الدولة العثمانية

العثمانيون فى عهدهم الثانى

الإصلاح عن طريق إحياء الإسلام

كانت الدولة العثمانية ملء السمع والبصر، وكانت القوة الدولية العظمى التى تؤثر فى مجرى الأحداث العالمية، وضمَّت بين جوانحها أقوامًا من مختلف الأجناس والأعراق واللغات، وامتد عمرها فى التاريخ قرونًا طويلة، وأثمرت حضارة مزدهرة، كانت خلاصة المدنية الإسلامية على مدى القرون التى سبقتها، ثم أتى على الدولة حين من الدهر وجدت نفسها لا تستطيع التقدم والفتح ومواصلة المد الإسلامى، بعد أن توغلت فى «أوربا»، فقد توقف السيل العثمانى أمام أسوار «فيينا» عاصمة «النمسا»، وعندئذٍ نظر العثمانيون إلى أنفسهم، وأيقنوا أن هناك خطأ يستوجب الإصلاح.

وقد لاحظ علماء الدولة العثمانية ومصلحوها، ابتداءً من عهد السلطان «مراد الثالث» أن الفساد قد استشرى فى أجهزة الدولة، وكثر التمرد فى الأقاليم التابعة لها، وما صاحب ذلك من ثورة وفوضى وفتنة، بل وظهر التمرد والثورة فى عاصمة الخلافة نفسها، مما أحدث الخوف على سلامة الدولة ووحدتها السياسية، ولذا أصبحت هناك حاجة ماسة إلى الإصلاح، وضرورة ملحة لعلاج الخلل الذى بدأ يطل برأسه، ويكاد يعصف بالدولة ويعرض مكانتها وهيبتها للاهتزاز، وأصبحت هذه الحاجة هى الشغل الشاغل لجهاز الحكم فى عهد الخليفتين «عثمان الثانى»، و «مراد الرابع».

واستند الفكر الإصلاحى فى بادئ الأمر إلى استلهام الإسلام ومبادئه ونظمه فى عملية إصلاح الخلل، وأيقن المصلحون العثمانيون أن تطبيق الشريعة الإسلامية فى مختلف مؤسسات الدولة سوف يعيد لها قدرتها، ويجدد شبابها ويبعث القوة والحيوية فى عروقها، فتنهض بعد تعثر، وتقوى بعد ضعف.

وقدم هؤلاء المصلحون النصح والتوجيه إلى السلاطين العثمانيين فى صورة رسائل وتقارير تحمل أفكارهم، وكان فى مقدمة الناصحين الضابط العثمانى فى البلاط السلطانى «فوُى بك»، الذى قدم تقريرًاإلى السلطان يقول فيه: «إن تطبيق الشريعة الإسلامية وأحكامها بقوة وحزم هو العامل الأساسى فى وقف تدهور الدولة وحفظ الأمن، ووقف التمرد والفوضى فى البلاد، ومن ثم تستطيع الدولة التقاط أنفاسها؛ لتتفرغ لإصلاح نفسها، وأن المسلمين إذا استجابوا لدواعى الشرع بقوة سيرجعون إلى عهد الفتوحات».

الإصلاح عن طريق الأخذ بالنموذج الغربى

وفى منتصف القرن الثانى عشر الهجرى بلغت الدولة العثمانية أشد حالات فسادها وضعفها، فى الوقت الذى كانت فيه «أوربا» تسير بخطى واثقة نحو التقدم والمدنية؛ لذا قام بعض المفكرين العثمانيين بالدعوة إلى ضرورة الاستفادة من التقدم الأوربى، والأخذ بأسباب حضارتهم؛ لضمان المحافظة على وحدة الدولة، وصون حياتها، والاطمئنان على دوامها واستمرارها.

وأول حركة إصلاحية تبنت هذا المفهوم كانت فى عهد السلطان «أحمد الثالث» الذى يذكر فى المصادر العثمانية باسم «عصر زهور شقائق النعمان» دلالة على الأخذ بالمظهر دون الجوهر، وإشارة إلى الاهتمام الزائد والعناية الفائقة بهذه الزهور فى كل أنحاء العاصمة العثمانية.

