القضاة

القاضي أحمد بن عميرة المخزومي

ملخص المقال

     ولد أحمد بن عميرة المخزومي في شهر رمضان سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة

أحمد بن عميرة المخزومي  ولد أحمد بن عميرة المخزومي في شهر رمضان سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة، ولد بجزيرة شقر القريبة من شاطبة، بينها وبين بلنسية ثمانية عشرة ميلاً شرق الأندلس، وهي الجزيرة التي تحدث عنها الجغرافيون والمؤرخون الأندلسيون وغيرهم بكل إعجاب لجمال موقعها وسحر طبيعتها.

من مواليد شهر رمضان سنة 582هـ.

 النسب والقبيلة:

أبو المطرّف أحمد بن عبدالله بن محمد بن الحسين بن أحمد بن عميرة المخزومي، وقد أجمع مترجموه على تحليته بالنسب المخزومي ومنهم معاصره وابن بلده ابن الأبار حيث يقول: “وكان بجزيرة شقر بنو عميرة المخزوميون بيت شيخنا القاضي الكاتب أبي المطرف أبقاه الله”.

البلد التي عاش فيها:

تنقل ما بين شقر وبلنسية وشاطبة ودانية ومرسية وغيرها بحثاً عن الشيوخ، وطلبًا للعلم ثم رجع إلى بلنسية بقصد الاستقرار.

ملامح شخصيته وأخلاقه ولمحات من حياته:

ابن عميرة كان منذ البداية يسعى وراء خطة الكتابة، لما كانت توفره لصاحبها من الثراء والنفوذ والجاه والسلطان، وللمكانة الرفيعة التي كان يحظى بها الكاتب في المجتمع الأندلسي”.

وقد تولى قضاء أريولة وشاطبة بشرق الأندلس، كما استكتبه أمير بلنسية الرئيس أبو جميل زيان بن سعد بن مردنيش الجذامي أيام إمارته على بلنسية وخلال انتزاعه لمدينة مرسية من عميد علمائها الفقيه أبي بكر عزيز بن عبد الملك بن خطاب في رمضان سنة 636هـ، وكان الأخير من أبرز أساتذة أبي المطرف حيث انتفع به كثيراً قبل توليه ما تولى من رئاسة بلده مرسية.

ولما سقطت مدينة بلنسية على يد الإسبان سنة 636هـ، غادر أبو المطرف الأندلس متجهاً إلى العدوة المغربية وورد على الخليفة الموحدي الرشيد أبي محمد عبد الواحد بن أبي العلاء، إدريس المأمون (630-640هـ)، وصحبه حين قفوله من مدينة سلا إلى حضرة مراكش وكان ذلك في سنة 637هـ.

واستكتبه الرشيد مدة يسيرة، ثم صرفه عن الكتابة وقلده قضاء مدينة هيلانة شرق مراكش، ثم نقله إلى قضاء رباط الفتح وسلا، وأقام يتولاه إلى أن توفي الرشيد وخلفه أخوه الخليفة الموحدي العاشر أبو الحسن السعيد (640-646هـ)، فأقره عليه مدة ثم نقله إلى قضاء مدينة مكناسة الزيتون. ولما بايع أهل مكناسة الأمير أبا زكريا الحفصي، كان القاضي أبو المطرّف هو الذي كتب نص البيعة في 20 ربيع الأول 643هـ، وحين قام إليهم الخليفة السعيد بحنق عظيم بادروا بطلب العفو واعتذروا عما بدر منهم وبايعوه من جديد وكتب نص البيعة ابن عبدون في ذي الحجة من السنة المذكورة.

ثم لما قتل الخليفة الموحدي السعيد في صفر 646هـ، اغتنم أبو المطرف تلك الفترة ورحل من مكناسة قاصدا سبتة، وفي طريقه إليها سلبت منه ثروته في فتنة بني مرين، وقد كتب إلى الشيخ أبي الحسين الرعيني يعلمه بهذه الحادثة وإن ماله المنهوب قد بلغ أربعة آلاف دينار وكان ورقاً وعيناً وحلياً وغيرهم.

وكان كثير التطلع إلى إفريقية معمور القلب بسكناها مذ فارق جزيرة الأندلس، لذلك ركب البحر من سبتة متوجهاً إليها بعد حادثة فتنة بني مرين، ووصل بجاية في شهر جمادى سنة 646هـ، ودخل على صاحبها الأمير أبي يحيى ابن الأمير أبي زكريا الحفصي وكان صاحبها لأبيه.

وأقام بها حوالي سنتين يعلم ويدرس، وكان الطلبة أثناء ذلك يقرؤون عليه تنقيحات السهروردي، وهي من مغلفات أصول الفقه عند طائفة ممن لم يمارس علم الأصول، ولا يتعرض لإقرائها إلا من له ذهن ثاقب..

