مصر والشام والجزيرة العربية

الدولة الإخشيدية

الولاة الإخشيديون

1 – «أبو بكر محمد بن طغج الإخشيدى» [323 – 334هـ = 935 – 946م].

2 – «أبو القاسم أنوجور بن الإخشيد» [334 – 349هـ = 946 – 960م].

3 – «أبو الحسن على بن الإخشيد» [349 – 355 هـ = 960 – 966م].

4 – «أبو المسك كافور الإخشيدى» [355 – 357هـ = 966 – 968م].

5 – «أبو الفوارس أحمد بن على» [357 – 358 هـ = 968 – 969م].

وجميع هؤلاء الولاة من الأسرة الإخشيدية، ماعدا «كافوراً» الذى انتسب إليهم.

1 – «محمد بن طغج الإخشيد» [323 – 334هـ]:

هو «محمد بن أبى بكر بن طغج (معناها فى التركية: عبدالرحمن) بن جق»، أحد أبناء ملوك «فرغانة» ببلاد «ما وراء النهر»، وكان الملوك فى هذه البلاد يتخذون من لفظة «الإخشيد» لقبًا لهم، فأطلق هذا اللقب على «محمد بن طغج»، وتسمت به دولته، وعُرفَت باسم «الدولة الإخشيدية».

اتصل «جق» جد «الإخشيد» بالخلفاء العباسيين، أما «طغج» والده؛ فقد كان على درجة عظيمة من الثراء وسعة العيش، واتصل بخدمة الطولونيين فى عهد «خمارويه»؛ الذى ولاه على «دمشق» و «طبرية»، فلما سقطت الدولة الطولونية، تولَّى «محمد ابن طغج» ولاية «دمشق»، ثم أُضيفت إليه ولاية «مصر»، ولكنه أناب عنه من يحكمها، ولم يغادر «دمشق»، ولكن محاولات الفاطميين للسيطرة على «مصر» جعلت الخليفة العباسى «الراضى» يطلب من «ابن طغج» أن يقوم بنفسه على حكم «مصر» والشام، حتى يُوقِف الزحف الفاطمى، ويعيد الاستقرار والأمان إلى الولايتين.

الإخشيد فى مصر

جاء «محمد بن طغج» سنة (323هـ)، وبدأ يؤسس دعائم دولته الكبرى بها، وضُمت إلىه «الحجاز» – التى ظلت مرتبطة بمصر عدة قرون بعد ذلك – كما حصل من الخليفة سنة (323هـ) على حق توريث حكم البلاد التى تحت يده لأسرته من بعده، فأصبحت هذه الولايات فى عداد الدول المستقلة.

بذل «محمد بن طغج» جهودًا كبيرة فى إعادة الاستقرار والأمان إلىبلاده، واستطاع بكفاءته وذكائه أن يتغلب على العواقب التى صادفته كافة، وأخذت «مصر» والشام و «الحجاز» تستعيد مكانتها ثانية، بعد أن استطاع «ابن طغج» رد الفاطميين وإيقاف زحفهم على «مصر»، فحاول الفاطميون استمالته إلى جانبهم، ولكنه رفض، وظل وفيا للخلافة العباسية، واستطاع فى مدة قصيرة أن يبسط سلطانه على «مصر» والشام، وأعاد إليهما النظام، وعرف كيف يسوس الناس فيهما، فعاش حياته عزيزًا كريمًا. فلما شعر بدنو أجله عهد إلى ابنه «أبى القاسم أنوجور» بالحكم من بعده، وجعل «كافورًا» وصيا عليه لأن «أنوجور» كان فى ذلك الوقت صغيرًا، ومات الإخشيد بدمشق سنة (334هـ = 946م).

كافور وأولاد الإخشيد

[334 – 357هـ = 946 – 968م]:.

