الدولة العثمانية

السلطان عبد الحميد الثانى وانهيار الدولة

(1843 – 1918م) وُلد «عبد الحميد الثانى» (13 من شعبان عام 1258هـ= 21 من سبتمبر عام 1842م)، وهو ابن السلطان «عبد المجيد محمود الثانى» صاحب فرمان التنظيمات الذى ينظم الدولة العثمانية على الطراز الأوربى وتولى العرش خلفًا لأخيه «مراد» فى (10 من شعبان عام 1293هـ= 31 من أغسطس عام 1876م)، وماتت أمه وهو فى الحادية عشرة من عمره، فربته زوجة أبيه وعاملته معاملة الأم شفقة ورحمة وعناية.

درس «عبد الحميد» العلوم الأساسية فى عهده وبجانبها تعلَّم اللغة العربية وأجادها، والفارسية وأجادها، وكان ينظم الشعر، وكان شخصية قوية منذ صغره، كان متدينًا وسط جو أوربى يعيشه أمراء القصر السلطانى، وحريصًا على أداء الصلاة فى أوقاتها، عفيفًا، لا يشرب الخمر، ويمنع تدخل نساء القصر فى السياسة أو شئون الدولة منعًا باتا، وتروى ابنته الأميرة «عائشة»:

فى اليوم التالى لتنصيب والدى السلطان عبد الحميد سلطانًا على الدولة العثمانية قابل زوجة والده التى أحبها حبا ملأ عليه فؤاده، وقبّل يدها، وقال لها:

بحنانك لم أشعر بفقد أمى، وأنت فى نظرى أمى لا تفترقين عنها، ولقد جعلتك السلطانة الوالدة (وهو لقب خاص بأم السلطان) .. لكنى أرجوكِ بإصرار ألا تتدخلى بأى شكل من الأشكال فى أى عمل من أعمال الدولة.

وانصاعت هى لهذا الأمر تمامًا».

بدأ «عبد الحميد» حكمه الفردى بافتتاح مجلس «المبعوثان»، لكنه سرعان ما عطله إلى أجل غير مسمى، وكان هذا التعطيل فى (10 من صفر عام 1295هـ= 13 من فبراير عام 1878م)، واستمر الحكم الفردى لعبد الحميد مدة ثلاثين عامًا ونصف عام تقريبًا يعنى حتى (17 من جمادى الآخرة عام 1326هـ= 13 من يوليو عام 1908م) عندما ثار عليه الجيش، فاضطر إلى إعلان الحكم النيابى، وافتتح البرلمان للمرة الثانية.

لكنه كان رحيمًا بالمعارضين له، يستميلهم بقدر إمكانه، وإذا نفىأحدًا منهم ينفيه إلى مكان بعيد، بعد أن يمنحه منصبًا عاليًا وراتبًا كبيرًا، فعل هذا على سبيل المثال مع «نامق كمال» الشاعر العثمانى المعروف ومع «ضيا باشا» الأديب العثمانى الذائع الصيت.

ونسوق هنا ترجمة لقصيدة نظمها الفيلسوف التركى «رضا توفيق» وهو من كبار رجال «الاتحاد والترقى» ومن أكبر المعارضين لحكم «عبد الحميد»، وهذه القصيدة لم يكتبها الشاعر إلا بعد وفاة السلطان «عبد الحميد»، يقول فيها:

عندما يذكر التاريخ اسمك.

يكون الحق فى جانبك ومعك يا أيها السلطان العظيم.

كنا نحن الذين افترينا – دون حياء.

على أعظم سياسيى العصر.

قلنا إن السلطان ظالم وإن السلطان مجنون.

قلنا لابد من الثورة على السلطان.

وصدقنا كل ما قاله لنا الشيطان.

وعملنا على إيقاظ الفتنة.

لم تكن أنت المجنون، بل نحن، ولم نكن ندرى.

علقنا القلادة على فتيل واهٍ.

لم نكن مجانين فحسب، بل كنا قد عدمنا الأخلاق.

فلقد بصقنا – أيها السلطان العظيم.

على قبلة الأجداد.

عبد الحميد ومشاكل دولته:

وقد بدأ عهد «عبد الحميد» بالمشاكل العديدة، فتمرد «الصرب» و «الجبل الأسود»، وهو تمرد بدأ فى آخر عهد «عبد العزيز»، واضطرب الوضع فى «جزيرة كريت» ولم يكن فى صالح الدولة.

وانتصر العثمانيون على قوات الصرب فى معركة «الكسيناج»، ولكن عندما اقترب العثمانيون من دخول «بلجراد» إذا بروسيا توجه إنذارًا للدولة العثمانية، فخافت الدول الغربية وعلى رأسها «إنجلترا» من مغبّة تدخل «روسيا» وعقدت هذه الدول مؤتمر الترسانة المشهور فى «إستانبول» فى (ذى الحجة عام 1293هـ= ديسمبر عام 1876م) برياسة «صفوت باشا» وزير الخارجية العثمانية. فى هذا اليوم أعلن «عبد الحميد الثانى» الحكم المشروطى (الديمقراطى) فى الدولة.

والواقع أن هذا المؤتمر قد أجبر الدولة العثمانية على القيام بإصلاحات فى «البوسنة والهرسك» و «بلغاريا». وفى (3 من المحرمعام 1294هـ= 18 من يناير عام 1877م) اجتمع فى «الباب العالى» (مجلس مكوّن من (240) شخصًا) لدراسة مقترحات مؤتمر الترسانة، لكن «مدحت باشا» دفع المجلس إلى رفض مقترحات الدولة، وحرَّض طلبة العلوم الدينية العالية على القيام بمظاهرات لإجبار السلطان «عبد الحميد» على الحرب، فقام المجلس بإجبار السلطان على التصديق على قرار برفض مقترحات المؤتمر، فانفض السفراء وتركوا الدولة العثمانية بمفردها تواجه «روسيا».

