مصر والشام والجزيرة العربية

الدولة الفاطمية

الخلفاء الفاطميون

1 – عبيد الله المهدى.

2 – القائم.

3 – المنصور.

4 – المعز.

5 – العزيز.

6 – الحاكم. 7 – الظاهر.

8 – المستنصر.

9 – المستعلى.

10 – الآمر.

11 – الحافظ.

12 – الظافر.

13 – الفائز.

14 – العاضد.

أصل الشيعة الفاطمية

قامت الدولة الفاطمية على المذهب الإسماعيلى الشيعى القائل بالنص والتعيين، ويقصرون خلافة الرسول – صلى الله عليه وسلم – الروحية والزمنية على ذرية الإمام «على» – رضى الله عنه – مستندين فى ذلك إلى حديث «غديرخم» الشهير، وقد لجأت الإسماعيلية بعد وفاة إمامهم «إسماعيل بن جعفر» إلى الاختفاء والعمل السرى، فقد افترق أشياع «جعفر الصادق» بعد وفاته إلى فرقتين، ولت الأولى ابنه «موسى الكاظم» إمامًا، وولت الثانية ابنه «إسماعيل» إمامًا، فعُرِفَت الفرقة الأولى بالإمامية أو الاثنا عشرية؛ لأنها سلسلت الإمامة حتى الإمام الثانى عشر «محمد» المُلقب بالمهدى المنتظر ابن الحسن العسكرى ابن على الهادى ابن محمد الجواد بن على الرضا بن موسى الكاظم، وعُرفت الفرقة الثانية بالإمامية الإسماعيلية؛ لأنهم أبقوا الإمامة فى ذرية «إسماعيل بن جعفر»، ثم من بعده ابنه «محمد»، فابنه «جعفر الصادق»، فابنه «محمد الحبيب»، فابنه «عبيدالله المهدى» مؤسس الدولة الفاطمية.

دخول الفاطميين مصر

جانب التوفيق الحملات الثلاث التى أُرسلت من قبل الفاطميين لفتح «مصر» فى عهد أسلاف «المعز»، ولكن الوضع العام فى المشرق كان ينبئ بنجاح الحملة الرابعة، للضعف الذى حلّ بدار الخلافة فى «بغداد»، وكذلك ما وصلت إليه حال «مصر» من ضعف وبؤس وشقاء فى أواخر عهد «كافور»، كما كان لانخفاض النيل الذى استمر تسع سنوات أثر كبير فى انتشار الوباء والقحط فيها، فلم تستطع «مصر» مواجهة الغزاة، كما عجزت -بعد «كافور» – عن صد هجوم ملك «النوبة» من الجنوب، وثار الجند لعدم دفع رواتبهم، ونشط جواسيس«المعز»، وتوغلوا فى البلاد لنشر المذهب الشيعى، فمال الكثيرون إلى مذهبهم، وبعث «المعز» رسله إلى «كافور» مُرهِّبة مرة ومُرغِّبة أخرى للتأثير عليه، وكان استقرار بلاد المغرب ورسوخ أقدام الفاطميين فيه، وتنظيمهم الدقيق للأمن والإدارة، وحسن إعدادهم للجيوش والقادة سبب نجاح حملتهم الرابعة على «مصر».

سار «جوهر الصقلِّى» قائد جيوش «المعز» إلى «مصر» فى ربيع الأول سنة (358هـ)، بعد أن خرج «المعز» لوداعه، وأمر أهله بالترجل أمام قائده وهو راكب، كما أمر واليه على «طرابلس» أن يسير فى ركاب «جوهر» ويقبِّل يده، فكبر ذلك على والى «طرابلس»، وأراد أن يعفى نفسه من ذلك مقابل مائة ألف دينار ذهبًا يعطيها لجوهر، ولكن «جوهر» رفض هذه الأموال ومضى بجيشه الذى كان يضم مائة ألف جندى حاملا معه أموالا طائلة قيل إنها بلغت ألفًا ومائتى صندوق حملها على ظهور الجمال، وحين خرج «المعز» لوداع «جوهر» والجيش بمنطقة «رقادة» قال لمن كانوا معه: «والله لو خرج جوهر وحده لفتح مصر». فكان لهذه العبارة أثرها الكبير فى نفس «جوهر»، وكانت له حافزًا على تحقيق ما خرج من أجله.

وصل «جوهر» إلى «مصر»، وحط رحاله بالإسكندرية التى فتحت أبوابها من غير مقاومة، فعامل «جوهر» أهلها بالحسنى ووسَّع لهم فى أرزاقهم، فكان لذلك أثره الطيب فى نفوس الأهالى، كما كان للنظام الذى ظهر به الجيش، وطاعته لقائده أثره الكبير فى نفوسهم، فرحبوا بالقائد الجديد.

بلغ أهل «الفسطاط» نبأ استيلاء الفاطميين على «الإسكندرية»، فندبوا الوزير «جعفر بن الفرات» للذهاب إلى «الإسكندرية» ومقابلة «جوهر»، فأناب الوزير عنه «أبا جعفر مسلم بن عبدالله الحسينى» أحد الأشراف العلويين وبرفقته وفد كبير من العلماء والقضاة والأعيان، وتقابل الوفد مع «جوهر» فى «تروجة» – مكان بالقرب من «الإسكندرية» – وهنأه الشريف العلوى بالفتح، فقال «جوهر»:

«التهنئة للشريف بما هنأ».