ويمثل هذا العهد بحركته الإصلاحية التى أخذت بالوجهة الغربية؛ بداية نفوذ الثقافة والحضارة الغربيتين فى الدولة العثمانية، وتجمع حول السلطان وصدره الأعظم بطانة من المثقفين المؤمنين بهذه الوجهة، وأن الحل يكمن فى الأخذ بالحضارة الأوربية، ولذا أرسلت الدولة سفراء إلى «باريس» و «فيينا» لتعرف حضارتيهما، ودراسة أسباب التقدم وعوامل النهضة هناك، ومن أشهر سفراء هذا العهد «محمد ُلبى» الذى سافر إلى «فرنسا» سنة (1132هـ= 1720م).

وقد شجع هذا العهد العثمانيين على تقليد الغرب ومحاكاة الحياة الأوربية، فأخذ السلاطين يشيدون القصور الفخمة، وظهر فى البلاد نمط جديد من الحياة، يميل إلى الإسراف والعيش المترف، والشغف بارتداء الملابس الفخمة المحلاة بالجواهر والأحجار الكريمة.

وأدت هذه السياسة، بالإضافة إلى فرض الضرائب الباهظة، إلى ظهور حالة من الاستياء والشعور بعدم الرضا تجاه السلطان وإدارته، وساد البلاد نوع من العصيان الشعبى، ونفور المحافظين من فكرة الإصلاح الذى يستلهم النموذج الغربى، وفتح باب التحالف مع «الإنكشارية» للوقوف ضد كل إصلاح يتخذ «أوربا» مثالا يُحتذى، أيا كانت فائدته.

وكان من أسباب الضيق بحركة الإصلاح هذه: احتلال أهل الذمة مواقع خاصة فى مؤسسات الدولة العثمانية، بحيث أصبحوا يتميزون عن الموظفين المسلمين.

إصلاح الجيش

تنبه الساسة العثمانيون إلى أن ضعف الدولة يعود إلى عدم مسايرتها لنواحى التقدم التى شهدتها «أوربا»،وأثبتت لهم هزيمة الدولة المخزية فى حربها مع «روسيا» سنة (1188هـ= 1774م) هذه الحقيقة، فلم يعد هناك مفر من الاقتباس من الحضارة الغربية، وبخاصة فى المجالات العسكرية، فاستعان العثمانيون بمستشار عسكرى فرنسى هو «البارون دى توت»، لتدريب فرقتى المدفعية والمهندسين.

وقد نجح هذا المستشار فى إنشاء فرقة جديدة للمدفعية سريعة الطلقات سنة (1188هـ= 1774م) ضمت (250) جنديا وضابطًا، وفى بناء مصنع لهذه المدافع، وإنشاء مدارس عسكرية حديثة، ومدرسة لتعليم الرياضيات الحديثة، وأعيدت المطبعة، وجرى ترجمة المزيد من الكتب الفرنسية العسكرية.

وشهد عصر «سليم الثالث» بدايات التعليم العسكرى على النمط الغربى، وما ارتبط به من اقتباس المعرفة الأوربية؛ حيث طلب السلطان نفسه من «لويس السادس عشر» أن تساعده «فرنسا» فى إعادة بناء الجيش العثمانى، كما أنه أوجد حوله هيئة جديدة من الإداريين العسكريين المؤمنين بالإصلاح، وقد رفع هؤلاء مجموعة من التقارير المتصلة بأوضاع الإمبراطورية، وما يجب عمله لإنقاذها، وقد ركزت معظم هذه التقارير على الإصلاح العسكرى، وأشارت إلى ضرورة إعادة «وجاق الإنكشارية» وغيره من الفرق إلى تنظيمها الأول، وأنتتوافر للجيش أسلحة حديثة، وأساليب تمكنه من الوقوف أمام الجيوش الأوربية، بالإضافة إلى تخفيض أعداد الجنود الإنكشارية إلى (30000) جندى، لتحسين كفاءتهم ونظامهم، وبذل الجهود لإنتاج بنادق وذخائر على النمط الأوربى.

وقام السلطان «سليم الثالث» بإنشاء فرقة عسكرية جديدة، أطلق عليها «النظام الجديد»،توخَّى لها أن تتلقَّى تدريباتها على النمط الأوربى الحديث، وجعل لها خزانة خاصة تنفق عليها، وتستمد مواردها من الإقطاعات المجاورة، ومن الضرائب الجديدة التى فُرضت على المشروبات الروحية وتجارة التبغ والبن، وفرض على هذه الفرقة ارتداء الملابس الأوربية، وتلقت تدريباتها على أيدى خبراء من «فرنسا» و «إنجلترا»، استقدمهم السلطان لهذا الغرض.

