عصر النبوة والخلافة الراشدة

بعثة الرسول – صلى الله عليه وسلم

بدء الوحى:

ظل «محمد» – صلى الله عليه وسلم – يتردد على غار «حراء» حتى شارف الأربعين من عمره، وكان أول ما بدئ به من الوحى الرؤيا الصادقة، كما جاء فى حديث «عائشة»، فكان لا يرى رؤيا فى نومه إلا جاءت كفلق الصبح، وزادته رؤاه الصادقة أملا فى قرب الوصول إلى الحقيقة.

وبينما هو فى غار «حراء» غارق فى تأمله وتدبره؛ إذ جاءه «جبريل» – عليه السلام – فى ليلة من ليالى رمضان، فقال: «اقرأ»، قال: «ما أنا بقارئ»، قال: «فأخذنى فغطنى، حتى بلغ منى الجهد، ثم أرسلنى، فقال: «اقرأ»، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذنى فغطنى الثانية حتى بلغ منى الجهد، ثم أرسلنى، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذنى فغطنى الثالثة، ثم أرسلنى فقال (اقرأ باسم ربك الذى خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم) (سورة العلق: 1 – 3) فرجع بها رسول الله يرجف فؤاده، فدخل على «خديجة بنت خويلد» -رضى الله عنها – فقال: «زملونى زملونى» فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: «لقد خشيت على نفسى»، فقالت «خديجة»: كلا والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصلُ الرحم، وتحمل الكل، وتَكسِبُ المعدوم، وتَقرِى الضيف، وتعين على نوائب الحق». [صحيح البخارى، كتاب بدء الوحى].

طمأنت «خديجة» «محمدًا» بتلك الكلمات الصادقة والعبارات المواسية، وذهبت به إلى ابن عمها «ورقة بن نوفل» أحد الحنفاء العرب، وكان قد اعتنق النصرانية، فقالت له: «يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك، فقال له «ورقة»: يا ابن أخى ماذا رأيت، فأخبره رسول الله – صلى الله عليه وسلم – خبر ما رأى، فقال له «ورقة»: هذا الناموس (جبريل أمين الوحى) الذى نزله الله على «موسى»، ياليتنى فيها جَذَعًا، ليتنى أكون حيا، إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «أو مخرجى هم؟» قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئتَ به إلا عُودى، وإن يدركنى يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا، ثم لم يلبث«ورقة» أن تُوفِّى وفتر الوحى».

توقف الوحى بعد ذلك فترة من الزمن حتى شق على «محمد» فأحزنه ذلك، فجاءه «جبريل» بسورة «الضحى»، يقسم له ربه – وهو الذى أكرمه بما أكرمه به – ما ودعه وما قلاه.

المسلمون الأوائل:

أخذ النبى – صلى الله عليه وسلم – يدعو إلى الإسلام سرا، فكانت «خديجة بنت خويلد» – رضى الله عنها – أول الناس إسلامًا وإيمانًا بالله ورسوله، ثم تلاها «على بن أبى طالب» -رضى الله عنه – وكان فى نحو العاشرة من عمره، ثم «زيد بن حارثة» مولى رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، ثم أسلم «أبو بكر بن أبى قحافة»، وكان رجلا مألفًا لقومه، محببًا سهلا، فأسلم على يديه طائفة من كبار الصحابة، أمثال: «عثمان بن عفان»، و «الزبير بن العوام»، و «عبد الرحمن بن عوف»، و «سعد بن أبى وقاص»، و «طلحة بن عبيد الله».

ثم أسلمت بعد هؤلاء طائفة أخرى، عد منهم «ابن إسحاق» نحو خمسة عشر فردًا ما بين رجل وامرأة، هم: «أبو عبيدة بن الجراح»، و «أبو سلمة ابن عبد الأسد» و «عثمان بن مظعون»، وأخواه «قدامة» و «عبد الله»، و «عُبيدة بن الحارث ابن المطلب» و «سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل»، وامرأته «فاطمة بنت الخطاب»، و «أسماء» و «عائشة» بنتا «أبى بكر»، و «خباب بن الأرت»، و «عمير بن أبى وقاص»، و «عبد الله بن مسعود»، و «مسعود ابن القارى» – رضى الله عنهم – وكان ذلك فى مرحلة الدعوة السرية.