طلب الوفد من «جوهر» العهد بإطلاق الحرية المذهبية للمصريين على اختلاف مذاهبهم وأديانهم، وأن يتعهد بنشر العدل والطمأنينة فى النفوس، وأن يقوم بإصلاح مرافق البلاد.

حينما اقترب «جوهر» من «الفسطاط» أراد بعض الإخشيديين وأنصار الوالى – الذين خافوا على نفوذهم من دخول الفاطميين – منعه من دخول «الفسطاط»، ودارت بينهما مناوشات توسط بعدها الشريف العلوى «أبو جعفر مسلم» عند «جوهر»، فقبل شفاعته، وعبر الجنود «نهر النيل»، وطاف صاحب الشرطة فى «الفسطاط» ليعطى الأمان للناس من جديد، وكان يحمل علمًا عليه اسم «المعز لدين الله».

وفى (17 من شعبان سنة 358هـ) خرج الأعيان والأهالى لتهنئة «جوهر»، فوجدوه قد حفر أساس قصر «المعز»، ورسم الخطوط الرئيسية لمدينة «القاهرة»، فلما علم «المعز» بذلك سُرَّ سرورًا عظيمًا، ولم يلبث الفاطميون فى «مصر» طويلا حتى امتدت دولتهم من «مصر» شرقًا إلى المحيط الأطلنطى غربًا، وتحقق حلمهم فى الاستيلاء على «مصر» واتخاذها حاضرة لخلافتهم الشيعية الفتية، فأخذوا بذلك الخطوة الأولى لمد نفوذهم إلى الشام و «الحجاز» تمهيدًا للاستيلاء على «بغداد».

سياسة جوهر فى مصر

عمل «جوهر» على نشر العدل بين أهل «مصر»، وأمَّنهم على ممتلكاتهم، وجلس للبت فى المظالم بنفسه رغم شواغله، فرد الحقوق إلى أصحابها، وضرب بيد من حديد على أيدى العابثين بالنظام حتى إذا كانوا من خاصته؛ لدرجة أنه عاقب بعض المغاربة بالقتل على إثم كبير اقترفوه، كما برهن «جوهر» على حسن سياسته حين لجأ إلى الوسائل السلمية لنشر المذهب الفاطمى، ولم يفرضه كرهًا، واتخذ من المساجد مدارس يتلقى فيها الناس أصول مذهبه الشيعى، وذكر اسم الخليفة الفاطمى فى خطبة الجمعة وأسقط اسم الخليفة العباسى، فكان ذلك إيذانًا بزوال النفوذ العباسى، وزوال ملك الإخشيديين.

حكم «جوهر» «مصر» أربع سنوات هى من أصعب الفترات وأخطرها،حيث تم فيها إقامة معالم دولة وتشييدها على أنقاض دولة أخرى؛

فإلى «جوهر» يرجع الفضل فى تأسيس وبناء «القاهرة» المعزِّية، التى جعل لها أربعة أبواب منها: «باب النصر»، و «باب الفتوح»، و «بابا زويلة»، كما بنى بها «الجامع الأزهر» لينشر من داخله المذهب الشيعى. و «الأزهر» هو أول مسجد شُيِّدَ فى «القاهرة» المعزية، وأقيمت فيه الصلاة لأول مرة فى (17 من رمضان سنة 360هـ)، وقد اختلف المؤرخون فى سبب تسميته بالأزهر، فقال فريق سُمِّى بهذا الاسم نسبة وتكريمًا للسيدة فاطمة الزهراء. وقال فريق آخر: تفاؤلا بما سيكون عليه أمر هذا المسجد من شأن عظيم. وقال فريق ثالث:

سُمى بذلك لأنه كان محاطًا بالقصور الزاهرة التى بنيت عند إنشاء «القاهرة». وأيا كانت نسبة هذه التسمية إلى الجامع الأزهر؛ فهو يُعد -الآن- أعظم جامعة إسلامية تُدَّرَسُ فيها العلوم الدينية والعلوم العقلية، ويقصده آلاف الطلاب من مختلف أرجاء العالم الإسلامى، وقد أدى خدمات عظيمة للعلم فى مختلف العصور، ونشره فى شتى بقاع العالم.

إبراز المظاهر الشيعية فى مصر

لما رأى «جوهر» أن دعائم ملك الفاطميين قد توطدت فى «مصر»، عمل على تحقيق ما جاء من أجله، فزاد فى الأذان عبارة: «حى على خير العمل»، وجهر بالبسملة فى قراءة القرآن فى الصلاة، وزاد فى خطبة الجمعة ما يلى: «اللهم صلِّ على محمد المصطفى، وعلى علىّ المرتضَى، وفاطمةَ البتول، وعلى الحسن والحسين سبطى الرسول؛ الذين أذهبت عنهم الرجس، وطهرتهم تطهيرًا. اللهم صلِّ على الأئمة الراشدين آباء أمير المؤمنين الهادين المهتدين»، ونقش على جدران «مسجد الفسطاط» شعار العلويين باللون الأخضر، كما أضاف فى أول خطبة بالجامع الأزهر عبارة: «السلام على الأئمة آباء أمير المؤمنين المعز لدين الله»، وضرب العملة باسم الخليفة «المعز»، وألغى السواد شعار العباسيين، وعمم الملابس الخضراء شعارالعلويين، ثم أرسل إلى «المعز» يستدعيه إلى «مصر»، فوافقه «المعز»، وخرج من «المنصورية» بالمغرب فى شوَّال سنة (361هـ)، ووصل إلى «القاهرة» فى رمضان سنة (362هـ)، واستقبله أهل «مصر» بالفوانيس، فأصبحت عادة فى استقبال شهر رمضان حتى الآن، وأعلن «المعز» «القاهرة» عاصمة للخلافة الفاطمية، فأصبحت «مصر» دار خلافة بعد أن كانت دار إمارة.

