المسلمون في أفريقيا جنوبي الصحراء

الطرق التى سلكها الإسلام إلى قارة إفريقيا

– الطرق التى سلكها الإسلام إلى قارة إفريقيا (جنوب الصحراء) كثيرة ومتعددة، منها:

طرق القوافل التجارية التى تربط بين شمالى القارة وبلاد السودان الغربى والأوسط (غرب إفريقيا)، ومنها الطريق الذى يبدأ من جنوبى «تونس» ويتجه إلى «بلاد الكانم والبرنو» فى حوض بحيرة «تشاد»، والطريق الذى يبدأ من جنوبى «الجزائر» ويتجه إلى «بلاد الهوسا» فى شمال «نيجيريا»، والطريق الذى يبدأ من جنوبى «مراكش» ويصل إلى مصب «نهر السنغال» ومنحنى «نهر النيجر» و «نيجيريا» و «تشاد».

وطريق بحرى يسير عبر مياه «البحر الأحمر» و «خليج عدن» و «المحيط الهندى»، ويربط هذا الطريق بين «شبه الجزيرة العربية» وشرق إفريقيا، ومنه دخل الإسلام إلى شرق القارة وخاصة إلى «إريتريا» و «الصومال» و «الحبشة» و «زنجبار» وساحل شرقى إفريقيا حتى مدينة «سوفالة» جنوب «نهر الزمبيزى» فى «موزمبيق».

وطريق وادى النيل وطريق درب الأربعين اللذان تدفق منهما الإسلام إلى «بلاد البجة» و «بلاد النوبة» وإلى «دار فور» وبقية «بلاد السودان الشرقى»، وهو «سودان وادى النيل» الذى يعرف الآن بجمهورية السودان.

ويلاحظ أن معظم هذه الطرق طرق تجارية، ولم تستخدم كمعابر للجيوش إلا فى القليل النادر، مما يؤكد سمة الطابع السلمى لانتشار الإسلام فى قارة إفريقيا. ومما يؤكد ذلك أيضًا أن أهل القارة أنفسهم سواء أكانوا من البربر أم من الزنج والسودان هم الذين قاموا بنشر الإسلام؛ بعد أن وصلت الدعوة إلى بلدانهم وإلى ما وراءها من بلدان، ولم تكن حركات الفتح والجهاد التى حفل بها تاريخ الإسلام فى القارة خلال بعض الفترات لاسيما فى عصر الخلفاء الراشدين والأمويين من بعدهم ذات أثر كبير فى نشر الإسلام؛ إذ لم يكن هدفها نشر هذا الدين بقوة السلاح كما يدعى كثير من المستشرقين وأعداء الإسلام، وإنما كان هدفها هو إزاحة العقبةالتى كانت تحول دون وصول الإسلام بالحكمة والموعظة إلى أهل إفريقيا، وكانت هذه العقبة تتمثل فى جيوش الاحتلال البيزنطى، التى كانت تحتل «مصر» والساحل الشمالى لإفريقيا كله قبل فتح الإسلام لهذه البلاد.

وبعد أن أنقذ المسلمون أهالى القارة من هذا الاحتلال البغيض، أصبح الطريق مفتوحًا أمام الدعوة، ومن ثم تلقفها الأفارقة بشغف وحب شديدين، واتخذت الدعوة إلى هؤلاء الأفارقة أشكالا متعددة وعلى يد أناس مختلفى الصفات والاتجاهات، منهم الدعاة الذين وهبوا حياتهم لهذا العمل العظيم، ومنهم التجار الذين جمعوا بين الدعوة والتجارة، ومنهم الحجاج الذين تأثروا بمظاهر الأخوة الإسلامية فى موسم الحج وأثَّروا فى إخوانهم وأهاليهم بعد أن عادوا من الحج مشحونين بشحنة دينية عميقة. ومنهم المهاجرون الذين أتوا فى هجرات عديدة شملت العرب وغيرهم، وحملوا معهم الإسلام والثقافة الإسلامية، ومنهم الصوفية الذين اخترقوا أعماق القارة ووصلوا إلى النجوع والكفور والقرى والغابات، وسوف نفصل الحديث عن هذه الوسائل التى انتشر الإسلام بها فى القارة الإفريقية (جنوب الصحراء):

1 – الدعاة:

ويقصد بالدعاة الأفراد المسلمون الذين تلقوا قدرًا من العلوم الدينية، وعلى رأسهم الفقهاء والعلماء والمشايخ والقراء والقضاة، وكان هؤلاء يسمون فى مختلف أنحاء القارة بأسماء مختلفة، مثل المرابط، وألفا، والمعلم، والفقيه، والشيخ، وسيدنا، ومولانا. وكانوا يحظون بنصيب كبير من الاحترام والتقدير، وكانت كل قرية فى إفريقيا تقيم دارًا لاستقبالهم واستضافتهم، وكان الحكام والملوك الأفارقة سواء أكانوا مسلمين أم وثنيين يعاملونهم باحترام كبير، وكانوا يتخذون منهم مستشارين ووزراء يصرِّفون لهم أمور الدولة، مثلما كان الحال فى دولة «غانة» الوثنية، كما يقول «البكرى» الذى عاش فى القرن العاشر الميلادى. وكان هؤلاء الدعاة ينشئون الكتاتيب لتعليم الأطفالالوثنيين القراءة والكتابة وبعض العلوم الأخرى، ومن ثم يصبح هؤلاء الأطفال بذرة إسلامية داخل الأسر الوثنية، وكذلك كان الدعاة ينشئون المدارس التى كانت تعد مركزًا مهما لنشر الإسلام وثقافته، وكذلك المساجد والزوايا والأربطة والخلاوى التى كان يلتقى فيها الأفارقة بالدعاة ويتلقون عنهم العلوم الدينية؛ حيث يخرجون دعاة للإسلام بين أهليهم وأقاربهم من الوثنيين.