ولما كان «نابليون الثالث» قد أرسى دعائم الفكر القومى العرقى فى «أوربا»، فقد استغل الروس فرصة انتشار هذا الفكر، وقاموا بدعايات ضخمة لإنقاذ إخوانهم السلاف الواقعين تحت الحكم التركى، وأعلنوا الحرب فى (10 من ربيع الآخر عام 1294هـ= 24 من أبريل عام 1877م) على العثمانيين، وبذلك بدأت الحرب العثمانية – الروسية، المشهورة التى استمرت من عام (1294هـ= 1877م) إلى عام (1295هـ= 1878م)، وتعد هذه الحرب نكبة من نكبات التاريخ العثمانى، فقد رافق خسارة العثمانيين فى الأرض، مشكلة هجرة مليون مسلم عثمانى من «بلغاريا» إلى «إستانبول»، وهذه الهجرة هى أصل مشكلة الأقليات الإسلامية اليوم فى «بلغاريا» وغيرها من دول «البلقان»، وعندما هاجر المليون عثمانى رافقتهم مشاكل اجتماعية كبيرة فى الإسكان وفى المعيشة.

وأخيرًا عقدت فى (27 من المحرم عام 1295هـ= 31 من يناير عام 1878م) معاهدة لإنهاء الحرب التى استمرت تسعة أشهر وسبعة أيام.

 

تعطيل البرلمان

وأمام ما تصوّره «عبد الحميد» من قصور فى الرأى العام ممثلاً فى هذا المجلس، الذى دفع بالأمة إلى الدخول فى حرب هى غير مستعدة لها، وليست فى حاجة إليها، قام السلطان فى (13 من فبراير 1878م) بتعطيل الحياة النيابية إلى أجل غير مسمى، واضطر وزير الخارجية العثمانية أن يوقع معاهدة «أياسطفانوس» التى فرضتها «روسيا» على الدولة عقب هزيمتها أمامها، وقد بكى الوزير وهو يوقعالمعاهدة؛ لأنها كانت مجحفة بالدولة، إلا أن السلطان يذكر فى مذكراته أنه عمل كثيرًا على تخفيف وقع هذه المعاهدة على الدولة، بتوقيع معاهدة أخرى هى «معاهدة برلين» فى (10 من صفر عام 1295هـ= 3 من يوليو عام 1878م) أى بعد أربعة أشهر وأحد عشر يومًا من المعاهدة الأولى.

وفى (18 من جمادى الأولى عام 1295هـ= 20 من مايو عام 1878م) أثناء ما كان جيش الاحتلال الروسى يجثم على أراضى الدولة، وانشغال هذه به، قام شاب يدعى «على سعاوى» مع أنصاره من الشباب الثائر بمحاولة لخلع «عبد الحميد» وإحلال «مراد» – وكان مريضًا مرضًا عقليا – محله إلا أن هذه المحاولة باءت بالفشل.

ديون الدولة العثمانية

أما عن الديون العثمانية وخطورتها، فقد وصلت الديون المتبقية من عهدى «عبد المجيد» والد «عبد الحميد»، و «عبد العزيز» عمه إلى (252) مليون ليرة ذهبية عام (1298هـ= 1881م)، وكان هذا الرقم وقتها رقمًا هائلا، وكانت كل من «إنجلترا» و «فرنسا» فى مقدمة الدائنين. وقد نجح السلطان «عبد الحميد» فى حل مسألة الديون هذه بتقليلها إلى النصف تقريبًا؛ لذلك كان الموظفون العثمانيون وخاصة الضباط يتضجرون عندما يقبضون رواتبهم متأخرةً، وهذا الأمر كان من أسباب ضيق الموظفين فى عهد «عبد الحميد».

وبعد وفاة السلطان «عبد العزيز» – عم «عبد الحميد» – بخمس سنوات، أثار «عبد الحميد» قضية هذه الوفاة؛ ولذلك قدّم «مدحت باشا» وأعوانه إلى المحاكمة فى «محكمة يلدير» فى (29 من رجب عام 1298هـ= 27 من يونيو عام 1881م) بتهمة قتل سلطان الدولة، وأصدرت المحكمة قرارها بالإدانة.

ثم نُقل «مدحت باشا» وصاحبه محمود جلال الدين باشا فى (1 من رمضان عام 1298هـ= 28 من يوليو عام 1881م) بالسفينة «عز الدين» إلى «قلعة الطائف» حيث حبسا فى السجن العسكرى هناك، واستمر هذا الحبس سنتين وتسعة أشهر، ثم وجد «مدحت باشا» وزميله فى السجن مقتولين خنقًا، ولم يُعرف من المحرّض على القتل، والمعروفأن «إنجلترا» حاولت إنقاذ «مدحت باشا» من هذا السجن بتهريبه منه حتى إنها خصصت سفينة عسكرية بريطانية فى «البحر الأحمر» لهذا الغرض.

وفى (18 من جمادى الأولى 1323هـ= 21 يوليو 1905م) دبر الأرمن مؤامرة لقتل السلطان «عبد الحميد» عُرفت فى التاريخ العثمانى باسم «حادث القنبلة»، دبّرها ونفذها الأرمن وأيدها المعارضون لعبد الحميد وبخاصة العاملون فى النشر والإعلام.

ومع هذا فقد كان حكم عبد الحميد بالنسبة إلى الدولة العثمانية عهد استقرار. وكان الشعب يشعر بالأمان، لكن نتيجة أن السلطان كان يربط مؤسسات الدولة بشخصه مباشرة ودائمًا، ويحدّ من الصحافة والحريات السياسية فقد عاداه الضباط وطلبة العلوم العليا خاصة طلبة الطبية العسكرية.