النفوذ الفاطمى يمتد إلى بلاد الشام

حينما استقرت الأمور لجوهر الصقلى فى «مصر»، اتجه ببصره تجاه بلاد الشام، وبذل جهودًا مضنية من أجل مد نفوذ سيده إلى هذه البلاد، وجهز حملة كبيرة جعل قيادتها للقائد الكبير «جعفر ابن فلاح»، الذى عُرِف بعقليته العسكرية الفريدة، فخرجت الحملة قاصدة «دمشق»، واستولت فى طريقها على «الرملة» و «طبرية»، فلما علم أهل «دمشق» بذلك خرجوا عن بكرة أبيهم حاملين السلاح مشاة وفرسانًا لمواجهة هذه الحملة، والتقى الطرفان، وبذل أهالى «دمشق» كل ما فى وسعهم، إلا أنهم هُزِموا فى النهاية، ودخل «جعفر» وجنوده المدينة، فاعتبرها الجنود غنيمة ونهبوها، ولم يكبح «جعفر» – بطبيعته الحربية – جماحهم، فقامت الثورة فى «دمشق»، وتمكن «جعفر» من السيطرة عليها، وقبض على زعمائها، فهدأت الأحوال، وأُقيمت الخطبة للمعز الفاطمى فى المحرم سنة (359هـ)، وزال سلطان العباسيين فى الشام.

كان «جعفر» على النقيض من «جوهر» فى الجانب السياسى، ففى الوقت الذى تمكن فيه «جوهر الصقلى» من كبح جماح جنده، وتأليف قلوب الناس فى «مصر» حوله ومعاملتهم بالحسنى؛ كان «جعفر» يتعالى على أهالى «دمشق»، ويغلظ فى معاملتهم، كما ترك جنوده فعاثوا فى المدينة فسادًا، وتمنى الدمشقيون زوال هؤلاء الفاطميين، واستنجدوا بالقرامطة والأتراك.

الخطر القرمطى التركى:

كان استنجاد أهل «دمشق» بالقرامطة فرصة للحسن القرمطى زعيمهم، فاتصل بأمير الرحبة – على «نهر الفرات» – وببعض القبائلالعربية، واتحد معهم على الفاطميين، لأن «جعفر بن فلاح» منع عنه ثلاثمائة ألف دينار كانت «دمشق» تدفعها له سنويا، وخرج «الحسن القرمطى» بمن اتحد معه قاصدًا «دمشق»، فلما وصل إليها دارت رحى المعركة، وهُزم جيش الفاطميين، وقُتل «جعفر»، واستولى القرامطة على «دمشق»، وأمر «الحسن القرمطى» بلعن «المعز الفاطمى» من فوق المنابر، على الرغم من أن القرامطة شيعة كالفاطميين.

وقد انتهز الروم فرصة الخلاف بين الفاطميين والشاميين، فأسرعوا للاستيلاء على «دمشق»، وكانوا يقتلون ويسرقون ويحرقون كل ما يقابلهم فى طريقهم إليها، ولكن «أفتكين» القائد التركى بالبلاط العباسى أدركهم، وتفاوض مع إمبراطورهم، وتمكن من شراء رحيله مع جنوده مقابل ثلاثين ألف دينار، ودخل «أفتكين» «دمشق» دون قتال، وأعاد الخطبة فيها للخليفة العباسى، ثم عاد القرامطة سنة (365هـ)، وهاجموا «يافا» و «عكا» و «صيدا»، فتصاعد الخطر، ووجد الفاطميون أنفسهم بالشام بين شِقَّى الرحا.

العزيز بالله بن المعز

تولَّى «العزيز بالله» الدولة الفاطمية فى قمة مجدها، ولكنه كان رجلا لا يعرف المستحيل، وحاول استمالة «أفتكين» القائد التركى إلى صفه؛ ليجد طريقه إلى الشام، ولكن «أفتكين» أعرض عن مكاتباته، ورد على محاولاته بصلف وعناد، فبعث إليه «العزيزُ بالله» القائد «جوهرَ الصقلى» على رأس حملة كبيرة، فلما وصلت الحملة إلى «دمشق» بعث «جوهر» بالأمان إلى «أفتكين» على أن يترك «دمشق»، ولكن القائد التركى رفض واستنجد بالحسن القرمطى الذى جاءه على عجل على رأس جيش كبير تصدى لحملة «جوهر»، وأجبرها على التراجع عن «دمشق» إلى «الرملة» سنة (366هـ)، ثم إلى «عسقلان» بعد مناوشات بين الطرفين، فتحصن «جوهر» بجنوده فى «عسقلان»، وحاصره «الحسن القرمطى» و «أفتكين»، وطال الحصار حتى نفد ما مع جيش «جوهر» من زاد، فأكلوا دوابهم، ثم بحثوا عن الميتة فأكلوها من شدة الجوع، فاضطر «جوهر» إلىعرض الصلح على «الحسن القرمطى» و «أفتكين»، وتمت له الموافقة على هذا الصلح بشرط أن يخرج من باب عُلِّق عليه سيف «أفتكين»، ودرع «الحسن»، فوافق وخرج ناجيًا برجال حملته بعد أن كانوا قاب قوسين أو أدنى من الهلاك، وعاد إلى «القاهرة».