ولذلك انتشر الإسلام بين الأفارقة، خاصة بعد أن اعتنقه بعض ملوكهم الذين كانوا يتحولون تلقائيا إلى دعاة للإسلام فى بلادهم. ومن هؤلاء ملك «مالى» وملك «التكرور» وملك «سلى»، فقد نشر هؤلاء الإسلام بين شعوبهم من التكرور والسونتك والماندنجو وغيرهم من شعوب غرب القارة. وخرج من هذه الشعوب دعاة تخصصوا فى الدعوة إلى الإسلام حتى أصبحت كلمة تكرورى أوسوننكى تعنى داعية للإسلام عند شعوب هذه المنطقة.

ومن أهم الدعاة الذين نشروا الإسلام بين البربر فى «الصحراء الكبرى» والتكرور فى «السنغال» والسوننك فى «غانة»، الشيخ «عبدالله بن ياسين الجزولى» المتوفَّى عام (451هـ = 1059م)، والذى قامت على يديه «دولة المرابطين» الكبرى قبل ذلك ببضع سنين.

وهناك داعية آخر قام بنشاط كبير فى حوض «نهر النيجر الأعلى» هو «أبو القاسم على بن يخلف»، الذى أسلم على يديه ملك مالى الذى اتخذ لقب المسلمانى (أى الذى أسلم)، بعد إسلامه فى القرن الحادى عشر للميلاد، وفى بلاد «الهوسا» نجد داعية إسلاميا كبيرًا هو الشيخ «محمد عبدالكريم المغيلى» المتوفَّى عام (909هـ = 1503م) الذى نشر الإسلام فى بلاد «الهوسا»، ثم أتى بعده بعدة قرون داعية كبير من شعب الفولانى هو الشيخ «عثمان بن فودى» الذى أتم حركة نشر الإسلام فى هذه البلاد، وخاصة «نيجيريا» و «الكاميرون».

وإذا اتجهنا شرقًا ووصلنا إلى بلاد حوض «بحيرة تشاد» حيث «دولة الكانم والبرنو» نجد داعية إسلاميا عظيمًا هو الشيخ «محمد بنمانى» الذى أسلم على يديه ملوك هذه البلاد فى القرن الحادى عشر للميلاد.

وكذلك دخل الإسلام كثير من النوبيين وأهالى «السودان النيلى» و «دارفور» على يد دعاة وفدوا من «مصر» و «اليمن» و «الحجاز» من أمثال «غلام الله بن عائذ اليمنى»، و «حمد أبى دنانة» من «الحجاز»، والشيخ «محمد القناوى الأزهرى» من «مصر»، وتلقف الدعوة وأذاعها سودانيون من أمثال الشيخ «محمود العركى» والشيخ «صغيرون محمد بن سرحان العدوى» وغيرهم.

ووفد على منطقة القرن الإفريقى وساحل شرقى إفريقيا عدد كبير من الدعاة، من أمثال «ود بن هشام المخزومى» الذى أقبل إلى بلاد «الحبشة» فى عهد «عمر بن الخطاب» – رضى الله عنه – وأنشأ أحفاده دولة إسلامية فى «إقليم شوا» وسط هضبة الحبشة، كذلك وفد دعاة من «بنى عبدالدار» أو من «بنى عقيل بن أبى طالب» إلى بلاد «الزيلع» و «الصومال» و «إريتريا» وأنشأ أحفادهم سلطنة إسلامية أخرى فى هذه البلاد تسمى «سلطنة أوفات الإسلامية».

وهكذا كان للدعاة فضل كبير فى نشر الإسلام وثقافته، وفى إقامة سلطنات إسلامية فى كثير من نواحى القارة، كما سنرى ذلك فى حينه بالتفصيل فى هذا الجزء من السلسلة.

2 – التجار

كان للتجار الدور الأول فى نشر الإسلام فى القارة بعد الدعاة، ويظهر ذلك من قول السير «توماس أرنولد» فى كتابه «الدعوة إلى الإسلام» إن التجارة والدعوة إلى الإسلام مرتبطان كل الارتباط.

وقد تدفق الإسلام عبر الطرق التجارية الموصلة بين مختلف أنحاء القارة، والتى أشرنا إليها من قبل، إلى حوض نهرى «السنغال» و «النيجر» ومنطقة حوض «بحيرة تشاد»، وكذلك إلى «الصومال» و «بلاد النوبة» و «السودان» و «الحبشة»، و «ساحل شرق إفريقيا».