كافور

وُلد «كافور» بين سنتى (291 و308هـ) فلم تُحدَّد سنة ولادته تحديدًا دقيقًا – وكانت كنيته «أبا المسك»، وبدأ حياته مملوكًا بسيطًا، اشتراه «محمد بن طغج» من رجل يُدعَى «محمود بن وهب»، وتوسَّم فيه «الإخشيد» الذكاء، فاحتفظ به ورباه فى بيته تربية عالية، فلما رآه يتقدم ازداد إعجابه به واختصه من بين عبيده وأولاه ثقته وأعتقه، وأخذ يرقيه فى بلاطه حتى جعله من كبار قواده؛ لما يتمتع به من ذكاء وصفات طيبة، وبعثه قائدًا أعلى على رأس جيوشه لمحاربة أعداء الدولة، وعهد إليه بتربية ولديه «أبى القاسم أنوجور» و «أبى الحسن على»، كما عهد إليه بأن يكون وصيا عليهما فى الحكم من بعده.

وصاية كافور على أنوجور وأبى الحسن

عندما تولَّى «أنوجور» حكم «مصر» سنة (334هـ) كان لايزال طفلا صغيرًا لا يتجاوز الرابعة عشرة من عمره، فقام «كافور» بتدبير أموره وأمور الدولة، وبقيت علاقتهما – كما كانت – علاقة الأستاذ بتلميذه، وأصبح «كافور» صاحب السلطان المطلق فى إدارة الدولة الإخشيدية، واستطاع التغلب على المشاكل التى قابلت الدولة فى مستهل ولاية «أنوجور»، وتمكن من القبض على زمام الأمور بيده،وخاطبه الناس بالأستاذ، وذُكِرَ اسمه فى الخطبة، ودُعى له على المنابر فى «مصر» والبلاد التابعة لها، كما عامل رؤساء الجند وكبار الموظفين معاملة حسنة، فاكتسب محبتهم واحترامهم، فلما كبر «أنوجور» شعر بحرمانه من سلطته، فظهرت الوحشة بينه وبين أستاذه «كافور»، وحاول البعض أن يوقع بينهما، وطلبوا من «أنوجور» أن يقوم بمحاربة «كافور»، فلما علمت أم «أنوجور» بذلك خافت عليه، وعملت على الصلح بينه وبين «كافور»، وما لبث «أنوجور» أن مات سنة (349هـ).

ولاية كافور على مصر [355 – 357هـ]

كان ولى عهد «أنوجور» فى الحكم ولدًا صغيرًا هو «أحمد بن أبى الحسن على»، فحال «كافور» دون توليته بحجة صغر سنه، واستصدر كتابًا من الخليفة العباسى يقره فيه على توليته «مصر» سنة (355هـ) بدلا من هذا الطفل الصغير، فتولى «كافور» «مصر» وما يليها من البلاد ولم يغير لقبه «الأستاذ»، ودُعِى له على المنابر بعد الخليفة.

ويصفه المؤرخ «أبو المحاسن» بقوله: «كان كافور يُدنى الشعراء ويجيزهم، وكانت تُقرأ عنده فى كل ليلة السير، وأخبار الدولة الأموية والعباسية، وله ندماء، وكان عظيم الحرمة، وله حُجَّاب، وله جوارٍ مغنيات، وله من الغلمان الروم ما يتجاوز الوصف، وقد زاد ملكه على ملك مولاه «الإخشيد»، وكان كثير الخلع والهبات، خبيرًا بالسياسة، فطنًا ذكيا، جيد العقل».

مات كافور سنة (357هـ)، فاختار الجند – بعد وفاته – «أبا الفوارس أحمد بن على بن الإخشيد» واليًا على «مصر» وما حولها، وكان طفلا لم يبلغ الحادية عشرة من العمر، فلم تستقر البلاد فى عهده حتى دخلها الفاطميون سنة (358هـ).