لم ييأس الخليفة «العزيز» من تحقيق مراده، وخرج بنفسه على رأس الجيش إلى «الشام»، وأعطى الأمان للقائد التركى، فرفضه، ودارت رحى الحرب بين الفريقين فى معركة شرسة، تطايرت فيها النبال كالأمطار، ولمعت السيوف كالبرق، واشتد الغبار، وانجلت المعركة عن عشرين ألف قتيل من جيشى القرامطة و «أفتكين»، وأُسِر «أفتكين»؛ ففداه «العزيز» من أسره بمائة ألف دينار – بإيعاز من «جوهر» – وحمله إلى «القاهرة»، ثم عفا عنه وأنزله بدار فسيحة، وأجرى عليه الرزق حتى مات سنة (372 هـ)، على عكس ما كان متوقعًا، وما هو متبع فى مثل هذه الظروف.

صفا «الشام» للفاطميين، وامتد ملكهم من بلاد «الشام» شرقًا إلى ساحل «المحيط الأطلسى» غربًا، ومن «آسيا الصغرى» شمالا إلى بلاد «النوبة» جنوبًا، وخُطب للعزيز بالموصل وأعمالها سنة (382هـ)، وضُرب اسمه على العملة، وكُتب على الأعلام، وخُطب له باليمن – كما فُتحت له «حمص» و «حماة» و «شيزر» و «حلب»، فانصرف إلى نشر عقائد المذهب الشيعى، وأصبحت دواليب الإدارة كلها فى يد الشيعة.

الحاكم بأمر الله

بويع «أبو على منصور الحاكم بأمر الله» بالخلافة وهو فى الحادية عشرة من عمره، وعين أستاذه «برجوان» التركى وصيا عليه؛ لذا لم يكن للحاكم من أمره شىء حتى تم القضاء على الوصى، وحل محله «ابن عمار الكتامى» المغربى وصيا ووزيرًا، فاستبد بالأمر، ولم يسلم من شره أحد، سواء كان من الشيعة أو من السنة أو من أهل الذمة، وكذلك ساءت سيرته بين الجند، فنشب القتال فى شوارع «القاهرة» و «الفسطاط»، وطالب الجميع بحياة «ابن عمار»، ولكنه اختفى، وأصبح زمام الأمور فى يد «الحاكم»، وهو بعد فى الخامسة عشرةمن عمره، وأنشأ المرصد الحاكمى على سفح المقطم، وقد روى المؤرخون مواقف غريبة تدل على غرابة أطواره.

حاولت «ست الملك» أخت «الحاكم بأمر الله» ردعه عما يفعل، لكنه أبى أن يرتدع، فدبرت مع «سيف الدولة بن دواس الكتامى» أمر قتله، فلما تم ذلك، حمل جثمانه إليها، فدفنته فى مجلسها.

بعد مقتل «الحاكم بأمر الله» خرج اثنان من أتباعه هما: «حمزة الدرزى»، و «حسن الأخرم»، وبالغا فى وصفه، وأعلنا مذهب الدروز.

الظاهر

ولى «أبو الحسن الظاهر» الخلافة فى شوال سنة (411هـ)، بعد مقتل أبيه مباشرة، وكان لعمته «ست الملك» النفوذ والسيطرة فى تسيير دفة الدولة، وقامت بذلك على أحسن وجه، وبذلت العطاء للجند، وتمكنت من تهدئة الأمر حتى وافاها الأجل فى سنة (415هـ)، فانتهج «الظاهر» نهجها وعمل بسياستها، وألغى ما سنَّه أبوه «الحاكم» من قوانين مجحفة، واهتم بتحسين شئون البلاد وأحوال الرعية، ومنح الناس الحرية الدينية، فنعموا بالكثير من إنجازاته، وعلى الرغم من أن مجاعة حدثت فى عهده استمرت ثلاث سنوات، نتيجة انخفاض النيل، فإنه عمل على تخفيف المعاناة عن الشعب، وعقد اتفاقًا مع إمبراطور الروم ليمده بالقمح بمقتضاه، على أن يقوم «الظاهر» بإعادة بناء «كنيسة القيامة» بالقدس.

مرض «الظاهر» بالاستسقاء، ولم يلبث أن تُوفِّى سنة (427هـ).

المستنصر

ولى «المستنصر» عقب وفاة والده «الظاهر» فى جمادى الآخرة سنة (427هـ)، ويُعدُّ أطول الخلفاء عهدًا، إذ قضى بالخلافة نحو ستين سنة، لم تكن على وتيرة واحدة، حيث وصف «ناصر خسرو» «مصر» فى أوائل عهد المستنصر بقوله: «كانت تتمتع بالرخاء، وأن الشعب محب لخليفته». وفى الفترة الأولى من عهده بلغ النفوذ الفاطمى أقصى مداه، إذ دُعى للخليفة على منابر بلاد الشام و «فلسطين» و «الحجاز» و «اليمن»، بل دُعِى له فى «بغداد» حاضرة العباسيين نحوًا من سنة، ودُعى له – أيضًا – فى «صقلية» و «شمال إفريقية».