المسائل العربية فى عهد عبد الحميد

بجيش مكوّن من (23.000) جندى فرنسى استُقدموا من «الجزائر» مع أسطول بحرى و (8.000) جندى فرضت «فرنسا» حمايتها على «تونس» ووقعت «معاهدة باردو» (قصر سعيد) فى (12 من جمادى الآخرة 1298هـ= 12 من مايو 1881م)، بذلك احتج الباب العالى وأخذ الوزير «محمود صادق باشا» أمير «تونس» يطلب النجدة، فذهب إليه أسطول عثمانى مدرّع، إلا أن هذا الأسطول اضطر إلى الانسحاب إلى مياه «كريت»؛ لعدم التوازن فى القوى بين الأسطولين العثمانى والفرنسى.

ولم تكن الدولة العثمانية فى الواقع قادرة على أن تدافع عن «تونس»، وكل ما استطاعت عمله أنها لم تعترف رسميا بالاحتلال الفرنسى، وظل «عبد الحميد» يعتبر «تونس» قطعة من الدولة العثمانية فى السالنامة الرسمية.

وكان احتلال «بريطانيا» لمصر فى (2 من ذى القعدة 1299هـ= 15 من سبتمبر عام 1882م) هو الحدث الكبير الثانى فى السياسة العثمانية الخارجية فيما يختص بالأمور العربية.

عبد الحميد والخديو إسماعيل

إن العلاقات العثمانية المصرية كانت قد اتخذت طورًا متشددًا تجاه إسراف الخديو «إسماعيل»، بعد أن استطاع الحصول من«عبدالعزيز» على امتياز بالاقتراض الخارجى، ووصل الأمر بالخديو إلى أنه اقترض من «إنجلترا» و «فرنسا» مبلغ مائة مليون جنيه ذهبًا فى عشر سنوات؛ ولتقريب هذه المسألة نقول إن ديون الدولة العثمانية كلها – بعد جهود «عبد الحميد» فى تخفيضها إلى النصف تقريبًا – تعادل جملة اقتراضات الخديو «إسماعيل» بمفرده وهو خديو على إيالة «مصر» العثمانية؛ مما أعطى انطباعًا لدى السلطان «عبد الحميد» بعظم إسراف الخديو، وهذا الإسراف دفع «إسماعيل» فى (ذى القعدة 1292هـ= نوفمبر 1875م) إلى طرح أسهمه الشخصية فى «قناة السويس» للبيع، وحاولت «فرنسا» أن تشتريها، إلا أن سرعة حركة «دزرائيلى» رئيس وزراء «بريطانيا» فى شراء هذه الأسهم عطلت حركة «فرنسا» فى العمل، وهذا أدى إلى توقع وقوع «مصر» فريسة للاحتلال البريطانى. ولم تكن «فرنسا» من القوة بحيث تستطيع وقتها عمل شىء لتعطيل تحرك الإنجليز فى «مصر»، ومع ذلك لم يجد بيع «إسماعيل» لأسهمه فى «قناة السويس» نفعًا.

كان جيش «مصر» قد بلغ أيام «إسماعيل» إلى (30.000) عسكرى ما بين ضابط وجندى، ثم أدى تدخل الوزراء الأوربيين فى الوزارة المصرية إلى تخفيض هذه القوة إلى (11.000) وتسريح (2500) ضابط، وكان هذا العدد يقرب من نصف عدد ضباط الجيش، وكان عدد الضباط المصريين قليلاً بالنسبة إلى الضباط الآخرين من رعايا الدولة العثمانية كالألبان والأباظة والشركس وغيرهم، إلا أن أغلب الضباط المحالين إلى التقاعد كانوا من المصريين، فاستاء هؤلاء، وبدأ فى «مصر» – لأول مرة – الشعور بالقومية، وظهر الأميرالاى «أحمد عرابى بك».

نتيجة لهذا الجو الجديد قام السلطان «عبد الحميد الثانى» بإصدار إرادة سنية فى (5 من شعبان 1296هـ= 25 من يوليو 1879م) بعزل الخديو «إسماعيل» باشا، وتعيين ابنه الأكبر وولى العهد «محمد توفيق باشا» مكانه، وطلب «إسماعيل» من السلطان «عبد الحميد»الإذن بالإقامة فى «إستانبول» والإفادة من أملاكه هناك، فأذن له وأقام «إسماعيل» فى قصره فى حى «بايزيد» فى «إستانبول»، وكذلك فى قصره الصيفى على «البسفور» فى حى «أميركان».

ومات «إسماعيل» فى «إستانبول» فى (27 من رمضان 1312هـ= 2 من مارس 1895م) عن (65) عامًا، والمعروف أن «إسماعيل» درس فى الأكاديمية الحربية فى «باريس».

وفى علاقة «عبد الحميد» بإسماعيل أيضًا مسألة إهداء السلطان «عبد العزيز» عم «عبد الحميد» جزيرة «ياسى آدا» – وهى جزيرة صغيرة جميلة، بالقرب من إستانبول – إلى «إسماعيل»، وعندما تولى «عبد الحميد» أعاد هذه الجزيرة إلى أملاك الدولة.

عبد الحميد والثورة العرابية

أما «أحمد عرابى بك» فقد أيده «عبد الحميد» ومنحه رتبة أمير لواء مع الباشوية، كما منحه الوسام الحميدى من الطبقة الأولى، والمعروف أن الرتب العسكرية فى «مصر» فيما فوق أميرالاى لا تمنح إلا من السلطان نفسه.

قام «عرابى باشا» بإنهاء عمل الموظفين الأوربيين، فاحتجَّت عليه كل من «إنجلترا» و «فرنسا»، وقامتا بمراجعة «الباب العالى» فى شأن إرسال قوة عسكرية إلى «مصر»، ولم يقع «عبد الحميد» فى هذا الفخ، ورفض إرسال قوة عسكرية، لأن قمع الحركة الوطنية المصرية بجنود أتراك لصالح الدول الأوربية وهى دول استعمارية، كان من شأنه الإساءة إلى مقام الخلافة فى كل أرجاء العالم الإسلامى، ويتنافى مع مبدأ الجامعة الإسلامية التى كان «عبد الحميد» قد اتخذها سياسة له.

