عصر النبوة والخلافة الراشدة

العالم قبل الإسلام

بلاد العرب شبه جزيرة، تقع جنوبى غربى قارة آسيا، يحدها «البحر الأحمر» من الغرب، و «الخليج العربى» من الشرق، و «بحر العرب» و «المحيط الهندى» من الجنوب، وبادية «الشام» من الشمال، وتبلغ مساحتها أكثر من مليونى كيلو متر مربع، ويقسمها الجغرافيون إلى خمسة أقاليم رئيسية هى:

– إقليم تِهامَة: وهو شريط ساحلى يطل على البحر الأحمر، وسمى بتهامة لارتفاع درجة حرارته، وركود هوائه.

– إقليم الحجاز: ويقع شرقى «تهامة»، ويمتد من «الشام» شمالاً إلى «اليمن» جنوبًا، وتقع عليه سلسلة جبال «السراة»، وسُمِّى بالحجاز؛ لأنه يحجز بين «تهامة» فى الغرب و «نجد» فى الشرق. وتقع فى هذا الإقليم «مكة» المكرمة، و «المدينة» المنورة.

– إقليم نجد: ويقع شرقى «الحجاز» ويمتد من صحراء بادية «السماوة» شمالاً حتى قرب حدود «اليمن» جنوبًا، وسُمِّى «نجدًا»؛ لارتفاع أرضه.

– إقليم العروض: وهو الجزء الشرقى من شبه الجزيرة العربية، ويطل على «الخليج العربى».

– إقليم اليمن: وهو الجزء الجنوبى الغربى من شبه الجزيرة العربية.

وهذه المساحة الكبيرة ذات طبيعة صحراوية، لا يجرى فيها نهر واحد، ولا تسقط الأمطار إلا نادرًا، باستثناء إقليم «اليمن» الذى تسقط فيه بعض الأمطار الموسمية، وبخاصة فى فصل الصيف، مما يسَّر لأهلها حياة مستقرة نتيجة اشتغالهم بالزراعة، وساعدهم على إقامة حكومات منظمة، وإقامة حضارة راقية، وقد اشتهر هذا الإقليم باليمن السعيد.

أما بقية أجزاء شبه الجزيرة العربية فقد قلَّت فيها الزراعة أو كادت تنعدم؛ لندرة المياه عدا بعض الواحات التى بها عيون للمياه، ساعدت على نمو الحشائش التى ترعاها الماشية، وزراعة بعض المحاصيل كالشعير والقمح.

مكة المكرمة:

تقع «مكة» المكرمة فى إقليم «الحجاز»، شرقى مدينة «جدة» بنحو سبعين كيلو مترًا، وترتبط نشأتها بقصة «إبراهيم الخليل» وابنه«إسماعيل» عليهما السلام، حيث أمر الله تعالى نبيَّه «إبراهيم» أن يذهب بابنه «إسماعيل» إلى الوادى الذى نشأت فيه «مكة»؛ وأن يسكنه فيه، فامتثل «إبراهيم» لأمر الله، وارتحل إلى ذلك الوادى وكان قفرًا (ليس به زرع أو ماء)، خاليًا من السكان، وترك زوجه «هاجر» وابنها الطفل «إسماعيل»، وفى هذا يقول الله تعالى على لسان «إبراهيم» عليه السلام:

{ربنا إنى أسكنت من ذريتى بوادٍ غير ذى زرعٍ عند بيتك المحرم}. [إبراهيم: 37].

وإكرامًا لإسماعيل فجَّر الله – تعالى – بئر «زمزم»، بعد أن يئست أمه «هاجر» من وجود الماء، وهى تسعى باحثة عنه بين صخرتى «الصفا» و «المروة»، وقد أصبح السعى بينهما ركنًا من أركان الحج.