وكما شهد «المستنصر» مجد دولته، شهد أيضًا تقلُّصَ نفوذه، فقد زالت سلطة الفاطميين فى بلاد «المغرب الأقصى» سنة (475هـ)، واستولى النورمانديون على «صقلية»، وخلع أميرا «مكة» و «المدينة» طاعتهما – من قبل – فى سنة (462هـ)، وانقطع ماء النيل، وحدث ما عُرِف فى عهده بالشدة العظمى أو المستنصرية، وغلت الأسعار، وانتشرت المجاعات والأوبئة حتى قيل إنه كان يموت بمصر كل يوم عشرة آلاف نفس، ووصل الحال بالناس إلى أكل القطط والكلاب، فلما لم يجدوها بعد ذلك كان بعضهم يحتال على خطف بعضهم الآخر ليذبحه ويأكله، وبلغت الشدة منتهاها، وباع المستنصر جميع ممتلكات قصوره، وقام صراع عنيف بين الأتراك والسودانيين، وظل الجنود فترة طويلة لا يتقاضون فيها رواتبهم، فنهبوا قصور الخلفاء، واستولوا على ما فى المكتبات ودور العلم من مؤلفات باعوها بثمن بخس، واتخذوا من جلودها نعالا وأحذية، واستولى «ناصر الدولة ابن حمدان» زعيم الجند الأتراك على مقاليد الأمور، وهدد بإزالة الخلافة الفاطمية، بل حذف اسم الخليفة من الخطبة فى بعض المناطق، ووصلت الحال بالخليفة إلى درجة أنه لم يتمكن من حماية أمه من دخول السجن، ففرت مع بناتها إلى «بغداد» طلبًا للحماية، واستمرت هذه الشدة تسع سنوات، حتى جاء «اليازودى»، فعالج الأمور، وضبط الأسواق وضرب بشدة على أيدى العابثين، ولكن الوشاة دسُّوا له عند «المستنصر» بأنه على صلة بالسلاجقة وأنه يراسلهم، فقتله «المستنصر»، وعادت البلاد ثانية إلى ما كانت عليه، وظلت تنتقل من سيئ إلى أسوأ مدة تسع سنوات تولَّى الوزارة فيها أربعون وزيرًا، فاستنجد «المستنصر» ببدر الدين الجمالى حاكم «عكا»، فأتى على الفور، وألقى القبض على العابثين والعناصر المتنافرة، وضرب بيد من حديد على أيدى الخارجين على النظام والقانون، وعَمَّر الريف، واهتم بالزراعة، وحصن مدينة «القاهرة» التى كانت قد خُربت أسوارها من جراءالفتن، وبنى جامعه المعروف بجامع الجيوش بالمقطم، فتحسنت الأحوال فى عهده باستثناء إذكائه روح العداء بين الشيعة والسنة، لأنه كان شيعىا متعصبًا، وظل وزيرًا للمستنصر حتى وافاه أجله فى عام (487هـ)، بعد أن عهد إلى ابنه بالوزارة من بعده، ليصبح هذا الأمر تقليدًا جديدًا، لم يُعمَل به من قبل.

المستعلى

ولى الخلافة بعد أبيه المستنصر سنة (487هـ) على الرغم من حداثة سنه، وعدم شرعية خلافته لوجود أخيه «نزار» الأكبر منه فى السن، ولكن الوزير «الأفضل بن بدر» أسهم إسهامًا كبيرًا فى هذا ليتمكن من السيطرة على الخليفة الصغير، وخرج «نزار» إلى الإسكندرية ليكون فى حماية واليها «أفتكين» فخرج إليهما «الأفضل» بجيش كبير، ودارت الحرب بين الفريقين، فاضطر «نزار» و «أفتكين» إلى طلب الأمان، فأجابهما «الأفضل» إلى مطلبهما، ثم قتلهما بعد أن هدأت الأمور، فانقسم الشيعة على أنفسهم، وأعلنت الباطنية (فرقة تفرعت عن الشيعة لها معتقداتها الخاصة) وعلى رأسهم «الحسن بن الصباح» أن نزارًا كان الأحق بالخلافة، لأن «الحسن» زار «مصر» وسأل «المستنصر» عمن يكون خليفته، فقال له: إنه «نزار».

الآمر

ظل «المستعلى» خليفة حتى وفاته سنة (495هـ)، وولى ابنه الملقب بالآمر الخلافة عقب وفاته، ولم يكن حاله مع وزيره «الأفضل ابن بدر» بأفضل من حال أبيه، وازداد تعصب «الأفضل» لمذهبه الشيعى على حساب أهل السنة، وأغلق دار العلم؛ لأن بعض أهل السنة دخلوها وأثروا على بعض مرتاديها من الشيعة، ويؤرخ «المقريزى» لهذا بقوله: «إن الأفضل ألغى الاحتفالات الخاصة بمولد النبى – صلى الله عليه وسلم -، ومولد فاطمة ومولد «على» رضى الله عنهما، ومولد الخليفة القائم بالأمر، وخاف الآمر على سلطانه، فأوعز إليه مَنْ قتله، ثم قتل مَنْ قتله، وذلك باتفاق مع المأمون البطائحى أحد خواص الأفضل بعد أن وعده الآمر بالوزارة، فعاد إلى الآمر كثير من نفوذه،وانتقلت إليه ثروة الأفضل التى كانت تُقدَّر بستة ملايين دينار، ولكن هذا الوضع لم يستمر طويلا، فسرعان مازال نفوذ الخليفة بعد تولِّى «أبى على ابن الأفضل» الوزارة.

