كتاب الجنائز

باب زيارة القبور

زيارة القبور ثلاثة أنواع هي:

النوع الأول:

مشروع ومطلوب لأجل الدعاء للأموات والترحم عليهم، ولأجل تذكر الموت والإعداد للآخرة.
النوع الثاني:

أن تزار للقراءة عندها أو للصلاة عندها أو للذبح عندها فهذه بدعة، ومن وسائل الشرك.

النوع الثالث:

أن يزوروها للذبح للميت والتقرب إليه بذلك، أو لدعاء الميت من دون الله، أو لطلب المدد منه أو الغوث أو النصر، فهذا شرك أكبر -نسأل الله العافية- فيجب الحذر من هذه الزيارة المبتدعة، ولا فرق بين كون المدعو نبىاً أو صالحاً أو غيرهما، ويدخل في ذلك ما يفعله بعض الجهال عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم من دعائه والاستغاثة به، أو عند قبر الحسين أو البدوي أو الشيخ عبد القادر الجيلاني أو غيرهم. (13/287).
لا يجوز لأحد أن يتبرك با لأموات أو قبورهم، ولا أن يدعوهم من دون الله أو يسألهم قضاء حاجة أو شفاء مريض أو نحو ذلك، لأن العبادة حق الله وحده، ومنه تطلب البركة. وهو سبحانه الموصوف بالتبارك، كما في قوله سبحانه في سورة الفرقان:
((تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ))
[الفرقان:1]،]
وقوله سبحانه:
((تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ)) – [الملك:1]

ومعنى ذلك أنه سبحانه بلغ النهاية في العظمة والبركة، أما العبد فهو مبارك -بفتح الراء- إذا هداه الله وأصلحه ونفع به العباد. (13/291).
طلب البركة من القبور أو الشفاعة منها أو الشفاء للمريض فهذا من أنواع الشرك الأكبر، فإذا قال: يا سيدي فلان اشفع لي إلى الله، أو يقول للميت: انصرني أو اشف مريضي ونحو ذلك هذا لا يجوز. (13/294).
حديث:
«مَن زارَ أهل بيتي بعدَ وفاتي كتبتْ لهُ سبعون حجةٍ»
هذا باطل ومكذوب على الرسول صلى الله عليه وسلم ليس له أصل، وليست الزيارة لقبر النبي صلى الله عليه وسلم -الذي هو أفضل الجميع- تعدل حجة.
الزيارة لها حالها وفضلها لكن لا تعدل حجة، فكيف بزيارة غيره عليه الصلاة والسلام. (13/297).
إن كانت القبور للكفار فإن زيارتها للعظة والذكرى من دون أن يدعو لهم، كما زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه، ونهاه ربه سبحانه أن يستغفر لها. (13/298).
حديث:
«إذا تحيرتم في الأمور فاستعينوا بأهل القبور»
من الأحاديث المكذوبة على الرسول صلى الله عليه وسلم كما نبه على ذلك غير واحد من  أهل العلم، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه، حيث قال في مجموع الفتاوى (1/356) بعد ذكره -ما نصه: “هذا الحديث كذب مفترى على النبي صلى الله عليه وسلم بإجماع العارفين بحديثه، لم يروه أحد من العلماء بذلك، ولا يوجد في شيء من كتب الحديث المعتمدة” انتهى. وهذا المكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم مضاد لما جاء به الكتاب والسنة من وجوب إخلاص العبادة لله وحده وتحريم الإشراك به، ولا ريب أن دعاء الأموات والاستغاثة بهم والفزع إليهم في النائبات والكروب من أعظم الشرك بالله عز وجل، كما أن دعاءهم في الرخاء شرك بالله سبحانه. (13/303).
قول القائل: أسأل الله بحق أوليائه، أو بجاه أوليائه، أو بحق النبي أو بجاه النبي هذا ليس من الشرك، لكنه بدعة عند جمهور أهل العلم ومن وسائل الشرك، لأن الدعاء عبادة وكيفيته من الأمور التوقيفية، ولم يثبت عن نبينا صلى الله عليه وسلم ما يدل على شرعية أو إباحة التوسل بحق أو جاه أحد من الخلق، فلا يجوز للمسلم أن يحدث توسلاً لم يشرعه الله سبحانه. (13/307).
التوسل المشروع هو التوسل بأسماء الله وصفاته وبتوحيده وبالأعمال الصالحات. (13/307).
نهى صلى الله عليه وسلم عن زيارة القبور في أول الأمر، لما كان الناس حديثي عهد بالجاهلية والكفر، وقد كانوا اعتادوا الغلو في الموتى ودعاءهم والاستغاثة بهم، فمنعهم صلى الله عليه وسلم عن الزيارة لئلا يبقى في قلوبهم تعلق بالشرك بالله عز وجل، ولئلا تقع منهم أشياء لا ترضي الله، لأنهم حدثاء عهد بعبادة القبور وتعظيمها، ولما استقر التوحيد في قلوب المسلمين وعرفوا معنى الشهادتين، وعرفوا شريعة الله، أذن لهم بزيارة القبور بعد ذلك، لما فيها من المصلحة والتذكر للآخرة، ولقاء الله عز وجل، والزهد في الدنيا، والاستعداد للموت، وأن ما أصاب هؤلاء الموتى سيصيبك، مع ما فيها من الإحسان إلى الموتى بالدعاء والاستغفار لهم. (13/313).
الإيقاد عند الموتى في المقابر، هذا لا أصل له، وما جاء فيه من الأخبار فهو موضوع لا أساس له. (13/315).

