الدولة العثمانية

بناء مصر الحديثة فى عهد محمد على

خرجت الحملة الفرنسية من «مصر» بعد أن قضت على النظام المملوكى والعثمانى الذى كان قائمًا منذ أوائل القرن (10هـ= 16م)، فكانت الفرصة مواتية أمام «محمد على باشا» لكى يستفيد من تنازع النفوذين المملوكى والعثمانى فى السيطرة على مقدرات الأمور فى «مصر».

رأى «محمد على» أن الوقت لم يحن ليتقدم لانتزاع السلطة فى «مصر»، فآثر التريث والعمل على التقرب إلى الشعب المصرى، الذى ظهرت فاعليته فى مقاومة الفرنسيين، فاتحد مع «إبراهيم بك» و «البرديسى بك» زعيمى المماليك، وقاموا باحتلال «القاهرة» وطرد الوالى التركى والحامية العثمانية، وظل «محمد على» يعمل فى الخفاء ويوطد صلاته بزعماء الشعب، ولكن الأمر لم يستقر للمماليك؛ حيث إنهم عادوا إلى ظلم الشعب وإرهاقه بالضرائب، فثار عليهم الشعب وتحالف معه «محمد على» وقواته التى قامت بمهاجمة المماليك فى كل مكان حتى أرغمهم على الفرار وترك «القاهرة»، وتسلم «خورشيد باشا» التركى الحكم، وأراد أن يبعد «محمد على» عن «القاهرة»؛ فثار الشعب ضده بقيادة الزعماء والعلماء، الذين اتفقوا على عزله وتولية «محمد باشا».

وقام السيد «عمر مكرم» نقيب الأشراف، والشيخ «الشرقاوى» شيخ «الجامع الأزهر» بإلباسه خلعة الولاية فى (14 من صفر 1220هـ= 13 من مايو 1805م)، بعد أن اشترطوا عليه أن يحكم بالعدل وإقامة الأحكام والشرائع الإسلامية، وألا يفرض على الشعب ضرائب جديدة دون أن يرجع إلى زعمائه وعلمائه.

حرص «محمد على» فى أول حكمه على استمالة زعماء الشعب اعترافًا بفضلهم وانتظارًا للفرصة المواتية للتخلص منهم حتى ينفرد بالحكم، واستطاع فى النهاية القضاء على هذه الزعامات الشعبية والاستبداد بالحكم.

إمبراطورية «محمد على»

كان «محمد على» يحلم بإقامة إمبراطورية عربية كبرى مستغلا مواهبه الشخصية وضعف الدولة العثمانية، ومؤيدا من بعض الدول الأوربية مثل «النمسا» و «فرنسا».

وقد مر تكوين إمبراطورية «محمد على» بالأدوار الآتية:

أولاً: الاستيلاء على شبه الجزيرة العربية

بعد ظهور دعوة الشيخ «محمد بن عبد الوهاب» الإصلاحية، التى أخذت خطا سياسيا بعد أن كانت دعوة دينية، وفشلت جهود الدولة العثمانية فى القضاء عليها؛ لجأ السلطان العثمانى إلى «محمد على» ليعاونه فى إخماد هذه الحركة.

وقد استمرت الحملة المصرية على «شبه الجزيرة» سبع سنوات تمكن خلالها «محمد على» من القضاء على الحركة الوهابية ودولتها ودخول عاصمتها الدرعية، وقد أكسبت هذه الحملة «محمد على» صلة وثيقة بالعالم العربى نظرًا لسيطرته على الحرمين الشريفين.

ثانيًا: السودان

اتجه «محمد على» إلى «السودان» فى سنة (1235هـ= 1820م) ليفتحه ويستثمر مناجم الذهب، ويسيطر على منابع النيل، فأرسل جيشه إلى «السودان» فسقطت المدن السودانية تباعًا، وقد حققت حملة «محمد على» فى «السودان» امتداد العنصر العربى فى «وسط إفريقيا» وزادت من رقعة البلاد التى يسيطر عليها.