وقد قام العرب والبربر بدور كبير فى هذا النشاط التجارى، وأصبحت مدن الشمال الإفريقى مراكز للتجارة بجانب كونها مراكز للعلم والثقافة، ووصلت إليها السلع الإفريقية، واتجه تجار العرب والبربرواخترقوا الصحراء الكبرى ووصلوا إلى بلدان إفريقيا جنوب الصحراء، وكان لذلك أثره الكبير فى نشر الإسلام الذى أقبل مع قوافل التجار، وازداد انتشاره بعد أن انتقل معظم النشاط التجارى إلى أيدى السودان والزنوج أنفسهم من تجار «الفولانى» و «التكرور» و «الهوسا» و «الكانمية» والصوماليين وغيرهم من الأفارقة الذين اتخذوا التجارة حرفة رئيسية، وصار هؤلاء التجار الأفارقة دعاة للإسلام، وقلدوا المغاربة فى إقامة بعض الأسواق فى مدن معينة فى أيام معلومة.

وكان هؤلاء التجار سواء كانوا من العرب أو البربر أو السودان ينزلون فى هذه الأسواق أو فى المراكز التجارية ويحتكون بالزنوج ويؤثرون فيهم بنظافتهم وأمانتهم وسلوكهم الشخصى القائم على قيم الإسلام وتقاليده السامية، وغالبًا ما ينتهى هذا الاحتكاك بدخول كثير من هؤلاء الزنوج فى الإسلام الذى كان يتركز أولا فى المدن التى ينشط فيها التجار بوجه خاص، وكانوا إذا ما استقر بهم المقام فى إحدى هذه المدن ينشئون كتاتيب أو مدارس لتعليم الإسلام وتحفيظ القرآن الكريم ويبنون المساجد التى كانت مقرا للدعوة إلى الإسلام، وقاموا فى الوقت نفسه بمزاولة نشاطهم التجارى، وكانوا أثناء الليل يحولون دكاكينهم إلى مكان يتلقى فيه الأطفال الوثنيون مبادئ القراءة والكتابة على ضوء النيران، مما حببهم إلى الأهالى الذين وثقوا بهم، مما فتح الباب أمام الإسلام كى ينتشر بينهم.

وكذلك وثق بهم رجال الطبقة الأرستقراطية من الملوك والأمراء ومشايخ القبائل؛ حيث كان التجار المسلمون يُستقبلون فى بلاط هؤلاء الملوك الوثنيين بترحاب شديد؛ لسمو أخلاقهم وكريم خصالهم وخبرتهم بالسياسة وشئون الإدارة والمال، ونظرًا لأنهم كانوا يجلبون لهذه الطبقة ما كانت تحتاج إليه من سلع فاخرة، ومن ثم أضفى هؤلاء الملوك حمايتهم على هؤلاء التجار، فنعموا بالأمان والاستقرار وازداد نشاطهم بين أفراد هذه الطبقة، التى سرعان ما تحولت إلىالإسلام فى عدد كبير من البلدان. ومن أهم المراكز التجارية التى أنشأها العرب أو أهالى البلاد المحليون واتخذوا منها مراكز للتجارة والدعوة: مدينة «أودغشت» فى «موريتانيا» الحالية، ومدينة «تمبكت» التى بناها المرابطون من المغاربة على ضفة نهر «النيجر» أواخر القرن الخامس الهجرى، كذلك كانت مدن: «كانو»، و «مالى»، و «جاد»، و «نجيمى» فى غرب القارة مراكز للدعوة والتجارة. وكانت مدينة «عيذاب» التى تقع على ساحل «البحر الأحمر»، ومدينة «قوص» التى تقع على «نهر النيل» فى صعيد «مصر» مراكز انطلق منها تجار الكارم إلى «الحبشة» وشرق إفريقيا، كما انطلقوا من موانى: «سواكن» و «باضع» (مصوع) و «زيلع» و «بربرة» و «مقديشيو» و «ممبسة» و «مالندى» و «كلوة» و «سوفالة»، وكلها موانئ تقع على الساحل الغربى للبحر الأحمر وعلى الساحل الشرقى لإفريقيا، ونشط التجار فى هذه المراكز التجارية كلها ووصل نشاطهم إلى أعماق القارة فى بلاد «أوغندا» و «الكونغو»، وأسلم على أيديهم أعداد كبيرة من الأفارقة.

وكانت قوافل الجمال التى تحمل تجارة القارة لاتستطيع العودة من هذه المناطق الداخلية إلى المناطق الساحلية فى موسم الأمطار، فكان التجار ينتظرون الشهر أو الشهور يتاجرون ويحتكون بالأهالى؛ مما كان يؤدى إلى إسلام الكثير منهم، ثم يعودون من حيث أتوا حينما تتحسن الأحوال الجوية، هذا فى الوقت الذى أصبح التجار المحليون المقيمون دائمًا فى بلدان القارة عُمُدًا للدعوة الإسلامية.

