احداث المغرب العربي

المغرب الإسلامي

يمثل «المغرب الإسلامى» الجناح الغربى لأقاليم الدولة الإسلامية؛ وقد أسهم منذ اعتناق أبنائه الإسلام فى بناء صرح الحضارة الإسلامية، ويمتد من «برقة» شرقًا حتى «المحيط الأطلسى» غربًا، ويطل على «البحر المتوسط» شمالا.

وقد استخدم بعض المؤرخين لفظة «المغرب» بمعناها العام على المنطقة الواقعة غرب «مصر» والممتدة من «برقة» حتى «المحيط الأطلسى»، بينما أطلق آخرون لفظة «المغرب» على أقاليم بعينها، ولذا قسموا المغرب إلى ثلاثة أقاليم متميزة هى:

1 – المغرب الأدنى: (أى إفريقية) وكانت قاعدته فى صدر الإسلام مدينة «القيروان»، وقد اشتمل هذا الإقليم على عدة مدن منها:

«باجة» و «بونة» و «بنزرت» و «قسطيلة» و «صفاقس» و «قفصة» و «تونس» و «سوسة»، وغيرها من المدن.

2 – المغرب الأوسط: ويمتد من «بجاية» إلى «وادى ملوية»، وقاعدته مدينة «تلمسان»، ويشتمل على عدة مدن منها: «تنس» و «جيجل» و «القلعة» و «المسيلة» و «طبنة» و «مليلة»، وغيرها من المدن.

3 – المغرب الأقصى: ويمتد من «وادى ملوية» و «جبال تازا» حتى «المحيط الأطلسى»، وقاعدته مدينة «فاس» ثم «مراكش»، ويشتمل على عدة مدن منها: «فاس» و «مكناسة» و «سلا» و «درعة».

السطح

كان لمظاهر السطح فى بلاد «المغرب» دورًا أثر فى التاريخ السياسى للمنطقة، بما اشتمل عليه من سهول ساحلية، وأودية وجبال وصحراء ممتدة، وقد ظهر تأثير هذا فى عملية الفتح الإسلامى للمغرب؛ إذْ استغرق نحو سبعين سنة، وينقسم سطح المغرب إلى ثلاث مناطق متميزة هى:

1 – المنطقة الساحلية: وهى المنطقة المطلة على «البحر المتوسط» و «المحيط الأطلسى»، ويفصلها عن الداخل سلسلة «جبال أطلس»، التى تمتد من أقصى الغرب متجهة إلى الشرق. وتختلف المنطقة الساحلية ضيقًا واتساعًا؛ تبعًا لاقتراب الجبال من البحر أو بعدها عنه، فقامت تجمعات سكانية فى المناطق الساحلية الواسعة، وساعدتها الظروف الطبيعة والأرض الخصبة والمناخ المعتدل علىإقامة زراعة ناجحة، نتج عنها نمو اقتصادى، فأصبحت هذه المناطق مطمعًا للمستعمرين من «الرومان» و «الوندال» و «البيزنطيين»؛ حيث أقاموا فى هذه المناطق وأسسوا بها المدن والقواعد العسكرية.

إلى جانب السهل الساحلى تُوجد منطقة سهول داخلية، تكونت حول مجارى الأنهار التى أسهمت إسهامًا بارزًا فى مدِّ السكان بما يلزمهم من المياه، وربطت إقليم الساحل بالمناطق الداخلية؛ ولعل أبرز هذه السهول: سهل «شادية» و «دكالة» بالمغرب الأقصى، وسهل «وادى شليف» بالمغرب الأوسط، وسهل «وادى مجردة» بالمغرب الأدنى.

2 – منطقة الجبال: مثلت منطقة الجبال حاجزًا طبيعيا بين منطقة السهول ومنطقة الصحراء، وقد وصفها «ابن خلدون» بقوله: «بقاصية المغرب من أعظم جبال المعمورة بما أعرق فى الثرى أصلها. وذهبت فى السماء فروعها، ومدت فى الجو هياكلها. ومثلت سياجًا على ريف المغرب سطورها. وتبتدئ من ساحل البحر المحيط عند آسفى وما يليها، وتذهب فى المشرق إلى غير نهاية».

وتبرز أهمية هذه الجبال فى الدور الذى لعبته فى تاريخ هذه البلاد؛ حيث وقفت سدا منيعًا فى وجه الطامعين من «الفينيقيين» و «الرومان» و «الوندال» وغيرهم.

وقد حصرت جبال «أطلس التل» و «الأطلس الصحراوى» هضبة امتلأت بالمراعى، فاستغلها السكان فى تنمية ثرواتهم الحيوانية بالمغرب الأوسط، ويُطلق عليها: «منطقة الشطوط».

3 – منطقة الصحراء: وتنقسم إلى عدة أجزاء، أولها: منطقة «الواحات»، وهى المنطقة التى تلى منطقة الجبال، وتمتد من «مصر» شرقًا حتى «وادى درعة» فى جنوب «المغرب الأقصى».

وتعود أهمية هذه المنطقة إلى كونها حلقة الاتصال بين الأقاليم المختلفة بالمغرب، كما كانت طريق القوافل والحجاج، لتوفر آبار المياه بها، وتمتعها بالأمن الذى وفرته القبائل المقيمة بهذه المنطقة نظير بعض المال، وقِصَر المسافة التى تقطعها القوافل إذا قيست بطريق الساحل المحفوف بالمخاطر.

وتلى منطقةُ «القبلات» منطقة «الواحات» من الناحية الجنوبية، وهى آخر العمران فى الصحراء، وتضم: «فزان» فى «ليبيا»، و «بسكرة» فى «الجزائر»، و «سجلماسة» فى «المغرب الأقصى»، وتمتعت «القبلات» بمركز تجارى بارز؛ حيث كانت ملتقى قوافل التجارة الآتية من الشمال أو من جنوب الصحراء الكبرى.