كان وجود الماء فى هذا المكان عجبًا، فجذب القبائل التى كانت تسكن بالقرب منه، وهى قبائل «جُرهم» فجاءوا إلى «هاجر»، وطلبوا منها السماح لهم بأن ينتفعوا بماء زمزم، فأذنت لهم ورحَّبت بهم؛ ليؤنسوا وحدتها هى وابنها، وبدءوا يقيمون بيوتهم حول بئر «زمزم»، ومن هنا كانت نشأة «مكة» المكرمة، وفيها عاشت «هاجر» وابنها «إسماعيل» بين قبائل «جرهم»، ولما كبر تزوج منهم، وأنجب أولاده الذين هم أجداد العرب المستعربة.

واتسعت «مكة» شيئًا فشيئًا، وزحف إليها العمران، وذاعت شهرتها بين المدن، بعد أن أمر الله – تعالى- «إبراهيم» – عليه السلام – فى إحدى زياراته لابنه «إسماعيل» ببناء «الكعبة المشرفة»، فأصبحت «مكة» مكانًا مقدسًا، وزادها الله تشريفًا بهذا البناء.

و «الكعبة» التى بناها نبى الله «إبراهيم» – عليه السلام – بناء مربع الشكل تقريبًا، يبلغ ارتفاعه نحو خمسة عشر مترًا، وعرض جداريه الشمالى والجنوبى نحو عشرة أمتار، والشرقى والغربى اثنا عشر مترًا.

ويقع باب «الكعبة» فى الجدار الشرقى، وفى الطرف الجنوبى منه يقع «الحجر الأسود»، وهى منذ بنائها مثابة للناس وأمن، كما أخبر بذلك الله – تعالى – فى القرآن الكريم، وظلت قبائل «جُرهُم» تقومعلى خدمة «الكعبة»، ورعاية حجاجها، إلى أن ضعفت، فحلَّ مكانها فى تلك المهمة قبائل «خزاعة»، التى ضعفت هى الأخرى بعد فترة، فخلفتها قبيلة «قريش» بزعامة «قصى بن كلاب» الجد الرابع للنبى – صلى الله عليه وسلم -، فأسس دار الندوة فى «مكة»، وهى أشبه ما يكون ببرلمان صغير، يتشاور فيه زعماء «قريش» حول شئونها، ونظَّم «قُصىَّ بن كلاب» السقاية، وهى جلب الماء للحجاج من آبار بعيدة، بعد أن ردمت قبائل «جُرهُم» بئر «زمزم» عندما غلبتها «خزاعة» على أمرها وتركت «مكة»، واهتم بالسدانة، وبالرفادة وهى إطعام الحجاج، وبالحجابة وهى خدمة «الكعبة» وتولى مفاتيحها، وباللواء وهو راية الحرب، وكان ذلك كله فى يد «قصى»، ولكن بعد وفاته قُسمت هذه المناصب بين أحفاده.

أحوال العرب قبل الإسلام:

يُقسم علماء الأنساب العرب إلى:

– عرب بائدة؛ وهم الذين هلكوا ولم يبق من نسلهم أحد، مثل: «عاد»، و «ثمود» و «طُسُم»، وغيرهم.

– وعرب باقية، وهم قسمان:

أ – عرب عاربة، وهم أهل «اليمن» الذين ينسبون إلى «يعرب ابن قحطان».

ب – وعرب مستعربة، وهم الذين ينسبون إلى «عدنان» الذى يتصل نسبه بإسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، وسُمُّوا مستعربة؛ لأن أباهم غير عربى وهو «إسماعيل» – عليه السلام – وأمهم عربية من «جُرهُم».

أحوال العرب السياسية:

عرفت بلاد العرب الحياة السياسية المنظمة قبل الإسلام، وبخاصة فى «اليمن»، حيث الزراعة والاستقرار، فقامت فيها دول كثيرة متعاقبة، مثل: دولة «معين»، ودولة «قُتبان»، ودولة «سبأ» التى سُميت بها سورة من سور القرآن الكريم، ودولة «حمير» التى ظلت قائمة حتى احتلتها «الحبشة» فى بداية القرن السادس الميلادى، ثم استولى عليها «الفرس»، وظلت كذلك إلى أن حررها الإسلام من الاحتلال الفارسى، وأسلم أهلها.