3 – الحجاج

نتيجة للنشاط التجارى الواسع الذى أشرنا إليه والذى ساد شمال القارة، ووسطها وغربها وشرقها وما نتج عنه من انتشار الإسلام والثقافة الإسلامية؛ نشطت قوافل الحج التى كانت فى الوقت نفسه قوافل للتجارة التى كان يمارسها الحجاج على طول طريقهم إلى الأراضى المقدسة، وقوافل لتحصيل العلم عن طريق الالتقاء بعلماء البلدان التى يمرون بها، فكانت تخرج من غرب القارة قوافل عديدةعلى رأسها ملوك هذه البلدان، الذين كانوا يحرصون على أداء هذه الفريضة رغم ما كانوا يتكبدونه من مشاق ومتاعب، نظرًا لطول الطريق ومخاطره ووعورته، لكنهم كانوا يخرجون فى رحلة قد تستغرق عامًا أو عامين ويلتقون فى موسم الحج بإخوانهم المسلمين على اختلاف بلادهم وألسنتهم وألوانهم، فيشعرون جميعًا بالأخوة الإسلامية، ويشعر الإفريقى بانتمائه إلى عالم إسلامى واسع، وبأخوته لمسلمى ذلك العالم، فتتحطم الحواجز العرقية والقبلية واللغوية والاجتماعية، ويصبح الجميع شعبًا واحدًا يتكلمون بعبارات واحدة، ويتجهون إلى قبلة واحدة، ومن ثم أصبح خروج المسلمين من غرب إفريقيا ووسطها وشرقها جماعات وفرادى إلى الحج، واتصالهم بالشعوب الإسلامية المختلفة فى بلاد الحجاز أو أثناء رحلة الذهاب والعودة تأكيدًا لروح الأخوة الإسلامية التى فرضها الإسلام، فيعود هؤلاء الأفارقة ممتلئين بالحماسة لنشر هذا الدين، وَوَقْف جهودهم على إعلاء شأنه فى بلادهم وما جاورهم من البلاد الوثنية، خاصة أن هؤلاء الحجاج كانوا يعودون محملين بالكتب الدينية التى تزيد من علم الأفارقة وثقافتهم كما كانوا يعودون أحيانًا مصحوبين ببعض الدعاة والفقهاء والتجار من غير الأفارقة، مما كان له أثره فى نشر الإسلام، لاسيما وأنهم كانوا يقومون بإنشاء المدارس لتعليم اللغة العربية وتحفيظ القرآن الكريم ونشر الإسلام بين الوثنيين، ونشر عقائده الصحيحة بين المسلمين الأفارقة.

وكان المسلمون الجدد من هؤلاء الأفارقة يرون ارتفاع المكانة الاجتماعية لإخوانهم وأقربائهم من الذين أدوا هذه الفريضة، فيقدمون هم الآخرون عليها، ولذلك تعددت قوافل الحج التى كانت تخرج من هذه البلدان، والتى كانت تضم آلافًا مؤلفة وعلى رأسها الملوك والحكام فى أحيان كثيرة.

ومن أشهر الملوك الذين أدوا هذه الفريضة من حكام إفريقيا «منسا موسى» سلطان «مالى الإسلامية»، الذى خرج إلى الحج من هذاالمكان النائى فى غرب القارة على رأس موكب كبير تحدث عنه المؤرخون، وذلك فى عام (723هـ = 1323م) إذ كان موكبه يضم أكثر من عشرة آلاف حاج، وكان يحمل معه كميات كبيرة من الذهب الخام، أهدى منه إلى سلطان «مصر» وأمرائها وموظفيها، كما أفاض منه على فقراء «مكة» و «المدينة»، ومَنَحَ عن سعة حتى قيل إن قيمة الذهب انخفضت فى «مصر» انخفاضًا ملحوظًا لكثرة ما أنفقه فيها.

كذلك تحدثنا المصادر بأن ملوك «سلطنة صنغى الإسلامية» التى خلفت سلطنة «مالى» فى غرب إفريقيا قاموا بأداء هذه الفريضة، ومن أشهرهم السلطان «أسكيا محمد الأول» فى عام (495هـ = 1101م)، وقد أدى بعض سلاطين «الكانم» و «البرنو» الذين كانت دولتهم تقوم حول «بحيرة تشاد» الحج ثلاث مرات، وبعضهم تُوفِّى أثناء الذهاب أو العودة ودفن فى «مصر». وكان حكام بلاد «السودان النيلى»، و «الصومال» و «الحبشة» وشرق إفريقيا بصفة عامة يؤدون هذه الفريضة فى سهولة ويسر، نظرًا لقربهم من بلاد «الحجاز»، وكانوا يحرصون على ذكر لقب الحاج قبل أسمائهم مثلما كان يفعل إخوانهم فى شمال إفريقيا وغربها، حتى السلاطين أنفسهم؛ مما يدل على أهمية هذه الشعيرة لديهم، وعلى أن تأثيرها فى نفوسهم كان قويا، ولذلك كانوا يعودون من هذه الرحلة ممتلئين حماسة للإسلام ولنشره بين من لم يعتنقه من الوثنيين فى بلادهم وقراهم.

4 – الهجرات

كان لتحركات القبائل وهجراتها سواء أكانت عربية أم بربرية أم سودانية وزنجية دور كبير فى نشر الإسلام وثقافته، واللغة العربية وثقافتها فى القارة الإفريقية.