ثم تلت منطقةُ رمال الصحراء المعروفة بالعرق منطقة «القبلات»، وهى بداية الصحراء الكبرى التى تنعدم فيها الحياة، وتتخللها الهضاب المرتفعة المعروفة باسم: «الحمارات»، وقد أُطلق على هذه المنطقة اسم: «مناطق الموت»؛ نظرًا إلى انعدام مظاهر الحياة بها.

سكان المغرب

عاش بالمغرب قبل الفتح الإسلامى ثلاثة أنماط من السكان، لكل منها سماته ومميزاته، هى:

1 – الروم: وهم الطبقة الحاكمة للشريط الساحلى للمغرب؛ إذ لم تمكنهم طبيعة البلاد وصعوبة الحياة بها من التوغل إلى داخلها، فضلا عن بغض القبائل لسلطة المستعمرين، واستقر بعض هؤلاء الروم هناك واشتغلوا بالتجارة وزرعوا الأرض، إلى جانب عملهم بالإدارة الحكومية.

2 – الأفارقة: وهم خليط من بقايا الأمم التى احتلت بلاد المغرب من الرومان والوندال وغيرهم، وهم ليسوا من البربر، ولكنهم انصهروا فى حياتهم الجديدة بمدن المغرب واستقروا بها، واختلطوا بالمتحضرين من البربر، ولم تكن تجمعهم بأهالى البلاد إلا الحياة المشتركة، المرتبطة بأسباب المعيشة.

3 – البربر: وهم الغالبية العظمى من سكان بلاد المغرب؛ وأصحاب البلاد الأصليون، وقد تصدوا للفتح الإسلامى – فى أول الأمر- ثم لم يلبثوا أن ساندوه، بعد أن اختلطوا بالمسلمين وعرفوا الدعوة الإسلامية ومبادئها السامية، فأقبلوا على الإسلام وآمنوا به، وحملوا رايته إلى «الأندلس»؛ مبشرين به ومدافعين عنه.

المغرب قبل الفتح الإسلامى

تعرض إقليم المغرب قبل الفتح الإسلامى لموجات من الغزو الرومانى والوندالى والبيزنطى، وعاشت المنطقة فى ظل سلطة أجنبية حاولتصبغها بحضارتها وأسلوبها فى الحياة على النحو الآتى:

– الحكم الرومانى للمغرب: بدأ أول اتصال بين المغرب والرومان حين استولى الرومان على «إفريقية» فى سنة (146 ق. م)، ثم على «نوميديا» فى سنة (46 ق. م)، واتجه الرومان منذ وطئت أقدامهم هذه البلاد إلى بناء المدن على السواحل وفى الداخل؛ لاتخاذها مراكز وقواعد لإقامة الحاميات الرومانية وحكام الولايات، وقد تضمنت هذه المدن بين جنباتها كثيرًا من المنشآت والمعابد والساحات والملاعب وغيرها، ويتضح ذلك فى مدينة وليلى التى بناها الرومان على رأس جبل، وجعلوا لها أبوابًا عالية واسعة، ويبلغ طول سورها نحو ستة أميال، وقد حوت هذه المدينة آثارًا وأنقاضًا كثيرة، ترسم صورة لمعالم الحضارة الرومانية التى كانت قائمة فى تلك المنطقة، وقد حاول الرومان نشر حضارتهم ولغتهم وديانتهم بين أهل المدن من البربر، وبخاصة الذين كانوا يعملون بمزارعهم وضياعهم، لكنهم لم يجدوا استجابة لمحاولاتهم، ولم تتمكن الحضارة الرومانية من فرض نفسها بصورة واضحة على البربر، خاصة فى الداخل، حيث تضعف السيطرة الرومانية.

– الحكم الوندالى للمغرب: خلف الوندالُ الرومانَ فى احتلال بلاد المغرب سنة (429هـ)، ولم يكونوا أهل حضارة بل كانوا شعبًا همجيا، عُرف بوحشيته وقسوته، فاهتم حكامه بفرض الضرائب التى أثقلت كاهل المغربيين وجمعها، فضلا عن ذلك فقد خرَّب القائد الوندالى «جنعديك» القلاع والحصون فى المدن المغربية باستثناء «قرطاجنة» العاصمة، حتى لا يتحصن بها البربر ويشقوا عصا الطاعة على الوندال، ومن ثَم لم يُخلف الوندال آثارًا حضارية بالمغرب، وكان حكمهم بمثابة سحابة سوداء جثمت قرنًا من الزمان على أرض المغرب.

– الحكم البيزنطى للمغرب: قامت الإمبراطورية البيزنطية على أنقاض الإمبراطورية الرومانية، فاستعاد البيزنطيون الحكم فى بلاد المغرب فى سنة (533م)، واهتموا بالعمارة وأنشئوا القصور والكنائسوالحصون، ذات الطابع البيزنطى، التى تأثر بها المسلمون فى إنشاء مساجدهم، واستخدموا ما تبقى من آثارهم فى تشييد أبنيتهم، ومع ذلك لم تختلف سياسة البيزنطيين عن سابقيهم، ففرضوا الضرائب، وتعسفوا فى جمعها، وانصرفت جهود حكامهم إلى جمع الأموال بكل السبل، فأدى ذلك إلى تخلى المزارعين عن أراضيهم، واضطر التجار إلى إغلاق متاجرهم، واتجه كثير من الناس إلى السلب والنهب، مما أدى إلى قيام العديد من الثورات ضد هذا الظلم.