الدعوة السرية:

كان النبى – صلى الله عليه وسلم – يعلم تمام العلم عناد «قريش» وكبرياءها وإصرارها على التمسك بالقديم، واعتزازها بآبائها وأجدادها وعبادتها للأصنام؛ لذا فلن تُسلِّم بسهولة، أو تذعن لدعوته، بل ستقاومه حتى آخر سهم فى جعبتها، لأنها اعتقدت أن الإسلام يهدد مصالحها ويقضى على سيطرتها على «مكة» وما حولها، ولو علمت أن الإسلام سيجعلها سيدة العالم ما قاومته لحظة واحدة ولرحَّبت بدعوته.

أدرك النبى – صلى الله عليه وسلم – ذلك، فقرَّر أن تكون دعوته لدينهسرا فى بادئ الأمر، وبدأ فى دعوة أصدقائه وأقرب الناس إليه، ومن يأنس فيهم خيرًا واستعدادًا لقبول الحق والهُدى، فآمن به – إلى جانب من ذكرنا – عدد من رجالات «قريش» ونسائها، وطائفة من العبيد والفقراء والضعفاء الذين رأوا فى الدين الجديد الخلاص مما هم فيه من شقاء وبؤس، مثل: «بلال بن رباح»، و «صهيب الرومى»، و «آل ياسر»، وكان النبى – صلى الله عليه وسلم – يجتمع بمن أسلم سرا فى دار «الأرقم بن أبى الأرقم» يتلو عليهم آيات القرآن الكريم، ويعلمهم شرائع الإسلام، واستمرت هذه الدعوة السرية نحو ثلاث سنوات، ازداد فيها عدد المسلمين زيادة يسيرة.

ويبدو أن خبر الدعوة لم يعد سرا بصورة مطلقة بالنسبة إلى «قريش»، فقد تسرَّب إليها، لكنها لم تعبأ بهذا فى البداية، ولعلها كانت واثقة بقوتها وقدرتها على مقاومة هذه الدعوة من ناحية، وواثقة بأن حملها على ترك دين آبائها وأجدادها أمر صعب من ناحية أخرى.

الجهر بالدعوة وموقف قريش:

أمر الله تعالى نبيه «محمدًا» – صلى الله عليه وسلم – أن يجهر بالدعوة بعد مضى ثلاث سنوات من الدعوة سرا، فقال {فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين} [الحجر: 94].

وقال تعالى: {وأنذر عشيرتك الأقربين واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين فإن عصوك فقل إنى برىء مما تعملون}.

[الشعراء: 214 – 216].

وامتثالا لهذا الأمر الإلهى بدأ النبى بدعوة الأقربين من أهله وعشيرته إلى الإسلام، وصنع لهم طعامًا فى بيته، وبعد أن تناولوه، حدَّثهم قائلا: «ما أعلم إنسانًا فى العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، فقد جئتكم بخيرى الدنيا والآخرة، وقد أمرنى ربى أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرنى على هذا الأمر؟» فأعرضوا عنه جميعًا، وهمُّوا بتركه عدا «على بن أبى طالب»، وانصرفوا دون أن يستجيبوا لدعوة النبى، غير أنهم لم يبادئوه بأذى فى أول الأمر، غير أن عداوتهم له بدأت حين شرع فى تسفيه آلهتهم.

الجهاد فى العهد المكى:

قد يفهم بعض الناس أن المقصود بالجهاد الحرب فقط، لكنه يعنى كثيرًا من أنواع الجهاد، فالصبر على الأذى والمكاره لا يقل أهمية عن الجهاد بالسلاح، وقد تحمَّل النبى – صلى الله عليه وسلم – هو وأصحابه صنوفًا من الأذى صبَّها عليهم المشركون فى الفترة المكية، فكانوا يسبونه ويتعرضون له، ويرجمونه بالحجارة، ويلقون عليه القاذورات، وأشهر من صنع ذلك معه: «عقبة بن أبى معيط»، و «أبو جهل» الذى حاول قتل النبى – صلى الله عليه وسلم – عند «الكعبة».

وكان موقفهم هذا من النبى – صلى الله عليه وسلم – عنادًا له وحسدًا من عند أنفسهم، لأنهم كانوا يعرفون أن دينه حق، وأن الذى يأتيه وحى من السماء، ولكن حال الحسد بينهم وبين اتباعه وتصديقه.