فى هذه الأثناء تولّى «عرابى باشا» وزارة الحربية، وفى (23 من شعبان 1299هـ= 11 من يوليو 1882م) حدثت قلاقل «الإسكندرية»، ومات عدد من الأوربيين هناك، كما جرح أربعة قناصل؛ لذلك قام الأميرالاى «سيمور» قائد الأسطول البريطانى فى «البحر المتوسط» – وكانت «إنجلترا» قد أعلنت أنها ستحمى الأجانب فى مصر – بضرب «الإسكندرية» بالمدفعية البحرية ضربًا متواصلاً. وفى اليوم التالى(24 من شعبان= 12 من يوليو 1882م) احتل «الإنجليز» المدينة، وفى (12 من سبتمبر 1882م) قام السير «جرانت ويلزلى» بالتغلب على قوات «عرابى باشا» فى معركة «التل الكبير» فى عشرين دقيقة، ودخل الجيش الإنجليزى القاهرة فى (15 من سبتمبر 1882م)،ونفت «بريطانيا» «أحمد عرابى» إلى «سيلان».

وكانت «بريطانيا» تردد دائمًا أنها تحتل «مصر» و «السودان» احتلالا مؤقتًا، ولم يكن للاحتلال صفة رسمية، أو وضع قانونى، وإن كان أمرًا واقعًا إلا أن «مصر» رسميا كانت تابعة للدولة العثمانية، واستمرت «مصر» حتى عام (1331هـ= 1914م) – تاريخ إعلان الحماية البريطانية عليها – ترسل متعلقات تبعيتها للعثمانيين إلى «إستانبول» سنويا، وكذلك كان تعيين الرتب الكبيرة فوق الأميرالاى لا يتم إلا عن طريق السلطان.

عبد الحميد ومسألة العقبة

والمسألة الثالثة المهمة فى العلاقات العثمانية المصرية فى عهد «عبد الحميد» تتجلى فى مسألة العقبة عام (1324هـ= 1906م)، فبعد أن ضيق العثمانيون على الإنجليز حلقة العمل الاستراتيجى للاحتفاظ بطريقهم إلى «الهند» سليمًا، وخوف «بريطانيا» من خط سكة حديد الحجاز، خاصة بعد دخول «ألمانيا» منافسًا للقوى الأوربية فى خط سكة حديد «بغداد»، فى تلك الفترة كان السلطان «عبد الحميد» مشغولاً بإنشاء خط سكة حديد «مكة» الطويل، برأس مال إسلامى وأيدٍ عاملة مسلمة، وكان خط سكة حديد الحجاز قد وصل إلى «المدينة المنورة»، وقد ربط هذا الخط بين «إستانبول» و «دمشق» و «المدينة».

فى هذه الفترة نفسها أنشأ السلطان مدينة «بير السبع» بين «غزة» و «بحيرة لوط» فى جنوب «فلسطين»، وفى عام (1319هـ= 1901م) حلت قوة تركية هناك وتكون حولها قصبة، والواقع أنها كانت قاعدة استراتيجية عثمانية، تشرف على «شبه جزيرة سيناء» و «الجزيرة العربية» وطريق «الحجاز» و «مصر»، وكان من شأنها أيضًا مراقبة الإنجليز الذين كانوا يحتلون «مصر». وتشكل هذهالقاعدة العثمانية الاستراتيجية التى أقيمت على أطلال مهجورة متراكمة حول بئر واحدة من بدايات مسألة العقبة.

وفى عام (1323هـ= 1905م) قام الإنجليز بتحريض بعض القبائل اليمنية بالتمرد على الدولة، لكن العثمانيين استطاعوا القضاء على هذا التمرد، عندئذٍ أدركت «بريطانيا» أنها عاجزة عن الإضرار بالعثمانيين فى «اليمن»، وهى ولاية ذات أهمية استراتيجية على «البحر الأحمر» و «خليج عدن»؛ لذلك قام الإنجليز باختلاق حادثة على حدود «مصر» وكانت هذه الحادثة هى حادثة قرية تسمى «العقبة».

طلبت «إنجلترا» إرسال جنود إلى هذه القرية التى يسمح الباب العالى بوجود جنود مصريين فيها خاصة بمناسبة أعمال الحج.

بذلك كانت «إنجلترا» تريد السيطرة على المدخل الشمالى الشرقى للبحر الأحمر وتدخل منه إلى داخل «الجزيرة العربية».

أرسل السلطان «عبد الحميد» أحد ياورانه المخلصين وهو الأميرالاى «رشدى بك» – باشا فيما بعد – إلى المنطقة، فسار مع طابورين من الجنود ومدفع واحد واتجه إلى العقبة وأخلاها من الجنود المصريين الذين كانوا فيها بعد أن أبلغهم أن هذا قرار من السلطان. وبموجب أمر من «عبد الحميد» احتل «رشدى بك» قصبة «طابا» بعد أن أخلاها من الجنود المصريين ليفاجئ الإنجليز بالأمر الواقع.

أدركت «إنجلترا» أنها على أبواب صدام قريب مع الدولة العثمانية بشأن الحدود، خاصة بعد قيام الشعب المصرى فى «القاهرة» وسائر المدن المصرية بمظاهرات تهتف بحياة «عبد الحميد» وبسقوط الاحتلال الإنجليزى، وقدمت «إنجلترا» للباب العالى إنذارًا باحتلال «العقبة» و «طابا» فى مدة عشرة أيام إذا لم يرسل الباب العالى إلى «رشدى بك» تلغرافًا بإخلاء القلعتين، وقالت «إنجلترا» فى إنذارها إن من حقها الدخول فى حرب مع الدولة إذا لم يحدث صدى إيجابى للإنذار، ولكى تضخم «إنجلترا» المسألة أمرت أسطولها فى «المحيط الأطلسى» بدخول «البحر المتوسط» عن طريق «جبل طارق»؛ ليكونبجوار الأسطول البريطانى فى «البحر المتوسط».

