احداث المغرب العربي

العلاقات الخارجية والأوضاع الحضارية للدول الأربعة

شهد المسرح الجغرافى لمنطقة «المغرب» فى الفترة من سنة (140هـ =757م) إلى سنة (296هـ= 909م) قيام أربع دول على أرضه هى:

«دولة الأغالبة» بالمغرب الأدنى [184 – 296هـ= 800 – 909م)، و «الدولة الرستمية» بالمغرب الأوسط (160 – 296هـ= 777 – 909م)، و «دولة الأدارسة» بالمغرب الأقصى (172 – 300هـ = 788 – 912م)، و «دولة بنى مدرار» بجنوب «المغرب الأقصى» (140 – 296هـ = 757 – 909م).

وقد سبقت الإشارة إلى أن تولية «إبراهيم بن الأغلب» إدارة «المغرب الأدنى»، واستقلاله بها عن سلطة الخلافة، وتوريثه حكمها لأبنائه من بعده؛ قد غيرت فى الوضع السياسى للمنطقة، إلا أن ذلك لم يمنع الأمراء الأغالبة من استمداد سلطانهم مباشرة من الخليفة، والخطبة له على المنابر، وكان كل خليفة جديد يجدد البيعة للأمير الأغلبى، كما كان الأمير يجدد البيعة بدوره للخليفة، ويحلف له يمين الولاء والإخلاص، ومعنى ذلك أنهم كانوا يستمدون شرعية حكمهم من بيعتهم للخلافة، ومبايعتها لهم.

ولم يمنع استقلال الأغالبة بالمغرب الأدنى من تدخل الخلافة أحيانًا فى بعض شئونهم، مثلما فعل الخليفة المعتضد مع «إبراهيم الثانى بن أحمد» حين استبد بالرعية، وأنزل عقوبات غاشمة بثوار «تونس» فى سنة (283هـ= 896م)، حيث عنفه الخليفة، وهدده بالخلع.

وهكذا حرص «الأغالبة» على إظهار ولائهم وارتباطهم بالخلافة العباسية فى بغداد، وكانت انتصاراتهم تصل إلى بغداد أولا بأول، وكان للخليفة نصيبه من المغانم والسبى فى بعض الأحيان، فضلا عن الهدايا التى حرص الأمراء الأغالبة على إرسالها إلى الخلافة ببغداد.

أما «الدولة الرستمية» بالمغرب الأوسط، فكانت على خلاف مع الخلافة العباسية؛ حيث عد العباسيون «إقليم المغرب» تابعًا لدولتهم بعد سقوط «الدولة الأموية»، وعدوا الرستميين مقتطعين لجزء منالدولة العباسية؛ فنظروا إليهم نظرة عداء؛ كان لها أثر فى العلاقة بينهما، فضلا عما بينهم من اختلافات مذهبية؛ حيث كان مذهب العباسيين الرسمى هو مذهب أهل السنة، على حين اتخذ الرستميون المذهب الإباضى مذهبًا رسميا لدولتهم.

وقد سبق قيام الدولة الرستمية عدة معارك بين جموع الإباضية وجنود الخلافة؛ أسفرت عن مقتل «أبى الخطاب» زعيم الإباضية، وانتقال «عبدالرحمن ابن رستم» نائب أبى الخطاب على القيروان إلى قبيلة «لماية» التى ناصرته وساندته حتى بويع بالإمامة.

وتنوعت العلاقات بين الرستميين والعباسيين، فتارة تكون هادئة مستقرة، كما حدث فى عهد «عبدالرحمن بن رستم» وابنه «عبدالوهاب»، وتارة يشوبها التوتر والعداء كما حدث فى عهد «أفلح بن عبدالوهاب»؛ حيث احتوت الخلافة الخارجين عليه، ورحبت بهم فى «بغداد»، ثم بلغت العلاقة بينهما قمة العداء حين قبض الخليفة «الواثق» على «أبى اليقظان محمد ابن أفلح»، وأودعه السجن، وهو فى طريقه لأداء فريضة الحج، ولكن الأوضاع تحسنت بينهما ثانية بعد أن أطلق الخليفة «المتوكل» سراح «أبى اليقظان» وأكرمه، وسمح له بالعودة إلى بلاده.

وأما «دولة الأدارسة» فقد اتسمت علاقتها بالدولة العباسية بالعداء؛ حيث شكل قيام الأدارسة بالمغرب الأقصى خطرًا على ممتلكات الدولة العباسية بالمغرب الأدنى (إفريقية)، وزادت خطورة «الأدارسة» بعد أن أخضع «إدريس ابن عبدالله» «تلمسان» إلى سلطانه، وبنى بها مسجدًا، ومعنى ذلك أنه تطلع إلى فصل «المغرب» عن بقية العالم الإسلامى، وتوحيده تحت قيادته.