ولقد تركت هذه الأمم بصماتها على حياة البربر، وخاصة فى المدن والمناطق الساحلية، كما تأثر الشعب المغربى بحضاراتهم على مراحل متعاقبة من الزمن. ومما سبق نلمس تمركز الإدارة الأجنبية بقواتها فى منطقة الساحل، وحرص هذه الإدارة على الاستفادة بقدر ما تستطيع من خبرات البلاد، ولعل هذا يفسر مدى مقاومة المغاربة للعرب، الذين مكثوا سبعين سنة فى محاولات دائبة ومستمرة لفتحها، إذ عدُّوهم أجانب مثل غيرهم من الرومان والوندال فقاوموهم كل هذه الفترة مقاومة شديدة.

الفتح الإسلامى للمغرب

بعد أن فتحت مصر على يد القائد «عمرو بن العاص» سنة (21هـ = 642م)، كان من الطبيعى أن يمتد هذا الفتح تجاه المغرب فى «برقة» و «طرابلس» باعتبارهما الامتداد الجغرافى الطبيعى للمنطقة، وإلى رغبة المسلمين فى تخليص هذه الشعوب من قبضة المستعمرين، وإتاحة الفرصة أمامها لتعرُّف الدين الإسلامى للدخول فيه والإيمان به.

وقد مرَّ الفتح الإسلامى لهذه البلاد بعدة مراحل هى:

المرحلة الأولى وهى مرحلة الاستطلاع

وتبدأ من سنة (21هـ=642م) إلى سنة (49هـ= 669م) وتشمل هذه المرحلة جهود ثلاثة من قادة الفتح الإسلامى وهم:

– عمرو بن العاص

هو القائد العسكرى الخبير، والصحابى الجليل «عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم» الذى أعلن إسلامه فى العام الثامن الهجرى، وشارك بدور بارز فى النشاط العسكرى للمسلمين فى عهد النبى – صلى اللهعليه وسلم-، وعهد «أبى بكر الصديق»، فلما تولى «عمر بن الخطاب» أمور الخلافة أسند إليه بعض المهام العسكرية، ومنها فتح «مصر»، فلما فرغ من ذلك توجه بقواته إلى مدينة «برقة» فاستسلمت للقائد المسلم دون قتال، ووافقت على شروطه، ودخل بعض أبنائها فى الإسلام، وارتضى بعضها الآخر دفع الجزية مقابل الاحتفاظ بعقيدته.

وكان أغلب سكان هذه المدينة من قبيلة «لواته» البترية. فلما اطمأن «عمرو» إلى استقرار الأوضاع ببرقة قسّم قواته إلى جزئين، وخرج على رأس أحدهما نحو «طرابلس»، وبعث بالجزء الثانى إلى «زويلة» و «الواحات الداخلية»، حتى لا يكون الفتح مقصورًا على الشريط الساحلى فحسب، ولكى يأمن الهجوم عليه من الخلف وقد دل عمرو بن العاص بذلك على براعة عسكرية وخبرة بفنون القيادة ومعرفة بأحوال المنطقة وطبيعتها.

كانت «طرابلس» مدينة حصينة ذات أسوار عالية فحاصرها فترة ثم تمكن من فتحها بعد صدام لم يطل مع القوة البيزنطية الموجودة بالمدينة، ولم يمكث «عمرو» طويلا بعد أن تم له فتح «طرابلس»، وسارع بإرسال جزء من جيشه إلى مدينة «سبرت» لمفاجأتها قبل أن تستعد لملاقاته، وفوجئ أهلها بالمسلمين على أبواب مدينتهم، فسقطت دون عناء.

وكان يمكن لعمرو بن العاص أن يمضى فى مسيرته ليفتح إفريقية، لكنه لم يكن ليفعل ذلك دون استئذان الخليفة «عمر بن الخطاب» ومشاورته، فبعث إليه برسالة جاء فيها: «إن الله قد فتح علينا طرابلس، وليس بينها وبين إفريقية إلا تسعة أيام، فإن رأى أمير المؤمنين أن يغزوها، ويفتحها الله على يديه فعل». ولكن الخليفة رفض رغبة «عمرو بن العاص» فى استمرار الفتح، لحرصه على حياة الجنود، وعدم الزَّجِّ بهم فى ميادين بعيدة عن مقر الخلافة، خاصة وأن الخليفة «عمر بن الخطاب» كان على علم ودراية بأحوال إفريقية، ولديه انطباع بأنها تمثل خطورة شديدة على الجيش الفاتح لكثرة ثوراتها واشتعال الفتن والقلاقل بها من حين إلى آخر، ولذاتوقف الفتح ورجع «عمرو بن العاص» إلى «مصر» قبل منتصف سنة (23هـ = 644م)، بعد أن مهَّد الطريق لمن سيأتى بعده.

عبدالله بن سعد بن أبى السرح

أحد صحابة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أسلم قبل الفتح الإسلامى بمكة، وتولى إمارة «مصر» فى سنة (25هـ = 646م)، خلفًا لعمرو بن العاص، فأخذ يصرف أمورها ويدبر شئونها، ويبعث بالسرايا للإغارة على أطراف إفريقية، ولكنه شعر أن هذه السرايا لم تعد كافية لتأمين الحدود الغربية لمصر، فبعث إلى الخليفة «عثمان بن عفان» يستأذنه فى الخروج على رأس حملة عسكرية تجاه إفريقية لتأمين «مصر» والمسلمين من الخطر البيزنطى المسيطر على إفريقية، فتشاور الخليفة مع مَن حوله، ووافق على مطلب «ابن أبى السرح»، وأمده بجيش كبير، ضم نخبة من الصحابة والتابعين بقيادة «الحرث بن الحكم»، فلما وصل «مصر» انضم إلى قوات عبدالله بن أبى السرح فصارت نحو عشرين ألفًا، وانطلق بها إلى إفريقية التى كانت تحت حكم القائد البيزنطى «جريجوريوس» المعروف باسم «جرجير» فى المصادر العربية.

