الدولة العثمانية

العرب تحت الحكم العثمانى

حكم العثمانيون العرب نحو أربعة قرون، وذلك من أوائل القرن السادس عشر إلى أوائل القرن العشرين، وقد تقلبت أحوال العرب فى هذه القرون وتطورت علاقاتهم بالعثمانيين؛ تبعًا لتطور الحكم العثمانى نفسه، واتجاه الأطماع الأوربية إلى بلادهم.

فعندما فتح العثمانيون العالم العربى كان قد حل به قدر كبير من الإعياء؛ نتيجة حروبه المتصلة مع المغول والصليبيين والبرتغال والإسبان، واضمحلال موارده الاقتصادية؛ ونتيجة لذلك نزل عن مكان الصدارة؛ وضعفت قوته.

وقد اعتمد العثمانيون فى فتح العالم العربى على عامل الدين؛ إذ رأى العرب أن الوازع الدينى يدفعهم إلى الولاء للخليفة العثمانى، أما الخروج عن واجب الولاء فإضعاف للدين والدولة؛ مما يفتح الباب للدول الأوربية الطامعة فى بلاد العرب والمسلمين.

وقد بلغت الدولة العثمانية أقصى اتساعها وقوتها؛ عندما استولت على معظم أجزاء العالم العربى، واستلزم ذلك تقسيم الدولة إلى ولايات كثيرة العدد، وتقسيم كل ولاية إلى عدد من الألوية، وضم كل لواء عددًا من المقاطعات، وعين السلطان فى كل ولاية نائبًا له يُلقب «باشا».

وكان هؤلاء الولاة لا يعينون إلا لمدة عام، فإذا انتهى العام إما أن ينقلوا إلى مناصب أخرى، أو يجدد لهم عامًا آخر، وقد أوجد هذا التعيين فى نفوس هؤلاء الولاة شيئًا من القلق؛ فلم يكونوا على ثقة ببقائهم فى مناصبهم، ولذلك لم يهتموا بوضع الخطط لإصلاح الولايات التى يحكمونها.

وكان لكل نائب (باشا) ديوان يشير عليه فى الأمور المهمة ويتألف من كبار الضباط والأعيان والعلماء.

وجرى العثمانيون على ترك شئون الحكم الداخلى فى الولايات لأصحاب العصبيات الإقليمية أو العنصرية أو الدينية، كأمراء المماليك فى «مصر»، وزعماء العشائر البدوية فى «العراق»، والأمراء المعنيين والشهابيين فى «لبنان».

 

محاولات العرب للانفصال عن الدولة العثمانية

احتفظ العرب بقوميتهم إلا أن عاطفة الولاء للخليفة العثمانى كانت أقوى أثرًا من العاطفة القومية، وكانت هذه العاطفة الدينية تدعو العرب إلى التمسك بالولاء للسلطان والدولة، فكانوا يرون أن الخروج على الدولة خروج على الدين الإسلامى، وتفتيت لوحدته.

وكان من الطبيعى أن تحدث بعض الفتن والاضطرابات فى أنحاء مختلفة من العالم العربى، نتيجة انتهاز بعض الحكام أو أصحاب العصبيات الإقليمية أو العنصرية فرصة اضطراب الأحوال الداخلية فى الدولة العثمانية؛ فقاموا ببعض المحاولات للاستقلال ببعض أقاليم الدولة، لكن هذه المحاولات فشلت؛ لأن معظمها حركات لم تنبع من صميم الشعب العربى؛ الذى كان يحرص على الرابطة الدينية؛ إذ قام بها زعماء إقطاعيون؛ كان هدفهم الأول الاستحواذ على السلطة والنفوذ، ومن أمثلة هذه الحركات:

فى «مصر»: حاول «على بك الكبير» أن يستقل عن الدولة العثمانية فى النصف الثانى من القرن الثامن عشر، فقام بطرد الباشا العثمانى، وتعقب القوات العثمانية، كما عمل على الاستحواذ على «سوريا» من الحكم العثمانى وضمها إلى «مصر»، وحاول الاتصال بروسيا التى كانت فى حرب مع الدولة العثمانية؛ ولكن هذه المحاولة فشلت.

وفى «الشام»: كانت هناك ثورات حاولت الانفصال عن الدولة العثمانية؛ ومن أهمها ثورة الأمير «فخر الدين المعنى الثانى» فى جبل «لبنان»، وكان زعيمًا واسع الأطماع؛ تغلَّب على منافسيه من الزعماء الإقطاعيين، وتطلَّع إلى الاستعانة ببعض الدول الأوربية فى الانفصال عن الدولة العثمانية، فعزمت الدولة العثمانية على القضاء عليه، ففر هاربًا إلى أمير «توسكانا».

