مقدمات السفر

الرفقة في السفر

يستحب للمسافر أن يرافق من يأمنه ويؤانسه في السفر من أهله وإخوانه ومعارفه للمصالح العظيمة في الاجتماع،  والمخاطر الحسية والمعنوية على المسافر الفرد.

وقد نص أهل العلم  على كراهة الانفراد في السفر عمومًا, وتقلّ الكراهة إذا كانوا اثنين,فإذا كانوا ثلاثة انتفت الكراهة (تحفة المحتاج 2/369, المقدمات الممهدات 3/470,مطالب أولي النهى 1/63, عمدة القاري 14/142).

دليل ذلك :

قول النبي صلى الله عليه وسلم: “الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب” (أبو داود 2602, والترمذي 1673 وقال: حديث حسن).

وقد اختلف شراح الحديث في سبب تسمية المسافر الفرد بالشيطان على أقوال:

1- أن التفرد والذهاب وحده في الأرض من فعل الشيطان،  أو هو شيء يحمله عليه الشيطان ويدعوه إليه،  فقيل على هذا إن فاعله شيطان (معالم السنن 2/260).

2- أن اسم الشيطان مشتق من الشطون وهو البعد والنزوح، فيحتمل على هذا أن يكون المراد أن الممعن في الأرض وحده مضاهٍ للشيطان في فعله وشبهه (معالم السنن 2/260).

3- يعني أنه مطمع للشيطان لانفراده, كما يطمع فيه اللص والسبع،  فإذا خرج وحده تعرض له (تأويل مختلف الحديث ص 242).

وهذا من التأكيد على المسلم بلزوم الجماعة عمومًا، وفي السفر خصوصًا؛ لأن رفقته حينها يكونون الجماعة.

ويؤيده قول النبي صلى الله عليه وسلم: ” عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة،  فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة” (الترمذي 2165 وقال: حسن صحيح, أحمد 114).

وعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لو يعلم الناس ما في الوحدة ما أعلم، ما سار راكبٌ بليل وحده” (البخاري 2998).

أي لما في الانفراد من المخاطر الكثيرة.

ويتأكد ذلك في حال السفر للسياحة والاستجمام؛ لأن التمتع بالمناظر والمواقف لا يكتمل بدون الرفقة، ووجود الرفقة الصالحة أعظم معين لصيانة النفس والدين من الشوائب.

سفر الفرد لمصلحة:

كراهة سفر الفرد يختلف باختلاف الأحوال, فقد يكون إرسال الواحد فيه مصلحة لا تحصل بالجماعة, كما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم أفرادًا من الصحابة إلى المشركين ليستطلعوا الخبر, قال ابن بطال: “ولكل وجه من الحكمة غير وجه الآخر،  لتباين القصص واختلاف المعاني” (شرح البخاري 5/55).

 

السفر بالطائرات وفي الطرق العامرة:

كراهة الانفراد ظاهرة في الصحراء والطرق غير المسلوكة, أما في الطرق التي لا تخلو من المسافرين فلا يكره سفر الرجل وحده، وإن كان الأولى وجود الرفقة فيها أيضًا.

فكما أن الوحدة تزول إذا كان كل واحد من الرفقة  مسافرًا بسيارته الخاصة،  فكذلك تزول بوجود مسافرين كثر على الطريق.

وهذا يفهم من كلام شراح الحديث ولو لم يصرحوا به, قال الطبري: “وذلك أن السائر في فلاة وحده والبائت في بيت وحده إذا كان ذا قلب مخيف وفكر رديء لم يُؤْمَن أن يكون ذلك سببًا لفساد عقله” (انظر: شرح البخاري لابن بطال 5/56).

 وقد نص عليه الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله فقال:

“.. وأما ما يكون في الخطوط العامرة التي لا تكاد تمر فيها دقيقة واحدة إلا وتمر بك فيها سيارة،  فهذا وإن كان الإنسان في سيارة وحده فليس من هذا الباب،  يعني ليس من باب السفر وحده ؛ لأن الخطوط الآن عامرة من محافظة لأخرى ومن مدينة لثانية وما أشبه ذلك، فلا يدخل في النهي” (شرح رياض الصالحين 4/585-586).

كراهية التفرق في النوم:

يكره التفرد عن مكان نوم الجماعة عند المبيت في البرية والصحراء ونحو ذلك، أما انفراد كل واحد بغرفته في الفندق والنُّزُل المستأجرة،  فلا يدخل في هذه الكراهة.

فعن أبي ثعلبة الخشني قال: كان الناس إذا نزلوا منزلاً تفرقوا في الشعاب والأودية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن تفرقكم في هذه الشعاب والأودية، إنما ذلكم من الشيطان” فلم ينزل بعد ذلك منزلاً إلا انضمّ بعضهم إلى بعض، حتى يقال: لو بسط عليهم ثوب لعمهم (أبو داود 2628, أحمد 17736).

تذكـــر

1. يستحب للمسافر مرافقة من يأمنه ويؤنسه.

2. يكره السفر منفردًا وتقل الكراهة للاثنين وتزول بالثلاثة.

3. لا بأس بسفر الفرد لمصلحة.

4. يكره التفرق في مكان النوم عند المبيت في البرية والصحراء والمناطق المفتوحة.

5. لا يكره السفر المنفرد إذا كان في طائرة؛ لأنه أشبه بالقافلة وتزول بمثله الوحدة والأولى المرافقة عمومًا.

فائدة

واصبر نفسك

وجه القرآن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يصبر في مصاحبة أهل الخير والصلاح، وألا يبتعد عنهم لأي سبب كان فقال تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ..}.

السابق
القائد في السفر
التالي
من آداب السفر