استعد هذا القائد استعدادًا جيدًا لملاقاة المسلمين، وتحصن فى مدينة «سبيطلة»، وعسكر المسلمون فى بلدة «قمونية» التى تبعد بضعة أميال عن مدينة «سبيطلة»، ثم بدأت المفاوضات بين الطرفين، وعرض المسلمون شروطهم كما أمر الإسلام، وهى: الإسلام، أو الجزية، أو القتال، ولكن المفاوضات فشلت، وفشل معها الحل السلمى، وبدأت المناوشات العسكرية بين الطرفين، وشعر المسلمون بقوة البيزنطيين؛ لقوة تحصيناتهم وكثرة عدد جنودهم، وحين ظنوا أن النصر لن يحالفهم أقبل عليهم «عبدالله بن الزبير» بمدد من «المدينة» كان له أثر فى تحقيق النصر للمسلمين، ففتحوا مدينة «سبيطلة» وقتلوا القائد البيزنطى «جُرجير»، وتمكنوا من الاستيلاء على المعاقل والحصون، وجمعوا مغانم كثيرة، حتى إن سهم الفارس بلغ ثلاثة آلاف دينار (للفرس ألفا دينار، ولفارسه ألف) وللراجل ألفوكان من المتوقع بعد هذا النصر العظيم أن يواصل المسلمون زحفهم صوب «المغرب الأوسط»، إلا أن «عبدالله بن أبى السرح» قرر فجأة العودة بجنده إلى «مصر»، ولعل الذى دعاه إلى ذلك ما علمه من تأهب البيزنطيين واستعدادهم لخوض معركة شرسة ضد المسلمين انتقامًا لمقتل «جرجير» وسقوط «سبيطلة»، فآثر عدم المخاطرة بجنوده، واكتفى بما حقق، خاصة أن المسلمين لم تكن لهم قاعدة عسكرية قريبة يلجأون إليها عند الحاجة، ولذا عاد بجيشه إلى «مصر».

ثم توقف النشاط العسكرى فى إفريقية بعد ذلك لتوالى الأحداث وتلاحقها فى المشرق، حيث ثار بعض الخارجين على الخليفة «عثمان بن عفان»، وانتهى الأمر باستشهاده، فخلفه الإمام «على بن أبى طالب»، ولم يلبث أن استشهد هو أيضًا، فتولى «معاوية بن أبى سفيان» خلافة المسلمين.

معاوية بن حديج

أدرك «معاوية بن أبى سفيان» أهمية إفريقية من الناحية الاقتصادية، ودورها المؤثر فى البحر المتوسط، فضلا عن موقعها المجاور لمصر الإسلامية، فأرسل «معاوية بن حديج» على رأس جيش لمتابعة الجهاد فى إفريقية، فخرج إليها سنة (45هـ=665م)، والتقى بالبيزنطيين عند «قمونية»، ودار قتال مرير بينهما أسفر عن انتصار كبير للمسلمين، وقتل كثير من البيزنطيين، ثم مضى المسلمون نحو «جلولاء» واستولوا عليها بعد قتال شديد.

وإلى هنا تنتهى المرحلة الأولى من مراحل الفتح التى أُطلق عليها:

«مرحلة الاستطلاع»، وترجع أهميتها إلى أنها مكنت المسلمين من الاحتكاك بالبربر على أرض «المغرب»، ومعرفة أحوال هذه البلاد، مما كان له أثر فى إقبال بعض سكان المنطقة من البربر -وبخاصة فى «برقة» – على الإسلام.

المرحلة الثانية

وهى مرحلة الارتكاز والانتشار، وتمتد من سنة (50هـ=670م) إلى سنة (64هـ= 684م)، وتتضمن ولايتى: «عقبة بن نافع» الأولى والثانية، وولاية: «أبى المهاجر دينار».

عقبة بن نافع

تولى «عقبة بن نافع» إمرة الجيش فى سنة (50هـ=670م) وتوجه إلىإفريقية، ولم تكن هذه هى المرة الأولى التى يتوجه فيها إلى إفريقية؛ إذ إنه اشترك من قبل فى حملة «عمرو بن العاص» على «برقة»، وتولى فتح المناطق الداخلية بها، وأقام فيها فترة، ونشر الإسلام بين سكانها، فأكسبه ذلك خبرة ومعرفة بأوضاع البلاد وحالة سكانها.

انطلق «عقبة» على رأس قواته التى بلغت عشرة آلاف مقاتل إلى إفريقية، متخذًا الطريق الداخلى، ومبتعدًا عن الطريق الساحلى؛ لكثرة القلاع والحصون البيزنطية على الساحل، ولرغبته فى استخدام عنصر المفاجأة مع سكان الواحات، لتحقيق نصر سريع فتحقق له ما أراد، واستولى على كثير من المدن والقلاع والحصون مثل: «ودن»، و «جرمة» و «قصور فزان»، و «خادار»، و «غدامس»، كما استولى على مدينتى «قنصة» و «قصطيلية».

رأى «عقبة» أن أفضل طريقة لتثبيت الفتح الإسلامى فى هذه المنطقة هو بناء مدينة يسكنها الناس تصبح قاعدة عسكرية، وتكون مركزًا لأعمال الفتح القادمة، فوقع اختياره على مكان مدينة «القيروان»، وكان واديًا كثير الشجر، تأوى إليه السباع والوحوش والهوام، فأعده هو ومَن معه من المسلمين وبنى به مسجدًا ودارًا للإمارة، ثم بنى الناس دورهم حول المسجد، وظلت عمليات البناء هذه حتى سنة (55هـ=675م).