وصبَّ المشركون جام غضبهم على المستضعفين من المسلمين، وأذاقوهم ألوانًا من العذاب، مثل: «بلال بن رباح» الذى لم ينقذه من العذاب إلا «أبو بكر الصديق» الذى اشتراه من سيده «أمية بن خلف» وأعتقه، و «آل ياسر» وكانوا يُعذَّبون إذا حميت الظهيرة برمضاء «مكة»، وكان الرسول يمر بهم ولا يملك أن يمنع عنهم العذاب، فيقول لهم: «صبرًا آل ياسر فموعدكم الجنة»، فصبروا واحتملوا ولم يتخلوا عن دينهم، حتى إن «أم عمار» طعنها «أبو جهل» بحربة فقتلها وهى على إسلامها.

الهجرة إلى الحبشة:

اشتد الأذى والتعذيب بأصحاب النبى – صلى الله عليه وسلم – دون أن يقدر على الدفاع عنهم، وكان هو فى منعة من أهله إلى حد ما، يقف بجانبه «أبو طالب» يدفع عنه الأذى، ففكَّر لهم فى مخرج مما يلاقونه من التعذيب، فقال لهم: «لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن بها ملكًا لا يُظلم عنده أحد، وهى أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجًا مما أنتم فيه» فخرج بعض المسلمين إلى أرض «الحبشة» مخافة الفتنة، وفرُّوا إلى الله بدينهم، وكانت هجرتهم أول هجرة فى الإسلام، وبلغ عددهم عشرة رجال وأربع نسوة، منهم: «عثمان بن عفان» وزوجته «رُقية» بنت رسول الله – صلى الله عليه وسلم -.

ثم خرجت مجموعة أخرى من المسلمين إلى «الحبشة»، كان عددها أكبر من الأولى؛ إذ بلغوا نحوًا من ثمانين رجلا وامرأة، وظلوا مدة طويلة فى «الحبشة»، بعد أن وجدوا الأمن والحماية من ملكها، وعادت آخر مجموعة من هناك مع «جعفر» فى أول السنة السابعة من الهجرة.

إسلام عمر بن الخطاب:

بعد هجرة المسلمين الأولى إلى «الحبشة» أسلم «عمر بن الخطاب»، وكان إسلامه حدثًا كبيرًا فى «مكة»، ونصرًا عظيمًا للإسلام؛ إذ كان من الشخصيات القوية فى «مكة»، ومن أشد أعداء المسلمين، حتى إنه أسلم فى الوقت الذى عزم فيه على الذهاب لقتل الرسول – صلى الله عليه وسلم -، فأراد الله به الخير، واستجاب الله لدعوة النبى الذى كان دائمًا يردد: «اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين»، «عمر بن الخطاب»، و «عمرو بن هشام» (أبى جهل)! وبإسلام «عمر» قَوِى موقف المسلمين كما اشتد من قبل بإسلام «حمزة بن عبد المطلب» عمِّ النبى – صلى الله عليه وسلم -،وأهاب بالمسلمين أن يصلوا عند «الكعبة» تحت حمايته، فغلبت «قريش» على أمرها، لمعرفتها بقوة شكيمة «عمر» ومضاء عزيمته، فلم تتعرَّض لهم، وبدأت تلجأ إلى أسلوب آخر فى مواجهة الدعوة، وهو أسلوب المقاطعة.

أسلوب المقاطعة:

استعملت «قريش» مع النبى – صلى الله عليه وسلم – وأصحابه أساليب العنف والتعذيب والاضطهاد، فلم تنجح فى ردهم عن دعوتهم، فلجأت إلى أسلوب الترغيب والمساومة، فعرضت على النبى – صلى الله عليه وسلم – الملك والسيادة والمال، فرفض عرضهم، لأنه لم يكن طالب ملك أو جاه، بل رسولا جاء من الله برسالة سماوية، تحمل الخير والعدل، ولابد من تبليغها، ثم وسَّطوا «أباطالب» ليكف «محمدًا» عن تسفيه آلهتهم فى مقابل ما يريد من ملك أو جاه، فكلمه قائلا: «إن القوم يطلبون منك أن تكف عن سب آلهتهم، فأبق علىَّ وعلى نفسك» فأجابه النبى بكلمات قليلة، لكنها قاطعة وحاسمة: «والله يا عم لو وضعوا الشمس فى يمينى والقمر فى يسارى على أن أترك هذا الأمرما تركته حتى يظهره الله أو أهلِكَ دونه» سمع «أبو طالب» هذا الرد الحاسم، وأدرك إصرار النبى – صلى الله عليه وسلم – على السير فى طريق الدعوة مهما تكن الصعاب والمشاق، فقال له فى رقةٍ بالغةٍ:

«يا ابن أخى امضِ فيما أنت فيه، فوالله لن أسلمك لشىء تكرهه أبدًا».