أبلغ «عبد الحميد» «إنجلترا» برفضه لهذا الضغط البريطانى، وقال:

إن «مصر» جزء من الدولة العثمانية رسميا وليس لإنجلترا حق فيما تريده، وقال: إن الحدود المصرية العثمانية لا يحلها إلا ضباط من «مصر» ومن الدولة العثمانية.

وفى (شعبان 1324هـ= أول أكتوبر 1906م) قام الضباط العثمانيون والضباط المصريون بتنظيم الحدود واستقر الأمر على أن «طابا» مصرية.

عبد الحميد واليهود

عندما مات «البارون هيرش» كان يأمل فى إقامة وطن ليهود «روسيا» فى «الأرجنتين»، وعندما تدخل «تيودور هرتزل» فى المسألة اليهودية، أصبح الأمر لا يتعلق بيهود «روسيا» فقط بل بكل اليهود، ولم يصبح الوطن الذى يطلبونه «الأرجُنتين»، بل أصبح فى «فلسطين»، وكانت «فلسطين» جزءًا من الدولة العثمانية.

يقول «تحسين باشا» رئيس أمناء القصر السلطانى فى عهد «عبد الحميد»، فى مذكراته ما يلى:

«جاءت شخصية كبيرة صهيونية يهودية نمساوية إلى إستانبول، وطلبت إقامة وطن يهودى فى سنجق القدس، وقالت هذه الشخصية:

إنها تتحدث فى هذا باسم الصهاينة، وأن روتشيلد المصرفى المشهور، وراء هذا الأمر».

وكان أساس مطلب هذا اليهودى إقامة قرى يهودية فى «فلسطين» فى مكان تحدده الحكومة العثمانية، ولا مانع من وجود منازل إسلامية فى هذه القرى إذا رغبت الحكومة فى هذا، وسيتبع اليهود القادمون من الخارج قوانين ونظم الدولة العلية (العثمانية)، وسيتم مقابل هذا تقديم الخدمات والتسهيلات اللازمة فى مسألة الديون العمومية، وتقديم الضمان الكافى بهذا الكتاب.

ولأن هذا اليهودى كان له وزنه واعتباره، والمسألة تتعلق بالديون العمومية للدولة عرض الموضوع على السلطان الذى أذن بمقابلته، وبعد هذه المقابلة التى عاد منها الصهيونى النمساوى إلى بلاده صفر اليدين أمر السلطان «عبد الحميد» سفراء الدولة العثمانية فىكل من «واشنطن» و «برلين» و «فيينا» و «لندن» و «باريس»، بتعقب الحركة الصهيونية، وإرسال تقاريرهم أولا بأول إلى السلطان، كما قاموا بناءً على هذا الأمر بمقابلة زعماء اليهود فى البلدان التى يعملون بها أيضًا، بإرسال مخبرين عثمانيين متنكرين إلى الاجتماعات الصهيونية فى «أوربا»، وإرسال قصاصات الصحف والمجلات الأوربية المتعلقة بنشاط اليهود فى «أوربا».

وبذلك خط «عبد الحميد» بنفسه الخطوط الأساسية للسياسة العثمانية تجاه اليهود وفهم تفكيرهم تجاه القضية الفلسطينية.

وفى (10 من ذى القعدة 1307هـ= 28 من يونيو 1890م) وفى (7 من يوليو) من العام نفسه أصدر السلطان «عبد الحميد» إرادتين سلطانيتين بـ: «عدم قبول الصهاينة فى الممالك الشاهانية (الأراضى العثمانية) وإعادتهم إلى الأماكن التى جاءوا منها، وأعطى أوامره إلى نظارة الشئون العقارية بعدم بيع أراضى للمهاجرين إلى فلسطين».

يقول «محرم فوزى طوغاى» فى مقالة له فى (10 من جمادى الآخرة عام 1366هـ= 2 من مايو عام 1947م)، نشرها فى «مجلة بيوك طوغو» التركية بعنوان «فلسطين والمسألة اليهودية» ما يلى:

«إن تصرّف عبد الحميد تجاه الحركة اليهودية بهذا الشكل المعادى كان معناه أنه يتسبب فى هدم تاجه وهدم عرشه، ليس هذا فقط، بل ومن ثم فى هدم الدولة العثمانية كلها».

ويقول العقيد التركى «حسام الدين أرتورك» فى كتابه «خفايا عهدين»، نشر فى «إستانبول» عام (1377هـ= 1957م) ما يلى:

«قدم كل من تيودور هرتزل والحاخام الأكبر طلبًا شخصيا إلى السلطان عبد الحميد يطلبان فيه إقامة وطن إسرائيلى مستقل فى سنجق القدس، فما كان من عبد الحميد إلا أن طردهما».

ويعقب «نظام الدين تبه دنلى أوغلى» بالتعليق على هذه المسألة قائلاً:

«إن تصرف السلطان عبد الحميد تجاه هرتزل بهذا الشكل كان – كما فطن السلطان لذلك – من شأنه أن يعمل هرتزل واليهود على دعم أعداء السلطان».

وأعداء السلطان يتمثلون فى الآتى:

1 – تأييد الأرمن وتدعيم حركتهم ضد السلطان «عبد الحميد».

2 – تأييد الحركة القومية فى «البلقان» لانفصال هذه المنطقة عن الدولة.

3 – تأييد الحركة القومية الكردية التى ظهرت عام (1297هـ = 1880م) وبدأت بمحاولات اتحاد (30) عشيرة كردية متنافرة.

4 – تأييد كل حركة استقلال عن الدولة العثمانية.

5 – دعم قوى حركة الاتحاد والترقى ودفعها إلى قلب الأوضاع السياسية فى الدولة.