وتجلَّت عبقرية «عقبة» فى حسن اختياره لمكان المدينة؛ إذ توافر فيه البعد الكافى عن شواطئ البحر المتوسط، ليأمن المسلمون غارات الأسطول البيزنطى المتكررة، والقرب من قبائل البربر ووسط معاقلهم، وهى خطوة عملية فى سبيل اجتذابهم إلى الدين الإسلامى، واندماجهم مع العرب الفاتحين، يضاف إلى ذلك أن موقع «القيروان» كان على الطرق الموصلة إلى «مصر»، وبذلك ضمن «عقبة» سلامة خطوط إمداده من «مصر»، ولكنه لم يستمر ليجنى ثمرة جهوده، إذ تم عزله، وتولى «أبو المهاجر دينار» إمارة الجيوش وولاية المغرب بدلا منه.

أبو المهاجر دينار

أقبل «أبو المهاجر» على «القيروان»، وكره المقام فيها، فاختطلجنوده معسكرًا يبعد عنها نحو ميلين، ثم أقام به، وأخذ يوجه نشاطه الدينى والعسكرى منه، ويروى أنه خرج على رأس حملة كبيرة وصلت إلى مدينة «تلمسان»، كما فتح «جزيرة شريك»، وعامل البربر بمودة وعرفهم بحقيقة الدين الإسلامى وعمل على نشره بينهم، ولم يستمر «أبو المهاجر» طويلا؛ إذ تم عزله، وعودة «عقبة ابن نافع» مرة ثانية.

عقبة بن نافع

عاد «عقبة» إلى المغرب ثانية فى سنة (62هـ=682م)، بقرار من الخليفة «يزيد بن معاوية بن أبى سفيان»، وقد اختلفت ولايته الثانية عن سابقتها؛ إذ بينما تميزت ولايته الأولى ببعض الأعمال العسكرية الداخلية فى «إقليم الواحات»، وقضاء الشطر الأكبر منها فى تأسيس مدينة «القيروان» وتعميرها، نراه فى ولايته الثانية يقوم بغزوة كبرى، يصل فيها إلى شواطئ «المحيط الأطلسى»، وقد انطلق عبر الطريق الداخلى بعيدًا عن الساحل، ودخل فى معارك عنيفة مع الروم حتى أجبرهم على الفرار، وتمكن من فتح أمنع حصونهم مثل:

«لميس»، و «باغاية»، ثم فتح «أذنة» قاعدة «الزاب»، واستولى على مغانم كثيرة منها، بعد معارك ضارية مع أهلها، ثم اتخذ طريق الساحل ليطرق أبواب «المغرب الأقصى»، وتم له ذلك، فكان أول فاتح عربى تطأ قدماه هذا الإقليم، فبادر «بطنجة» أهم مدن الإقليم، فأسرع حاكمها «يليان»، وقدم فروض الطاعة لعقبة مع كثير من الهدايا والتحف، فانطلق «عقبة» عقب ذلك إلى مدينة «وليلى» ومنها إلى بلاد «درعة» و «السوس» والتقى هناك مع جموع البربر فى معركة حامية، وتمكن من هزيمتهم، وواصل مسيرته حتى بلغ المحيط.

ولم ينس خلال كل هذه الأحداث الهدف الأسمى الذى خرج من أجل تحقيقه، فبنى مسجدًا بالسوس وآخر بدرعة وجعل بهما بعض فقهاء المسلمين ودعاتهم، لتعليم سكان هذه البلاد قواعد الدين الجديد، ثم أذن «عقبة» لجزء كبير من قواته بالعودة إلى «القيروان» لطمأنة أهاليهم، بعد غياب استمر ما يقرب من عام، وبقى «عقبة» مع الجزءالمتبقى من الجيش، وكان عدده نحو خمسة آلاف مقاتل.

استعان «كسيلة» زعيم البربر بالروم على العرب الفاتحين، وأعد كل منهما عدته وجنوده لملاقاتهم، ثم قطعوا خط الرجعة على «عقبة» ومَن معه عند «سهل تهودة»، فاقتتل الفريقان قتالا شديدًا، واستشهد «عقبة» وعدد كبير ممن كانوا معه، ودخل «كسيلة» زعيم البربر مدينة «القيروان»، فانتهت بذلك المرحلة الثانية من مراحل الفتح.

المرحلة الثالثة

وهى مرحلة إتمام الفتح، وتمتد من سنة (69هـ=688م) إلى سنة (90هـ=709م)، وتشمل جهود ثلاثة من القادة الفاتحين، وهم: «زهير بن قيس»، و «حسان بن النعمان»، و «موسى بن نصير».

– زهير بن قيس البلوى

أحدث استشهاد القائد «عقبة بن نافع» ومن معه من أبطال المسلمين أثرًا سيئًا فى نفوس المسلمين المقيمين بالقيروان، وضاعت جهودهم فى الإقامة بالمنطقة؛ حيث زحف «كسيلة» وجنوده على «القيروان»، وبذل «زهير بن قيس» – الذى خلف «عقبة» فى إدارة شئون البلاد- كل جهوده فى بث الحماسة والحمية فى نفوس المقيمين بها، وحثهم على الثبات بقوله: «يا معشر المسلمين، إن أصحابكم قد دخلوا الجنة، وقد منَّ الله عليهم بالشهادة، فاسلكوا سبيلهم، ويفتح الله لكم دون ذلك». ولكن الخوف كان قد سيطر على نفوس الناس، فآثروا الرحيل على الإقامة، وذهبت كل جهود «زهير» سدىً، واضطر إلى التخلى عن «القيروان»، وتوجه إلى «برقة» مع من استطاع الرحيل من المسلمين، وظل بعض المسلمين – ذوى الظروف الخاصة- بالقيروان، وطلبوا الأمان من «كسيلة» فمنحهم إياه، وأعلن نفسه أميرًا على المدينة.