ولما لم تنجح كل هذه الوسائل فى ثنى النبى – صلى الله عليه وسلم – عن تبليغ دعوته، ورد أصحابه عن دينهم الجديد، لجأت قريش إلى أسلوب المقاطعة، ولم يكن هذا مألوفًا فى بلاد العرب، ولعله لم يكن مألوفًا كذلك فى أى مكان فى العالم آنذاك، ففرضت حصارًا على «بنى هاشم» و «بنى المطلب» جميعًا، ممن يقفون مع النبى – صلى الله عليه وسلم – ويذودون عنه، سواء من أسلم منهم أو لم يسلم، وقررت ألا تبيع لهم أو تشترى منهم، وألا تزوجهم أو تتزوج منهم، وألا تتزاور معهم، عقابًا لهم على مساندتهم للنبى – صلى الله عليه وسلم -،وكتبوا بتلك المقاطعة وثيقة فى صحيفة، علقوها فى «الكعبة»، ليكون لها احترام والتزام.

واستمر هذا الحصار القاسى المجرد من الإنسانية نحو ثلاث سنوات، عانى منه «بنو هاشم» و «بنو المطلب» أشدَّ المعاناة، وهم صابرون صامدون، لم يتخلَّ أحدٌ منهم عن النبى – صلى الله عليه وسلم -، حتى تحركت النخوة والشهامة فى نفوس بعض رجالات «قريش»، كزهير بن أبى أمية المخزومى، و «المطعم بن عدى»، و «أبى البُخترى بن هشام»، لما رأوا ما يعانيه «بنوهاشم» و «بنو المطلب» من هذه المقاطعة الظالمة، فسعوا فى نقضها وإنهائها، وأقسموا على تمزيق الصحيفة، وكان لهم ما أرادوا، فخرج النبى وأصحابه من شعبهم الذى كانوا محاصرين فيه؛ ليستأنف رسول الله – صلى الله عليه وسلم – دعوته إلى دين الله.

عام الحزن:

استأنف النبى – صلى الله عليه وسلم – دعوته بعد انتهاء المقاطعة، واستبشر المسلمون خيرًا بعهد جديد يمارسون فيه حياتهم الطبيعية، لكن وقع للنبى حدثان جليلان فى عام واحد وهو العام العاشر منالبعثة، فقد مات كل من عمه «أبى طالب»، وزوجته «خديجة»، وكانا نعم العون له والمساندة فى تبليغ رسالته، وعلى الرغم من ذلك فإن النبى – صلى الله عليه وسلم – لم يضعف ولم تهن له عزيمة؛ ومضى واثقًا بنصر الله يبلغ رسالة الله إلى العالمين.

رحلته إلى الطائف:

أراد النبى – صلى الله عليه وسلم – أن يخرج بالدعوة من نطاق «مكة»، لعله يجد نصيرًا أو معينًا بعد المضايقات الشديدة التى لقيها من «قريش» وبخاصة بعد موت «خديجة» و «أبى طالب»، فقرر الذهاب إلى «الطائف»؛ لعرض دعوته على «ثقيف» رجاء إيمانها به وبرسالته، لكنهم رفضوا ما عرضه عليهم، ولم يكتفوا بذلك بل سبُّوه وأهانوه، وسلطوا عليه سفهاءهم وصبيانهم؛ ليضربوه بالحجارة، فتأثر بذلك رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، وبلغ إحساسه بالألم مداه، فجأر بالشكوى إلى الله قائلا: «اللهم إليك أشكو ضعف قوتى، وقلة حيلتى، وهوانى على الناس، ياأرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربى، إلى من تكلنى؟ إلى بعيد يتجهمنى، أم إلى عدو ملكته أمرى؟ إن لم يكن بك على غضب فلا أبالى، ولكن عافيتك هى أوسع لى، أعوذ بنور وجهك الذى أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن تنزل بى غضبك، أو يحل على سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك».