ومن أهم هذه الهجرات هجرات العرب إلى بلدان القارة المختلفة، وكانت «مصر» هى القاعدة والمنطلق الذى انطلقت منه هذه الهجرات العربية غربًا إلى شمال إفريقيا، وبلاد «النوبة» و «السودان»، فقد هاجرت جماعات عربية من «ربيعة» و «جهينة» و «بلى» إلى «أرض البجة» منذ منتصف القرن السابع للميلاد، ونجحوا فى نشر الإسلامبين الأهالى، ودفعت شهرة «وادى العلاقى» الذى يقع فى الصحراء الشرقية بين «أسوان» و «البحر الأحمر» بالذهب والزمرد إلى جذب جماعات كبيرة من «ربيعة» و «جهينة» منذ عام (238هـ = 852م) إلى هذه المنطقة، حيث استقر العرب هناك وتزاوجوا مع «البجة» وأقاموا إمارة عربية مدت نفوذها إلى «أسوان» وشمال «بلاد النوبة»؛ حيث صاهروا حكام مملكة «مَقُرة» النوبية المسيحية، ونتج عن ذلك انتقال الحكم إلى هؤلاء العرب من الذين عرفوا باسم «بنى كنز» نسبة إلى لقب كان قد أطلقه أحد الخلفاء الفاطميين فى «مصر» على أحد أمرائهم نظير مساعدته لهذا الخليفة فى القضاء على أحد الثائرين والخارجين على دولته فى صعيد «مصر». وتطورت أحوال «بنى كنز» هؤلاء حتى استطاعوا أن يقيموا دولة «بنى كنز» العربية فى «بلاد النوبة» واتخذوا «دنقلة» عاصمة لهم منذ عام (723هـ = 1323م).

وبقيام هذه الدولة انفتح باب الهجرة العربية على مصراعيه، فهاجرت قبائل عربية كثيرة إلى وسط «السودان»، وأقاموا بين نهرى «النيل الأبيض» و «الأزرق»، وتحالفوا مع قبائل سودانية تسمى «الفونج»، واستطاعوا أن ينشئوا معًا دولة إسلامية أخرى هى دولة «الفونج» التى كانت عاصمتها «سنار»، وذلك عام (911هـ = 1505م).

كذلك هاجرت قبائل عربية كثيرة من «مصر» إلى مملكة «دارفور» الوثنية منذ القرن الحادى عشر للميلاد، ووفدت إلى هذه المملكة هجرات عربية أخرى من «تونس» و «شمال إفريقيا»، واختلط هؤلاء المهاجرون بالأهالى وصاهروا ملوك «دارفور»، ونتج عن هذه المصاهرة انتقال الحكم إليهم، فأصبحت «دارفور» سلطنة عربية إسلامية منذ عام (849هـ = 1445م).

كذلك تواصلت الهجرات العربية إلى بلاد «الزيلع» و «الحبشة»، وهى المنطقة التى تعرف الآن باسم منطقة القرن الإفريقى. ومنها هجرة «ود بن هشام المخزومى» فى عصر «عمر بن الخطاب» – رضى الله عنه – وقد تبع ذلك هجرات عربية استقرت على طول ساحل هذهالمنطقة، وأقامت فى المدن الساحلية التجارية، مثل «سواكن» و «باضع» (مصوع) و «زيلع» و «بربرة»، وانطلقت إلى الداخل وسكنت مع الأهالى واشتغلت بالتجارة والزراعة والرعى، وازداد عددها حينًا بعد حين حتى تمكنت من إقامة سلطنات إسلامية، مثل «سلطنة شوا» و «سلطنة أوفات» و «سلطنة عدل» الإسلامية.

وقد ازدادت هجرات العرب على ساحل شرق إفريقيا وأنشئوا مراكز تجارية بطول هذا الساحل، حتى قال بعض المؤرخين إنهم أنشئوا ستا وثلاثين مدينة، بدءًا من «مقديشيو» فى «الصومال» وحتى «سوفالة» جنوب نهر «الزمبيزى» فى «موزمبيق».

ومن أشهر هذه الهجرات هجرة «سليمان» و «سعيد» ابنى «عباد بن عبد بن الجلندى»، وكانا ملكين فى «عُمان»، واضطرتهما ظروف القتال مع «الحجاج بن يوسف الثقفى»، الذى أراد أن يفرض نفوذه على «عمان» بالقوة المسلحة، إلى ترك وطنهما والاتجاه فى سفن إلى ساحل شرق إفريقيا؛ حيث وصلا ومن معهما من رجال وجند وأهالى إلى جزر «أرخبيل لامو» التى تقع فى دولة «كينيا» الآن، وذلك فى الفترة (75 – 85هـ = 694 – 704م)، واستقروا هناك وأنشئوا إمارة صغيرة كان لها أثرها فى نشر الإسلام بين الأهالى الموجودين فى تلك المنطقة.

كذلك هاجر بعض الشيعة الزيدية إثر مقتل إمامهم «زيد بن على زين العابدين بن الحسين بن على بن أبى طالب» – رضى الله عنهم أجمعين – فى عام (122هـ= 741م) على يد الخليفة الأموى «هشام بن عبدالملك»، فاضطر أتباعه بعد مقتله إلى الهجرة خوفًا من اضطهاد الحكام لهم، فوصلوا إلى ساحل «بنادر» بالصومال، وأقاموا هناك نحو مائتى عام أرسوا فيها قواعد الإسلام والثقافة الإسلامية بين الصوماليين.