توقف النشاط العسكرى بالمغرب مدة خمس سنوات تقريبًا، بسبب الأحداث التى واجهتها الخلافة الأموية فى دمشق، حيث توفى الخليفة «يزيد بن معاوية» فاضطرب البيت الأموى نتيجة لذلك، ثم تولى «مروان بن الحكم» الخلافة، وقامت ثورة «عبدالله بن الزبير» بمكة، فاستنزفت هذه الثورة وقت وجهد «مروان بن الحكم» وابنه «عبدالملك» من بعده.

ثم تولى «عبدالملك بن مروان» الخلافة بدمشق فى سنة (65هـ= 685م)، فواجهته المشاكل والثورات العديدة، ولكن ذلك لم يمنعه من التفكير فى أوضاع إفريقية، وضرورة استعادة نفوذ المسلمين بها، واستشار من حوله فى ذلك، واستقر الرأى على ضرورة تجهيز حملة جديدة، يكون على رأسها «زهير بن قيس»؛ لمعرفته بطبيعة المنطقة وأحوال الناس هناك، فضلا عن شجاعته وحبه للجهاد، فأرسل الخليفة بذلك إلى «زهير» ببرقة، وأمده بما تحتاج إليه هذه الحملة، وحشد إليه وجوه العرب، ووفر له المال اللازم، فرتب «زهير» أموره، وخرج للقاء «كسيلة» وجموع البربر والروم، فعلم «كسيلة» بتحركات «زهير» وفضَّل الخروج لملاقاته خارج «القيروان». خشية أن ينضم المسلمون المقيمون بها إلى جيش «زهير»، واختار منطقة «ممس» التى تبعد مسافة يوم عن «القيروان»، لتكون معسكرًا لجنوده، لوفرة المياه بها وقربها من الجبال، التى يمكن الاحتماء بها، أو الهروب إليها إذا ما حلَّت الهزيمة بجنوده.

وصل «زهير» على رأس قواته إلى «القيروان»، واستراح خارجها عدة أيام عبأ فيها قواته، وتجهز للمعركة، ثم انطلق للقاء «كسيلة» وجموعه من البربر والروم عند «ممس»، ودارت بين الفريقين معركة حامية؛ حمى فيها الوطيس، وكثر عدد القتلى من الفريقين، ولكن المسلمين صمدوا، وتمكنوا من قتل «كسيلة»، فدبَّ الضعف والوهن فى جموع البربر والروم، وتكاثر عليهم المسلمون من كل مكان، وقتلوا منهم عددًا كبيرًا، وتتبعوهم حتى فروا من أرض المعركة؛ يجرون وراءهم أذيال الهزيمة المنكرة.

انتهز الروم فرصة رحيل الجيش الإسلامى من «برقة» إلى «القيروان»، وقرروا مباغتة مدينة «برقة»، مستعينين ببعض قطع أسطولهم الراسية على شواطئ «صقلية»، وانطلقوا بها صوب «برقة»، فلم تستطع المدينة مقاومتهم وسقطت بين أيديهم، فألحقوا بها الدمار واستولوا على ما فيها من أموال، فضلا عن السبايا والأسرى، ولمابلغت هذه الأنباء المؤلمة مسامع «زهير» أسرع بمن معه من الجنود -وكانوا قلة- لنجدة المدينة، ولكن الروم كانوا كثرة، فخرجوا عليه وعلى جنوده من كل مكان، وأسفر ذلك عن هزيمة المسلمين واستشهاد «زهير».

– حسان بن النعمان

لم يستطع الخليفة «عبدالملك بن مروان» اتخاذ موقف حاسم إزاء الكارثة التى حلت بالمسلمين بإفريقية، نظرًا لانشغاله بثورة «عبدالله بن الزبير»، فلما قضى عليها، عاوده التفكير ثانية فى إفريقية، وكيفية معالجة أوضاعها، وبدأ فى البحث عن قائد جديد يتولى مهمة قيادة حملة جديدة على إفريقية، ووقع اختياره على القائد «حسان بن النعمان». الذى كانت له مكانة مرموقة لدى بنى أمية، وحرصت الخلافة على أن تهيىء له عوامل النصر، فحشدت له أعدادًا غفيرة من الجنود، ووفرت له العدة والعتاد اللازمين فانطلق «حسان» إلى إفريقية على رأس جيش تعداده أربعون ألف مقاتل، وعزم على القضاء على قوة الروم، وخطورتهم على التواجد الإسلامى بهذه البلاد، وما إن وصل بجيشه إلى «القيروان» – على أرجح الآراء – فى سنة (74هـ= 693م) حتى أخذ يستفسر ويسأل عن أماكن تجمعات الروم، وعدد جنودهم، وأنواع معداتهم، فعلم أن «قرطاجنة» هى مركز تجمعات الروم وعاصمتهم بإفريقية، فانطلق بقواته نحوها، ثم حاصرها. وقد كانت مدينة حصينة وتضم أعدادًا كبيرة من الروم، وكتب الله له شرف اقتحامها وفتحها بعد مشقة وجهد كبيرين، ثم مضى نحو «صطفورة» وقضى على من بها من جنود الروم والبربر، ثم توجه إلى «بنزرت» وفتحها؛ وقضى على معاقل الروم بها، ثم عاد إلى «القيروان» لكى يرتاح الجند، ويستعدوا للمواجهة القادمة.