وقد استعانت الدولة العباسية بإبراهيم بن الأغلب والى إفريقية للقضاء على «دولة الأدارسة» بالمغرب الأقصى لكنها لم تنجح فى ذلك.

وقد وقفت «دولة بنى مدرار» موقفًا وسطًا بين القوى المتصارعة بالمغرب، ولم تتخذ موقفًا عدائيا من الخلافة العباسية، بل اعترف «المدراريون» بسلطان الخلافة وعملوا على مداراة «الأغالبة»،وتوثيق صلتهم بالرستميين، على الرغم من الاختلافات المذهبية بينهم.

ولم تنجح «سجلماسة» رغم اعتصامها بصحراء المغرب الجنوبية، وموازنة سياستها مع «تهيرت» و «القيروان»، فى النجاة مما آلت إليه على أيدى الفاطميين.

الأوضاع الحضارية

شهدت منطقة «المغرب» خلال القرنين الثانى والثالث الهجريين قيام عدة عواصم رئيسية هى: «القيروان»، و «تهيرت»، و «فاس»، و «سجلماسة»، وقد لعبت هذه العواصم دورًا بارزًا ورئيسيا فى مضمار الحضارة بالمنطقة على النحو الآتى:

أ – القيروان

بناها «عقبة بن نافع» وأطلق عليها «القيروان» ومعناها فى العربية: موضع اجتماع الناس والجيش، وقد شهدت هذه المدينة تطورًا كبيرًا فى ظل «الأغالبة»، واستمرت عمليات البناء والتعمير على أيديهم بها، وباتت مقر الولاة ومركز الحكم، وظلت محتفظة بمنزلتها ومكانتها لدى «الأغالبة»، على الرغم من اتخاذهم عواصم جديدة كالعباسة و «رقادة».

وقد تميزت هذه المدينة بالهدوء والاستقرار فى عهد «الأغالبة»، على الرغم من الثورات المتعددة التى اندلعت هنا وهناك بالمنطقة، وقد ساعد هذا الاستقرار على إيجاد نوع من التعاون بين فئات الشعب على اختلاف أصولهم؛ حيث كان هناك العرب الذين مثلوا الطبقة الحاكمة، وعاشوا بالقيروان منذ تأسيسها، فاكتسبوا مكانة خاصة، واشتغلوا بالتجارة وغيرها، وعاش إلى جوارهم سكان البلاد الأصليون من «البربر»، واختلطوا بهم، وعملوا بالزراعة والتجارة، فضلا عن الأفارقة؛ وهم بقايا المسيحيين البيزنطيين واليهود، وقد عاشوا يمارسون حياتهم فى ظل الحكم الأغلبى.

وقد شهدت «القيروان» ازدهارًا اقتصادياًّ كبيرًا، تمثل فى علاقاتها المتعددة مع مَن حولها من المدن المغربية، وقصدتها القوافل التجارية من كل أنحاء «المغرب»، كما خرجت منها القوافل قاصدة المدن الأخرى، فانعكس هذا الرواج على أمراء البلاد وعامة الشعب.

ب – تهيرت

جاء تخطيط هذه المدينة وبناؤها فى سنة (161هـ= 778م)، تلبيةلاحتياجات جموع «الإباضية» التى استقرت بالمغرب الأوسط، وقد توافرت لهذه المدينة أسباب الأمن والحماية؛ فهى منطقة داخلية يتخللها نهران هما: «نهر مينة» الذى يجرى فى جنوبها مارا بالبطحاء، ونهر آخر بشرقها يجرى من «عيون تاتش»، ومنه شرب أهلها، ورووا بساتينهم وزراعاتهم، فتمتعت بالمراعى الواسعة، والأراضى الزراعية المتنوعة، التى أسهمت فى ازدهار اقتصادها، ورخاء أهلها الذين قامت على أكتافهم «الدولة الرستمية»؛ لأنهم من القبائل التى كانت تدين بالمذهب الإباضى فى هذه المنطقة.

ولاشك أن وقوع العاصمة الرستمية «تهيرت» وسط معاقل «الإباضية» المؤيدين لها ولمذهبها، كان له أكبر الأثر فى حمايتها واستقرارها، ومنحها الفرصة كاملة لأداء دورها السياسى والحضارى بالمنطقة، وانفرادها بحكم نفسها فى ظل زعامة إباضية، بعد أن تخلصت من سيطرة الأمويين، ثم العباسيين من بعدهم.

