الدولة العثمانية

تحول الإمارة إلى سلطنة

بايزيد الأول

لم ينتقل «آل عثمان» من طور الإمارة إلى طور السلطنة إلا فى عهد «بايزيد الأول» المشهور بالصاعقة، لسرعة تنقله بجيوشه بين «أوربا» و «الأناضول» ..

وقد بذل «بايزيد» جهودًا عظيمة فى توحيد منطقة «الأناضول» تحت قيادته، وفى استمرار الفتوحات فى منطقة «البلقان» فدخل «رومانيا» وضم جنوبها – «الأفلاق» – إلى الدولة العثمانية، وفتح «سلانيك»، واستولى على «ينى شهر» وألحق «تساليا» بدولته، وفتح «اسكوب» ودخلت جيوشه «طورنوفا» وواصل فتوحاته فى «مقدونيا الشمالية» و «ألبانيا»،ونجح فى ضم «بلاد البلغار»، وجعلها ولاية عثمانية، ووصلت جيوشه إلى «اليونان» ودخل «أثينا»، وانتقل إلى «شبه جزيرة المورة» ودفع له الصرب جزية سنوية، كما حاصر «القسطنطينية» أربع مرات.

ونتيجة لهذا توحدت «أوربا» كلها ضده لطرده من «البلقان» فتكونت حملة صليبية ضده فى (جمادى الأولى 798هـ= فبراير 1396م) بقيادة «سيجموند» ملك «المجر» الذى استنجد بالبابا وبملوك «أوربا» لإنقاذ «المجر» و «بيزنطة» من الخطر العثمانى، فحملت الحملة شعار: «سحق الأتراك أولا ثم احتلال القدس».

وتكونت هذه الحملة من جيوش مجرية وفرنسية وألمانية وهولندية وإنجليزية وإيطالية وإسبانية بلغت نحو (130) ألف محارب، واجتازت نهر «الدانوب» وبلغت مدينة «نيكوبولى» وعندها دارت معركة طاحنة بينهم وبين الجيش العثمانى الذى بلغ عدده نحو (90) ألف جندى بقيادة «بايزيد الصاعقة».

وانتهت معركة «نيكوبولى» بانتصار العثمانيين، وبوقوع كثير من أشراف «فرنسا» فى الأسر، منهم: «الكونت دى نيفر» قائد قوات «بورغوينا» وولى عهدها، وقد أقسم هذا الكونت على عدم العودة إلى محاربة العثمانيين، ولكن بعد قرار «بايزيد» بإطلاق سراح الأمراء الأسرى، أراد أن يحل «الكونت دى نيفر» من قسمه، فقال له:

«أيها الكونت! لك أن تعود مرة أخرى لمحاربتى، لكى تمسح العارالذى لحق بك، واعلم أنى لا أخاف من عودتك وإلا ما كنت أطلقت سراحك، تعالَ وقتما تشاء فستجدنى وجنودى أمامك».

ثم أرسل الأمير «بايزيد الأول» أنباء هذا الانتصار إلى الخليفة «المتوكل العباسى» بالقاهرة، فأجابه الخليفة بأن أرسل إليه تشريفًا وخلعًا وسيفًا، وكان هذا يعنى الاعتراف ببايزيد الأول سلطانًا على إقليم «الروم» (الأناضول والبلقان)، وبذا أصبح الأمير «بايزيد» أول من حمل لقب «سلطان» فى «آل عثمان».

محاصرة القسطنطينية

حاصر العثمانيون العاصمة البيزنطية فى عهد «بايزيد الأول» أربع مرات:

– الأولى فى سنة (793هـ= 1391م) حيث اصطف ستة آلاف جندى عثمانى على امتداد سور «القسطنطينية» وحاصروا المدينة حصارًا شديدًا، ولم يستطع أحد الدخول إلى المدينة أو الخروج منها دون موافقة العثمانيين، ودام هذا الحصار سبعة أشهر دون أن يخضع إمبراطور «بيزنطة» لبايزيد دون قتال.

– والثانية فى سنة (797هـ= 1395م)، واستمر هذا الحصار طوال صيف ذلك العام.

– والثالثة فى سنة (800هـ = 1397م).

– والرابعة كانت بين سنتى (802 – 804 هـ = 1399 – 1401م)، على إثر ذهاب الإمبراطور البيزنطى «مانويل الثانى» إلى «إنجلترا» وزيارته لأوربا لمدة (13) شهرًا، طلبًا للمساعدة ضد العثمانيين، ولم يفك هذا الحصار إلا بعد قدوم «تيمورلنك» بجيوشه الجرارة التى عصفت بالسلطنة العثمانية وتسببت فى انهيارها فترة من الزمن.