وقامت فى «اليمن» حضارة عظيمة، فاشتهرت ببناء السدود كسد مأرب، لخزن مياه الأمطار لاستخدامها فى الزراعة، وازدهرت فيهاالتجارة؛ بسبب موقعها الجغرافى المتميز على المدخل الجنوبى للبحر الأحمر؛ مما جعلها مركزًا تجاريّاً كبيرًا بين الشرق الأقصى وشرقى «إفريقيا» بل و «أوربا».

وبعد انهيار «سد مأرب» وتدهور الحياة الاقتصادية هاجر العرب من «اليمن» إلى أطراف شبه الجزيرة العربية فى الشمال، وأقاموا إمارات عربية، ظلت قائمة إلى ما بعد ظهور الإسلام، فنشأت إمارة «المناذرة» فى «العراق»، وكانت عاصمتها مدينة «الحيرة»، وإمارة «الغساسنة» فى جنوب «الشام».

وكانت هناك إمارات عربية أخرى فى شرقى شبه الجزيرة العربية، فى «البحرين» و «اليمن»، وفى جنوبيها الشرقى فى «عمان»، وكلها أسلمت فى عهد الرسول – صلى الله عليه وسلم -، وأصبحت جزءًا من الدولة الإسلامية.

وأما بقية شبه الجزيرة فكان يعيش أهلها حياة قبلية، حيث يحكم كل قبيلة شيخ، هو صاحب الكلمة النافذة، والأمر والنهى فيها.

الحياة الاجتماعية:

اختلفت الحياة الاجتماعية فى بلاد العرب من مكان إلى آخر باختلاف حياة الحضر والبدو، فالأجزاء الحضرية التى تتمتع بحياة مستقرة وبنظم سياسية يُقسم المجتمع فيها إلى طبقات: طبقة الملوك والحكام والأمراء، وهم يمثلون قمة الهرم الاجتماعى، وينعمون بحياة الترف والنعيم، تليهم طبقة التجار والأثرياء، ثم تأتى طبقة الفقراء فى أدنى الهرم الاجتماعى.

أما البدو فيتألفون من طبقتين:

– طبقة السادة، وهم فى الواقع كل العرب البدو، سواء أكانوا أغنياء أم فقراء، فالفقر لم يكن يحد من حرية الإنسان العربى وسيادته، فمهما يكن فقيرًا فهو مالك لزمام نفسه، معتز بحريته.

– وطبقة العبيد والخدم، وكان يمتلكهم الأغنياء، وعلى عاتق هذه الطبقة قامت الحياة الاقتصادية.

واتسمت حياة البداوة بعادات بعضها جميل محمود، أبقى عليه الإسلام وشجَّعه، كالكرم والنجدة وإغاثة الملهوف، وبعضها الآخر قبيح مرذول حاربه الإسلام حتى قضى عليه، كوأد البنات خوفًا منالعار، وهذه العادة كانت – فى واقع الأمر – فى قبائل معينة ولا تمثل نظرة العرب كلهم إلى المرأة، لأنها كانت عندهم محل اعتزاز وتقدير بصفة عامة.

الحياة الدينية:

عرفت بلاد العرب التوحيد قبل الإسلام بزمن طويل، فقد نزلت فيها رسالات سماوية، كرسالة «هود» – عليه السلام – فى جنوبى شرقى الجزيرة العربية، ورسالة «صالح» – عليه السلام – فى شماليها الغربى، كما عرفوا التوحيد من رسالة «إسماعيل» -عليه السلام -، ولكن بمرور الزمن نسوا هذه الرسالات، وتحولوا إلى الوثنية وعبادة الأصنام، وأصبح لهم آلهة كثيرة مثل: «هُبل» و «اللات» و «العزى».

وعلى الرغم من انتشار عبادة الأصنام انتشارًا واسعًا فى بلاد العرب، فإن هناك ما يدلُّ على أنهم لم يكونوا يعتقدون اعتقادًا حقيقيّاً فيها، فيحكى القرآن الكريم على لسانهم قولهم: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى}.الزمر:3].