وأدخلت على أسطول الدولة العثمانية إصلاحات تشبه التى أدخلت على القوات البرية، فجرى توسيع الترسانة الرئيسية بتوجيه من المهندسين الفرنسيين، وأنشئت ترسانات فى الأقاليم، وأصلحت السفن القديمة، وبنيت أعداد كبيرة من السفن الحديثة وفق أحدث الطرز فى المعمار البحرى، وطورت الدراسات البحرية.

عهد السلطان محمود الثانى

وُلد السلطان «محمود» سنة (1199هـ= 1784م)، وتقلد مقاليد الخلافة العثمانية وهو فى الرابعة والعشرين من عمره، فقلّد «مصطفى البيرقدار» منصب الصدارة العظمى، وطلب منه إصلاح نظام «الإنكشارية» فاعترضوا عليه، ووقع الخلاف بينهم وبين السلطان، وأرادوا إعادة الخليفة «مصطفى الرابع» المعزول، لكنه قتل وهم يحاصرون الصدر الأعظم فى قصره الذى أحرقوه وهو بداخله.

وقد رأى السلطان «محمود» أن نجاح الإصلاح فى دولته يجب أن يكون شاملاً لكل النظم العثمانية ومؤثرًا فى المجتمع، ولا يقتصر على المجال العسكرى، ولذا يجب إزالة النظم القديمة، حتى لا تعترض طريق الإصلاح، والتخطيط الدقيق للإصلاح، وإيجاد الضمانات اللازمة التى تكفل نجاحه قبل القيام به.

وقد نجح السلطان «محمود» فى القضاء على فرقة «الإنكشارية»،التى قامت بالتمرد وإثارة الجماهير ضد الإجراءات المتصلة بإصلاح الجيش، وبخاصة فيما يتعلق بارتداء القوات الجديدة للملابس الأوربية، لكن الشعب العثمانى وقف ضدهم، فى الوقت الذى استعد فيه السلطان «محمود» لمواجهتهم، مما مكنه من القضاء عليهم تمامًا، وأنشأ جيشًا قويا يتولى إمرته قائد عام، كان قوامه (12000) جندى فى العاصمة، وقوات أخرى فى الولايات.

وكما ارتبط التعليم لدى «محمد على» بالجيش ارتبط بالجيش أيضًا عند «محمود الثانى»، الذى حاول الاقتداء بواليه الناجح، فأرسل البعثات إلى «أوربا» لتلقى العلوم العسكرية خاصة، وأنشأ المدارس الحديثة، وعنى بتعليم اللغتين العربية والفرنسية والجغرافيا، والتاريخ والرياضيات والعلوم.

وحاول السلطان إصلاح أجهزة الدولة المركزية، فوضع الأوقاف تحت إشرافه، وألغى «التيمارات»، وضمها إلى أملاك السلطان، وأجرى أول إحصاء للأراضى العثمانية فى العصر الحديث، وأجرى تحسينات على شبكة المواصلات، فأنشأ كثيرًا من الطرق الجديدة، وأدخل البرق، وخطوط السكك الحديدية، كما أنشأ جريدة رسمية للدولة.

وبعد وفاة السلطان «محمود» تولى ابنه «عبد المجيد» الخلافة وعمره دون الثامنة عشرة.

التنظيمات (محاولة إحياء الدولة)

التنظيمات» كلمة عربية دخلت اللغة التركية، وتعنى فى الاصطلاح السياسى: حركة التنظيم والإصلاح على المنهج الأوربى الغربى، وفى الاصطلاح التاريخى: حركة الإصلاح التى حدثت فى الدولة العثمانية فى القرن (13هـ= 19م) مهتدية بالمؤسسات والتنظيمات الأوربية، وعرفت بهذا الاسم لأنها تميزت بتنظيم شئون الدولة وفق أسس جديدة فى جميع المجالات.