كان الآمر محبا للأدب ومشجعًا للشعراء، وأنشأ «الجامع الأقمر»، وبنى «قصر الهودج» لزوجته البدوية حتى لا تشعر بغربة فى بيئة تختلف عن تلك التى نشأت بها. تُوفِّى سنة (524هـ)، ولم يُعقِّب، فخلفه ابن عمه «الحافظ».

الحافظ

تولَّى الخلافة عقب وفاة ابن عمه «الآمر»، ولم تكن حاله مع وزيره «على بن الأفضل» بأحسن من حال ابن عمه، فقد كان يتحكم فيه، وجعله كالمحجور عليه، ولا يسمح لأحد بزيارته إلا بإذن منه، وانعطفت سياسة الدولة -فى عهده- انعطافًا خطيرًا يهدد بزوالها، فقد عين اثنين من القضاة الشيعة، ومثلهما من السنة، وجعل لكل الحق فى إصدار حكمه وفق مذهبه، ولقب نفسه بالأكمل مالك فضيلتى السيف والقلم، مولى النعم، رافع الجور عن الأمم، وأسقط اسم الخليفة من الخطبة، فكانت نهايته القتل جزاءً لما صنع.

لم يكد الخليفة يستريح من سيطرة «ابن الأفضل» حتى وقع تحت سيطرة ونفوذ «بهرام الأرمنى» والى «الغربية»، الذى تقلد الوزارة، واستقدم الكثيرين من بنى جلدته حتى تجاوزوا ثلاثين ألفًا، وكلهم من الشيعة المتعصبين لمذهبهم، فأذاقوا أهل البلاد الهوان، وبنوا الكنائس والأديرة، فأثار ذلك حفيظة الناس، وثار «رضوان بن الولخشى» والى «الغربية»، وقاد جيشه، وهاجم به الوزير «بهرام» الذى انهزم، وفرَّ هاربًا إلى «أسوان»، فتولى «رضوان» الوزارة بدلا منه، ولكنه ارتكب أعمالا أثارت عليه حفيظة الخليفة، فاستدعى الخليفة «بهرام» من أسوان ليتولى الوزارة من جديد، فهرب «رضوان» إلى الشام، ثم عاد إلى «مصر» ثانية على رأس جيش تصدى له جنود الخليفة، فهزموه وأسروا «رضوان»، ثم قُتل.

تُوفِّى «الحافظ» فى سنة (544هـ)، وقد تميز عصره بالنزاع الدائم منأجل الوصول إلى منصب الوزارة بالقوة والجيوش المسلحة.

الظافر

ولى «الظافر» عقب وفاة أبيه «الحافظ»، فسلكت الدولة فى عهده مسلكًا خطيرًا؛ لم يكن معهودًا من قبل؛ إذ استعان الوزراء بالقوى الخارجية للوصول إلى منصب الوزارة، وأبرز مثال على ذلك ما حدث بين «ابن السلار» و «ابن مصال»، فقد استعان الأول على منافسه الثانى بنور الدين محمود صاحب «حلب»، ودارت بين الطرفين حرب شعواء قُتل فيها «ابن مصال»، ثم تبعه «ابن السلار»، فسعد الخليفة سعادة بالغة لقتل «ابن السلار» لاستعانته «بنور الدين محمود»، ودلل الخليفة على مدى سعادته بمكافأته لنصر بن العباس قاتل «ابن السلار» بمبلغ عشرين ألف دينار.

كان الصليبيون قد أسسوا عدة إمارات لهم – فى ذلك الوقت – بالشام، وبدأت طموحاتهم تتجه إلى «مصر»، ويتحينون الفرصة لتحقيقها فى الوقت الذى كان «نور الدين محمود» يترقب فيه الأوضاع للاستيلاء على «مصر»، وظل كلاهما على ذلك حتى قام «نصر بن عباس» – بالاتفاق مع والده – بقتل الخليفة «الظافر» وإخوته، فغلت «القاهرة» كالمرجل، وهرب «عباس» إلى الشام، فقُتل فى طريقه إليها، وقُبض على ابنه «نصر» ثم وُضِع فى قفص من حديد بعد أن جُدع أنفه، وقطعت أذناه، وطِيف به فى أنحاء المحروسة، ثم صُلِبَ حيا على باب زويلة حتى مات، فأُحرقت جثته. وتولى «الفائز» الخلافة.

الفائز

ترك «الظافر» ابنه «الفائز» وعمره أربع سنوات فحسب، فولى الخلافة فى هذه السن عام (549هـ)، وكانت البلاد فى حالة من الفوضى والاضطراب الشديدين، حتى إن نساء القصر لم تأمن على حياتهن فى ظل هذه الظروف، فاستنجدن بطلائع بن زريك والى الأشمونيين، الذى حضر على الفور، وقضى على الفتنة والشغب، وضرب على أيدى صانعى الفتنة، وظل الخليفة – بالطبع – مسلوب الإرادة حتى وفاته سنة (555هـ).