ثالثًا: حرب المورة

فى الوقت الذى كان فيه «محمد على» يوطد دعائم دولته، دعاه السلطان العثمانى ليخوض معركة ضد «بلاد المورة» التى ثارت على حكم العثمانيين، ولم تتمكن الدولة من القضاء عليها سنة (1236هـ= 1821م)، ووافق «محمد على»، وأرسل جيوشه أملاً فى الحصول على «الشام» هدية من السلطان العثمانى، وبفضل قوة «مصر» الحربية بدأ إخماد الثورة، غير أن تدخل «روسيا» و «بريطانيا» فى الحرب وتحطيمهما للأسطول المصرى فى معركة «نوارين» جعل «محمد على» يقبل الهدنة ويسحب جيشه من «المورة».

ضم بلاد الشام

تعتبر حملات جيش «محمد على» على بلاد «الشام» بقيادة ابنه «إبراهيم» أوسع الحروب التى خاضها وأكثرها شأنًا، وإذا كانت حروبه السابقة بأمر السلطان العثمانى ودفاعًا عن دولة الخلافة، فقد كانت حروب «الشام» ضد السلطان، وأوجدت الفرصة للتدخل الأوربى المباشر بينهما.

كان «محمد على» ينظر إلى بلاد «الشام» على أنها خط الدفاع الأول عن «مصر» من ناحية الشمال، وكان يطمع فى ضمها إلى دولته، لحماية «مصر» من الشمال، بالإضافة إلى ما تتمتع به «سوريا» من مزايا اقتصادية أهمها وجود الأخشاب وبعض المعادن التى تفتقر إليها «مصر».

انتهز «محمد على» انشغال السلطان بحربه فى «أوربا»، فهاجم «سوريا» مفتعلا خلافًا مع والى «عكا» «عبد الله الجزار»، فأرسل جيوشه بقيادة ابنه «إبراهيم» إلى «الشام» فى (جمادى 1247هـ= أكتوبر 1831م).

وتطورت الحرب فدخل «إبراهيم باشا «دمشق» وهزم الأتراك فى «حمص» فى موقعة «مضيق ميلان»؛ وبذلك وصل إلى «جبال طوروس»، ثم تقابل الجيشان المصرى والتركى فى «قونية»، وكان النصر حليف جيش المصريين، وتدخلت دول غرب «أوربا»، فطلبت من «محمد على» وقف القتال وعزمت على التدخل بعد أن رأت أن «روسيا» تريد أن تتدخل فى الأمر، ثم فرضت الدول الأوربية على «محمد على» قبول اتفاق «كوتاهية» وبمقتضاه أعطى «محمد على» حكم بلاد الشام وابنه «إبراهيم» حكم «أطنة»، بشرط ألا يكون لهما الحق فى توريثهما، وبذلك قامت دولة عربية تمتد من «أطنة» شمالا إلى «بحر الجبل» بالسودان جنوبًا، ومن «الخليج» شرقًا إلى حدود «برقة» غربًا.

ولم تعمر هذه الدولة العربية طويلا؛ إذ اجتمعت عليها عوامل أدت إلى انهيارها سنة (1256هـ= 1840م)، فلم يحظَ الحكم المصرى فى هذه البلاد بالقبول، ففى «الحجاز» و «السودان» اعتبر الأهالى جنود «محمد على» محتلين لبلادهم، وفى «الشام» استاء الأهالى من سياسة الحكم المصرى فى جمع الضرائب واحتكار تجارة الحرير، ومن ثم قاموا ببعض الثورات.

كما أن السلطان العثمانى كان ساخطًا على «محمد على» وكان يعمل جاهدًا على عزله، وكانت الدول الأوربية تعارض قيام دولة عربية قوية تقف فى وجه أطماعها فى أملاك الدول العثمانية.

اجتمعت كل هذه العوامل للقضاء على «محمد على»، وتمثلت فىاتفاقية لندن سنة (1256هـ= 1840م)، والتى أجبرت فيها الدول الأوربية «محمد على» على قبول الصلح مع الدولة العثمانية والتنازل لها عن «بلاد الشام» وأعطى هو حكم «مصر» وابنه «إبراهيم» ولاية «عكا».

وبذلك عادت البلاد العربية فى «الشام» و «الجزيرة العربية» إلى ما كانت عليه قبل «اتفاق كوتاهية سنة (1249هـ= 1833م).

السابق
العرب تحت الحكم العثمانى
التالي
الاستعمار الأوربى فى الوطن العربى حتى الحرب العالمية الأولى