عبد الحميد الثانى وحركة الجامعة الإسلامية

ظهرت فكرة الجامعة الإسلامية فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر، واتسع ذلك المصطلح ليشمل عدة مفاهيم، فبعض المصلحين رأى فيها دعوة للرجوع بالدين إلى ما كان عليه السلف الصالح.

والبعض فسَّرها بأنها دعوة لتحديث المفاهيم الإسلامية وتطويرها بشكل يساير تطور الحياة الحديثة، ويتمشى مع المفاهيم الواردة من مدنية الغرب وثقافته، ورأى ثالث رَأَى فيها دعوة إلى إحياء الخلافة العربية القرشية من جديد، لكن من غير أن يكون لهذا الخليفة سلطة دنيوية بل مجرد رمز دينى لوحدة المسلمين. أما الرأى الأخير والأقرب إلى الدقة فرأى فيها تلك الدعوة التى انطلقت من عاصمة الدولة العثمانية والتى استهدفت تشديد قبضة الدولة على ما تبقى من ولاياتها أمام الخطر الأوربى الزاحف عليها من الغرب، وامتداد النفوذ الأدبى للسلطان العثمانى من منطلق كونه خليفة للمسلمين وخاصة من هم خارج حدود العالم الإسلامى، لتتبادل معهم الدولة الدعم المادى والأدبى لمواجهة الغزو الأوربى وما أحدثته هذه الحركة من ردود فعل متباينة بين مؤيد لها ومساند وبين معارض لها ومناهض.

تولى السلطان عبد الحميد الحكم سنة (1293هـ= 1876م)، وقد بلغت أطماع الدول الغربية فى الدولة العثمانية أوجها، وأوشكت المشاكل والفتن الداخلية أن تقوض أركان الدولة من الداخل، وأهمها «جماعة تركيا الفتاة» التى كانت تنادى بالأخذ بالمبادئ الأوربية الغربية فىكل شىء، وحاولوا إخضاع السلطان لنفوذهم كما فعلوا مع سابقيه، إلا أنه رفض وسعى لإضعاف نفوذهم فى الدولة.

وكان انتشار تلك الأفكار فى الدولة العثمانية التى يدين سكانها بالإسلام يشكل خطرًا على وحدتها السياسية، وكان للسلطان «عبد الحميد» مفهوم خاص فى إدخال عناصر المدنية إلى بلاده، فهو لا يريد حضارة الغرب بمعنى الثقافة والتراث؛ لأنه كان يرى أن للشرق حضارته الإسلامية المتكاملة المتفوقة على الحضارة الغربية، إنما كان يريد اقتباس ما لديهم من علوم حديثة وليس مرة واحدة، ولكن بالتدريج.

وأدرك السلطان أنه أمام أخطاء داخلية وخارجية ورأى أن الإسلام هو القوة الوحيدة التى تمكنه من ذلك، وفى هذا يقول: إن الإسلام هو القوة الوحيدة التى تجعلنا أقوياء ونحن أمة حية قوية ولكن شرط أن نصدق فى ديننا العظيم.

وكان يرى أن الحروب الصليبية ضد الدولة العثمانية دائمة ومستمرة فلابد إذن من العمل بالإسلام على توحيد عناصر الدولة المتعددة من عرب وترك وأكراد وغيرهم فى جبهة واحدة حتى يمكن الصمود أمام الغرب، ويرى أن جبهة المسلمين فى الدولة العثمانية لا تكفى، ولكن لابد من امتداد تأثير الوحدة الإسلامية إلى كل مسلمى العالم فى «إفريقيا» و «آسيا» وغيرها.

وأيد فكرة الجامعة الإسلامية كثير من علماء الدولة العثمانية آنذاك، منهم:

الشيخ «عاطف الإسكليبى» (1876 – 1926م)، والشاعر «محمد عاكف أرصوى» (1873 – 1936م)، والشيخ «بديع الزمان سعيد النورسى» (1876 – 1960م).

وفى بلاد الشام نادى بها:

1 – الشيخ «أبو الهدى الصيادى» (1849 – 1909م).

2 – الشيخ «عبد الرحمن الكواكبى» (1854 – 1902م).

3 – «السيد «محمد رشيد رضا» (1865 – 1935م).

4 – «عبد القادر المغربى» (1867 – 1956م).

5 – «رفيق العظم» (1867 – 1925م).

6 – الأمير «شكيب أرسلان» (1869 – 1946م).

وفى مصر:

1 – جمال الدين الأفغانى (1839 – 1897م).

2 – محمد عبده (1849 – 1905م).

3 – مصطفى كامل (1874 – 1908م).

4 – محمد فريد (1868 – 1919م).

السلطان عبد الحميد والاتحاد والترقى

«الاتحاد والترقى» هو أول حزب سياسى فى الدولة العثمانية ظهر فى عام (1308هـ= 1890م)، وكان سريا مكونًا من خلايا طلبة الحربية، والطبية العسكرية، ويهدف إلى معارضة حكم «عبد الحميد» والتخلص منه، وتم اكتشاف هذا الجهاز فى سنة (1315هـ= 1897م)، فنفى عديد من أعضائه، وفرّ بعضهم إلى «باريس»، وأرسل السلطان «عبد الحميد» مدير الأمن العام الفريق أول «أحمد جلال الدين باشا»، إلى «باريس» لاستمالة أعضاء المعارضة من الاتحاديين، فنجح فى استمالة أكثرهم ومنحهم «عبد الحميد» مناصب كبيرة فى الدولة، إلا أن المعارضين وعلى رأسهم «أحمد رضا بك» ظلوا على معارضتهم.

وفى المدة من (27 من شوال – 1 من ذى القعدة 1319هـ= 4 – 9 فبراير 1902م) عقد فى «باريس» مؤتمر للأحرار العثمانيين، حضرته كل العناصر المعارضة لحكم «عبد الحميد»، وعلى رأسهم أعضاء «الاتحاد والترقى»، وكان من ضمن قرارات هذا المؤتمر تقسيم الدولة العثمانية إلى حكومات مستقلة استقلالا ذاتيا على أساس عرقى قومى، وظهر المعارضون لهذا الرأى ومنهم «أحمد رضا بك» نفسه، إلا أن الأغلبية كانت لها قوتها فى تأييد هذا القرار.

