المؤرخون

الواقدي ومنهجه في كتاب المغازي

يعد كتاب المغازي لمحمد بن عمر الواقدي أشهر ما أُلِّف في السيرة النبوية ومغازي الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد شاع منذ تأليفه، وتلقفته الأجيال وحلقات الدرس في طول العالم الإسلامي وعرضه عبر العصور، وقد وصلنا الكتاب كاملا مطبوعًا.

كتاب المغازي للواقدي
كانت كتب الواقدي (130هـ – 207هـ  / 747م – 823م) مصدرًا أصيلًا لكل المؤرخين الذين جاءوا بعده فما من مؤرخ إلا واقتبس من كتبه، مثل اقتباسات الطبري من كتاب التاريخ الكبير، ولكن لسوء الحظ ضاعت معظم هذه الثروة العلمية التي خلفها الواقدي ولم يبق من كتبه إلا عدد قليل، منها:

كتاب فتوح الشام، وكتاب المغازي، وكتاب الردة، وقد ذكر في أول المغازي شيوخه الذين أخذ عنهم علم المغازي فأوصلهم إلى خمسة وعشرين شيخًا، ومعظمهم من أهل المدينة.

كتاب المغازي
قدم لنا الواقدي كتابه المغازي، الذي يمثل الصورة الأخيرة من مراحل تطور السيرة النبوية في القرنين الأول والثاني للهجرة. وهو لم يرو عن الزهري مباشرة ولكنه اعتمد -في الأغلب- على الرواة الذين رووا الأخبار عن الزهري، ومما يجدر ذكره أن الشخص الوحيد الذي لم يتعرض الواقدي لذكره من بين تلامذة الزهري، هو ابن إسحاق، والرأي الراجح عندنا في هذا الترك هو أن ابن إسحاق ترك المدينة قبل أن يولد الواقدي.

منهج الواقدي في المغازي
منهجه الواقدي في ذكر الأسانيد
يبدأ الواقدي مغازيه بذكر قائمة طويلة من الرجال الذين نقل عنهم تلك الأخبار، وفي أماكن كثيرة يقدم لنا الواقدي قصة الواقعة بإسناد جامع- أي يجمع الرجال والأسانيد في متن واحد. فقد بدأ بتسمية رجاله الذين كتب عنهم، وبلغ عددهم خمسة وعشرين شيخًا، ومنهم من هو معروف بالعلم، والسيرة خاصة، ومنهم من هو غير معروف، ومنهم المقبول، ومنهم غير المقبول، ومنهم من له مصنف في السيرة النبوية، ومنهم من لا يعرف بذلك.

وهؤلاء المجهولون هم الذين كان يتتبعهم الواقدي ليسمع منهم ما أثروه وسمعوه من آبائهم وأجدادهم، ولهذا وُصف الواقدي بأنه يَروي عن كل ضرب، وقد حاول تلميذه محمد بن سعد انتقاء بعض الروايات التي كان يجمعها وأن تكون أخباره عن المعروفين، وأحيانًا يطوي مع هذا العدد الكبير من الشيوخ ذكر عدد آخرين.

وكان الواقدي يكرر في كثير من الغزوات والسرايا ذكر الشيوخ الذين حدثوه، وأحيانًا يزيدون وأحيانًا ينقصون، ولكنه دائما يجمع خلاصة ما سمع، ويقول: فكل قد حدثني بطائفة من هذا الحديث، وغيرهم ممن لم أسم، فكتبت كل ما حدثوني. ويقول أحيانًا: وغير هؤلاء ممن لم يسم أهل ثقات، فكل قد حدثني بهذا الحديث بطائفة وقد كتبت ما حدثوني.

وهذه الأسانيد التي يذكرها خلال عرضه للأحداث، منها ما هو مرفوع، ومنها ما هو مرسل، ثم يعود فيقول: قالوا: أي شيوخه الذين صدر بهم الحدث، ويعرض التفاصيل دقيقة عن الغزوات من حيث عدد الغزاة ومتاعهم، ومركوبهم وطريق سيرهم، وما يحصل بينهم، ويرجح ويختار، ويقرر بعض الأحداث تقرير الواثق مما يقول.