ويجدر بالذكر أن «بايزيد» لم يفك حصاره الرابع عن «القسطنطينية» إلا بشروط، منها: أن يبنى المسلمون الذين يعيشون داخل المدينة جامعًا لإقامة شعائر الدين، وأن تقام لهم محكمة شرعية للنظر فى قضاياهم.

ويذكر لبايزيد تشييده القلعة المسماة «جوزلجه حصار» (أناضولى حصار) على الضفة الأسيوية من بوغاز «القسطنطينية».

الأزمة بين تيمورلنك وبايزيد

أسس «تيمورلنك» خاقان أتراك الشرق (التركستان) إمبراطوريةعظمى، امتلكت جيشًا قويا ومنظمًا اجتاح به الشرق، ثم حدث نزاع بين «تيمورلنك» و «بايزيد» بسبب لجوء «أحمد بن أويس» الذى فر من «بغداد» أمام «تيمورلنك» إلى «بايزيد»، واحتمائه به.

اتخذ «تيمورلنك» من هذا الحادث ذريعة للتحرك ضد العثمانيين، وبخاصة بعد رفض «بايزيد» طلب «تيمورلنك» تسليمه «أحمد بن أويس» فقام بحملته الأولى على «الأناضول» سنة (803هـ=1400م)، ووصل إلى «سيواس» فدخلها وخربها وسفك دماء أهلها بعد أن صمد العثمانيون على قلتهم أمام جيوش «تيمورلنك» الجرارة، وأبلوا بلاءً حسنًا، ثم انسحب «تيمورلنك» من «الأناضول» إلى «القوقاز» بعد أن استولى على «ملاطية» من العثمانيين.

كان «تيمورلنك» يأمل أن يعترف «بايزيد» بتبعيته له مثل سلاطين المماليك و «الهند» غير أن هذا الأمل لم يتحقق؛ إذ رد عليه «بايزيد» ردا فيه تحقير، وحاول «تيمورلنك» إقناع أمرائه بشن حرب حاسمة ضد العثمانيين، وكان رأى أمراء «تيمور» وأولاده أنه لايليق بهم محاربة الدولة العثمانية، وهى دولة سنية حنفية المذهب مثلهم، وتجمعهم اللغة التركية، كما أنها تعد حاملة لراية الجهاد الإسلامى، لكن «تيمورلنك» نجح فى إقناع المخالفين له فى الرأى باحتمال أن يقوم «بايزيد» بضرب الجيش التيمورى من الخلف أثناء حملته على «الصين».

دخل «تيمورلنك» إلى «الأناضول» مرة أخرى سنة (805هـ = 1402م) على رأس جيش ضخم بلغ عدده نحو (300) ألف جندى، وفى مقدمته (32) فيلا مدرعًا، وسار به حتى وصل إلى «أنقرة» وهناك التقى بالجيش العثمانى فى (27 من ذى الحجة 804هـ = 28 من يوليو 1402م) واستمر اللقاء حتى غروب الشمس، وكان النصر فيه حليف «تيمورلنك» وأسر فى المعركة السلطان «بايزيد» بعد أن أبلى جنوده بلاءً حسنًا، وكبَّدوا «تيمورلنك» خسائر فادحة لم يسبق له أن تكبَّدها، حيث قتل له فى المعركة نحو (40000) جندى.

لقد كانت معركة «أنقرة» من أكبر المعارك الميدانية التى حدثت خلالالعصور الوسطى، وتعد من أكبر الكوارث فى التاريخ التركى، حيث أخرت نمو العثمانيين وفتوحاتهم نصف قرن، وأطالت عمر الدولة البيزنطية المدة نفسها، وعطَّلت وحدة «الأناضول» سبعين سنة.

عاش السلطان «بايزيد» فى أسر «تيمورلنك» سبعة أشهر واثنى عشر يومًا، ومات فى «آق شهر» قرب «قونية» سنة (806هـ = 1403م) وأرسل جثمانه إلى «بورصة» ثم أطلق «تيمور» عقب وفاة «بايزيد» سراح ابنيه اللذين أسرا معه.

العثمانيون يعيدون تكوين دولتهم

عاش العثمانيون عقب معركة «أنقرة» فترة أطلق عليها المؤرخون عهد الفتنة أو دور الفوضى، وكانت مدتها عشر سنوات، وأحد عشر شهرًا وثمانية أيام، وهى فترة الصراع بين أبناء «بايزيد» على العرش العثمانى، حتى نجح أحدهم وهو «محمد بن بايزيد» الملقب بمحمد ُلبى فى تولى السلطنة والقضاء على الفوضى والفتن، والبدء فى إعادة البناء وتعمير الدولة وتنظيم أمورها، حتى عده المؤرخون المؤسس الثانى للدولة العثمانية.