وطالب المؤتمرون من الدول الأوربية التدخل لإنهاء حكم السلطان «عبد الحميد» وإقصائه عن العرش. وفى داخل البلاد العثمانية وخصوصًا فى «سلانيك» و «مناستر»، افتتح الاتحاد والترقى فروعًا له، التحق بها الضباط الشبَّان من رتبتى «ملازم» و «يوزباشى»، ثم بدأ دخول الضباط من الرتب الكبيرة، حتى إنه يتردد أن كل ضباط الجيش العثمانى الثالث (فى «البلقان») كانوا فى عام (1326هـ= 1908م) منضمين إلى «الاتحاد والترقى»، وكان منهم أركان حرب «قول أغاسى مصطفى كمال أفندى» (أتاتورك فيما بعد)، إلا أنه انسحب فيما بعد من «الاتحاد والترقى».

وفى مذكرة لجمعية «الاتحاد والترقى» إلى قناصل الدول الأجنبية فى الدولة العثمانية، طالبت الجمعية بتدخل دول هؤلاء القناصل لإنهاء حكم «عبد الحميد»، وتحالفت الجمعية مع الثوار البلقانيين ضد السلطان.

اعتقد الاتحاديون أنهم بإزالة «عبد الحميد» يستطيعون تقريب العناصر المختلفة فى الدولة، وأن دول «أوربا» ستكف عن مضايقاتها للدولة العثمانية، وتصور الاتحاديون أن هذه الدول الأوربية ستتعهد بحماية الدولة العثمانية إذا انتهى حكم «عبد الحميد» الفردى غير المشروط (غير الديمقراطى)، والذى حدث أنه عقب المشروطية فقدت الدولة العثمانية «البوسنة والهرسك» مما أصاب الاتحاديين بالهلع.

وفى (23 من جمادى الأولى 1326هـ= 23 يوليو 1908م) اضطر «عبد الحميد» اضطرارًا إلى إعلان المشروطية (الثانية)، وتولت جمعية «الاتحاد والترقى» الحكم، وأعلنت تمثلها لمبادئ الثورة الفرنسية «الحرية – العدالة – المساواة – الأخوة».

وفى (23 من رمضان 1326هـ= 15 من أكتوبر 1908م) استقلت عن الدولة العثمانية كل من «بلغاريا» و «كريت» التى أعلنت انضمامها لليونان فى (6أكتوبر)، واستقلت – كما ذكرنا – «البوسنة والهرسك».

وفى (21 من ربيع الأول 1327هـ= 13 من أبريل 1909م) دبر الجيش العثمانى حادثة عرفت باسم «حادث 31 مارس»، ثم نسبوها إلى «عبد الحميد» وقالوا إنه أراد ثورة العناصر الرجعية ضد جمعية «الاتحاد والترقى». واتخذ الجيش هذا ذريعة للتحرك لعزل السلطان «عبد الحميد الثانى»، وندبوا لإبلاغه بقرار العزل وفدًا مكونًا من أربعة أشخاص لم يكن منهم تركى ولا عربى واحد، وإنما كان على رأس الوفد يهودى والثلاثة الآخرون: أرمنى وألبانى وجرجى.

واليهودى هو «إيمانويل قراصو» الذى لعب فيما بعد دوره المشئوم فى الاحتلال الإيطالى لليبيا.

وتنازل السلطان «عبد الحميد» عن العرش لأخيه السلطان «محمد رشاد» فى (6 من ربيع الآخر 1327هـ= 27 من أبريل 1909م) وكانعلى السلطان «عبد الحميد» أن يركب هو وأسرته القطار إلى منفاه فى «سلانيك» (وهى مدينة يغلب عليها الطابع اليهودى)، وكان مقر منفى السلطان «عبد الحميد» فى هذه المدينة ذات الطابع اليهودى فى قصر يمتلكه يهودى يسمى «ألاتينى»، إمعانًا فى إذلال «عبد الحميد».

وفى (27 من ربيع الآخر 1336هـ= 10 فبراير 1918م) مات السلطان «عبد الحميد الثانى» ابن السلطان «عبد المجيد»، عن ستة وسبعين عامًا، واشترك فى تشييع جنازته كل شعب «إستانبول» تقريبًا.

لقد خدم السلطان «عبد الحميد» أمته ثلاثًا وثلاثين سنة، قدم خلالها خدمات جليلة، فحفظ الدولة بعد الحرب الروسية التركية من أن تفقد المزيد من أراضيها فى «أوربا»، وقام بإنشاء دار العلوم السياسية والجامعة بكل فروعها، ودور المعلمين والمعلمات، ومدارس اللغات ومدرسة الفنون النسوية، وافتتح متحف الآثار الشرقية، والمتحف العسكرى، ومكتبة بايزيد، ومدرسة الطب، وغيرها.

وفى مجال الإصلاحات العسكرية استقدم الخبراء الألمان لتدريب الجيش وفق الأساليب الحديثة، وأرسل البعثات العسكرية للخارج، وجهَّز الجيش بالأسلحة الحديثة.

ويذكر له فى مجال الإنشاءات والمواصلات، إنشاؤه الخط الحديدى الحجازى، وعددًا من الطرق فى «سوريا»، وتوسعه فى إنشاء خطوط البرق، وجرى فى عهده بناء دار الحكومة فى «دمشق»، والثكنة الحميدية (جامعة دمشق اليوم)، وإصلاح «الكعبة المشرفة»، وغيرها.

