محاور الالتقاء

الزنا بين الكتاب المقدس والقرآن الكريم

إن الزنا مما اجتمعت على تحريمه جميع الرسالات السماوية بما فيها اليهودية والمسيحية والإسلام، بل إن تحريمه من الأصول الثابتة الراسخة لهذه الرسالات. فلقد ورد تحريم الزنا في الوصايا العشر التي تمثل الأساس لرسالة موسى عليه السلام بل ورسالة عيسى عليه السلام أيضا.

ففي العهد القديم، نقرأ: “لاَ تَزْنِ” (خروج 14:20)، ولم يكتف العهد القديم بالنهي عن الزنا فحسب وإنما نهى عن التعريض له أيضا. فنحن نقرأ: “لاَ تُدَنِّسِ ابْنَتَكَ بِتَعْرِيضِهَا لِلزِّنَى لِئَلاَّ تَزْنِيَ الأَرْضُ وَتَمْتَلِئَ الأَرْضُ رَذِيلَةً” (لاويين 29:19)

ولقد فرض العهد القديم عقوبة القتل لمرتكبي جريمة الزنا. فنحن نقرأ: “وَإِذَا زَنَى رَجُلٌ مَعَ امْرَأَةٍ، فَإِذَا زَنَى مَعَ امْرَأَةِ قَرِيبِهِ، فَإِنَّهُ يُقْتَلُ الزَّانِي وَالزَّانِيَةُ”. (لاويين 10:20)، بيد أن هذه العقوبة تغلّظ بحق بنات الكهنة، فلا يكتفى فيها بالقتل بطريقة عادية وإنما يلزم الحرق بالنار. فنحن نقرأ: “وَإِذَا تَدَنَّسَتِ ابْنَةُ كَاهِنٍ بِالزِّنَى فَقَدْ دَنَّسَتْ أَبَاهَا. بِالنَّارِ تُحْرَقُ” (لاويين 9:21)

وفي العهد الجديد، لم يكتف السيد المسيح بتحريم الزنا، وإنما نهى عما يؤدي إلى الزنا أيضا، فحرّم النظر إلى المرأة الأجنبية بشهوة وساوى بين النظر إليها والزنا معها. فنحن نقرأ: “قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَزْنِ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا، فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ”. (متى 5 :27-28)

ولقد عدّ السيد المسيح حفظ الفرج عن الوقوع في الزنا من أسباب نيل الحياة الأبدية. ففي العهد الجديد، نقرأ ما يلي: وَإِذَا وَاحِدٌ تَقَدَّمَ وَقَالَ لَهُ:«أَيُّهَا الْمُعَلِّمُ الصَّالِحُ، أَيَّ صَلاَحٍ أَعْمَلُ لِتَكُونَ لِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ؟» فَقَالَ لَهُ:«لِمَاذَا تَدْعُوني صَالِحًا؟ لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحًا إِلاَّ وَاحِدٌ وَهُوَ اللهُ. وَلكِنْ إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَدْخُلَ الْحَيَاةَ فَاحْفَظِ الْوَصَايَا». قَالَ لَهُ:«أَيَّةَ الْوَصَايَا؟» فَقَالَ يَسُوعُ:«لاَ تَقْتُلْ. لاَ تَزْنِ. لاَ تَسْرِقْ. لاَ تَشْهَدْ بِالزُّورِ» (متى 19 :16-18)

أما الإسلام، فلم يكتف بالنهي عن الزنا فحسب وإنما نهى عن مجرد الاقتراب منه. يقول الله تعالى في القرآن الكريم: “وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا” (الإسراء 32:17).

ولقد جُعل حفظ الفرج عن الوقوع في الزنا من الأشياء التي كانت النساء تبايع النبي محمد صلى الله عليه وسلم عليها. يقول الله تعالى:

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (الممتحنة 12:60)

وكثيرا ما يثني الله تعالى في القرآن الكريم على عباده الصالحين الحافظين لفروجهم عن الوقوع في الزنا ويتوعد المسرفين على أنفسهم المستبيحين للزنا. فعلى سبيل المثال، يقول الله تعالى:

وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا…وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا. يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا. إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (الفرقان 25 :63-70)

وكما هو الحال في التوراة أو العهد القديم، فرض الإسلام عقوبة رادعة لمرتكبي جريمة الزنا. فيجلد الزاني غير المحصن (غير المتزوج) مائة جلدة ويغرّب عاما عن بلده وتجلد الزانية غير المحصنة (غير المتزوجة) مائة جلدة . يقول الله تعالى في القرآن الكريم:

الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (النور 2:24)

ويرجم الزاني المحصن والزانية المحصنة إذا اعترفا أو قامت عليهما البينة بأن شهد عليهما أربعة شهود عدول. فعن أبي هريرة وزيد بن خالد قالا: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقام رجل فقال: أنشدك الله إلا قضيت بيننا بكتاب الله، فقام خصمه وكان أفقه منه فقال: اقض بيننا بكتاب الله وأذن لي. قال: قل، قال: إن ابني كان عسيفا على هذا فزنى بامرأته فافتديت منه بمائة شاة وخادم ثم سألت رجالا من أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام وعلى امرأته الرجم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله جل ذكره المائة شاة والخادم رد عليك وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها. فغدا عليها فاعترفت فرجمها. (رواه البخاري)

_________

المراجع:

1- القرآن الكريم

2- الكتاب المقدس

3- صحيح البخاري

السابق
الخمر بين الإسلام والمسيحية
التالي
الأمر بـ”غض البصر” والنهي عن النظر بشهوة