وبعد أن قال الرسول هذا الكلام المؤثر جاءه «جبريل» ومعه ملك الجبال عليهما السلام، فقال له ملك الجبال: «إن شئتَ أن أُطبق عليهم الأخشبين» (2)، فقال النبى – صلى الله عليه وسلم -: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئًا، ودعا لهم قائلا:

«اللهم اهد قومى فإنهم لا يعلمون».

الإسراء والمعراج:

فى هذا الجو الذى بدا قاتمًا وحزينًا بعد موت «أبى طالب» و «خديجة بنت خويلد»، وما لقيه النبى من أهل «الطائف» والقبائل من عنت وإيذاء، أراد الله تعالى أن يسرِّى عنه – صلى الله عليه وسلم – وأنيعلمه ويطمئنه، فأسرى به إلى المسجد الأقصى وعرج به إلى السماء.

وموجز هذه الحادثة كما ترويها كتب الحديث والسيرة: أن النبى – صلى الله عليه وسلم – كان فى بيت «أم هانئ بنت أبى طالب» فجاءه «جبريل» ومعه «البراق» (وهى دابة أصغر من البغل وأكبر من الحمار) وأخذه إلى «بيت المقدس» فى «فلسطين»، حيث وجد فى استقباله جمعًا من الأنبياء، فيهم «إبراهيم» و «موسى» و «عيسى» – عليهم السلام – جميعًا، فصلى بهم إمامًا ركعتين، ثم عرج إلى السماوات العلى، حيث التقى بعدد من الأنبياء، وتحدث إليهم وحيوه وهنئوه، ثم ارتقى فوق السماوات العلى لمناجاة ربه، وتلك مكانة لم يبلغها نبى ولا رسول ولا ملك من الملائكة المقربين، وفى هذا اللقاء فرضت الصلوات الخمس، وقد أراه الله من آياته الكبرى، فرأى الجنة وما أعده الله من نعيم للمتقين، ورأى النار وما أعده الله من عذاب للكافرين. ثم عاد إلى «مكة» فى الليلة نفسها، مزودًا بهذه الطاقة الروحية الهائلة.

أبو لهب يحذر القبائل من دعوة النبى:

على الرغم مما تعرض له النبى – صلى الله عليه وسلم – من إساءات أهل «الطائف»، فإنه لم ييأس من دعوة الناس إلى الإسلام، فكان يتصدى لوفود القبائل التى تأتى إلى «مكة» فى موسم الحج، يعرض عليهم رسالة الإسلام، ومن الوفود التى التقى بها: وفد «كندة»، و «بنى حنيفة» و «بنى عامر بن صعصعة»، غير أنه لم يجد منهم مجيبًا، خاصة أن عمه «أبا لهب» كان يتتبع خطى رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، فإذا رآه جلس إلى وفد قبيلة من قبائل العرب؛ جاءهم قائلا لهم: لا تصدقوه إنه كذَّاب ولا تطيعوه ولا تسمعوا له. واستمر هذا الوضع حتى أذن الله بالفرج من ناحية «يثرب». الهجرة إلى المدينة:

لقد سبقت الهجرة إلى «المدينة» عدة أحداث كانت بمثابة مقدمة لها، ومن بينها:

بيعة العقبة الأولى:

بدأت بشائر النصر تأتى ريحها من «يثرب»، فقد التقى النبى – صلىالله عليه وسلم – أثناء عرض دعوته على القبائل بوفد من أهل «يثرب» فى موسم الحج، وعرض عليهم الإسلام، فلم يرفضوا ولم يسلموا، عدا واحدًا منهم هو «إياس بن معاذ» فقد أسلم، لكنهم حين عادوا إلى قومهم تحدثوا بما سمعوا من النبى، فنبهوهم إلى أنه من المعقول أن يكون «محمد» هو النبى الذى كانت اليهود تحدثهم عنه دائمًا، وكان فى «يثرب» كثير من قبائل اليهود (بنو قينقاع وبنو النضير وبنوقريظة)، الذين علموا من كتبهم المقدسة أن هناك نبيًا قد قرب زمانه وهو آخر الأنبياء.