ومن بجاية انتقل إلى تونس حيث مال إلى صحبة الصالحين بها والزهاد أهل الخير برهة من الزمان، ثم نزع عن ذلك، وتقلد قضاء الأربس، فقضاء قابس الذي طالت مدته به، ثم استدعاه الأمير الحفصي المستنصر بالله محمد بن أبي زكريا(647-675هـ)، وصار من خواص الحاضرين بمجلس حضرته من فقهاء دولته. ” موقع مجلة التراث العربي”

شيوخه:

من شيوخه الأندلسيين الذين أخذ عنهم وتتلمذ لهم، الشيخ أبو الخطاب أحمد بن محمد بن واجب القيسي (537-614هـ)، والشيخ أبو الربيع سليمان بن موسى الكلاعي (565-324هـ)، وعنه أخذ أيضاً المؤرخ الأديب ابن الأبار وهو من أكبر أساتذته وأبعدهم أثراً في حياته، لأن ابن الأبار كان معاصراً لأبي المطرّف، والأستاذ أبو عبد الله محمد بن أيوب السرقسطي (530-608هـ)، والأستاذ ابن حوط الله الأنصاري (552-621 هـ)، والشيخ أبو علي الشلوبين، والشيخ ابن عات وغيرهم، وأجازه من المشارقة أبو الفتوح الحصري.

مؤلفاته:

ترك أبو المطرف مجموعة من التصانيف في ميادين الأدب والتاريخ والفقه، فمن آثاره التاريخية: تاريخ ميورقة موضوع هذا البحث، واختصار كتاب ثورة المريدين لابن صاحب الصلاة. ومن مؤلفاته الفقهية كتاب تعقب فيه الإمام فخر الدين بن الخطيب الرازي في كتابه المعالم في أصول الفقه وقد اطلع عليه الغبريني صاحب عنوان الدراية ووصفه قائلاً: “وقد رأيت له تعليقاً على كتاب المعالم في أصول الفقه لا بأس به، وهو جواب لسؤال سائل، وهو مكمل لعشرة أبواب حسبما سأل السائل”.

أما إنتاجه الأدبي فمنه: كتاب رد به على أحد معاصريه من المشارقة وهو كمال الدين أبي محمد بن عبد الكريم الزملكاني في كتابه التبيان في علم البيان المطلع على إعجاز القرآن، سماه كتاب التنبيهات على ما في التبيان من التمويهات. وأما رسائله الديوانية والإخوانية النثرية والنظمية الكثيرة التي خاطب بها ملوك ورؤساء وأعيان وأدباء عصره، فقد دونها الأستاذ أبو عبد الله محمد بن هانئ السبتي (ت733 هـ)، ورتبه في كتاب سماه بغية المستطرف وغنية المتطرف من كلام إمام الكتابة ابن عميرة أبي المطرف.

أراء العلماء فيه:

قال ابن الأبار في ” تحفة القادم “: فائدة هذه المائة والواحد يفئ بالفئة الذي اعترف باتحاده الجميع واتصف بالإبداع فماذا يوصف به البديع ومعاذ الله أن أحابيه بالتقديم لما له من حق التعليم كيف وسبقه الأشهر ونطقه للياقوت والجوهر تحلّت به الصحائف والمهارق وما تخلت عنه المغارب والمشارق فحسبي أن أجهد في أوصافه ثم أشهد بعدم إنصافه هذا على تناول الخصوص والعموم لذكره وتناوب المنثور والمنظوم على شكره.

وهو عند أبي عبد الملك، “عَلَمُ الكتابة المشهور، وواحدها الذي عجزت عنه ثانية الدهور، ولاسيما في مخاطبة الإخوان، هنالك استولى على أَمد الإحسان، وله المطولات المنتخبة، والقصار المقتضبة، وكان يملح كلامه نظماً ونثراً بالإشارة إلى التاريخ ويودعه الماعات بالمسائل العلمية منوعة المقصد… وكان حسن الخَلق والخلق، جميل السعي للناس في أغراضهم، حسن المشاركة لهم في حوائجهم، متسرعاً إلى بذل مجهوده فيما أمكن من قضائها بنفسه وجاهه”.

أما صاحب الإحاطة فقد قال في حقه: “وعلى الجملة فذات أبي المطرف فيما ينزع إليه، ليست من ذوات الأمثال، فقد كان نسيج وحده، إدراكاً وتفنناً، بصيراً بالعلوم، محدثاً مكثراً، راوية ثبتاً، سجراً في التاريخ والأخبار، دياناً مضطلعاً بالأصلين، قائماً على العربية واللغة، كلامه كثير الحلاوة والطلاوة، جم العيون غزير المعاني والمحاسن، وافد أرواح المعاني، شفاف اللفظ حر المعنى، ثاني بديع الزمان في شكوى الحرفة وسوء الحظ ورونق الكلام ولطف المأخذ، وتبريز النثر على النظم والقصور في السلطانيات”.

وجاء عنه في عنوان الدراية أنه “الشيخ الفقيه، المجيد المجتهد، العالم الجليل الفاضل، المتقن المتفنن، أعلم العلماء، وتاج الأدباء، له أدب هو فيه فريد دهره، وسابق أهل عصره، وفاق الناس بلاغة، وأربى على من قبله”.

وقال فيه علماء المغرب:”هو قدوة البلغاء، وعمدة العلماء، وصدر الجلة الفضلاء، ونكتة البلاغة التي قد أحرزها وأودعها، وشمسها، التي أخفت ثواقب كوكبها حين أبدعها، مبدع البدائع والتي لم يَحْظَ بها قبله إنسان، ولا ينطق عن تلاوتها لسان، إذ كان ينطق عن قريحة صحيحة، وروية بدرر العلم الفصيحة، ذللت لـه صعب الكلام، وصدقت رؤياه حين وضع سيد المرسلين في يديه الأقلام”.

وفاته:

توفي في تونس سنة 658 هـ عن أربعة وسبعين سنة.

السابق
القاضي علي بن محمد الدامغاني
التالي
القاضي الحسن بن أحمد الإصطخري