علاقة الدولة الإخشيدية بالخلافة العباسية

كانت علاقة «الإخشيد» بمركز الخلافة العباسية علاقة طيبة فى بادئ الأمر، إلا أن «ابن رائق» أمير الأمراء كانت له الغلبة فى مركز الخلافة، وحنق على «الإخشيد»، وحاول أن يستولى منه على«مصر» والشام، ولكن صلحًا تم بينهما أمام الخليفة الذى أقر «الإخشيد» على ما تحت يديه من ولايات، وكان الخليفة «المتقى» على صلة طيبة بالإخشيد، وعزم على نقل مقر الخلافة إلى «مصر»، للتخلص من نفوذ الأتراك، ولكن ذلك لم يتحقق، فعمل الخليفة العباسى على تقوية جانب «الإخشيد» ماديا وأدبيا، ليلجأ إليه عند الحاجة، ومد سلطانه وولاه «مكة» و «المدينة» إلى جانب «مصر» والشام، كما جعل هذه الولاية له ولأولاده من بعده مدة ثلاثين عامًا.

أما علاقة «كافور» بالخلافة العباسية فكانت علاقة وئام ووداد، واتضحت هذه العلاقة حين سار «كافور» بابنى «الإخشيد»:

«أنوجور» و «على» إلى «بغداد»؛ لتجديد ولاء الإخشيديين للخلافة العباسية، غير أن «كافور» سمح -فى عهده – لدعاة الفاطميين بدخول «مصر» والدعوة لمذهبهم فيها، فهيأ بذلك الظروف لدخول الفاطميين «مصر» سنة (358هـ).

الجوانب الحضارية للعهد الإخشيدى

كان الاتجاه الحضارى فى العهد الإخشيدى شديد الشبه بالاتجاه الحضارى فى العصر الطولونى؛ لقرب الصلة الزمنية بين العهدين، وتميزت حضارة الإخشيديين بزيادة العمران بالفسطاط ومدِّ ضواحيها، وتشييد القصور وإقامة البساتين الجميلة، كما كان «ضرب السَّكَّة» من مظاهر الاستقلال فى العهد الإخشيدى، فقد ضربوا السكة وجعلوا عليها أسماء الإخشيديين إلى جانب الخليفة، وفى عهدهم ظهر منصب «الوزارة» رسميا، لأول مرة فى «مصر» منذ الفتح الإسلامى لها، وكان «أبو الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات» أول من تولى هذا المنصب حتى وفاته سنة (327هـ)، ثم من بعده ابنه «جعفر»، الذى ظل يشغل هذا المنصب حتى نهاية الدولة الإخشيدية، وكذلك كان منصب «الحاجب» من المناصب التى ظهرت أهميتها فى البلاط الإخشيدى، وقد أولى الإخشيديون القضاء عنايتهم، وكان من أشهر قضاتهم: «محمد ابن بدر الصيرفى» و «الحسين بن أبى زرعة الدمشقى»، وكان «عمر ابن الحسن الهاشمى» من أشهر القضاة فىعهد «كافور»، وكذلك «أبو طاهر الزهلى» الذى ظل على قضاء «مصر» حتى دخلها الفاطميون.

لعل من أبرز مآثر «الإخشيد» أنه كان يجلس للنظر فى المظالم يوم الأربعاء من كل أسبوع، وحذا «كافور» حذوه فى ذلك، كما أن «الإخشيد» كان ذا عزيمة، فقد أعد جيشًا قويا بلغ أربعمائة جندى فيما عدا حرسه الخاص، فنعمت البلاد بالرخاء والثراء خلال هذا العهد الذى لم يبخل فيه «الإخشيد» بأى مال أو معونة، وأنعم على الفقراء وقدم لهم المساعدات، ومضى «كافور» على نفس الدرب، ويُروَى عنه أنه كان يعمل على إسعاد الفقراء وخاصة فى الأعياد، وكان يخرج من ماله يوم عيد الأضحى حمل بغل ذهبًا، وكشوفًا بأسماء المحتاجين، وينيب عنه من يمر عليهم ويعطى كلا منهم نصيبه.