الدولة العثمانية نحو الانهيار

رأت السلطات العثمانية وعلى رأسها السلطان «وحيد الدين» أن مصلحتها بعد هزيمتها فى الحرب العالمية الأولى أن تتعاون مع الحلفاء وبخاصة «إنجلترا»، على اعتبار أن ذلك من شأنه أن ينقذ ما يمكن إنقاذه، فتم حل جمعية «الاتحاد والترقى» ومصادرة أملاكها، وحل البرلمان والحكم بمراسيم.

وكانت الدولة العثمانية قد استسلمت فى الحرب العالمية الأولى فى عهد السلطان «وحيد الدين» بعد أن تولى الخلافة بعدة شهور فقط،ونتج عن هزيمتها أن سيطر الحلفاء على «إستانبول» والمضائق، واحتلت «اليونان» الأقسام الغربية، وضاعت البلدان العربية من يديها، وأراد السلطان «وحيد الدين» أن ينقذ الدولة مما هى فيه، فوضع ثقته فى «مصطفى كمال» الذى لمع نجمه أثناء الحرب، لكنه بدأ يعمل لصالح نفسه.

وفى أثناء الحرب العالمية الأولى كان «مصطفى كمال» أنجح قادة الميدان العثمانيين، فقد تولى فى أواخر سنة (1332هـ= 1914م) قيادة القوات التركية التى وكل إليها حماية «الدردنيل»، وكانت قاعدتها الرئيسية «شبه جزيرة غاليبولى»، وبفضل شجاعته فشل الإنزال البريطانى بها لاحتلالها، وقد جعلته هذه المعركة التى أنقذت «الآستانة» من السقوط بطلا قوميا، فأنعم عليه بلقب «باشا».

ثم عقدت «هدنة مودانيا» فى (9 من صفر 1340هـ= 12 من أكتوبر 1921م)، اعترفت بمقتضاها حكومات الحلفاء بعودة السيادة التركية إلى «إستانبول» و «البوغازين»، و «تراقيا الشرقية»، وأجَّلت عودة الأتراك إلى هذه المناطق حتى توقع معاهدة الصلح.

وفى (ربيع أول 1341هـ= أول من نوفمبر سنة 1922م) أعلن المجلس الوطنى الكبير أن السلطنة قد زالت منذ أن احتل الإنجليز «إستانبول» قبل ذلك بسنتين، كما أن المجلس قرر أنه هو وحده الذى يختار الخليفة من بين أفراد أسرة «آل عثمان».

وفى (26 من ربيع الأول 1341هـ= 17 من نوفمبر 1922م) أجبر السلطان «وحيد الدين» على ترك منصب السلطنة، وترك عاصمة الخلافة إلى «مالطة» حيث أقلته بارجة حربية إنجليزية كانت راسية بالميناء تنتظر ذلك، ونودى بالأمير «عبد المجيد بن عبد العزيز» ابن عم «وحيد الدين» خليفة للمسلمين بعد موافقة المجلس الوطنى الكبير.

وفى (10 من ذى الحجة 1341هـ= 24 من يوليو سنة 1923م) جرى التوقيع على «معاهدة لوزان»، التى نصت على عودة السيادة التركية على ما يقرب من كل الأراضى التى تشتمل عليها تركيا الآن، وألغيت الامتيازات الأجنبية، ونتيجة لما توصل إليه فى «معاهدةلوزان» أحرز «مصطفى كمال» هيبة وسلطة كانتا لازمتين لإتمام تشكيل الدولة الجديدة، فلما انسحبت قوات الحلفاء دخلتها القوات التركية فى (23 من صفر 1342هـ= 6 من أكتوبر 1923م)،وبعد ذلك بأسبوع أصدر المجلس الوطنى الكبير قانونًا جديدًا نص على جعل «أنقرة» العاصمة الرسمية للدولة التركية بدلا من «إستانبول» التى تحمل ذكريات الخلافة والسلطنة، ثم أقر المجلس قانونًا جديدًا فى (18 من ربيع أول 1342هـ= 29 من أكتوبر 1923م) نص على كون «تركيا» جمهورية تستمد كيانها من الشعب، وانتخب «مصطفى كمال» أول رئيس للجمهورية.

وفى (23 من رجب 1342هـ= 1 من مارس 1924م) دعا «مصطفى كمال» المجلس الوطنى إلى عقد جلسة وقدّم مرسومًا بطرد الخليفة، وإلغاء الخلافة، وفصل الدين عن الدولة، واستمر الجدل والنقاش حول هذه الخطوة فى المجلس عدة أيام، وفى صباح اليوم الثالث من شهر مارس أذيع نبأ إلغاء الخلافة وفصل الدين عن الدولة، وأمر فى الوقت نفسه السلطان «عبد المجيد» بمغادرة البلاد إلى «سويسرا».

وما إن تم القضاء على الخلافة حتى جرت سلسلة من التغييرات التى استهدفت فصل الدين عن الدولة، فألغيت وزارة الأوقاف وصودرت ممتلكاتها، وألغيت وظيفة شيخ الإسلام، ونقل الإشراف على المدارس الدينية إلى إدارة التعليم المدنى التى أصبحت مسئولة عن التعليم العام، ثم ألغيت المحاكم الشرعية التى انتقلت اختصاصاتها إلى المحاكم المدنية، كما ألغيت الكتابة بالحروف العربية، واستبدلت بها الحروف اللاتينية.

وفى سنة (1353هـ= 1934م) أعطيت المرأة التركية حق الانتخاب والترشيح للمجالس النيابية، وألغيت الألقاب العربية، وفرض على الأتراك استعمال ألقاب أسرية على النمط الغربى، وقد استهل «مصطفى كمال» هذا الإجراء بأن أطلق على نفسه لقب «أتاتورك» بمعنى «أبو الترك»، وجعلت العطلة الرسمية الأسبوعية يوم الأحد بدلا من يوم الجمعة، وفرض على الأتراك ارتداء القبعة والملابس الأوربية.

السابق
الاستعمار الأوربى فى الوطن العربى حتى الحرب العالمية الأولى
التالي
بعض الجوانب الحضارية فى الدولة العثمانية