العاضد

خلف «الفائز» فى تولِّى الخلافة، فتخلص من الوزير «طلائع» بقتله،وأسند منصبه إلى ابنه «أبى شجاع العادل بن طلائع»، فرأى «شاور» والى الصعيد أنه أحق بالوزارة من «أبى شجاع»، وقدم على رأس قواته، وتمكن من خلع «أبى شجاع» من الوزارة، وتنصيب نفسه مكانه سنة (558هـ)، ولكنه لم يهنأ بمنصبه الجديد إذ استطاع «ضرغام» أمير البرقية (فرقة من المغاربة» خلعه، فهرب «شاور» إلى الشام مستنجدًا بنور الدين محمود ليعيده إلى منصبه، فأحس «ضرغام» بالخطر وخشى من ضياع منصبه فاستنجد بعمورى الصليبى ملك «بيت المقدس»، ولبى كل طرف نداء مَنْ استنجد به، وقدمت القوات الإسلامية كما قدمت القوات الصليبية فى ثلاث حملات، ولكن «أسد الدين شيركوه» قائد حملات «نور الدين محمود» كانت له عقلية سياسية حكيمة، كما كان يجيد التخطيط الجيد، فتولى الوزارة بنفسه بعد أن قُضى على الخصمين المتنافرين، وظل على ذلك حتى مات، فخلفه فى منصبه ابن أخيه «صلاح الدين الأيوبى» السنىُّ المذهب، فكان بمثابة المسمار الأخير فى نعش الدولة الفاطمية الشيعية.

انهيار الدولة الفاطمية

حين علا «صلاح الدين الأيوبى» كرسى الوزارة فى الدولة الفاطمية، حدث الصدام المتوقع بين المذهبين الشيعى والسنى، فسلب الوزير السنى من الخليفة «العاضد» الشيعى كل سلطانه، وبات الخليفة كالمحجور عليه، وصار حبيس قصره، فاستاء أتباع الخليفة وجنوده من هذا الوضع وقاموا بثورة عارمة، نجح الوزير «صلاح الدين» فى تشتيتها، فاضطر مشعلوها إلى الهرب نحو صعيد «مصر»، فعمل «صلاح الدين» على تثبيت قدميه، وتوطيد علاقته بالناس، وحارب الصليبيين، وحقق انتصارات عظيمة عليهم، وعزل القضاة الشيعة، وجعل السنيين بدلا منهم، ثم أرسل إلى «نور الدين» يطلب منه أن يُلحق به أسرته فوافق، وألحقهم به، فقويت شوكته، وأحبه الناس لسلوكه وسيرته بينهم، فلما اطمأن «نور الدين» إلى استقرار الأوضاع أرسل إلى «صلاح الدين» يطلب منه إزالة الخلافة الفاطمية،والدعاء للخليفة العباسى، فرفض «صلاح الدين» أول الأمر خوفًا من عواقب هذا الصنيع، ثم عمد إلى التجربة -بعد أن شاور خلصاءه- فقرر أن يصعد واحد من الناس المنبر قبل الخطيب، ويدعو للخليفة العباسى «المستضىء» ليرى ماذا سيفعل الناس، فلما تم له ما أراد، ولم يثر أحد أسقط الدعاء للعاضد وجعله للمستضىء، فكانت نهاية الدولة الفاطمية التى حكم ملوكها الأوائل رقعة شاسعة من العالم امتدت من «المحيط الأطلسى» غربًا إلى «الخليج العربى» شرقًا، ودُعى لأحد خلفائها على منابر «بغداد» -عاصمة الخلافة العباسية – عامًا بأكمله.

وكان «العاضد» مريضًا حين سقطت دولته فآثر أهله عدم إخباره حتى لا يفجع ويزداد مرضه، ولكنه لم يلبث طويلا وتُوفِّى سنة (567هـ).

علاقات الفاطميين الخارجية

1 – صقلية

فتحها «أسد بن الفرات» قاضى الأغالبة، وأسلم أكثر سكانها، وظلت تابعة للأغالبة إلى زوال ملكهم سنة (296هـ)، ثم أصبحت تابعة للدولة الفاطمية الإسماعيلية، فحرص الفاطميون عليها لموقعها الجغرافى، ووفرة مواردها، وخصوبة أرضها، وظلت كذلك حتى عهد «المستنصر»، فلما حلت الشدة بمصر، وتعرضت للمجاعة، انشغل الخليفة عن متابعة أمر «صقلية»، فعمتها الثورات، وزادت فيها الاضطرابات، واستعان بعض أهلها بالفرنجة، فقدموا إليها، وفتحوها، وفشل «المعز بن باديس» – والى الفاطميين على «المغرب» – فى استعادتها، وظلت فى أيدى الفرنجة حتى استولى النورمانديون عليها، فخرجت نهائيًّا من حكم الفاطميين.