وتوفى «محمد الأول» سنة (824هـ=1412م) عن (39) عامًا فى مدينة «أدرنة».

السلطان مراد الثانى

تولى «مراد بن محمد» عرش السلطنة وعمره (17) سنة، وبدأ عهده بعقد هدنة مع ملك «المجر» لمدة خمس سنوات حتى يتفرغ للأناضول، وبعقد صلح مع أمير «قرمان»، ثم اتجه «مراد» إلى محاصرة مدينة «القسطنطينية» سنة (825هـ = 1422م)، ودام الحصار (64) يومًا، وكان بحريا وبريا، بجيش قوامه ثلاثون ألف جندى، وكان احتمال سقوط العاصمة البيزنطية كبيرًا، بعد أن أحدثت القوات العثمانية أضرارًا بالغة بسور المدينة، غير أن السلطان «مراد» اضطر إلى رفع الحصار بعد أن جاءته أنباء حدوث فتنة فى «الأناضول» وعقد الصلح مع «بيزنطة» مقابل أن تدفع جزية كبيرة سنوية.

ثم اتجه «مراد الثانى» إلى تأديب إمارات «الأناضول» التى تمردت عليه أثناء انشغاله بمحاربة «بيزنطة» فقضى بصورة نهائية على إمارات «منتشة» و «أيدين»، و «تسكا» وقلَّص حدود إمارة «جاندار».وفى سنة (829 هـ = 1426م) اجتاز السلطان «مراد الثانى» على رأس جيشه «نهر الدانوب» والتقى مع الجيش المجرى، وانتصر عليه، وعقد مع ملك «المجر» معاهدة تنازل بمقتضاها عن أملاكه فى الضفة اليمنى لنهر الدانوب، الذى أصبح فاصلا بين أملاك الدولة العثمانية و «المجر»، ثم فتح «مراد» «سلانيك»، و «يانيا» ونجح فى إلغاء إمارة «الصرب» تمامًا وأطلق عليها لواء «سمندرة» كما خضعت «ألبانيا» للدولة العثمانية بعد حروب يسيرة، وعقدت «البندقية» صلحًا معها.

وفى عهد «مراد الثانى» توترت العلاقات بين المماليك والعثمانيين بسبب إمارتى «قرامان» و «دلقادر» غير أنه لم يهتم بهذا الأمر بسبب إعلان البابا «أوجينيوس الرابع» سنة (843هـ=1439م) عن حملة صليبية ضد الدولة العثمانية بقيادة القائد المجرى «هونيادى» الذى اتخذ من إخراج العثمانيين من «البلقان» هدفًا لحياته.

وقد تمكن هذا القائد المجرى من هزيمة عدة جيوش عثمانية، مما اضطر السلطان إلى محاربته بنفسه، ثم عقد صلحًا مع «المجر» سنة (848هـ = 1444م)، أعيد بمقتضاه تأسيس إمارة «الصرب» على أن تكون تابعة للدولة العثمانية، ومنطقة عازلة بينها وبين «المجر».

ولما شعر السلطان «مراد الثانى» بالتعب تخلى عن عرشه لابنه «محمد الثانى» الذى عرف فيما بعد بمحمد الفاتح، وكان عمره آنذاك (21) عامًا، فشكل الأوربيون على الفور حملة عسكرية على الدولة العثمانية، وشاركت فيها قوات من «المجر» و «قولونية» و «ألمانيا»، و «فرنسا» و «البندقية» و «بيزنطة» و «بيرجوذريا» وكانت تلك الحملة بقيادة «هونيادى»، واختير الملك المجرى «لاديسلاس» قائدًا شرفيا للحملة، وقد نهبت هذه الحملة وهى فى طريقها كل شىء، حتى الكنائس الأرثوذكسية لم تسلم من أيديهم.

وإزاء هذه التطورات اجتمع مجلس شورى السلطنة العثمانية، وطلب عودة «مراد الثانى» إلى الحكم مرة أخرى، فعاد وبدأ فى إعداد جيشه للقاء تلك الحملة الصليبية، فتحرك على رأس جيشه الضخم الذىبلغ أربعين ألف جندى، والتقى مع تلك الحملة فى «فارنا» وهى مدينة بلغارية تقع على شاطئ «البحر الأسود»، ودارت بينهما معركة هائلة عرفت باسم «معركة فارنا» فى (28 من رجب 848 هـ = 10 من نوفمبر 1444م)، وفيها حقق العثمانيون نصرًا غاليًا، وقتل الملك «لاديسلاس»، وهرب «هونيادى» من المعركة، وبهذا النصر أيقن الأوربيون صعوبة طرد العثمانيين من منطقة «البلقان».