ولم تلبث أن وفدت هجرة أخرى إلى هذا المكان نفسه تعرف باسم هجرة الإخوة السبعة، جاءت من «الأحساء» فى عام (292هـ = 904م) ووصلت إلى ساحل «بنادر» بالصومال، بعد أن ضاق بهم المقام فى منطقة الخليج؛ نتيجة لصراعات سياسية ومذهبية، وكان هؤلاء الإخوةمن قبيلة «الحارث» العربية، ولما وصلوا إلى هذا الساحل استطاعوا أن يطردوا الزيدية إلى الداخل. وأن ينشئوا مدينة «مقديشيو» فى عام (295هـ= 907م) ويتخذوها عاصمة لدولتهم التى أقاموها هناك، والتى كانت تعرف باسم «سلطنة مقديشيو الإسلامية». وبذلك ظهر إلى الوجود مركز إسلامى كبير كان له أثره القوى فى نشر الإسلام لا بين الصوماليين فحسب، بل بين كثير من سكان شرق إفريقيا كله.

وقد أعقب تلك الهجرة هجرة شيرازية فارسية أتت من «شيراز» بإيران، كان على رأسها أمير يدعى «على بن حسن بن على الشيرازى»، وذلك فى عام (365هـ = 975م) نتيجة خلافات وقعت بينه وبين إخوته فى «شيراز»، اضطرته إلى الهجرة هو وأتباعه ورجاله فى سبع سفن ضخمة إلى شرق إفريقيا؛ حيث استقر بهم المقام فى جزيرة «كلوة» التى تتبع دولة «تنزانيا» الآن، واستطاع أن يؤسس سلطنة إسلامية تسمى «كلوة»، ظل يحكمها هو وأحفاده نحو قرنين من الزمان حتى أتت هجرة عربية أخرى من «اليمن» من «بنى الحسن بن طالوت المهدلى»، وحكمت هذه السلطنة، ومن ثم تغلبت الصبغة العربية فيها على الصبغة الشيرازية الفارسية واستمرت هذه السلطنة قائمة حتى جاء البرتغاليون وتغلبوا عليها فى عام (911هـ = 1505م).

ونتيجة لهذه الهجرات العربية المتتابعة انتشر الإسلام واللغة العربية بين السكان المحليين فى منطقة «القرن الإفريقى»، وفى منطقة الساحل الشرقى لإفريقيا، وكذلك فى الجزر المواجهة لهذا الساحل، مثل «جزيرة زنجبار»، و «جزر القمر»، و «جزيرة مدغشقر» (مالاجاش الآن) وغيرها من الجزر، وتكوَّن عالم إسلامى واضح المعالم والقسمات، نشأت فيه دول وسلطنات إسلامية ظلت موجودة حتى اصطدمت بالبرتغاليين والأحباش، ثم بالاستعمار الأوروبى فى العصر الحديث.

كذلك خرجت هجرات عربية من «مصر» فى اتجاه الغرب إلى بلاد المغرب العربى منذ عصر الفتوحات الإسلامية فى القرن الأول للهجرة،وظلت هذه الهجرات تتتابع حتى القرن الخامس للهجرة؛ حيث نزح من «مصر» إلى هناك «بنو هلال» و «بنو سليم»، ولاشك أن الحكم العربى الإسلامى لهذه البلاد بالإضافة إلى هذه الهجرات قد أديا فى النهاية إلى تعريب أهل البلاد الأصليين، فانتشرت بينهم اللغة العربية وأصبحت لسانهم، وغدت هذه البلاد بلدانًا عربية إسلامية، وقد انطلقت من هذه البلاد هجرات عربية لكنها كانت قليلة العدد قليلة الأفراد، اتجهت جنوبًا إلى الصحراء الكبرى ومنها إلى حوض «نهر السنغال» و «النيجر»، وحوض «بحيرة تشاد» مثل «بنى جذام» و «بنى حسان» و «بنى معقل» و «أولاد سليمان» و «جهينة» وغيرهم، واستقرت هذه القبائل هناك ولاتزال توجد إلى الآن بعض هذه القبائل التى تحتفظ بأصولها العربية، ولكن نظرًا لقلة هذه الهجرات وقلة عدد أفرادها فإنها لم تؤدِّ إلى انتشار اللغة العربية بين الأهالى هناك، وكانت لغة العلم والتعليم والتجارة والوثائق الرسمية للدولة فقط، ولما جاء الاستعمار الأوربى إلى هذه البلاد حارب هذه اللغة وحارب الإسلام بكل ما يستطيع من قوة، ولايزال يحاربه رغم الاستقلال.

وإذا كان العرب قد هاجروا إلى البلدان الإفريقية فى مختلف أنحاء القارة، وكان لهم أثرهم الكبير فى نشر الإسلام ولغته وثقافته، وكذلك فى إقامة سلطنات إسلامية، فقد كان لهجرات البربر أثر كبير أيضًا فى هذه الميادين، وخاصة «بربر صنهاجة»، الذين كانوا يسكنون الصحراء الكبرى، واستطاعوا نتيجة لجهود داعية عظيم أشرنا إليه وهو الشيخ «عبدالله بن ياسين الجزولى» أن يقيموا «دولة المرابطين» منذ عام (448هـ = 1056م)، وأن يضموا إليها «بلاد المغرب الأقصى» و «بلاد الأندلس»، ثم «مملكة غانة» الوثنية، وانطلق دعاتهم بين أهالى «غانة» و «السودان الغربى» ينشرون الإسلام، كذلك وفد كثير من قبائل البربر الأخرى إلى هذه البلاد مهاجرين إليها، واستقروا فيها وأنشئوا المدن والمراكز التجارية مثل مدينة«أودغشت» ومدينة «تمبكت» وغيرهما.