وكان خلال حديثه عن الغزوة ينقل بأسانيده -ومنها الجياد ومنها الضعاف- أخبارًا موضحة ومعلومات هامة متعلقة بالموضوع، مما يضفي على عمله صفة الاستقصاء زيادة على ما جمعه من المصنفين قبله: الزهري، ومعمر، وموسى بن عقبة، وأبو معشر، ومحمد بن صالح بن دينار ويزيد بن رومان، والطبقة الأولى مثل: عاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكر بن حزم وغيرهم.

وبهذا نستطيع أن نتصور الجمع الذي أراد الواقدي القيام به، وبالمقارنة بين روايات ابن إسحق والواقدي يتبين أن الواقدي لم يَرْو عن ابن إسحق مباشرة ونقل عنه بندرة، وذكر كثيرا من الروايات والتفاصيل التي لم يذكرها ابن إسحق.

منهجه في المغازي والسرايا
وقد بدأ الواقدي بالسرايا والغزوات النبوية، ولم يعرض فيه للمبتدأ، والمبعث خلاف عمل ابن إسحق وآخرين، بل قصره على موضوعه المغازي. وقد ساق تاريخا موجزا أشبه ما يكون بفهرس للغزوات النبوية حدد فيها تاريخ الغزوات، مع بعض المعلومات الضرورية، وختمها بقوله: فكانت مغازي النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه سبعا وعشرين غزوة، ثم ذكر التي قاتل فيها، وقال: وكانت السرايا سبعا وأربعين سرية. واعتمر ثلاث عمر. ثم ذكر الصحابة الذين كان يستخلفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عند خروجه للغزو على المدينة ثم ذكر شعار المسلمين في غزواتهم، فقال: وكان شعار رسول الله صلى الله عليه وسلم في القتال في بدر: يا منصور أمت، ثم يبدأ بتفصيل السرايا والغزوات.

منهجه في ذكر التفاصيل الجغرافية
وإن ما أورده الواقدي في الكتاب من التفاصيل الجغرافية ليوحي بجهده ومعرفته للدقائق في الأخبار التي جمعها في رحلته إلى شرق الأرض وغربها طلبا للعلم، روى ابن عساكر، والخطيب البغدادي، وابن سيد الناس عن الواقدي أنه قال: ما أدركت رجلا من أبناء الصحابة وأبناء الشهداء، ولا مولى لهم إلا سألته: هل سمعت أحدا من أهلك يخبرك عن مشهده وأين قتل؟ فإذا أعلمني مضيت إلى الموضع فأعاينه، ولقد مضيت إلى المريسيع فنظرت إليها، وما علمت غزاة إلا مضيت إلى الموضع حتى أعاينه.

وقد رويت أخبار مشابهة عن هارون الفرْوي، قال: رأيت الواقدي بمكة ومعه ركوة، فقلت: أين تريد؟ قال: أريد أن أمضى إلى حنين، حتى أرى الموضع والوقعة. وقد تبعه في اهتمامه بهذه التفاصيل الجغرافية كاتبه وتلميذه محمد بن سعد، بل نراه يزيد على تلك التفاصيل التي عند أستاذه الواقدي.

وجدير بالذكر أن هذه التفاصيل الجغرافية التي أوردها الواقدي تعتبر بحق المرحلة الأولى في الأدب الجغرافي العربي، إن لم تكن اللبنات والأسس التي بنى عليها كل من جاء بعده مثل ابن سعد، والبلاذري، ومن تلاهما في التأليف لكتب الفتوح والبلدان.

منهجه في ذكر الغزوات الهامة
وإذا كانت الغزوة قد نزل فيها آيات كثيرة من القرآن، فإن الواقدي يفردها وحدها مع تفسيرها ويضعها في نهاية أخبار الغزوة، وفي المغازي الهامة يذكر الواقدي أسماء الذين شهدوا الغزوة وأسماء الذين استشهدوا أو قتلوا فيها. ومن اليسير أن نستدل على فطنة الواقدي وإدراكه كمؤرخ من المنهج الموحد الذي يستعمله.