وقد فرح العالم الإسلامى بهذا النصر فرحًا شديدًا حتى إن السلطان «جقمق» المملوكى أمر أن يذكر اسم السلطان «مراد الثانى» مجاملة بعد اسم الخليفة العباسى فى «القاهرة».

لم تستسلم «أوربا» لهذه الهزيمة فجهزت حملة صليبية أخرى ضمت نحو مائة ألف جندى بقيادة «هونيادى» والتقت بالعثمانيين بقيادة السلطان «مراد الثانى» فى صحراء «قوصوه» فى (18 من شعبان 852هـ=17 من أكتوبر 1448م)، وانتصر العثمانيون فى هذا اليوم انتصارًا عظيمًا.

السلطان محمد الفاتح

ولد السلطان «محمد» فى (27 من رجب 835هـ = 30 من مارس 1432م) وتولى عرش السلطنة بعد وفاة أبيه فى (5 من المحرم 855هـ = 7 من فبراير 1451م) بعد أن بايعه أهل الحل والعقد فى الدولة العثمانية.

إعداد محمد الفاتح

خضع السلطان «محمد» – شأنه فى ذلك شأن كل أمير عثمانى – لنظام تربوى صارم تحت إشراف مجموعة من علماء عصره المعروفين.

وهو ما يزال غضا، فتعلم القرآن الكريم والحديث والفقه والعلوم العصرية – آنذاك – من رياضيات وفلك وتاريخ ودراسات عسكرية نظرية وتطبيقية، كما كان السلطان «محمد» يشترك فى الحروب التى كان يشنها والده السلطان «مراد الثانى» ضد «أوربا» أو التى كان يصد فيها اعتداءاتهم.

وكعادة «آل عثمان» فى إسناد إدارة ولاية لكل أمير وهو صغير حتى يؤهل لقيادة الدولة بعد ذلك، قضى «محمد» فترة إمارته فى «مغنيسيا» تحت إشراف مجموعة من أساطين علماء العصر، وفى مقدمتهم: الشيخ «آق شمس الدين» والملا «الكورانى».

وقد أثرت هذه المجموعة من العلماء فى تكوين الأمير الصغير وتشكيل اتجاهاته الثقافية والسياسية والعسكرية، وكان الشيخ «آق شمس الدين» صارمًا مع الأمير حتى إن السلطان «محمد» وهو سلطان قال لأحد وزرائه عن شيخه هذا: «إن احترامى لهذا الشيخ احترام يأخذ بمجامع نفسى وأنا ماثل فى حضرته مضطربًا ويداى ترتعشان».

ثقافة محمد الفاتح

درس السلطان «محمد» إلى جانب دراسته الأكاديمية المنظمة اللغات الإسلامية الثلاثة التى لم يكن يستغنى عنها مثقف عصرى آنذاك وهى: العربية والفارسية والتركية، وعنى بالأدب والشعر خاصة، فكان شاعرًا له ديوان بالتركية، وله بيت مشهور يقول فيه:

نيتى هى الامتثال للأمر الإلهى «جاهدوا فى سبيل الله».

وحماسى إنما هو حماس فى سبيل دين الله.

وتعلم السلطان «محمد» أيضًا اللغات: اللاتينية واليونانية والصربية، ولاتخفى أهمية هذه اللغات لأمير فى طريقه إلى تولى الدولة العثمانية.

وقد أثرت فترة إمارة «محمد» فى شخصيته فجعلته – بفضل توعية أساتذته – أكثر الأمراء العثمانيين وعيًا فى دراسة علوم التاريخ والجغرافيا والعلوم العسكرية، وبخاصة أن أساتذته وجهوا اهتمامه إلى دراسة الشخصيات الكبيرة، التى أثرت فى مجرى التاريخ، وأبانوا له عن جوانب العظمة فى تلك الشخصيات، كما وضحوا له نقاط الضعف فيها، أملا أن يكون أميرهم ذات يومٍ من أكثر الحكام خبرة وحكمة وعبقرية.

ولا شك أن الشيخ «آق شمس الدين» استطاع أن يلعب دورًا كبيرًا فى تكوين شخصية «محمد» وأن يبث فيه منذ صغره أمرين، جعلا منه فاتحًا، وهما:

– مضاعفة حركة الجهاد العثمانية.

– الإيحاء دومًا لمحمد منذ صغره بأنه هو الأمير المقصود بالحديث النبوى، «لتفتحن القسطنطينية فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش».