كما هاجرت قبائل من البربر منذ ما قبل الإسلام إلى حوض «بحيرة تشاد» وأقامت دولة تسمى «دولة الكانم والبرنو»، ولم يلبث ملوك هذه الدولة أن اعتنقوا الإسلام فى أواخر القرن الحادى عشر للميلاد، وظلوا يحكمون هذه البلاد وينشرون الإسلام فيها حتى القرن التاسع عشر.

كذلك كان لهجرات النوبيين والصوماليين والجلا والأعفار والزنوج أثر كبير فى نشر الإسلام فى منطقة «القرن الإفريقى»، وفى «ساحل شرق إفريقيا»، وكانت هذه الهجرات وراء توسع السلطنات الإسلامية التى قامت فى هذه المنطقة، وساعدتها فى رد عدوان الأحباش على المسلمين فى منطقة «القرن الإفريقى» وخاصة فى القرن السادس عشرالميلادى.

5 – الطرق الصوفية

ارتبط نشاط الدعوة إلى الإسلام لاسيما فى غرب إفريقيا وشرقها بانتشار الطرق الصوفية، وخاصة بين المشتغلين بالتجارة، وكانت هذه الطرق قد بزغ نجمها فى الأفق منذ أن تعرض العالم الإسلامى لخطر الإستعمار الأوروبى الحديث بدءًا من القرن السادس عشر الميلادى، واستطاعت الطرق الصوفية أن تُسهم إسهامًا كبيرًا فى الدعوة إلى مقاومة الاستعمار، وكذلك فى الدعوة إلى الوحدة الدينية، وفى نشر الإسلام بين من لم يعتنقه، ونتيجة لذلك جذبت هذه الطرق إليها كثيرًا من الشباب الأفارقة.

ففى شرق إفريقيا وبلاد «سودان وادى النيل» ظهرت «الطريقة الميرغنية» فى القرن التاسع عشر للميلاد والتى كان لها تأثيرها الكبير على الناس هناك، وكانت قد ظهرت قبلها بعدة قرون «الطريقة القادرية والشاذلية والرفاعية»، وانتشر أتباع هذه الطرق على طول الساحل الشرقى لإفريقيا، وفى الجزر المواجهة له وكذلك فى المناطق الداخلية.

وفى سنة (1253هـ = 1837م) ظهرت فى شمال إفريقيا الطريقة السنوسية على يد الفقيه الجزائرى «محمد بن على السنوسى»، الذى استطاع أن يقيم دولة دينية فى الأراضى الليبية، دون أن يريق قطرةدم واحدة، وتمكنت هذه الطريقة من خلال أتباعها وزواياها التى انتشرت فى إفريقيا جنوب الصحراء أن تنشر الإسلام بين العديد من القبائل الإفريقية الوثنية، مثل قبيلة «بيلى» التى كانت تسكن منطقة «إنيدى» شرق «بوركو» فى شمال «نيجيريا»، وعمّقت الإسلام بين جماعات «التِّدَا» فى شمال «بحيرة تشاد».

وكان للسنوسيين فضل كبير فى نشر الإسلام فى «واداى»، التى تقع شرق «بحيرة تشاد»، وبين قبائل «الجلا» فى «الحبشة»؛ حيث كانوا يشترون العبيد أو الأطفال ثم يحررونهم ويرسلونهم إلى مركز الطريقة الرئيسى فى «واحة جغبوب» فى الصحراء الكبرى بين «مصر» و «ليبيا»، فيتعلمون ثم يعودون إلى بلادهم دعاة للإسلام.

كذلك كان لأتباع «الطريقة القادرية» التى انتشرت فى شمال إفريقيا وغربها أثر كبير فى نشر الإسلام فى هذه البلاد، فقد اتخذ أتباعها من مدينة «ولاتة» بموريتانيا أول مركز لهم فى تلك البلاد منذ القرن الخامس عشر الميلادى ثم لجئوا إلى «تمبكت»، وانتشر أتباعهم ودعاتهم فى أنحاء «السودان الغربى»، وكذلك فى منطقة «القرن الإفريقى» وساحل «شرق إفريقيا»، ووصل أتباعها فى الداخل حتى «الكونغو»، وكان أتباع هذه الطريقة يقومون بتأسيس المدارس لتعليم الدين ونشر الإسلام، ويرسلون نوابغ الطلاب إلى مدارس «القيروان» و «تونس» و «فاس» و «الأزهر»، وغيرها، فإذا ما أتموا دراستهم عادوا إلى أوطانهم دعاة للإسلام.