وكان منهم من رفض عبادة الأصنام رفضًا قاطعًا، وهم الذين سُمُّوا بالحنفاء، كورقة بن نوفل، و «زيد بن عمرو بن نُفيل»، و «عثمان بن الحويرث»، و «عبيد الله بن جحش»، و «قس بن ساعدة الإيادى»، وهؤلاء لم تقبل أذهانهم عبادة الأصنام، فاعتنق بعضهم المسيحية، وترقب بعضهم الآخر ظهور الدين الحق.

وإذا كانت الوثنية قد سادت بلاد العرب، فإن اليهودية والمسيحية عرفت طريقها إليها فتركزت المسيحية فى «نجران» التى كانت وقتئذٍ من أرض «اليمن»، فى حين استقرت اليهودية شمال «الحجاز»، فى «يثرب» و «خيبر»، و «وادى القرى» و «تيماء».

ومن العجيب أن اليهودية والنصرانية لم تنتشرا على نطاق واسع فى بلاد العرب، ولعل ذلك راجع إلى أن اليهودية تُعدُّ ديانة مغلقة، فأهلها كانوا يعتبرونها ديانة خاصة بهم، فلم يدعوا أحدًا إليها، ولم يرحِّبوا باعتناق غيرهم لها، أما المسيحية، فعلى الرغم من أنها ديانة تبشيرية، وأهلها يرغبون فى نشرها فى العالم فإنه يبدوأنها حين وصلت إلى بلاد العرب كانت قد بلغت درجة من التعقيدات والخلافات لم تستسغها عقول العرب.

الحياة الثقافية:

كان العرب قبل الإسلام أمة أمية، لا تعرف القراءة والكتابة إلا فى نطاق ضيق، ولم يكن الذين يعرفونها فى «مكة» مثلاً يزيدون على عشرين شخصًا، ومع ذلك فإنهم امتلكوا قدرًا لا بأس به من المعرفة، واتصلوا بالعالم الخارجى من خلال رحلاتهم التجارية، فعرفوا الثقافة الفارسية عن طريق إمارة «الحيرة» العربية، والثقافة اليونانية عن طريق الإمارات العربية فى «الشام».

واكتسب العرب أيضًا قدرًا كبيرًا من المعارف العلمية بالخبرة والتجربة وبدافع الحاجة كالمعلومات الفلكية والجغرافية، دفعهم إلى معرفتها تنقلاتهم الكثيرة، وارتحالهم من مكان إلى آخر، وحاجتهم إلى معرفة مواسم نزول الأمطار وهبوب الرياح.

وتفوق العرب على غيرهم من الأمم فى مجال «علم الأنساب»، وذلك لاعتزازهم بانتسابهم إلى قبائلهم، وبلغ من شدة اهتمامهم بعلم الأنساب أن اعتنوا بأنساب الخيل، غير مكتفين بأنساب البشر.

أما الميدان الثقافى الذى برع فيه العرب فهو البلاغة والفصاحة، فالعربى كان فصيحًا بطبعه، بليغًا بفطرته، ودليل ذلك فهمهم للقرآن الكريم، الذى نزل بلغتهم وهو ذروة البلاغة والفصاحة.

وبرع العرب فى ميدان الشعر براعة واضحة، فهو ديوان حياتهم، وشعراؤهم يُعدُّون بالمئات، والشعر العربى إلى جانب كونه لونًا راقيًا من ألوان الأدب يُعدُّ بعد القرآن الكريم مصدرًا من مصادر معرفة الحياة العربية بكل خصائصها ومظاهرها.

وكما تفوَّق العرب فى الشعر تفوقوا فى الخطابة، وكانوا يقيمون الأسواق الأدبية التى تشبه مهرجانات المسابقات الأدبية فى الوقت الحاضر، ومن أشهر تلك الأسواق سوق «عكاظ»، وكانت تعقد فيها لجان للتحكيم بين الشعراء والخطباء، والقصيدة أو الخطبة التى يفوز صاحبها يتناقلها الناس ويحفظونها، ويشيدون بقائلها، ومن القصائدالرائعة ما كان يعلق فى «الكعبة»، وهى التى عرفت باسم «المعلقات»، مثل معلقة «امرئ القيس» و «زهير بن أبى سلمى».

السابق
نشأة الرسول
التالي
البحرين