وعاش الأمير «فخر الدين» هو وحاشيته فى «إيطاليا» نحو خمس سنوات، ثم رجع بعدها إلى «الشام»، وحاول السيطرة عليها مرة أخرى، ولكن الدولة العثمانية تمكنت من القضاء على فتنته، وقبض على «فخر الدين»، وأُرسل هو وأولاده إلى «إستانبول».

وقد دخل فى هذه الفترة فن الطباعة، وتعد أول مطبعة دخلت العالم العربى هى التى أنشئت فى «لبنان»، وترتب على دخول المطبعة وإنشاء المدارس الدينية قيام حركة ترجمة واسعة، اقترنت بحركة إحياء الآداب وجمع مخطوطاتها وتأليف المعاجم العربية.

وظهر أيضًا فى «لبنان» فى أوائل القرن التاسع عشر شخصية بارزة لعبت دورًا كبيرًا فى «الشام» وهى شخصية الأمير «بشير الشهابى الكبير»، الذى حالف «محمد على» والى «مصر» ضد الدولة العثمانية، وأعانه على فتح «الشام»، وحكمها حتى انسحبت القوات المصرية على إثر تدخل الدول الأوربية الكبرى فى سنة (1255 – 1256هـ= 1839 – 1840م)، ونفى الأمير «بشير» إلى «مالطة»، ثم انتقل إلى «إستانبول» حيث مات فيها.

وفى «فلسطين»: ظهر الشيخ «ضاهر العمر» وهو من شيوخ البدو فى «فلسطين»، وكان واسع الأطماع، فمد بصره إلى خارج «الشام»؛ حيث اتصل بعلى بك الكبير فى «مصر»، وحاول الاستعانة بروسيا؛ لكن الدولة العثمانية تمكنت فى النهاية من القضاء على حركته.

وفى «العراق»: نجد الباشوات المماليك قد فرضوا شخصيتهم فى القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، وبرزت فى «العراق» شخصيتان مهمتان أولهما: «سليمان باشا» الذى تحدى رجال الدولة وامتنع عن إرسال الأموال إلى «إستانبول»، وعنى بتدريب المماليك حتى استطاعوا الاحتفاظ بالحكم من بعده.

أما الآخر فهو «داود باشا» آخر حكام المماليك فى «العراق»، فقد تولى الحكم فى ظروف قاسية؛ حيث سادت الفتن والاضطرابات «العراق» من الداخل، وتحفزت «إيران» لغزوه من الخارج، فاتجه «داود باشا» إلى تنظيم إدارته، وإشاعة الرخاء وإنشاء المدارس، كما أدخل أول مطبعة فى «العراق»، وكان «داود باشا» يضيق بالنفوذ الإنجليزى، وبالامتيازات التى يتمتع بها الإنجليز.

وفى «اليمن»: رفض الناس حكم «الأتراك»؛ لاختلاف المذهب الدينى، فأهل «اليمن» من الشيعة، والعثمانيون من أهل السنة؛ لهذا توالتالثورات على العثمانيين، وتزعم إمام «صنعاء» حركة المقاومة ضد العثمانيين حتى أجلاهم عن «صنعاء»، ثم عن بقية أنحاء «اليمن» سنة (1045هـ= 1635م).

وبهذا كان «اليمن» أول بلد عربى استقل عن الحكم العثمانى، إلا أن العثمانيين ظلوا يتشبثون بالسيادة على «اليمن»؛ حتى سنحت لهم الفرصة فى سنة (1289هـ= 1872م) فأعادوه إلى نفوذهم.

وفى «ليبيا»: كانت هناك أسرة عثمانية اتخذت «ليبيا» موطنًا لها هى الأسرة القرمانية، وكان مؤسسها هو «أحمد القرمانى» الذى قضى على الثورات الداخلية التى قام بها أصحاب العصبيات داخل البلاد، وعمل على المحافظة على وحدة «ليبيا»، وتأمين التجارة عبر الصحراء، فدَان له حكم «ليبيا»،فحكمها حتى سنة (1158هـ= 1745م).

وقد اهتم خلفاء «أحمد باشا» بالبحرية الليبية التى أكسبت «ليبيا» فى عهدهم قوة ومهابة، وكانت من أهم الموارد الاقتصادية لليبيا، وذلك لأن الدول الأوربية والولايات المتحدة الأمريكية كانوا يدفعون لليبيا إتاوة حتى يضمنوا سلامة سفنهم التجارية فى «البحر المتوسط»، ثم ضعف النشاط البحرى الليبى بسبب موقف الدول الأوربية منها وعملها على القضاء عليها، فاضطربت مالية البلاد، ومد الولاة أيديهم إلى الأجانب طلبًا للقرض.