وقد أحيطت المدينة بسور عظيم تتخلله مجموعة من الأبواب، لحمايتها من هجمات أعدائها، وأنشئت بالقرب منها عدة حصون دفاعية، فضلا عما أنشىء بداخلها من مساجد ودور وقصور، وأسواق عامرة، حفلت بها، حيث إنها كانت ملتقى القوافل التجارية القادمة من جنوب الصحراء، والمتجهة إليها، كما كانت ملتقى تجار الشرق والغرب، وقد وفرت لها مراعيها الشاسعة ثروة حيوانية كبيرة؛ فضلا عن الصناعة التى قامت بها على بعض المعادن التى استُخرجت من باطنها، فأحدث ذلك كله رواجًا اقتصاديا، وانتعاشًا انعكست آثاره على رفاهية السكان.

ج – فاس

هى عاصمة «دولة الأدارسة»، وقد بدأ «الإمام إدريس» بناءها على الجانب الشرقى لنهر «فاس» فى سنة (192هـ= 808م)، لازدحام العاصمة القديمة «وليلى» بالوفود العربية التى قدمت من «القيروان» و «الأندلس»، فضلا عن خوف «إدريس» من نوايا بعض جموع البربر المحيطين به، وكان اختيار هذا المكان عاصمة لدولتهم صائبًا؛ فهو فسيح تحيط به الأشجار والحشائش، وتنفجر المياه فيه من عيون«نهر سبو» وروافده، وقد دعا الإمام «إدريس» – حين وضع أساس هذه المدينة – بقوله: اللهم اجعلها دار علم وفقه، يتلى فيها كتاب الله، وتقام بها حدوده، وأن يُجعل أهلها متمسكين دائمًا بكتاب الله.

وقد قُسِّمت المدينة إلى قسمين هما: عدوة الأندلسيين، وعدوة القرويين، واتخذت قبائل البربر مواضعها كما أقام الوافدون، فى أماكن حددت لهم، وهكذا استطاع الأدارسة تدعيم سلطتهم بالمغرب الأقصى، وباتت لمدينة «فاس» آثارها الدينية والاقتصادية بالمنطقة، بعد أن حُرمت منها منذ انقضاء عهد «الرومان»، ومازالت هذه المدينة تحتفظ بآثارها الحضارية – حتى الآن – على عكس «تهيرت» و «سجلماسة» اللتين فقدتا ازدهارهما منذ أمد بعيد.

د – سجلماسة

رأى «الصفريون» أن تكون لهم مدينة، بعد أن ازداد عددهم بالمغرب الأقصى، تصبح نواة لدولة صفرية مستقلة بجنوب «المغرب الأقصى»، فوقع اختيار «أبى القاسم سمكو بن واسول المكناسى» على منطقة «سجلماسة»، التى كانت نقطة التقاء البربر المقيمين بها وحولها، لتبادل السلع والبضائع.

وقد نجح المؤسسون لهذه المدينة فى اختيار البقعة المناسبة لها؛ إذ تقع فى منطقة «تافللت» على طرف الصحراء، وبينها وبين جنوب مدينة «فاس» مسيرة عشرة أيام، ومعنى ذلك أنها تقع فى منطقة نائية، فأعطاها هذا البعد سياج أمن وأمان لها ولساكنيها.

وبدأ تخطيط «سجلماسة» فى سنة (140هـ=757م)، بصورة بسيطة، حيث أسس «الصفريون» بها حصنًا فى وسط الساحة، سموه «العسكر»، ثم أسسوا المسجد الجامع، ودار الإمارة، وشرع الناس بعد ذلك فى إقامة دورهم، وقد ساهمت طوائف البربر من قبائل «مكناسة» و «صنهاجة» و «زناتة» فى تأسيس هذه المدينة وتعميرها، ثم تطورت بعد ذلك واتسعت، وأحيطت فى عهد «اليسع بن مدرار» (208هـ= 823م) بسور كبير لحمايتها. وقد وصفها «ابن حوقل» بقوله: «كانت القوافل تجتاز المغرب إلى سجلماسة، وسكنهاأهل العراق، وتجار البصرة والكوفة والبغداديون الذين كانوا يقطعون الطريق؛ فهم وأولادهم وتجاراتهم دائرة، ومفرداتهم دائمة، وقوافلهم غير منقطعة إلى أرباح عظيمة وفوائد جسيمة ونعم سابغة، قلَّ ما يدانيها فى بلاد الإسلام سعة حال».