ويمكن تعريف حركة التنظيمات العثمانية بأنها حركة ثقافية وإصلاحية حدثت فى الدولة العثمانية فى النصف الأول من القرن (19م)، ومهدت لإقامة حكم دستورى على النمط الغربى فى البلاد، وللتقارب بين العالمين الإسلامى والمسيحى، وشملت مناحى الحياةكافة فى الديار العثمانية على حساب الحضارة الإسلامية، وانتقلت سلطة السلاطين إلى الصدر الأعظم والوزراء، وتراجعت مشيخة الإسلام إلى درجة أقل من حيث الاعتبار والنفوذ، ثم شل عملها.

وكان الحكم العثمانى قبل صدور التنظيمات يستند إلى ثلاث دعامات رئيسية هى:

1 – السلطنة.

2 – الخلافة.

3 – مشيخة الإسلام.

فكان الوزراء يأتمرون بأوامر السلطان، ويساعد «ديوان الوزراء» السلطان فى إدارة أمور الدولة، وتقوم مشيخة الإسلام بتقديم الشورى للسلطان.

بدأ عهد التنظيمات بصدور فرمان من السلطان «محمود الثانى» باسم «فرمان التنظيمات الخيرية» فى (26 من شعبان سنة 1255هـ= 4 من نوفمبر سنة 1839م)، وانتهى عندما تولَّى السلطان «عبد الحميد الثانى» الخلافة سنة (1293هـ= 1876م)، وهى السنة التى أعلنت فيها الدولة العثمانية ما عُرف باسم «المشروطية الأولى»، أى إعلان دستور فى البلاد لأول مرة على النمط الغربى.

وقد أكدت التنظيمات ضرورة إيجاد ضمانات لأمن جميع رعايا الدولة على حياتهم وشرفهم وأملاكهم، ووجوب علانية المحاكمات ومطابقتها للوائح، وإلغاء إجراءات مصادرة الأملاك، وضرورة إيجاد نظام ثابت للضرائب يحل محل «الالتزام»، وتوفير نظام ثابت للجندية بحيث لا تستمر مدى الحياة، وإنما تحدد مدتها بفترة تتراوح بين أربع وخمس سنوات.

وأدى صدور هذه التنظيمات إلى حدوث تغيرات كثيرة شملت معظم مجالات الحياة، فأنشئت المحاكم المختلطة التى تقبل الشهادة من المسلمين والمسيحيين على حد سواء، وتَبُتُّ فى القضايا المختلفة التى يكون الأجانب أطرافًا فيها، وكان يعمل بتلك المحاكم قضاة أتراك وأوربيون، كما صدر قانون تجارى على نمط القانون التجارى الفرنسى، وأنشئت مجالس لمعاونة مجالس الولايات، يُمثَّل فيها الأهالى.

وظلت القوانين الشرعية تطبق فى المحاكم التقليدية، وكذلك فى المحاكم الحديثة التى تطبق القوانين الجديدة المتصلة بالمسائلالتجارية والجنائية، المأخوذة عن القوانين الغربية، وبخاصة القانون الفرنسى، وبقيت القوانين الشرعية المتصلة بالأحوال الشخصية كالطلاق والزواج بدون تعديل.

وقامت لجان يرأسها من يميلون إلى الأخذ والاقتباس عن الغرب بوضع الخطط الشاملة التى تستهدف إقامة نظام تعليمى يشمل جميع مراحل التعليم المختلفة، فصدر فى سنة (1386هـ= 1869م) قانون التعليم، الذى قسَّم المدارس إلى مدارس عمومية وخصوصية، وجعل التعليم العام فى المدارس الأولية إجباريا ومجانيا لمدة أربع سنوات، ودون تفرقة بين الذكور والإناث، وتمييز بين المسلمين وغيرهم.

أما التعليم الخاص فقد تناولته المادة (129) من قانون سنة (1286هـ= 1869م)، واشترطت حصول مدرسى المدارس الخاصة على مؤهلات تقرها وزارة المعارف العثمانية، وأن تقر تعيينهم السلطات التعليمية سواء أكانت محلية أم مركزية.

وأنشئت مدارس خاصة للبنات والفقراء، كما أنشئت فى سنة (1276هـ= 1859م) مدرسة جديدة لتعريب الإداريين، وتدريب المعلمين الذين كانوا يدرسون الشئون العامة والأولية.