وقد استغرق تحقيق النقطة الأولى فترة تاريخية من حياة السلطان «محمد» – بعد أن أصبح سلطانًا للدولة – لنرى فيه حملاته العسكرية،ونكتفى هنا بذكر حروبه البرية على الجبهة الأوربية. ففى عام (857هـ=1453م) فتح «القسطنطينية»، وفى عام (863هـ= 1459م) فتح «بلاد الصرب»، وفى عام (568هـ = 0641م) فتح «بلاد المورة»، وفى عام (866هـ = 1462م) ضم «بلاد الأفلاق»، وبين عامى (867 – 884هـ = 1462 – 1479م) فتح بلاد «ألبانيا»، وبين عامى (867 – 870هـ = 1462 – 1465م) فتح بلاد «البوسنة والهرسك»، وفى عام (881هـ = 1476م) وقعت حرب «المجر».

ومنذ حرب بلاد «المجر» وحتى وفاة الفاتح عام (886هـ = 1481م) دخلت الدولة العثمانية فى حروب بحرية كثيرة منها: ضم الجزر اليونانية عام (884هـ = 1479م) وضم «أوترانتو» عام (885هـ=1480م) ومعلوم أنه كان قد أعد بالفعل جيوشه وتحرك على رأسها لمحاربة المماليك إلا أن الموت عاجله.

فتح القسطنطينية

رأى السلطان «محمدالفاتح» أن فتح «القسطنطينية» كما أنه يحقق أملا عقائديا عنده فإنه أيضًا يسهل للدولة العثمانية فتوحاتها فى منطقة «البلقان» ويجعل بلاده متصلة لايتخللها عدو، وكانت «القسطنطينية» تمثل الأرض التى تعترض طريق الفتوحات فى «أوربا»، فبدأ فى عاصمته «أدرنة» الاستعداد لعملية فتح «القسطنطينية»، ومن ذلك: صب المدافع خاصة الضخم منها، والاستعداد لنقل هذه المدافع إلى أسوار مدينة «القسطنطينية».

ثم رأى السلطان «محمد» أن جده «بايزيد الصاعقة» كان قد بنى – أثناء محاولته فتح «القسطنطينية» – قلعة على الضفة الآسيوية من «البوسفور» سماها «أناضولو حصارى» أى «قلعة الأناضول».كانت تقوم على أضيق نقطة من «مضيق البوسفور»، فقرر «محمد» أن يبنى فى مواجهة هذه القلعة على الجانب الأوربى من «البوسفور» قلعة سماها «روملى حصارى» أى «قلعة منطقة الروم» (يطلق الأتراك على الجانب الأوربى من تركيا والمنطقة الملاصقة له والمعروفة الآن باسم «البلقان» اسم «روم إيلى» أى منطقة الروم)، وكان القصد من هذا هو التحكم فى «البوسفور» تمامًا، وكانالسلطان «محمد» هو الذى وضع بنفسه تخطيط هذه القلعة، ونفذها المعمارى «مصلح الدين آغا» ومعه (7000) عامل أنهوا مهمتهم فى أربعة أشهر كاملة.

وبعد أن تم البناء خرج بعض الجنود العثمانيين لرؤية «القسطنطينية» فما لبث أن وقع بينهم وبين البيزنطيين المجاورين لأسوار المدينة بعض حوادث شغب، كان لها رد فعل عند السلطان «محمد» فأصدر أوامره بإبعاد البيزنطيين المجاورين للأسوار والقرويين المجاورين للمدينة، فقام إمبراطور «بيزنطة» «قسطنطين دركازيز» بإخلاء القرى المجاورة، وسحب سكانها إلى داخل المدينة، ثم أمر الإمبراطور بإغلاق أبواب «القسطنطينية» وإحكام رتاجها.

وبينما الاستعدادات العثمانية تجرى على قدم وساق فى «أدرنة» لفتح «القسطنطينية» كان الوضع فى المدينة غاية فى الاضطراب، فقد طلب الإمبراطور «قسطنطين» معونة عاجلة من البابا «نيقولا الخامس» فاستجاب البابا وأرسل الكاردينال «ايزودور» إلى «القسطنطينية» فتوجه هذا الكاردينال وهو كاثوليكى – إلى «كنيسة آياصوفيا» وأقام فيها المراسم الكنسية على الأصول الكاثوليكية مخالفًا بذلك بل ومتحديًا مشاعر شعب «القسطنطينية» الأرثوذكسى.