وهذه المعلومات التى عرفها أهل «يثرب» من «الأوس» و «الخزرج» كانت مفيدة لهم وللإسلام، فقد ذهب وفد منهم فى الموسم التالى – العام الثانى عشر من البعثة – والتقوا برسول الله – صلى الله عليه وسلم – وهم على استعداد للاستجابة له والتجاوب معه، فحدَّثهم عن الإسلام فآمنوا وبايعوه عند العقبة فى «مِنى» «البيعة الأولى»، على أن يؤمنوا بالله وحده، ولا يشركوا به شيئًا، وألا يسرقوا، وألا يزنوا، وألا يعصوا الله فى معروف. وأرسل النبى معهم عند عودتهم إلى «يثرب» «مصعب بن عمير»، يعلمهم القرآن ويفقههم فى الدين. وكان هذا اللقاء بداية النصر وفاتحة الخير، فإذا كانت «مكة» قد تحجرت عقولها وصمت آذانها عن سماع صوت الحق، فإن «يثرب» تفتح له قلوبها وعقولها وآذانها.

بيعة العقبة الثانية:

نجح «مصعب بن عمير» فيما كُلِّف به نجاحًا عظيمًا، فازداد عدد المسلمين فى «يثرب» على يديه زيادة كبيرة، ولم يبق بيت فيها إلا ولذكر الإسلام والنبى فيه نصيب، وعاد «مصعب» فى الموسم التالى (العام الثالث عشر من البعثة)، ليزف إلى النبى – صلى الله عليه وسلم – بشرى نجاحه، وإقبال أهل «يثرب» على الإسلام، وأن وفدًا كبيرًا منهم سوف يأتى إلى «مكة» لمقابلته، فقدم ثلاثة وسبعون رجلا وامرأتان لهذا الغرض، وتم اللقاء سرا عند العقبة فى «منى»، وسط أيام التشريق (الثلاثة الأيام الأولى من عيد الأضحى)، وحضر اللقاء«العباس بن عبد المطلب»، وكان لا يزال مشركًا، لكنه رغب فى حضور هذا الاجتماع؛ ليطمئن على ابن أخيه.

وفى هذا اللقاء بايع الحاضرون النبى – صلى الله عليه وسلم – «بيعة العقبة الثانية» أو «بيعة القتال»، لأن أهم ما تضمنته التزام أهل «يثرب» بالدفاع عن النبى عندما يهاجر إليهم، ومنعه مما يمنعون منه أنفسهم ونساءهم وأبناءهم.

وبعد أن تمت البيعة اتفِقَ على ترتيبات هجرة أصحاب النبى – صلى الله عليه وسلم – إلى «يثرب»، وما يلتزمه أهل «يثرب» تجاههم من توفير المأوى والمعاش.

وقد أثبت أهل «يثرب» أنهم أهل كرم وشهامة وتضحية، فقدموا لإخوانهم المهاجرين كل ما يحتاجون إليه، بل وآثروهم على أنفسهم.

المؤامرة الكبرى:

بدأ أصحاب النبى – صلى الله عليه وسلم – من أهل «مكة» يهاجرون إلى موطنهم الجديد، أفرادًا وجماعات متخفين عن أعين «قريش»، وبقى الرسول فى «مكة»، ووقعت «قريش» فى حيرة شديدة؛ لأنها لم تكن تعرف ما هو صانع؛ هل سيبقى فى «مكة»، أم سيلحق بأصحابه إلى «يثرب»؟ وفى هذا خطر شديد عليهم، لأنه سيجد فى «يثرب» المنعة والحماية والاستعداد للدفاع عنه، مما قد يجرُّهم إلى الدخول فى عداء سافر مع «يثرب».

وأمام هذه التطورات المتلاحقة قررت «قريش» أن تحزم أمرها سريعًا قبل أن يهاجر النبى ويفلت من بين يديها، فعقدوا اجتماعًا فى دار الندوة لم يحضره أحد من «بنى هاشم» سوى «أبى لهب» عم النبى، وبحثوا فيه الأمر، وعُرضَت ثلاثة اقتراحات لمواجهة الموقف، الأول:

أن يضعوا «محمدًا» فى السجن، والثانى: أن ينفوه من «مكة»، والثالث: أن يقتلوه، وحاز الاقتراح الثالث الموافقة على تنفيذه، وهذه هى المؤامرة التى عبَّر عنها القرآن الكريم، فى قوله تعالى:

{وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين}. [الأنفال: 30].