وقد انفصلت مدارس الحكومة رسميا عن إشراف العلماء، ووضعت تحت إشراف وزارة المعارف ذات الصبغة العلمانية منذ سنة (1283هـ= 1866م)، مما أدَّى إلى ازدياد الهوة بين التعليم الدينى والتعليم العلمانى، وتعميق الازدواج الثقافى.

وكان للمطبعة أثر كبير فى هذا التحول منذ سنة (1251هـ= 1835م)، فقد ازداد عدد الكتب المطبوعة، وازداد عدد الصحف والدوريات، ولعب المسرح دوره فى نشر الأفكار الجديدة، وبخاصة بعد أن كثرت دور المسارح، ونشطت حركة ترجمة الكتب الغربية بما فى ذلك المسرحيات، وقد أدَّى ذلك كله إلى ظهور مسرحيات عثمانية، ساعدت على انتشار الأفكار الجديدة، بما تهيأ لها من لغة سهلة وجذابة، لقيت تجاوبًا من العامة، وأوجدت اتجاهًا مطلقًا إلى مقاومة السلطة المطلقة عن طريق إعلان الدستور وإيجاد حكومة مسئولة أمامبرلمان منتخب وفق النمط الديمقراطى الذى عرفه الغرب وبخاصة فى «بريطانيا».

نظام الحكم فى عهد محمود الثانى

اتجه الإداريون العثمانيون فى عهد السلطان «محمود الثانى» (1223 – 1255هـ= 1808 – 1839م) إلى التغريب، وما يهمنا هنا أنه غيّر اسم الصدارة العظمى إلى «باش وكالت» أى رئاسة الوزراء – كما فى «أوربا» – وأوجد نظارتين (وزارتين) جديدتين هما المالية والأوقاف.

وقد وصف أ. «سلاد» – الذى كان يخدم الدولة العثمانية برتبة «مشاور باشا» – مع أنه أوربى – السلطان «محمود الثانى» بأنه «قلد نقائص الغرب كما هى وبدأ إصلاحاته للدولة من حيث ما كان يتوجب عليه تركه» ويقصد أنه أخذ من الدول الأوربية المظهر والمداراة.

وفى عهد ابنه السلطان «عبد المجيد» أصدرت الدولة بيانًا يؤكد أن الدولة العثمانية قد اتجهت إلى الغرب فى تغيير مظهرها وجزء كبير من تقنينها وآليات اتخاذ القرار فيها.

مما سبق نتبين أن الدولة العثمانية كانت تدار، وكانت قراراتها تُتخذ فى الديوان الهمايونى، وكان الديوان ينعقد برئاسة السلطان أو الصدر الأعظم نيابة عنه، كما كان هذا الديوان يعقد فى القصر فى المكان المسمى تحت القبة ( Kubbe Alti) واستمر هذا حتى عهد السلطان «محمد الفاتح» الذى ثبت هذا التقليد بقانون. وقد أُلغى فى هذه الفترة الديوان الهمايونى بوصفه نظامًا يشكل آليات اتخاذ القرار فى الدولة العثمانية، واستبدل به النظام الأوربى، ومن ثم فقد تكوّن رسميا بديل عن الديوان ما سمى فى عهد «محمود الثانى» باسم «مجلس وكلا» والوكيل بالتركية بمعنى الوزير فى العربية)، ومن ثم فقد أصبح النظام الجديد يعرف باسم مجلس الوزراء أو ما عرف باسم «الباب العالى».

الباب العالى (مجلس الوزراء).

وهو اصطلاحًا: المجلس الذى يتشكل من شيخ الإسلام والنظار (الوزراء)، والذى يتخذ القرار فى الأمور المتعلقة بسياسة الدولة (العثمانية) الداخلية والخارجية والأمور المهمة ويسمى أيضًا «المجلسالخاص» أو «مجلس الوزراء الخاص».

وكان يتكون من شيخ الإسلام وناظر العدلية وقائد الجيش ورئيس شورى الدولة، وناظر الخارجية، وناظر الداخلية، وناظر البحرية، ومشير المدفعية، وناظر المالية، وناظر الأوقاف، وناظر التجارة والأمور النافعة (الأشغال)، وناظر المعارف، ومستشار الصدر الأعظم العالى.