وزاد الأمر سوءًا باحتلال «فرنسا» للجزائر سنة (1246هـ= 1830م)، فأوجد بذلك خطرًا جديدًا ببلاد المغرب، هذا بالإضافة إلى اضطراب الولاة القرمانيين فى حكم البلاد.

وانتهز السلطان «محمود الثانى» الفرصة فأرسل أسطولا فى مايو سنة (1251هـ= 1835م) إلى «ليبيا»، ولم يلق مقاومة كبيرة، فأعلن تعيين والٍ جديد من قبل الدولة وعادت «ليبيا» ولاية عثمانية.

أما «الجزائر» و «تونس»: فقد استبد بالسلطة فيهما رؤساء الجند واختاروا من بينهم حاكمًا يدعى «الداى» فى «الجزائر»، و «الباى» فى «تونس»، وأصبحت «الجزائر» و «تونس» مستقلتين فى إدارة شئونهما، وليس للدولة العثمانية عليهما سوى حق السيادة، وقامتفى «تونس» أسرة حاكمة هى «الأسرة الحسينية» ومؤسسها «حسين بن على» وفى عهدها استكملت «تونس» شخصيتها، فنظمت علاقاتها بالدول الأوربية، وعقدت معها المعاهدات لتأمين تجارتها فى «البحر المتوسط».

وفى النصف الثانى من القرن الثامن عشر تعرضت الدولة العثمانية لأخطر حركتين كادتا تعصفان بكيانها فى البلاد العربية:

الأولى: الحركة الوهابية

تنتمى هذه الحركة إلى الشيخ «محمد بن عبد الوهاب» المولود فى «نجد» سنة (1108هـ= 1696م) فى قرية «العينية»؛ حيث كان جده ثم أبوه يتوليان منصب القضاء فيها فنشأ فى بيت علم نشأة دينية، كان لها أثرها فى شخصيته، فقام يدعو إلى التوحيد بعد أن أكثر من التأمل فيما آلت إليه أحوال المسلمين فى عصره، وهاله ما رآه من البدع والخرافات التى ألصقها البعض بالدين، كالاستعانة بالموتى والتبرك بالأشجار والأضرحة، ووجد أن التوحيد الذى يتميز به الإسلام على سائر الأديان أصبحت تحيط به مظاهر الوثنية والشرك، فأخذ يدعو إلى نبذ هذه البدع، فثار عليه الناس واضطهدوه فبدأ يكتب رسالته المشهورة: «التوحيد الذى هو حق الله على العبيد».

ابن عبد الوهاب فى الدرعية

وقد اتبعه فى البداية عدد قليل من الناس وعارضه كثير منهم، كما تنقل أكثر من مرة خوفًا من القتل، وفرارًا من عدوان الناس؛ حتى انتهى به المطاف فى «الدرعية»؛ حيث أيَّد أميرها «محمد بن سعود» دعوة الشيخ، وتحالف الاثنان على العمل لنشر الدعوة الجديدة بين المسلمين.

اتساع الحركة والتوسع السعودى

وإلى جانب النشاط الدعوى للحركة الوهابية بدأ نشاط عسكرى ضد المخالفين للرأى، فأخذت الدولة السعودية الجديدة تتسع، حتى شملت معظم أنحاء «نجد» قبل وفاة «محمد بن سعود» سنة (1179هـ= 1765م)، وبعد وفاته تولى الحكم بعده ابنه «عبد العزيز»، وفى عهده ازدادت الحركة الوهابية قوة وانتشارًا، فتخطت حدود «نجد»، وفى عهد «سعود بن عبد العزيز» (1218 – 1229هـ= 1803 – 1814م)بلغ النفوذ السعودى أقصى اتساعه؛ حيث تم فتح «الحجاز» فأصبحت الأماكن المقدسة تحت سيطرة آل سعود، ووصلت غاراتهم إلى «الشام» و «العراق».

موقف دولة الخلافة العثمانية

كان فى استيلاء السعوديين على الجزيرة وتهديدهم للشام و «العراق» دوى كبير فى العالم الإسلامى، وتهديد لسمعة الدولة العثمانية التى حاولت القضاء على هذه الحركة عن طريق ولاتها فى «العراق» ثم «الشام» ولكن هذه الغارات باءت بالفشل.

وفى النهاية اضطر السلطان العثمانى إلى الاستعانة بوالى «مصر» «محمد على باشا»، فتمكن عن طريق ثلاث حملات قاد إحداها بنفسه أن يستولى على «الحجاز»، ثم «نجد»، ودخل «الدرعية» وقضى بذلك على الدولة السعودية الأولى.