الواقدي والنظام المتكامل للتواريخ
ومن أهم الخصائص المميزة لمغازى الواقدي هي النظام المتكامل للتواريخ، وكثير من المغازي غير المؤرخة عند ابن إسحاق مثل غزوة الخرار، وقتل أسماء بنت مروان، وقتل أبى عفك، وغزوة بنى قينقاع، وقتل كعب بن الأشرف، وسرية قطن، وغزوة دومة الجندل، وقتل سفيان بن خالد بن نبيح، وغزوة القرطاء، وسرية الغمر، وسرية ذى القصة، وغزوة بنى سليم، وسرية الطرف، وسرية حسمى، وسرية الكديد، وسرية ذات أطلاح، وغزوة ذات السلاسل، وسرية الخبط، وسرية خضرة، وسرية علقمة بن مجزز، وسرية على بن أبى طالب إلى اليمن، لها كلها عند الواقدي تأريخ معين محدد وذكر خاص.

فالتواريخ التي يذكرها الواقدي أدق وأثبت بعامة في نظامها من التواريخ المماثلة في كتب السيرة الأخرى، أضف إلى ذلك الإسهاب في التفصيل والدقة في الترتيب عند سرده للحوادث المشهورة، مثل أحد، والطائف، بأكثر وأحسن مما هو مذكور في المراجع الأخرى للسيرة.

الواقدي وتصويره للمجتمع العربي
كما يلقى الواقدي أيضا الضوء على مشاهد كثيرة من الحياة في فجر الإسلام، مثل الزراعة، والأكل، والأصنام، والعادات في دفن الموتى، وعلى تكوين وتنظيم العيرات، وبالجملة على جميع مظاهر الحياة في المجتمع الإسلامى في الفترة بين الهجرة وموت النبي صلى الله عليه وسلم.

وضوح شخصية الواقدي في المغازي
ومما يزيد في قيمة الأخبار في المغازي أن الواقدي يذكر بكل وضوح أنه كان يتبع منهجا نقديا واعيا فنيا في اختيار وتنظيم أخباره، ثم لا يلبث أن يذكر آراءه وأفكاره عن الأخبار التي كان يسجلها، وكثيرا ما يقول مثلا: “وهو المثبت”، “والثابت عندنا”، “والمجتمع عليه عندنا”، “ولا اختلاف عندنا”، “والقول الأول أثبت عندنا”، “وهو أثبت”، “وهذا الثبت عندنا”، “ومجمع عليه لا شك فيه”إلى غير ذلك من العبارات التي تبرز رأيه الصريح في تقويم تلك الأخبار.

والتعبير بمثل العبارات السابقة في المغازي للواقدي شائع جدا في أسلوبه إلى حد لم نره عند غيره من المؤلفين الأولين، حتى البلاذري الذي توفي بعد الواقدي بسبعين سنة، لا يقدم آراءه الشخصية في متن أخباره كما فعل الواقدي.

وهنا أستطيع القول إن التصنيف في السيرة النبوية، بلغ الذروة مع الواقدي، ولهذا اضطر المصنفون في السيرة إلى الرجوع للواقدي، للدقائق والتفاصيل التي استقصاها وتتبعها وحاول تحريرها، وفي هذا يقول ابن سيد الناس: “وكثيرًا ما أنقل عن الواقدي من طريق محمد بن سعد وغيره أخبارًا، ولعل كثيرًا منها لا يوجد عند غيره، فإلى ابن عمر انتهى علم ذلك أيضا في زمانه”.


المصادر والمراجع:
– مارسدن جونس: مقدمة تحقيق كتاب مغازي الواقدي، المقدمة، الناشر: دار الأعلمي – بيروت
الطبعة: الثالثة – 1409هـ – 1989م.
– ابن النديم: الفهرست، تحقيق: إبراهيم رمضان، الناشر: دار المعرفة بيروت – لبنان، الطبعة: الثانية 1417 هـ – 1997م.
– ابن سيد الناس: عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير، تعليق: إبراهيم محمد رمضان، الناشر: دار القلم – بيروت، الطبعة: الأولى، 1414هـ – 1993م.
– فاروق حمادة: أعلام السيرة النبوية في القرن الثاني للهجرة، الناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة.
– عبد الشافي محمد عبد اللطيف: أوائل المؤلفين في السيرة النبوية.

السابق
العسقلاني – وفن التاريخ للرجال
التالي
ابن الأثير – والكامل في التاريخ