “عمرو بن دينار”؛ إنما هو عبد الله بن دينار، فهذا المتن صحيح، وإن كان في الإسناد علة الغلط؛ لأن كلا من عمرو وعبد الله بن دينار ثقة. فإبدال ثقة بثقة لا يضر صحة المتن، وإن كان سياق الإسناد خطأ.

10- أشهر المصنفات فيه:

أ- كتاب العلل، لابن المديني. ب- علل الحديث، لابن أبي حاتم. جـ- العلل ومعرفة الرجال، لأحمد بن حنبل.

د- العلل الكبير، والعلل الصغير، للترمذي. هـ- العلل الواردة في الأحاديث النبوية، للدارقطني، وهو أجمعها، وأوسعها. المخالفة للثقات:

إذا كان سبب الطعن في الراوي مخالفته للثقات -وهو السبب السابع- فينتج عن مخالفته للثقات خمسة أنواع من علوم الحديث، وهي: “المدرج، والمقلوب، والمزيد في متصل الأسانيد، والمضطرب، والمصحَّف”. 1- فإن كانت المخالفة بتغيير سياق الإسناد، أو بدمج موقوف بمرفوع، فيسمى “المدرج”. 2- وإن كانت المخالفة بتقديم أو تأخير، فيسمى “المقلوب”. 3- وإن كانت المخالفة بزيادة راوٍ، فيسمى “المزيد في متصل الأسانيد”. 4- وإن كانت المخالفة بإبدال راوٍ براوٍ، أو بحصول التدافع في المتن ولا مرجح، فيسمى “المضطرب”. 5- وإن كانت المخالفة بتغيير اللفظ، مع بقاء السياق، فيسمى “المصحف”[٧٣]. وإليك تفصيل البحث فيها على التوالي.

1- المدرج:

1- تعريفه

أ- لغة: اسم مفعول من “أدرجت” الشيء في الشيء: إذا أدخلته فيه، وضمنته إياه.

ب- اصطلاحا: ما غُيِّرَ سياق إسناده، أو أُدخِلَ في متنه ما ليس منه بلا فصل[٧٤].

2- أقسامه

المدرَج قسمان: مدرَج الإسناد، ومدرَج المتن. أ- مدرَج الإسناد: 1- تعريفه: هو ما غُيِّر سياق إسناده. 2- من صوره: أن يسوق الراوي الإسناد، فيعرض له عارض، فيقول كلاما من قبل نفسه، فيظن بعض من سمعه أن ذلك الكلام هو متن ذلك الإسناد، فيرويه عنه كذلك فيتغير سياق الإسناد.

3- مثاله

قصة ثابت بن موسى الزاهد في روايته: “من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار”[٧٥] وأصل القصة أن ثابت بن موسى، دخل على شريك بن عبد الله القاضي وهو يملي ويقول:

“حدثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم … “، وسكت ليكتب المستملي[٧٦]، فلما نظر إلى ثابت قال: “من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار”، وقصد بذلك ثابتا لزهده وورعه، فظن ثابت أنه متن ذلك الإسناد، فكان يحدث به كذلك.

ب- مُدرَج المتن:

1- تعريفه: ما أدخل في متنه ما ليس منه بلا فصل. 2- أقسامه: ثلاثة، وهي:

أ- أن يكون الإدراج في أول الحديث، وهو قليل، لكنه أكثر من وقوعه في وسطه. ب- أن يكون الإدراج في وسط الحديث، وهو أقل من الأول. ح- أن يكون الإدراج في آخر الحديث، وهو الغالب[٧٧]. 3- أمثلة له:

أ- مثال لوقوع الإدراج في أول الحديث: وسببه أن الراوي يقول كلاما يريد أن يستدل عليه بالحديث، فيأتي به بلا فصل، فيتوهم السامع أن الكل حديث، مثل: “ما رواه الخطيب من رواية أبي قطن وشبابة -فرقهما- عن شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار” فقوله: “أسبغوا الوضوء” مدرج من كلام أبي هريرة، كما بين في رواية البخاري عن آدم، عن شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة قال: “أسبغوا الوضوء، فإن أبا القاسم صلى الله عليه وسلم قال: “ويل للأعقاب من النار”. قال الخطيب: “وهم أبو قطن وشبابة في روايتهما له عن شعبة على ما سقناه، وقد رواه الجم الغفير عنه كرواية آدم”[٧٨] . ب- مثال لوقوع الإدراج في وسط الحديث: حديث عائشة في بدء الوحي: “كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحنث في غار حراء -وهو التعبد- الليالي ذوات العدد”[٧٩] فقوله: “وهو التعبد” مدرَج من كلام الزهري.