العلم

كان للعلم والأدب دولة ذات شأن فى بلاط الإخشيديين، ونبغ فى عهدهم عدد كبير من العلماء منهم: «أبو إسحاق المروزى» المتوفَّى سنة (340هـ) أحد الأئمة المعروفين بسعة معارفهم وكثرة مؤلفاتهم، و «على بن عبدالله المعافرى» قاضى «الإسكندرية» المتوفى سنة (339هـ)، ومن المحدثين: «الحسن بن رشيق المصرى» المتوفَّى سنة (370هـ) ومن النحاة: «أحمد بن محمد بن الوليد التميمى المصرى»، ومن المؤرخين: «أبو عمرو الكندى»، ومن الشعراء: «المتنبى»، وغيره كثيرون، وكان لهؤلاء العلماء أثر كبير فى الحياة الحضارية والعلمية فى «مصر»، فقد عملوا على شرح علومهم وتبسيطها للناس، فزاد عدد المتعلمين، وارتفع مستوى التفكير والفهم لدى الناس خلال هذه الفترة من حكم الإخشيديين.

الإصلاحات

اهتم الإخشيديون بالبناء والإصلاح، ولكن معظم ما أقاموه قد زال، ولم يبق منه سوى الاسم فقط.

قام «الإخشيد» بالكثير من مشروعات الإصلاح، فتحسنت أحوال البلاد الاقتصادية، ونهضت نهضة قوية أدهشت المؤرخ الشهير «أبا الحسن على المسعودى»، الذى زار «مصر» فى عهد «الإخشيد»، وأُعجب بما أقامه «الإخشيد»، ووصف نظام الرى، وجبر الخليج، وقطعالسدود، وليلة الغطاس فى ذلك العصر، الذى نعمت فيه البلاد بالأمن والأمان فى ظل قيادة قوية، تخاف عليها وتحميها، يدعمها جيش قوى وأسطول حديث، فتقدمت البلاد خطوات واسعة فى مجالات الحضارة.

– الإدارة فى العهد الإخشيدى

الوزير

يُعدُّ الوزير هو الرئيس الأعلى للسلطة الإدارية فى نظام الخلافة، ولم يظهر هذا المنصب فى «مصر» زمن الخلفاء الراشدين والأمويين، حيث اكتفى هؤلاء بإرسال ولاة الأقاليم لإدارة شئونها.

عُرفت الوزارة فى «مصر» -لأول مرة – فى عهد الإخشيديين، وأبرز من تقلد هذا المنصب – آنذاك – هو «أبو الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات»، ولم يكن تعيينه بهذا المنصب من قِبل «الإخشيد»، وإنما جاء من الخليفة العباسى «الراضى» الذى منحه سلطات واسعة، فكان لهذا الوزير أثر كبير فى مجرى الحوادث فى «مصر» فى العصر الإخشيدى، وارتبط بالإخشيد وصاهره، وكانت العلاقة بينهما قائمة على أساس وطيد من المودة والمحبة، لدرجة أن «الإخشيد» كان يخرج فى وداعه إذا ما غادر البلاد، واستقباله إذا ما عاد إليها، ومات الفضل فى «الرملة» بالشام سنة (327هـ)، فحزن عليه «الإخشيد» حزنًا بالغًا، وتأثر الخليفة «الراضى» تأثرًا عميقًا بوفاته. ويُعدُّ ظهور منصب الوزير فى عهد الإخشيديين تطورًا يُحسَب لهم فى نظام الإدارة، فكان الوزير يحضر مجلس «الإخشيد» الذى يعقَده يوم الأربعاء من كل أسبوع للرد على المظالم والشكايات، وكذلك كان يحضره القضاة والفقهاء والشهود وأعيان البلاد، وظل هذا المجلس يُعقد فى عهد «كافور» الذى كان يمضى على درب «محمد بن طغج الإخشيد».

السابق
الدولة الآيوبية
التالي
الدولة الطولونية