– الجلوس عند القبر والتهاليل وأكل الطعام والتمسح بالقبر والدعاء عند القبر والصلاة عنده كل هذا منكر، وكله بدعة لا يجوز. (13/319).
القبر لا يفتح إلا لحاجة؛ كأن ينسى العمال أدواتهم كالمسحاة فيفتح لأجل ذلك، أو يسقط لأحدهم شيء له أهمية فيفتح القبر لذلك. (13/323).
لا يجوز للنساء زيارة القبور، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لعن زائرات القبور، وأخذ العلماء من ذلك أن الزيارة للنساء محرمة، لأن اللعن لا يكون إلا على محرم، بل يدل على أنه من الكبائر. (325/13) فالصواب أن الزيارة من النساء للقبور محرمة لا مكروهة فقط. (13/326).
وقول بعض الفقهاء: إنه استثني من منع النساء من زيارة القبور، قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبر صاحبيه رضي الله عنهما قول بلا دليل، والصواب: أن المنع يعم الجميع. (13/326).
شد الرحال من بعيد لأجل الزيارة فقط هذا لا يجوز على الصحيح من قولي العلماء. (13/327).
كانت الزيارة أولاً منهىاً عنها للجميع، ثم رخص فيها للجميع، ثم خصت النساء بالمنع، فعلى هذا يكون تعليم النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة آداب الزيارة، كان ذلك في وقت شرعية الزيارة للجميع. (13/331).

– قول النبي صلى الله عليه وسلم:
«اتقي اللهَ واصبري»
للمرأة التي رآها تبكي عند القبر، لعل هذا كان في وقت الإذن العام منه صلى الله عليه وسلم للرجال والنساء في الزيارة، لأن أحاديث النهي عن الزيارة للنساء محكمة ناسخة لما قبلها. (13/332).
الذي يظهر لي أنه لا ينبغي للمرأة إذا مرت بسور المقبرة أن تسلم، لأنه وسيلة إلى الزيارة، وقد يعد زيارة، فالواجب ترك ذلك، وتدعو لهم من غير زيارة. (13/332).
الأفضل للمسلم أن يسلم حتى ولو كان ماراً بجوار سور المقبرة، ولكن قصد الزيارة أفضل وأكمل. (13/333).
يشرع لك كلما مررت على القبور أن تسلم على أصحابها، وتدعو لهم بالمغفرة والعافية، وليس ذلك واجباً، وإنما هو مستحب وفيه أجر عظيم، وإن مررت ولم تسلم فلا حرج. (13/334).
يكفي السلام على الموتى في أول المقبرة مرة واحدة، وتحصل به الزيارة، وإن كانت القبور متباعدة فزارها من جميع جهاتها فلا بأس. (13/335).
جاء في بعض الأحاديث:
«إذا كانَ يعرفُه في الدنيا ردَّ اللهُ عليه روحَهُ حتى يردّ عليه السلام»
ولكن في إسناده نظر، وقد صححه ابن عبد البر رحمه الله. (13/335).
لا أعلم في الشرع ما يدل على أن الموتى يعلمون بأعمال أقاربهم من الأحياء. (13/336).
لا أصل لتخصيص يوم الجمعة والعيدين لزيارة المقابر،