ج- مثال لوقوع الإدراج في آخر الحديث: حديث أبي هريرة مرفوعا: “للعبد المملوك أجران، والذي نفسي بيده، لولا الجهاد في سبيل الله، والحج، وبر أمي، لأحببت أن أموت وأنا مملوك” [٨٠].

فقوله: “والذي نفسي بيده … إلخ” من كلام أبي هريرة؛ لأنه يستحيل أن يصدر ذلك منه صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لم يمكن أن يتمنى الرق، ولأن أمه لم تكن موجودة حتى يبرها.

3- دواعي الإدراج

داوعي الإدراج متعددة، أشهرها ما يلي:

أ- بيان حكم شرعي. ب- استنباط حكم شرعي من الحديث قبل أن يتم الحديث. ج- شرح لفظ غريب في الحديث.

4- كيف يدرك الإدراج؟

يدرك الإدراج بأمور، منها: أ- ورود الحديث منفصلا في رواية أخرى. ب- التنصيص عليه من بعض الأئمة المطلعين. ج- إقرار الراوي نفسه أنه أدرج هذا الكلام. د- استحالة كونه صلى الله عليه وسلم يقول ذلك.

5- حكم الإدراج

الإدراج حرام بإجماع العلماء، من المحدثين، والفقهاء، وغيرهم، ويستثنى من ذلك ما كان لتفسير غريب؛ فإنه غير ممنوع، ولذلك فعله الزهري وغيره من الأئمة.

6- أشهر المصنفات فيه

أ- “الفصل للوصل المدرج في النقل” للخطيب البغدادي. ب- “تقريب المنهج بترتيب المدرج” لابن حجر، وهو تلخيص لكتاب الخطيب، وزيادة عليه.

2- المقلوب

1- تعريفه

أ- لغة: هو اسم مفعول، من “القلب” وهو: تحويل الشيء عن وجهه[٨١].

ب- اصطلاحا: إبدال لفظ بآخر، في سند الحديث، أو متنه، بتقديم، أو تأخير، ونحوه[٨٢].

2- أقسامه

ينقسم المقلوب إلى قسمين رئيسيين، هما:

مقلوب السند، ومقلوب المتن. أ- مقلوب السند: وهو ما وقع الإبدال في سنده. وله صورتان:

1- أن يقدم الراوي ويؤخر في اسم أحد الرواة، واسم أبيه؛ كحديث مروي عن “كعب بن مرة” فيرويه الراوي عن “مرة بن كعب”.

2- أن يبدل الراوي شخصا بآخر، بقصد الإغراب: كحديث مشهور عن “سالم” فيجعله الراوي عن “نافع”. وممن كان يفعل ذلك من الرواة “حماد بن عمرو النصيبي” ومثاله: حديث رواه حماد النصيبي، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، مرفوعا: “إذا لقيتم المشركين في طريق فلا تبدءوهم بالسلام”. فهذا حديث مقلوب، قلبه حماد، فجعله عن الأعمش، وإنما هو معروف عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة. هكذا أخرجه مسلم في صحيحه.

وهذا النوع من القلب هو الذي يطلق على راويه أنه يسرق الحديث.

ب- مقلوب المتن: وهو ما وقع الإبدال في متنه، وله صورتان أيضا:

1- أن يقدم الراوي ويؤخر في بعض متن الحديث.

ومثاله: حديث أبي هريرة عند مسلم، في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. ففيه: “ورجل تصدق بصدقة، فأخفاها؛ حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله”: فهذا مما انقلب على بعض الرواة، وإنما هو: “حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه” [٨٣].

2- أن يجعل الراوي متن هذا الحديث على إسناد آخر، ويجعل إسناده لمتن آخر، وذلك بقصد الامتحان وغيره.

مثاله: ما فعل أهل بغداد مع الإمام البخاري؛ إذ قلبوا له مائة حديث، وسألوه عنها امتحانا لحفظه، فردها على ما كانت عليه قبل القلب، ولم يخطئ في واحد منها[٨٤].