وبعد أن اتفقوا على قتله، ناقشوا كيفية تنفيذ ذلك، فرأوا أنتشترك جميع القبائل فى قتله، بأن تختار كل منها فتى شابا قويا من بين أبنائها، وتعطيه سيفًا بتارًا، وأن يرابط هؤلاء جميعًا أمام بيت النبى – صلى الله عليه وسلم – ليلا، حتى إذا خرج عليهم فى الصباح ضربوه ضربة رجل واحد، فيتفرَّق دمه فى القبائل، ولا يقوى «بنو هاشم» على محاربة أهل مكة جميعًا.

علىٌّ فى فراش النبى – صلى الله عليه وسلم -:

علم رسول الله بما بيتته له «قريش»، فأعد العدة للهجرة، وأسر بذلك إلى صاحبه «أبى بكر الصديق» الذى كان ينتظر هذا بلهفة وشوق، فأعد لذلك الأمر عدته من قبل، للقيام بأعظم رحلة فى تاريخ البشرية.

دعا النبى – صلى الله عليه وسلم – «على بن أبى طالب»، لينام فى فراشه فى تلك الليلة، ليضلل «قريشًا» من جهة، ومن جهة أخرى لكى يتخلف فى «مكة»، ليؤدى للناس ودائعهم التى كانت عند الرسول، وخرج النبى – صلى الله عليه وسلم – فى عماية الصبح، والمتآمرون واقفون على بابه، ينتظرون لحظة خروجه، للانقضاض عليه، لكن الله أعمى أبصارهم، وأخذ النبى – صلى الله عليه وسلم – حفنة من الحصى وقذفها فى وجوههم، وقال: شاهت الوجوه»، ثم تلا قوله تعالى: {وجعلنا من بين أيديهم سدًا ومن خلفهم سدًا فأغشيناهم فهم لا يبصرون}. [يس: 9].

قصد النبى – صلى الله عليه وسلم – بيت «أبى بكر» الذى كان فى انتظاره ومعه الرواحل، والزاد، وكل ما يلزم الرحلة المباركة، وكان دليلهم فى رحلتهم «عبد الله بن أريقط».

النبى فى غار ثور:

انطلقت الرحلة المباركة قاصدة غار «ثور» فى جنوب «مكة»، مع أن وجهتهم كانت «يثرب» فى الشمال؛ لأن النبى – صلى الله عليه وسلم – يعرف أن «قريشًا» عندما تكتشف أنه نجا من كيدهم ستتجه فى بحثها عنه إلى الشمال، عندئذٍ يكون هو قد وصل إلى الغار واختبأ فيه.

والحق أن خطة الهجرة كانت دقيقة وسرية إلى أقصى حد، ووضِعَ لها كل مافى وسع البشر أن يفعلوه لضمان نجاحها، فإذا لم يفلح هذا كله، فستأتى عناية الله فى اللحظة المناسبة لإنقاذ الموقف،فالذين علموا بأمر الهجرة كان عددهم محدودًا وكانوا موضع ثقة، منهم: «عامر بن فهيرة» مولى «أبى بكر» وراعى غنمه، و «عبد الله بن أبى بكر»، وأخته «أسماء»، وكل واحد من هؤلاء له عمل محدد وفى غاية الأهمية والخطورة، فعبد الله بن أبى بكر كانت مهمته أن يتسمع أخبار «قريش» بالنهار فى أنديتها، ثم يبلغها الرسول – صلى الله عليه وسلم – إذا جاء الليل، وكانت مهمة «أسماء» إعداد الطعام، ولما لم تجد مرة حبلا تربط به حقيبة الزاد، شقت نطاقها الذى كانت تشد به وسطها، وربطت بأحد الشقين الحقيبة فلقبت بذات النطاقين.

أما «عامر بن فُهيرة» فكانت مهمته أن يرعى الأغنام بالقرب من الغار، فإذا ما حلَّ الظلام ذهب إلى الغار؛ ليزود النبى – صلى الله عليه وسلم – و «أبابكر» باللبن، ويسير بأغنامه على آثار أقدام «عبد الله بن أبى بكر» حتى يمحوها، فلا يفطن أحد إلى مكانهم.