والمشروع أن تزار القبور في أي وقت تيسر للزائر من ليل أو نهار، أما التخصيص بيوم معين أو ليلة معينة فبدعة لا أصل له. (13/336- 337).
حديث:
«إذا مررتُمْ بقبرِ كافرٍ فبشروهُ بالنارِ»
لا أعرف له طرقاً صحيحة. (13/337).
جاء في بعض الأحاديث أنه صلى الله عليه وسلم رفع يديه لما زار القبور ودعا لأهلها، وقد ثبت ذلك من حديث عائشة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم زار القبور ودعا لهم ورفع يديه. أخرجه مسلم في صحيحه. (13/338).
وقف صلى الله عليه وسلم على القبر بعد الدفن وقال:
«استغفروا لأخيكُمْ واسألوا لهُ التثبيت فإنَّهُ الآنَ يسأل»
ولم يقل استقبلوا القبلة فكله جائز سواء استقبل القبلة أو استقبل القبر، والصحابة رضي الله عنهم دعوا للميت وهم مجتمعون حول القبر. (13/338).
لا بأس أن يقف عند القبر أو يجلس من أجل الدعاء للميت. (13/339).
ليس فيه مانع إذا دعا واحد وأمن السامعون، فلا بأس إذا لم يكن ذلك مقصوداً، وإنما سمعوا بعضهم يدعو فأمن الباقون ولا يسمى مثل هذا جماعىاً لكونه لم يقصد. (13/340).
الاستشهاد بقصص أهوال القبور، تركه أولى، لعدم العلم بصحتها، ويكفي ما جاء في الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، المهم حث الناس على الطاعة والتحذير من المعاصي، كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة، أما الحكايات التي قد تثبت أو لا تثبت فتترك. (13/348).
من سمع ميتاً يشكو في قبره من حقوق عليه وتأكد له ذلك فعليه أن يبلغ أهله، أو إذا رآه في المنام وتأكد من ذلك، فعليه أن يبلغ أهله  بذلك، وهذه من العبر التي يريها الله بعض عباده في الأرض ليعتبروا، فإذا وجد ذلك فلينظر أهله إذا كانت عليه حقوق ثابتة فتؤدى، وليتصدقوا عنه ويدعوا له.
وقد ذكر ابن رجب في كتابه في أحوال القبور، شيئاً من ذلك في تعذيبهم من هذا النمط، وذكر من فتح قبره لبعض الأسباب فوجدوا صاحبه يلتهب ناراً. نسأل الله السلامة. (13/349).
باب حرمة الأموات والمقابر
الواجب على جميع المسلمين احترام قبور موتاهم وعدم التعرض لها بشيء من الأذى، كالجلوس عليها والمرور عليها بالسيارات ونحوها وإلقاء القمامات عليها وأشباه ذلك من الأذى. (13/354).
حديث:
«يا صاحبَ السبتيتينِ ألقِ سبتيتيكَ»
لا بأس به. (13/355).
لا يجوز أن يمشي بالنعال في المقبرة إلا عند الحاجة، مثل وجود الشوك في المقبرة، أو الرمضاء الشديدة، أما إذا لم يكن هناك حاجة فينكر عليه، كما أنكر صلى الله عليه وسلم على صاحب السبتيتين، وىُعلّم الحكم الشرعي. (13/355).
يخلع النعال إذا كان يمر بين القبور، أما إذا لم يمر بين القبور فلا يخلعها مثل أن يقف عند أول المقبرة ويسلم فلا يخلع. (13/355).
الدفن حول المسجد لا بأس به، لأنه أسهل على الناس، فإذا خرجوا من المسجد دفنوه حول المسجد، فلا يضر ذلك شيئاً ولا يؤثر

السابق
باب إهداء القرب للميت
التالي
باب حرمة الأموات والمقابر