2- الأسباب الحاملة على القلب

تختلف الأسباب التي تحمل بعض الرواة على القلب، وهذه الأسباب هي: أ- قصد الإغراب؛ ليرغب الناس في رواية حديثه، والأخذ عنه. ب- قصد الامتحان، والتأكد من حفظ المحدِّث، وتمام ضبطه. ج- الوقوع في الخطأ والغلط من غير قصد.

4- حكم القلب

يختلف حكم القلب بحسب السبب الحامل عليه

أ- فإن كان القلب بقصد الإغراب، فلا شك في أنه لا يجوز،لأن فيه تغييرا للحديث، وهذا من عمل الوضاعين. ب- وإن كان بقصد الامتحان، فهو جائز؛ للتثبت من حفظ المحدِّث وأهليته، وهذا بشرط أن يبين الصحيح قبل انفضاض المجلس. ج- وإن كان عن خطأ وسهو، فلا شك في أن فاعله معذور في خطئه، لكن إذا كثر ذلك منه فإنه يخل بضبطه، ويجعله ضعيفا.

5- حكم الحديث المقلوب

أما الحديث المقلوب فهو من أنواع الضعيف المردود، كما هو معلوم؛ وذلك لأنه مخالف لرواية الثقات.

6- أشهر المصنفات فيه

أ- كتاب “رافع الارتياب، في المقلوب من الأسماء والألقاب” للخطيب البغدادي، والظاهر من اسم الكتاب أنه خاص بقسم المقلوب الواقع في السند فقط.

3- المزيد في متصل الأسانيد

1- تعريفه

أ- لغة: المزيد: اسم مفعول، من “الزيادة”. والمتصل: ضد المنقطع، والأسانيد: جمع إسناد. ب- اصطلاحا: زيادة راوٍ في أثناء سند ظاهره الاتصال[٨٥].

2- مثاله

ما روى ابن المبارك قال: حدثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن يزيد، حدثني بشر بن عبيد الله، قال: سمعت أبا إدريس قال: سمعت واثلة يقول: سمعت أبا مرثد يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها” [٨٦] .

3- الزيادة في هذا المثال:

الزيادة في هذا المثال في موضعين، الموضع الأول: في لفظ “سفيان” والموضع الثاني: في لفظ “أبا إدريس” وسبب الزيادة في الموضعين هو الوهم.

أ- أما زيادة “سفيان” فوهم ممن دون ابن المبارك؛ لأن عددا من الثقات رووا الحديث عن ابن المبارك، عن عبد الرحمن بن يزيد مباشرة، ولم يذكروا سفيان، ومنهم من صرح فيه بالإخبار.

ب- وأما زيادة “أبا إدريس” فوهم من ابن المبارك؛ لأن عددا من الثقات رووا الحديث عن عبد الرحمن بن يزيد، فلم يذكروا أبا إدريس، ومنهم من صرح بسماع بسر من واثلة.

4- شروط رد الزيادة

يشترط لرد الزيادة وعدِّهَا وَهْمًا ممن زادها شرطان، وهما: أ- أن يكون من لم يزدها أتقن ممن زادها. ب- أن يقع التصريح بالسماع في موضع الزيادة. فإن اختل الشرطان، أو أحد منهما ترجحت الزيادة وقبلت، وعد الإسناد الخالي من تلك الزيادة منقطعا، لكن انقطاعه خفي، وهو الذي يسمى “المرسل الخفي”.

== 5- الاعتراضات الواردة على ادعاء وقوع الزيادة ==ب- وأما الاعتراض الثاني، فالاحتمال المذكور فيه ممكن؛ لكن العلماء لا يحكمون على الزيادة بأنها وهم إلا مع قرينة تدل على ذلك.

6- أشهر المصنفات فيه

كتاب “تمييز المزيد في متصل الأسانيد” للخطيب البغدادي.

يعترض على ادعاء وقوع الزيادة باعتراضين، هما: أ- إن كان الإسناد الخالي عن الزيادة بحرف “عن” في موضع الزيادة، فينبغي أن يجعل منقطعا. ب- وإن كان مصرحا فيه بالسماع، احتمل أن يكون سمعه من رجل عنه أولا، ثم سمعه منه مباشرة، ويمكن أن يجاب عن ذلك بما يلي: أ- أما الاعتراض الأول فهو كما قال المعترض.

السابق
الخبر المقبول
التالي
الخبر المتواتر