وقف الشعب ينظر إلى الكاردينال المنقذ باشمئزاز بالغ، وكان إمبراطور «القسطنطينية» يميل إلى فكرة اتحاد الكنيستين الأرثوذكسية والكاثوليكية، أما رئيس الحكومة «لوكاس نوتاراس» و «جناديوس» (الذى صار بطريقًا بعد الفتح) فقد عارضا بشدة هذا الاتحاد خوفًا على الأرثوذكسية من الفناء، وقال «نوتاراس» قولته الشهيرة: «إنى أفضل رؤية العمامة التركية فى القسطنطينية على رؤية القبعة اللاتينية» ولم يكن البيزنطيون قد نسوا الأعمال الوحشية التى قام بها «اللاتين» عندما احتلوا «القسطنطينية» عام (601هـ = 1204م) ومع ذلك فإن الكنيسة اللاتينية لم تتوانَ عن إرسال موجات المتطوعين إلى «القسطنطينية» بناء على طلب إمبراطورها، لكنمجىء «ايزودور» لم يحقق أدنى نتيجة فى مسألة اتحاد الكنيستين.

الحصار والفتح

حاصر العثمانيون «القسطنطينية» برا وبحرًا فى سنة (857هـ = 1453م) واشترك فى الحصار من الجنود البحرية (20000) جندى على (400) سفينة، أما القوات البرية فكانت (80000) جندى، والمدفعية (200) مدفع.

وقفت القوات البحرية العثمانية بقيادة «بلطة أوغلو سليمان بك» على مدخل «الخليج الذهبى» وكان عليه تدمير الأسطول البيزنطى المكلف بحماية مدخل الخليج وكان البيزنطيون قد أغلقوا – قبل الحصار – الخليج بسلسلة حديدية طويلة يصعب من جرائها دخول أى سفينة إلى الخليج، مما شكل أكبر معضلة أمام العثمانيين، لأن سفنهم كان عليها أن تحمل الجنود وتدخل الخليج لإنزالهم لكى يضربوا «القسطنطينية».

ثم جاءت ثلاث سفن جنوية، وسفينة بيزنطية بقيادة القائد الشهير «جوستنيانى» أرسلها البابا للدفاع عن «القسطنطينية» ولنقل الإمدادات إليها، جاءت هذه السفن ولم تستطع البحرية العثمانية منعها، فبعد معركة عنيفة مع البحرية العثمانية تغلب «جوستنيانى» ومضى بسفنه إلى الخليج، ففتح لها أهل «القسطنطينية» السلسلة الحديدية وأدخلوها، وكانت هذه الحادثة دافعًا لكى يفكر السلطان «محمد» فى خطة عسكرية شهد لها القواد العسكريون بالبراعة.

كانت هذه الخطة تقضى بنقل (67) سفينة من السفن الخفيفة عبر البر من منطقة «غلطة» إلى داخل الخليج لتفادى السلسلة، وتمت هذه العملية بوضع أخشاب مطلية بالزيوت على طول المنطقة المذكورة، ثم دفعت السفن لتنزلق على هذه الأخشاب فى جنح الظلام، بعد أن استطاعت المدفعية العثمانية بإطلاقها مدافع الهاون أن تشد انتباه البيزنطيين إليها، ومن ثم لم يلتفت أحد لعملية نقل السفن إلى الخليج. نقلت السفن وأنزلت إلى الخليج ووضعت الواحدة تلو الأخرى على شكل جسر على عرض الخليج، حتى استطاع الجنود الانتقال عليها وصولا إلى بر «القسطنطينية» وما إن جاء الصباح إلا وتملكت الدهشةأهل «القسطنطينية»، ويصف المؤرخ «دوكاس» وهو بيزنطى عاصر الحادثة دهشته من هذه العملية قائلا: «إنها لمعجزة لم يسمع أحد بمثلها من قبل ولم ير أحد مثلها من قبل».

وبعد أن فشلت البحرية العثمانية فى إحباط محاولة «جوستنيانى» دخول الخليج، لم يملك السلطان «محمد» إلا الأمر بالهجوم العام الذى اشتركت فيه كل القوات العثمانية مرة واحدة، وقبل هذا مباشرة أرسل السلطان «محمد» إلى الإمبراطور للمرة الثانية – يطلب منه تسليم المدينة سلمًا حقنًا للدماء، وللإمبراطور أن ينسحب إلى أى مكان يريده بكل أمواله وخزائنه، وتعهد السلطان «محمد» بتأمين أهل «القسطنطينية» – فى هذه الحالة – على أموالهم وأرواحهم وممتلكاتهم، لكن الإمبراطور – بتحريض من الجنويين – رفض هذا العرض.

وفى (16من ربيع الأول 857 هـ= 26 من مايو 1453م) أراد ملك «المجر» أن يضغط على السلطان «محمد» فى هذا الوقت الحرج، فأرسل يقول له: «إنه فى حالة عدم توصل العثمانيين إلى اتفاق مع إمبراطور «القسطنطينية» فإنه (أى ملك المجر) سيقود حملة أوربية لسحق العثمانيين، ولم تغير هذه الرسالة شيئًا.