2 – البيزنطيون

تجاورت ممتلكات الدولتين بعد دخول الشام فى حوزة الفاطميين، وتذبذبت العلاقة بينهما بين السلم والحرب، ففى عصر «المعز» تحالف البيزنطيون مع القرامطة، ثم مع «أفتكين»، وحاول «العزيز» غزوهم عن طريق البحر، وعقدت هدنة بينهما مدتها سبع سنوات، ولكن «باسيل الثانى» الإمبراطور البيزنطى تحالف مع الحمدانيين وحققبعض الانتصارات على سواحل الشام، وفشل «العزيز» فى صدهم بعد أن احترق أسطوله فى ميناء «المقس»، فبنى أسطولا آخر، وخرج به تحت قيادته، ولكنه مرض وتُوفِّى فى «بلبيس»، فتسلم ابنه «الحاكم» زمام الأمور. وحقق انتصارًا كبيرًا فى «أفامية»، ثم عقدت الهدنة بين الطرفين لمدة عشر سنوات، ولكن العلاقات عادت إلى التوتر ثانية، ثم هدأت فى عهد «الظاهر»، وفترة طويلة من عهد «المستنصر» الذى عقد اتفاقًا مع الإمبراطور البيزنطى «قسطنطين التاسع»، يمد «البيزنطيون» بمقتضاه «مصر» بالغلال، إلا أن هذا الاتفاق لم يتم لوفاة الإمبراطور، وتولّى «تيودور» العرش بدلا منه، فنقض العهد، واشترط شروطًا أخرى لم يوافق عليها «المستنصر» فظلت العلاقات متوترة وعدائية بين الطرفين حتى نهاية الدولة الفاطمية.

3 – الشام وفلسطين

جعل الفاطميون «الشام» و «فلسطين» هدفهم عقب استيلائهم على «مصر»، باعتبارهم ورثة الإخشيديين، فأعدوا الجيوش، وجعلوا عليها القائد الشهير بالجرأة ذا الكفاءة العسكرية «جعفر بن فلاح الكتامى»، فخرج بها، واستولى على «الرملة» و «طبرية»، ثم اتجه إلى «دمشق» واستولى عليها بعد صمود شديد من أهلها، وجعل الخطبة فيها للفاطميين فى شهر المحرم سنة (359هـ)، وعاث الكتاميون فى البلاد فسادًا، وعبثوا بكل ما فيها، فاستنجد أهل «دمشق» بالقرامطة لتخليصهم، فأتوا وانضم إليهم الدمشقيون وتصدوا لجيش الفاطميين، وتمكنوا من هزيمته وقتل قائده «جعفر»، ثم خرج عليهم «أفتكين» التركى سنة (364هـ)، وحاول «العزيز بن المعز» استمالته فلم ينجح، فأخرج إليه «جوهر الصقلى» على رأس الجيش، ثم خرج إليه بنفسه. وأعاد نفوذ الفاطميين ثانية إلى تلك البلاد.

وفى سنة (462هـ) حاول السلاجقة الاستيلاء على «الشام» فكان نجاحهم جزئىا، ثم استتب الأمر أثناء الشدة العظمى التى مرت بها «مصر»، وأصبح «الشام» و «فلسطين» يتقاسمهما السلاجقة منناحية، والصليبيون من ناحية أخرى، ولم يبق بحوزة الفاطميين فى أوائل عهد الخليفة الظاهر إلا «مصر» وبعض البلاد الشامية.

4 – العباسيون فى بغداد

لاشك أن الخلافتين الفاطمية والعباسية كانتا على طرفى نقيض؛ لاعتقاد كل منهما أنها أحق بالخلافة، وأن الأخرى مغتصبة لها، فقد قامت الخلافة الفاطمية – أساسًا – فى «إفريقية»، وهى أرض تابعة للخلافة العباسية، وامتد نفوذهم على مساحة كبيرة من الأرض هى أيضًا تابعة لهم، مثل «برقة» و «مصر»، ولم يحاول العباسيون صد الحملة الأخيرة للفاطميين على «مصر»، فتأسست مدينة «القاهرة» لتنافس «بغداد»، وامتد سلطانها ليشمل «الشام» و «فلسطين» و «الحجاز»، بل إن البويهيين الشيعة فكروا فى إلغاء الخلافة العباسية فى «بغداد»، إلا أن خوفهم على نفوذهم هو الذى منعهم من إتمام هذا الأمر، ففضلوا خليفة سنيا ضعيفًا خاضعًا لهم على خليفة فاطمى قوى يخضعون له، ومع ذلك فقد جاهر «بهاء الدولة بن بويه» بمناصرته للفاطميين، فأصدر الخليفة العباسى «القادر» منشورًا فى سنة (402هـ) يقدح فيه فى نسب الفاطميين، وحذا ابنه وخليفته «القائم» حذوه، وطعن فى نسبهم، وشفع ذلك بوثيقة عليه توقيعات علماء «بغداد»، تمامًا كما فعل أبوه من قبل، ولكن هذا لم يؤتِ ثماره المرجوة، وامتد النفوذ الفاطمى حولا كاملا، مما جرَّأ العامة على نهب دار الخلافة العباسية، وأُرْسِلَت عمامة الخليفة القائم وعرشه وخلعته إلى «القاهرة»، ثم بيعت أثناء الشدة المستنصرية، وظل أمر الشيعة غالبًا بالعراق حتى استنجد الخليفة بالسلاجقة، فقدِم «طغرل بك» وقتل «البساسيرى» سنة (451هـ)، وحاول التوسع فى الشام على حساب الفاطميين، وتمكن «ملكشاه» من فتح «الرملة» و «بيت المقدس» و «دمشق» وتقدمت جيوشه صوب «مصر»، فأوقفها «بدر الجمالى» وتمكن من تحقيق النصر عليها، وبذلك أصبحت مملكة الفاطميين نهبًا مباحًا لكل طامع، وتقلص نفوذها حتىتمكن «نور الدين محمود» من الاستيلاء عليها بواسطة قائده «صلاح الدين الأيوبى»، الذى أزالها وأقام على أنقاضها الدولة الأيوبية.

السابق
الدولة الطولونية
التالي
عهد المماليك