وبذلك بعد شيخ الإسلام عن استقلاله، وتوزعت الشئون الدينية بينه وبين ناظر الأوقاف وأصبح شيخ الإسلام موظفًا كبيرًا فى الدولة.

وعلى النظام الغربى فى تكوين الدولة العثمانية أيضًا أصبح هذا المجلس الوزارى – بعد انقلاب (يوليو/ تموز 1908م) الذى عزل السلطان «عبد الحميد» عن العرش- مقيدًا بقوانين ولوائح وأنظمة محددة ومعينة ومسئولا أمام السلطان ومجلس المبعوثان (مجلس الأمة) عن الشئون المتعلقة بسياسة الدولة الداخلية والخارجية والوظائف العامة.

السلطان عبد العزيز

ولد فى (14 من شعبان 1245هـ= 9 من فبراير 1830م)، وتولى الخلافة بعد وفاة أخيه «عبد المجيد بن السلطان محمود» فى (17 من ذى الحجة 1277هـ= 6 من يونيو 1861م)، وبعد وفاة «غالى باشا» و «فؤاد باشا» اللذين توليا منصب الصدر الأعظم وضيقا على السلطان، مارس السلطان «عبد العزيز» حكمه الشخصى، فاشتد سخط العثمانيين على ممارسات السلطان الاستبدادية، وتدخُّل السلطانة «الوالدة باشا» فى شئون الحكم، وازداد القلق بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية، وإعلان إفلاس الحكومة العثمانية فى أواخر سنة (1292هـ= 1875م)، وهو الإفلاس الذى عُزى إلى إسراف «عبد العزيز» وخراب ذمته هو وحاشيته.

وأما المحافظون فقد أرجعوا متاعب الدولة إلى «التنظيمات» العلمانية، ونفوذ الأجانب، وتدخلهم فى شئون البلاد، مما أدَّى إلى انتعاش إسلامى، كان من نتيجته التضييق على المدارس الأجنبية وأعمال المبشرين، وطرد المعلمين والخبراء الأجانب، كما اشتدت المطالبة بإلغاء الامتيازات الأجنبية، والوضع الذى كان يتمتع به الأجانب.

وساءت أحوال الدولة الاقتصادية فى أواخر عهد السلطان «عبد العزيز»، بحيث توقف صرف مرتبات الموظفين – بما فى ذلك العسكريون – لعدة شهور، ولم يؤدِّ فرض ضرائب جديدة إلى معالجة الأوضاع المتردية، لهذا سعى «مدحت باشا» إلى تحسين أوضاع الحكومة بخلع «عبد العزيز» خاصة، ولأنه كان مؤمنًا بأن ولى العهد الأمير «مراد الخامس» أميل إلى إعلان الدستور.

وفى (6 من جمادى الأولى سنة1293هـ= 30 من مايو سنة 1876م) قامت مجموعة صغيرة من كبار موظفى الحكومة يرأسهم «مدحت باشا» بانقلاب ضد الخليفة، عززته فتوى شيخ الإسلام، وولى الثائرون السلطان «مراد الخامس» الذى كان قد اتصل بشباب العثمانيين عدة سنوات.

وكان السلطان «مراد الخامس» على جانب كبير من الذكاء والثقافة التركية، كما أبدى اهتمامًا بالأدب والعلوم والشئون الأوربية، وكان يهوى الموسيقى الغربية، وزار «أوربا» سنة (1284هـ= 1867م)، وانخرط فى سلك الماسونية، وكان أميل إلى الليبرالية والدستور وإصلاح التعليم، وطبعه بالعلمانية.

على أن مراقبة «مراد» فى أواخر عهد عمه، وإسرافه فى الشراب أديا إلى اختلاط عقله بالصورة التى ظهرت عليه بعد توليه الحكم، وازداد هذا الاضطراب، حين نمى إلى علمه نبأ انتحار السلطان «عبد العزيز»، ومقتل عدد من الوزراء على يد أتباع الأمير «يوسف عز الدين بن عبد العزيز»، وحينئذٍ رأى الوزراء ضرورة خلع «مراد»،وتولية أخيه «عبد الحميد» الذى كان «مدحت باشا» قد انتزع منه وعدًا بإعلان الدستور.

السابق
إمارة آل عثمان
التالي
العرب تحت الحكم العثمانى