مضى نهار يوم (28 من مايو) هادئًا، وعند الفجر وبعد الصلاة مباشرة، اتجه السلطان «محمد» إلى مكان الهجوم ومع دوىّ المدافع الضخمة الذى بدأ، صدر الأمر السلطانى بإخراج العلم العثمانى من محفظته، وهذا يعنى عند الأتراك الأمر ببداية الهجوم العام.

واستطاعت المدافع أثناء ذلك إحداث فتحة فى الأسوار، ثم اجتاز الجنود العثمانيون الخنادق المحفورة حول «القسطنطينية» واعتلوا سلالم الأسوار، وبدأ الجنود يتدفقون على ثلاث موجات، اشتركت «الإنكشارية» فى الثالثة منها، فاضطر «قسطنطين» أن يدفع بقواته الاحتياطية التى كانت مرابطة بجوار كنيسة الحواريين «سانت أبوترس» (مكان جامع الفاتح بعد ذلك) لتدخل المعركة، وما لبث أن أطلق جندى عثمانى سهمه فأصاب القائد «جوستنيانى» إصابةبالغة فانسحب «جوستنيانى» من ميدان المعركة رغم توسلات الإمبراطور له، لأن «جوستنيانى» كان له دور كبير فى الدفاع عن المدينة.

وكان أول شهداء العثمانيين هو الأمير «ولى الدين سليمان» الذى أقام العلم العثمانى على أسوار المدينة البيزنطية العريقة، وعند استشهاده أسرع (18) جنديا عثمانيا إليه لحماية العلم من السقوط واستطاعوا حمايته حتى واصل بقية الجنود تدافعهم على الأسوار، وثبت العلم تمامًا على الأسوار بعد أن استشهد أيضًا هؤلاء الثمانية عشر جنديا، أثناء ذلك كان العثمانيون يواصلون تدفقهم إلى المدينة، عن طريق الفتحات التى أحدثتها المدفعية فى الأسوار، ثم عن طريق تسلق السلالم التى أقاموها على أسوار المدينة، وتمكن جنود من فرق الهجوم العثمانية من فتح بعض أبواب «القسطنطينية» ونجح آخرون فى رفع السلاسل الحديدية التى وضعت فى مدخل الخليج لمنع السفن العثمانية من الوصول إليها، فتدفق الأسطول العثمانى إلى الخليج وبعد ذلك إلى المدينة نفسها، وساد الذعر البيزنطيين وكان قد قتل منهم من قتل، وهرب من استطاع إلى ذلك سبيلا.

الفاتح يعطى الأمان

عندما دخل «محمد الفاتح» المدينة أمر بإحراق جثث القتلى تفاديًا للأمراض، وسار على ظهر جواده إلى كنيسة «آيا صوفيا» حيث تجمع الشعب البيزنطى ورهبانه، وما إن علموا بوصول السلطان الفاتح حتى خروا سجدًا راكعين بين أنين وبكاء وعويل، ولما وصل الفاتح، نزل من على ظهر حصانه وصلى ركعتين شكرًا لله على توفيقه له بالفتح، ثم سار يقصد شعب بيزنطة ورهبانه، ولما وجدهم على هذه الحالة من السجود انزعج وتوجه إلى رهبانهم قائلا: «قفوا استقيموا فأنا السلطان محمد، أقول لكم ولجميع إخوانكم ولكل الموجودين هنا، إنكم منذ اليوم فى أمان فى حياتكم وحرياتكم»، وهذا ما سجله مؤرخ بولونى كان معاصرًا.

وكان لهذا التصرف من الفاتح أثر كبير فى عودة المهاجرين النصارىالذين كانوا قد فروا من المدينة، وأمر الفاتح قواده وجنوده بعدم التعرض للشعب البيزنطى بأذى، ثم طلب من الناس العودة إلى ديارهم بسلام، وحول «آيا صوفيا» إلى جامع، على أن تصلى فيه أول جمعة بعد الفتح (كان الفتح يوم ثلاثاء) وكانت «آيا صوفيا» أكبر كنيسة فى العالم وأقدم مبنى فى أوربا كلها، وسميت المدينة «إسلامبول» أى مدينة الإسلام.

كان سلوك الفاتح عندما دخل «القسطنطينية» ظافرًا؛ سلوكًا مختلفًا تمامًا عما تقول به شريعة الحرب فى العصور الوسطى، وهو نفى شعب المدينة المفتوحة إلى مكان آخر أو بيعه فى أسواق النخاسة، لكن الفاتح قام بما عجز عن فهمه الفكر الغربى المعاصر له من تسامح ورحمة، فقد قام بالآتى:

– أطلق سراح الأسرى فورًا نظير مقابل مادى قليل يسدد على أقساط طويلة المدى.