وبعث «حسان» بالعيون لمعرفة إمكانات «البربر» وأماكن تجمعاتهم، وأخذ يسأل من حوله عنهم وعن زعمائهم، فعرف أن هناك كاهنة تدعى «داهيا» من قبيلة «جرادة» البربرية، تمكنت بادعاءاتها وكهانتها من السيطرة على معظم قبائل البربر، وبسطتنفوذها عليهم منذ ما يقرب من خمسة وثلاثين عامًا، وهى تقيم فوق جبل «أوراس»، وقد اتخذته هى وأعوانها معقلاً وحصنًا.

وانطلق «حسان» بجنوده صوب معقل الكاهنة وجموعها من البربر، والتقى الفريقان فى وادى «مسكيانة»، ودارت بينهما معركة طاحنة، انتهت بهزيمة المسلمين، وانسحاب «حسان» بمن معه منها، وعادوا إلى «برقة»، ثم بعث «حسان» بما حدث إلى الخليفة «عبدالملك»، موضحًا له عوامل الهزيمة، ومدى قوة الكاهنة بمن معها من حشود البربر، فبعث إليه الخليفة بأن يقيم بجنوده فى مكانه حتى تعدّ الخلافة الإمدادات اللازمة لجولة أخرى، وامتثل «حسان» لقرار الخليفة، وشيد هو ومَن معه مساكن للإقامة بها.

وكانت الكاهنة قد أسرت جماعة من المسلمين، وأبقت على حياتهم لتعرف منهم أخبار المسلمين وإمكاناتهم، وقد استأثرت بخالد ابن يزيد – أحد الأسرى -ومنحته عطفها، وجعلته فى منزلة ابنها، فاستغل هذه الفرصة وأمدَّ قائده-سرًّا – بالمعلومات عن أوضاع الكاهنة وأخبار معاونيها، ومن معها من البربر، فى الوقت نفسه ظنت الكاهنة أن المسلمين مثلهم مثل بقية الغزاة الذين جاءوا إلى هذه البلاد بغية الاستيلاء على أموالها وثرواتها وخيراتها، ولذا أمرت أعوانها بتخريب البلاد وهدم حصونها ونهب أموالها، راجية من وراء ذلك أن يرحل المسلمون عن هذه المنطقة لانعدام السبب الذى جاءوا من أجله. ولاشك أن هذا تصور خاطئ، وظن ليس فى محله، لأن هدف المسلمين الأوحد هو إتاحة الفرصة للشعوب لتعرُّف الإسلام، ونشر العدل والمساواة بين الناس، وقد جاءت خطوة التخريب التى قام بها أعوان الكاهنة بعكس ما كان متوقعًا، فضلا عن تدهور اقتصاد البلاد، وسارع سكان هذه المدن باللجوء إلى المسلمين والاحتماء بهم، مطالبين بإنقاذهم مما حل بهم على أيدى الكاهنة وأعوانها، فكان لذلك أثره فى دعم قوة المسلمين. خاصة وأن أهل «قابس» و «قفصة» وغيرهم، أمدوهم بالمال وأعلنوا لهم الطاعة.

انطلق «حسان» بقواته لملاقاة الكاهنة، ودارت بينهما معركة عنيفة؛ أسفرت عن مقتل أعداد كثيرة من أتباع الكاهنة، ثم مقتل الكاهنة نفسها عند بئر، عرف فيما بعد باسم: «بئر الكاهنة».

وهكذا استطاع «حسان» أن يقضى على مقاومة البربر مثلما قضى من قبل على جحافل الروم، وعمد إلى تثبيت أقدام المسلمين فى «إفريقية» و «المغرب الأوسط»، وقام ببعض الأعمال المهمة، التى من شأنها تثبيت عملية الفتح فى المنطقة، فعمَّر مدينة «ترشيش»، وهى تبعد نحو (12) ميلا عن شرقى «قرطاجنة»، لتكون ميناء عربيا إسلاميا، بدلا من «قرطاجنة» البيزنطية التى تم هدمها فى المعارك، ثم أنشأ بها دارًا لصناعة السفن، ليكفل حماية شواطئ المغرب الإسلامية من تطلعات البيزنطيين وغاراتهم، واتبع «حسان» سياسة جديدة فى إدارة شئون هذه البلاد، ووضع الأسس التى تجعل من «المغرب» ولاية عربية؛ تعتمد على مواردها، دون الاعتماد على غيرها فى شىء، ومن هذه الأسس:

أولاً: أنشأ إدارة حكومية، واعتبر أرض المغرب مفتوحة صلحًا لا عنوة مع الذين أسلموا من أهلها، ومعنى ذلك أن يؤدوا عنها ضريبة العشر، أما الأراضى التى كانت ملكًا للبيزنطيين ومَن قاوم الفتح من الأفارقة وغيرهم، فقد اعتبرها «حسان» مفتوحة عنوة، ولذا اعتبرها من أملاك المسلمين، واعتبر مَن وجدهم عليها موالى لهم، فكان لهذه الناحية الاقتصادية المهمة أثر بالغ فى نفوس البربر.

ثانيًا: عمد إلى إشراك البربر بجيشه، ورغبهم بالغنائم، وعاملهم معاملة الجند العرب فى الحقوق والواجبات، وأدى ذلك إلى مزيد من الاحتكاك بين المسلمين والبربر، مما دفع الكثيرين منهم إلى الدخول فى الإسلام.

ثالثًا: وزع مسئولية الحكم على القبائل المختلفة، واختص كل قبيلة بناحية معينة تمشيا مع طبيعة البلاد.