ومن الطرق الأخرى التى انتشرت فى القارة «الطريقة التيجانية» التى أنشأها «أبو العباس أحمد بن محمد المختار بن سالم التيجانى» المتوفى عام (1231هـ = 1815م)، وقد قام أتباعه بنشر هذه الطريقة بين رجال القوافل والتجار، فانتشرت تعاليمها فى حوض «السنغال» وفى «تمبكت» وفى سائر أنحاء غرب إفريقيا، وظهرت هذه الطريقة أيضًا فى «السودان النيلى» وشرق إفريقيا على يد بعض التيجانية القادمين من غرب إفريقيا. وقد انخرط فى سلك هذه الطريقة عليةالقوم فى «الحبشة»، مثل سلطان «جمة» «أبى جفار»، و «الرأس على» نائب الإمبراطور الحبشى، وعمل هذان الرجلان على نشر الإسلام بين الوثنيين من الأحباش، ونجحا فى ذلك نجاحًا عظيمًا فتحول معظم سكان الولايات الوسطى والشمالية فى «الحبشة» إلى الإسلام.

6 – طبيعة الإسلام

ذلك أن الإسلام لم يُفرض كما رأينا على الشعوب الوثنية الإفريقية فرضًا، إنما حمله قوم من أهل إفريقيا نفسها، اتخذوا صفة التجار أو المعلمين أو الدعاة أو الصوفية، فليس غريبًا أن يلقى قبولا منهم، فهو فى نظرهم دين إفريقى غير دخيل، والدعوة إليه تتم بالطرق السلمية وليس بالغزو المسلح كما فعل الاستعمار الأوربى فى العصر الحديث.

كما أن الإسلام لم يستعبد هذه الشعوب، إنما أشعرها بالعزة والكرامة، فخلق منها دولا كبرى وقوى فيها النزعة إلى الحرية والاستقلال، ولم يقضِ على نظمها المحلية بل تواءم معها وخلق منها ومن تقاليده تقاليد إسلامية الطابع إفريقية الروح.

ومن ثم تقَبَّله الأفارقة، خاصة أن الإسلام لم يكن دينًا أخرويا فحسب، وإنما كان دينًا وحضارة تقوم على أساس تعمير الدنيا والفوز بالآخرة، ومن ثم لزم أن يَنشر الإسلام نور العلم والثقافة بين أتباعه ومعتنقيه، فارتبط الإسلام بالعلم والتعليم منذ البداية، وكان الإفريقى لا يكاد يسلم حتى يتعلم القراءة والكتابة ويرتفع قدره اجتماعيا كلما زادت ثقافته، ولذلك سمعنا عن عدد كبير من العلماء الأفارقة الذين ظهروا فى مختلف ميادين العلم والثقافة، ولم يكونوا فى ذلك أقل من إخوانهم علماء المغاربة أو المشارقة، زد على ذلك أن الإسلام لم يعترف بالتفرقة العنصرية، فهو لايعرف حواجز الطبقات أو العرق أو اللون، ولا يميز بين إنسان وآخر على أساس اللون أو الثروة، لأن معيار التفاضل فى الإسلام هو التقوى والعمل الصالح، ولذلك أقبل الأفارقة على اعتناقه، فوحَّد بينهم وقضى على عناصر الفرقةوالتشرذم، كما وحد بينهم لغويا؛ إذ انتشرت اللغة العربية بين كثير من شعوب القارة، وصارت هى أداة الفكر والعلم والمخاطبة، أما الشعوب التى احتفظت بلغاتها، فقد كانت العربية هى وسيلة العلم والتعامل كما كانت اللغة الرسمية، لأن اللغات الإفريقية لم تكن لغات مكتوبة.

وكما وحَّد الإسلام بينهم دينيا وحد بينهم سياسيا وقضى على التشرذم القبلى والنزاعات القبلية، وأنشأ دولا كبرى، بل إمبراطوريات عظمى مثل «إمبراطورية مالى»، التى ضمت معظم منطقة غرب إفريقيا بالكامل، وكانت مساحتها تفوق مساحة دول غرب أوربا مجتمعة، ليس هذا فحسب بل إن الإسلام جعل الإفريقى يشعر بانتمائه ليس إلى بلاده فقط بل إلى عالم إسلامى واسع، يستطيع أن ينتقل بين أرجائه سواء كان تاجرًا أو حاجا أو طالب علم، وفى كل مكان يجد هذا الإفريقى القوت والمأوى والمساعدة والاستقبال الودود، على أساس من أخوة الإسلام التى جمعت بين أفراد هذا العالم الإسلامى الواسع، الذى يمتد من الصين شرقًا حتى المحيط الأطلسى غربًا، ومن هنا اعتبر الأفارقة الإسلام دينًا إفريقيا قام بنشره بينهم قوم منهم، اتخذوا الدعوة أو التجارة أو التصوف وسيلة إلى ذلك، وطبقوا مبادئ الإسلام السمحة وأخلاقه الحميدة وقيمه السامية من إخاء ومساواة وتكافل وتعاون، ومن ثم انتشر الإسلام فى هذه البقاع الواسعة فى القارة، حتى إنه يمكن القول بأن قارة إفريقيا هى القارة المسلمة الوحيدة فى عالم اليوم، على اعتبار أن غالبية سكانها يعتنقون الإسلام. ويتبين ذلك بوضوح من خلال حديثنا عن السلطنات والممالك الإسلامية التى قامت بالقارة (جنوب الصحراء) فى العصور الوسطى.

السابق
الطابع الإسلامى والثقافة العربية فى غرب إفريقيا
التالي
سلطنة أوفات الإسلامية