وعلى الرغم من هزيمة السعوديين وتشتيت ملكهم بقيت الدعوة الوهابية كامنة فى النفوس، بل لقيت قبولا لتعاليمها خارج «الجزيرة العربية»، ولقد أثبتت الدعوة الوهابية قدرتها على أن تكون دعوة يقوم حولها ملك عربى، فقد قامت الدولة السعودية الأولى وانتشرت بفضل أمير الدعوة الوهابية، ثم قامت الدولة السعودية الثانية بعد انتهاء الحكم المصرى معتمدة على الدعوة الوهابية، كما اعتمد عليها «عبد العزيز آل سعود» فى تأسيس الدولة السعودية الثالثة.

الثانية: الحملة الفرنسية على مصر

كانت الحملة الفرنسية على «مصر» حلة من حلقات الصراع الذى عم القارة الأوربية فى أعقاب الثورة الفرنسية، فقد حاولت الملكيات والإمبراطوريات فى «أوربا» القضاء على الثورة فى مهدها؛ لمنع انتشار أفكارها فى بقية القارة، ولكن «فرنسا» بفضل جيشها القوى وقائدها «نابليون بونابرت» تمكنت من هزيمة أكثر جيوش «أوربا» عدا «إنجلترا» التى أفلتت من يد «نابليون»؛ بسبب موقعها البحرى وقوة أسطولها سيد البحار فى ذلك الوقت.

هذا فى الوقت الذى كان فيه العالم العربى يعيش حالة من الجمود والعزلة التى فرضت عليه.

وبعد صلح «كاميو فورميو» الذى قضى على نفوذ «النمسا» فى«البحر المتوسط» وحصلت «فرنسا» بموجبه على بعض جزر «البحر المتوسط»، أخذت «فرنسا» تعد العدة لغزو «إنجلترا»، لكن صعوبة هذه الفكرة وخطورة تنفيذها جعلت «فرنسا» تفكر فى ضرب «إنجلترا» فى تجارتها فى الشرق، فاختارت «مصر» لتكون حجر الزاوية فى تكوين مستعمرة فرنسية، وتضرب من خلالها «إنجلترا» فى تجارتها فى الشرق.

فقد أبحر «نابليون» من «ميناء طولون» فى (3 من ذى الحجة سنة 1212هـ= 19 من مايو سنة 1798م) على رأس أسطول «فرنسا» وجيش تعداده نحو (36) ألف جندى، واستولى فى طريقه على «جزيرة مالطة»، ثم وصل إلى «الإسكندرية»، فاستولى عليها بعد مقاومة عنيفة كاد «نابليون» نفسه أن يقتل فيها.

ثم توجه إلى «القاهرة»، فاستولى عليها بعد أن هزم فلول المماليك عند منطقة «إمبابة»، وفرت بقية فلول المماليك إلى «الصعيد» و «الشام».

قضت الحملة الفرنسية فى «مصر» نحو ثلاثة أعوام لم ينعم الفرنسيون خلالها بالراحة والطمأنينة، فقد قامت ثورات كثيرة كان أخطرها وأهمها ثورتا «القاهرة الأولى» و «الثانية».

كما كان السلطان العثمانى يرسل الحملة تلو الأخرى فى محاولة لإخراج الفرنسيين من «مصر»، كما قامت «إنجلترا» بإرسال أسطولها إلى الشواطئ المصرية؛ حيث قام بتحطيم الأسطول الفرنسى فى معركة «أبى قير البحرية»، ونتيجة لهذه الثورات وانقطاع الاتصالات بين فرنسا الأم وحملتها فى «مصر»، وتحطيم الأسطول الفرنسى؛ عاد «نابليون» إلى «فرنسا» تاركًا قيادة الحملة لخليفته «كليبر»، الذى لم يلبث أن قُتل على يد «سليمان الحلبى» أحد طلاب الأزهر الشريف، الذى جاء إلى «مصر» ليتعلم فى «الأزهر»، فرأى مدافع «فرنسا» تدك «الجامع الأزهر» وخيولهم ترتع فيه، فقرر الانتقام منهم بقتل قائدهم «كليبر».

ولما تولى «مينو» قيادة الحملة كانت أحوالها قد ساءت إلى حد كبير، ورَأََى «الإنجليز» والعثمانيين يُحكمون قبضتهم على مصر ففاوضهم على الجلاء وغادر «الإسكندرية» بعد توقيع الصلح مع منتبقى من قوات الحملة الفرنسية فى (جمادى الآخرة 1216هـ= أكتوبر سنة 1801م) عائدًا إلى «فرنسا»،وعادت «مصر» ولاية عثمانية مرة أخرى.

وعلى الرغم من فشل حملة «نابليون» على «مصر» فإنها كانت ذات نتائج أدت إلى تغيير فى بنية وعقلية المنطقة، منها أنها كانت بداية للاستعمار فى الشرق، وظهرت معها فكرة القومية العربية والشعور القومى وفكرة الاستقلال.

السابق
العرب تحت الحكم العثمانى
التالي
بناء مصر الحديثة فى عهد محمد على