ولهذه السياسة التى رسمها «حسَّان بن النعمان» وأرسى قواعدها أعظم الأثر فى نفسية البربر، وفى علاقتهم بالعرب الفاتحين،وازدادت معرفتهم بالدين الجديد الوافد عليهم، ودخله الكثيرون منهم، ودخل «المغرب» فى طور جديد من التنظيم السياسى، ثم عُزل «حسان»، وعُيِّن «موسى بن نصير» مكانه.

– موسى بن نصير

وصل الوالى الجديد «موسى بن نصير» إلى «القيروان»، سنة (86هـ= 705م)، فألقى على الناس فور وصوله خطبة، أعلن لهم فيها سياسته التى سينتهجها لفتح بقية أقاليم المغرب، ثم انطلق موسى على رأس قواته إلى قلعة «زغوان» التى على مسيرة يوم من «القيروان»، واستولى عليها، فى الوقت الذى أرسل فيه أبناءه على رأس مجموعات من الجند لإخضاع المناطق المحيطة بالقيروان، وقد نجحوا فى تحقيق ما خرجوا من أجله، وكان هدف «موسى» من ذلك تأمين خطوطه الخلفية إذا ما خرج للجهاد بالمغربين الأوسط والأقصى، فلما تحقق له ما أراد، انطلق إلى «المغرب الأوسط» وأخضع قبائله، وفتح قلاعه وحصونه، ثم انطلق إلى «المغرب الأقصى»، متَّبعًا سياسته التى سار عليها فى جميع حملاته العسكرية، وتتمثل فى توزيع نشاطه العسكرى فى شتى الاتجاهات فى آنٍ واحد، لبث الرعب فى قلوب الأعداء، فأُجبر البربر على الفرار إلى المناطق البعيدة، ونجح فى بسط نفوذ المسلمين على «المغرب الأقصى» حتى بلاد «درعة»، ثم استولى بعد ذلك على «طنجة»، وكان أول مَن نزلها، واختط فيها للمسلمين، وجعل عليها مولاه «طارق بن زياد».

وقد اتبع «موسى بن نصير» سياسة من سبقه من الولاة فى نشر الدين الإسلامى بين صفوف «البربر»، وترك الدعاة يحفظون الناس القرآن الكريم، ويعلمونهم تعاليم الدين، وكذلك بنى المساجد، وأشرك البربر -مثلما فعل «حسان» من قبل- فى حكم البلاد. ويتضح ذلك فى توليته «طارق بن زياد» -الذى يرجع نسبه إلى البربر- شئون «طنجة» عاصمة «المغرب الأقصى» وأهم مدنه – آنذاك- وقد قاد طارق -فيما بعد- جيشًا كبيرًا من البربر لفتح بلاد «الأندلس».

ثم صدرت الأوامر من قِبَل الخلافة باستدعاء «موسى»، فأسرع بتنفيذالأمر، وترك ابنه «عبدالله» بالقيروان، خلفًا له فى إدارة «المغرب»، وانطلق صوب المشرق فى سنة (96هـ= 715م)، فانتهت بعودته إلى المشرق أعمال الفتح المختلفة؛ وبدأ بالمغرب عصر جديد؛ هو عصر الولاة.

لقد استمرت أعمال فتح «بلاد المغرب» نحو سبعين سنة، وأخذ ذلك جهدًا كبيرًا؛ بذلت فيه الخلافة الإسلامية كثيرًا من الرجال والأموال، وهذا يغاير بصورة واضحة أعمال الفتح الأخرى التى قام بها المسلمون فى الأقاليم الأخرى، مثل: «الشام» و «مصر»، وكان لذلك أسبابه، مما أخَّرَ عملية الفتح.

أولاً – طبيعة المكان

لعل من أبرز أسباب تأخر فتح «بلاد المغرب» هو بُعْد هذه المنطقة عن مقر الخلافة الإسلامية، فضلاً عن طبيعة منطقة القتال، وهى ساحل ضيق، تركزت فيه مقاومة البيزنطيين، وتجاورها جبال شاهقة، لجأت إليها جموع البربر واعتصمت بها، يضاف إلى ذلك وجود صحراء واسعة يشق على المحارب اجتيازها.

ثانيًا – البيزنطيون

وهم الذين استعمروا هذه المنطقة منذ زمن بعيد، ولذلك عرفوا أهميتها، ومقدار خيراتها وثرواتها، فدافعوا عنها بكل ما يملكون رغبة منهم فى إبقاء هذا المورد الثَّرِّ، الذى يدعمون بما يحصلون عليه منه اقتصاد بلادهم وبقاء حضارتهم، وقد عمد البيزنطيون إلى محاربة المسلمين، فضلا عن تأليب جموع البربر عليهم، كما حدث فى علاقة «كسيلة» معهم.

ثالثًا – سكان البلاد (البربر)

بات «البربر» لا يرحبون بأى قادم نحوهم، دفاعًا عن حريتهم وأرضهم، وذلك ناتج عن القهر والذل والهوان الذى سيطر عليهم أعوامًا طويلة على يد الاستعمار الأجنبى لبلادهم، وكانت المقاومة أشد وأعنف من قبل هؤلاء الذين نالوا حظا من الحضارة، حيث كانوا ملاصقين للبيزنطيين، ومتأثرين بدعايتهم.

رابعًا – المسلمون الفاتحون

لعل الأحداث السياسية التى كان يمر بها المشرق الإسلامى، فضلا عن الفتن والثورات التى انشغلت بها الخلافة الإسلامية – آنذاك – من بين أسباب تأخر فتح «بلاد المغرب».

السابق
العلاقات الخارجية والأوضاع الحضارية للدول الأربعة
التالي
بنو زيرى بالمغرب