جن جنون «قريش» حين علمت أن النبى – صلى الله عليه وسلم – أفلت من قبضتها، وأن النائم فى الفراش لم يكن سوى «على بن أبى طالب»، فأخذت تبحث عن «محمد» فى كل مكان، وبعد أن أعياهم البحث فى طريق «يثرب»؛ عادوا إلى الجنوب، ووصلت طلائع بحثهم إلى باب الغار، ففزع «أبوبكر»، حتى إنه بكى من شدة خوفه على حياة النبى – صلى الله عليه وسلم -، فسأله: «ما يبكيك يا أبا بكر؟» فقال: يارسول الله، لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا، فقال له الرسول – صلى الله عليه وسلم – مطمئنًا: «يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما!».

وقد سجل القرآن الكريم هذا المشهد، فقال تعالى: {إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثانى اثنين إذ هما فى الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هى العليا والله عزيز حكيم}. [التوبة: 40].

استئناف الرحلة:

ظل النبى – صلى الله عليه وسلم -، وصاحبه فى الغار ثلاثة أيام، حتىهدأت «قريش»، وتعبت من البحث دون جدوى، بعد أن كانت قد رصدت جائزة كبرى قدرها مائة من الإبل لمن يأتيها بمحمد حيا أو ميتًا، لكن الله – سبحانه- عصمه من ذلك أيضًا، ثم استأنف الرسول رحلته المباركة فى غرة ربيع الأول، وأخذ دليلهما طريقًا غير طريق القوافل المعروف، لئلا يستدل عليهم أحد.

وكانت الرحلة شاقة واكتنفها كثير من المخاطر، من ذلك أن «سُراقة بن مالك الجشمى» علم أن النبى – صلى الله عليه وسلم – و «أبا بكر» سلكا ذلك الطريق، فأراد اللحاق بهما، والقبض عليهما ليفوز بالجائزة، فلما اقترب منهما غاصت أقدام حصانه فى الرمال، وعجز عن النهوض، فدهش «سراقة»، فلم يعهد من حصانه هذا من قبل، وحاول أكثر من مرة اللحاق بهما، ولكن تكرر فشله، والنبى – صلى الله عليه وسلم – ينظر إليه فى إشفاق، و «سراقة» يظن أن النبى منتقم منه لامحالة، فتوسل إليه أن يعفو عنه، وعاهده على ألا يدل عليه أحدًا، فعفا عنه النبى – صلى الله عليه وسلم -.

وكان أهل «يثرب» منذ أن علموا بقرب مقدم النبى – صلى الله عليه وسلم – إليهم ينتظرونه بحب وشوق ولهفة إلى رؤيته، وكانوا كل يوم يخرجون إلى مشارف المدينة، يلتمسون وصوله، فما إن وقعت عليه عيونهم حتى كادوا يطيرون من الفرح، وهتفوا مرحبين منشدين:

طلع البدر علينا من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا مادعا لله داع أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع جئت شرفت المدينة مرحبًا ياخير داع.

وكان وصوله – صلى الله عليه وسلم – إلى «يثرب»، التى أصبحت عندئذٍ تسمى «مدينة الرسول»، أو «المدينة المنورة» يوم الجمعة الموافق الثانى عشر من شهر ربيع الأول؛ لأنه قضى أربعة أيام فى «قُبَاء» (3) قبل دخوله «يثرب»، فقد وصلها يوم الاثنين الثامن من شهر ربيع الأول، وبقى فيها إلى يوم الجمعة، حيث صلَّى الجمعة فى «المدينة»، وصلى خلفه المهاجرون والأنصار فى مشهد عظيم.

وحادث الهجرة هو أعظم حدث فى التاريخ الإسلامى، لذلك اتخذهالخليفة «عمر بن الخطاب» -رضى الله عنه – مبدأ للتاريخ الإسلامى؛ لأن الهجرة هى التى فتحت أمام الإسلام ذلك العالم الرحيب، ومكنت النبى – صلى الله عليه وسلم – من بناء دولته وتكوين جيشه الذى سيدافع عن دعوته، وأتاحت له أن يعلم أصحابه أصول دينهم وعلوم السياسة والحرب والسلام، والإدارة والقيادة، وهيَّأهم ليقودوا الدنيا كلها إلى الخير والعدل والحق، وينشروا فيها الحرية والعزة والكرامة لكل الناس.

السابق
المسلمون في المدينه
التالي
خلافة ابو بكر الصديق