ولقد تضافرت جهود القادة والولاة والدعاة فى القرن الأول الهجرى على نشر الإسلام بين سكان «المغرب»، فأقبل البربر على اعتناقه، وتعلمه وتفهمه دون الانخراط فى فرقة بعينها، أو الانضمام إلى مذهب محدد، وكان الكتاب والسنة هما مصدر التشريع الأوحد فى هذه المنطقة، فلما أقبل القرن الثانى الهجرى، تطورت مسيرة الإسلام، نظرًا للتغيرات السياسية والمذهبية التى عاشتها «بلاد المغرب»؛ حيث وضحت تيارات المذاهب، وتحددت ملامح الفرق، ومثل المذهب المالكى والمذهب الحنفى القاعدة الشعبية العريضة لسكان «المغرب»، وباتت «القيروان» مركز أهل السنة من المالكية، وظهرت بها مجموعة من العلماء أمثال: «البهلول بن راشد» و «رباح بن يزيد»، و «عبدالله بن فروخ»، و «ابن غانم الرعيثى»، و «أسد بن الفرات»، وغيرهم، ومن ثم انتشر هذا المذهب عن طريقهم إلى بقية المدن المغربية، بعد أن أرسوا قواعده بها.

وشاركت مدينة «فاس» التى أسسها «الأدارسة» أختها «القيروان» فى الأخذ بهذا المذهب عن طريق الهجرات العربية الوافدة إليها عبر المضيق من «الأندلس»، ثم انتشر هذا المذهب فى كل من: «تلمسان» و «تونس» و «سوسة» و «صفاقس»، وغيرها من المدن المغربية.

ولقد شهد «المغرب» التيار الخارجى بشقيه «الصفرى» و «الإباضى» فى العقد الثالث من القرن الثانى الهجرى، ونجح «الصفرية» فى تأسيس «سجلماسة» فى سنة (140هـ)، كما نجح «الإباضية» فى تأسيس «تهيرت» فى سنة (161هـ= 778م)، واعتنقت القبائل البربرية مذهبيهما، وقامت على أكتافهم دولتاهما.

ثم وجد الشيعة والمعتزلة والمرجئة طريقهم إلى هذه البلاد، إلا أنصَوْتَى «المعتزلة» و «المرجئة» كانا خافتين، ولم يجدا صدىً يُذكر لأفكارهما ودعوتيهما.

وتجدر الإشارة إلى أن المذهب المالكى قد لعب دورًا كبيرًا فى حياة سكان «بلاد المغرب» السياسية والحضارية منذ القرن الثانى الهجرى حتى وقتنا الحاضر، وصار الإمام مالك هو القدوة والمثل الأعلى لأفعال وتصرفات المالكيين بالمغرب، وقلدوه فى معاشه وملبسه وكيفية جلوسه للتدريس، وطريقته فى الحديث، كما تبوأ تلامذته مكانة مرموقة بالمغرب.

ولم تقف الاختلافات المذهبية بالمغرب فى سبيل علاقاتها واتصالاتها الفكرية بالعواصم والمدن الإسلامية بالمشرق، بل كانت اتصالاتها مستمرة، وعلاقاتها وثيقة، وظهرت آثار احتكاك طلابها بعلماء المشرق واضحة فى الحياة الدينية التى عاشتها المنطقة خلال القرن الثالث الهجرى، وتوجَّه أبناء «تهيرت» و «فاس» و «سجلماسة» إلى مدينة «القيروان»؛ لتحصيل العلم على أيدى علمائها، كما أَمَّ أبناء «القيروان» مدن «تونس» و «سوسة» وغيرهما، لطلب العلم هناك، ونهل جميعهم من معين الإسلام الذى لا ينضب، ودرسوا الفقه والأصول والحديث والتفسير، وغيرها من العلوم.

وكان لكل من «القيروان» و «تهيرت» أثر سياسى وثقافى بارز فى بلاد المغرب، وشهدتا ازدهارًا فكريا، ونهضة حضارية، واقتصادًا قويا، وزخرًا بالفقهاء والعلماء، وأصبحتا مقصد طلاب العلم من كل مكان، حتى نافستا العواصم الشرقية الكبيرة بالسماحة، وسعة الأفق، ومناظرات العلماء. وقد شاركت مدينة «فاس» فى هذا الدور بنهضتها الفكرية وازدهارها الحضارى، وأسهمت كذلك فى نشر الإسلام والثقافة العربية.

السابق
الدولة الفاطمية بالمغرب
التالي
المغرب الإسلامي