– وأسكن الأسرى الذين كانوا من نصيبه فى المغانم فى المنازل الواقعة على ساحل الخليج.

– وعندما أبيحت «القسطنطينية» للجنود ثلاثة أيام عقب الفتح، كان هذا الإذن مقتصرًا على الأشياء غير المعنوية، فلم تُغتصب امرأة ولم يُمسَّ شيخ ولا عجوز ولا طفل ولا راهب بأذى، ولم تهدم كنيسة ولا صومعة ولا دير ولا بيعة، مع أن المدينة أُخذت بالحرب ورَفضت التسليم.

– وكان من حق الفاتح قانونًا – ما دامت المدينة قد أخذت عنوة- أن يكون هو نيابة عن الجيش الفاتح مالكًا لكل ما فى المدينة، وأن يحول نصف الكنائس والبيع على مدى زمنى طويل إلى جوامع ومساجد، وأن يترك النصف الآخر لشعب المدينة على ما هو عليه، وفى وقفيات السلطان «محمد الفاتح» بنود كثيرة على بقاء أديرة «جوكاليجا» و «آيا» و «ليبس» و «كيرا ماتو» و «الكس» فى يد البيزنطيين.

– واعترف لليهود بملكيتهم لبيعهم كاملة، وأنعم بالعطايا على الحاخام «موسى كابسالى».

– وعين فى سنة (865هـ= 1461م) للجماعات الأرمنية بطريقًا يدعى «يواكيم» ليشرف على مصالح الأرمن ويوحد صفوفهم.

– وبدأ فى أعمال تعمير المدينة ابتداء من (23 من ربيع الأول 857هـ = 12 من يونية 1453م) (كان الفتح يوم 29 من مايو من العام نفسهـ) وأمر بنقل جماعات كثيرة من مختلف أنحاء الدولة إلى «القسطنطينية» للإسهام فى إعادة إنعاشها.

– وأعاد للأرثوذكس كرامتهم التى أهدرها اللاتين الكاثوليك بأن أعطاهم حق انتخاب رئيس لهم، يمثلهم ويشرف على شئونهم، وأصبح «سكولا ريوس» (جناديوس) أول بطريق لهم بعد الفتح العثمانى للقسطنطينية، وبذلك أنقذ الفاتح إيمان الأمة التى فتح ديارها، وأحيا الأرثوذكية بعد أن أخذت تخفت.

– وجعل الفاتح مسائل الأحوال الشخصية مثل: الزواج والطلاق والميراث وأمور الوفاة الخاصة بأهل المدينة المفتوحة من حق الجماعات الدينية المختصة، وكان هذا امتيازًا منعدم النظير فى «أوربا» فى ذلك الوقت.

الفاتح وحكام عصره

كان تصرف «الفاتح» تصرفًا حضاريا فى الوقت الذى كان الحكام من الشرق والغرب يتلذذون بسفك الدماء وبقتل الناس بالآلاف، ويتلذذون وهم على موائد الطعام بمنظر الأسرى وقد اخترقت بطونهم أسنة رماح الجنود، وبرفع الأسرى على الخوازيق وبخلط دمائهم بأنواع الشراب، كما فعل «جنكيزخان» و «تيمورلنك» فى الشرق، و «فلال» و «هونيادى» فى الغرب.

إن دولة «بيزنطة» هدمت حى المسلمين فى «القسطنطينية» وأبادت سكانه بعد أن علم الإمبراطور بانتصار «تيمورلنك» على السلطان العثمانى «بايزيد الصاعقة» فى واقعة أنقرة عام (805هـ = 1402م).

وأزهقت الجيوش الصليبية فى عملية احتلال القدس أرواح (70000) برىء، يقول «هـ. ج. ويلز» فى ذلك: «كانت المذبحة التى دارت فى بيت المقدس رهيبة وكان الراكب على جواده يصيبه رشاش الدم الذى سال فى الشوارع .. » ويقول المؤرخ نفسه عن «هولاكو»: «كان هولاكو يفتح فارس وسوريا وأظهر المغول فى ذلك الزمان عداوة مريرة للإسلام، ولم يكتفوا بتذبيح سكان بغداد .. بل وقد صارت أرضالجزيرة منذ تلك اللحظة التعسة يبابًا من الخرائب والأطلال لا تتسع إلا للعدد القليل من السكان».

وتقول «سامحة آى ويردى»: «إن الجيوش الصليبية التى تدفقت على القسطنطينية عام (603هـ = 1206م) قامت بتحويل المدينة إلى خرابة بائسة فقيرة معدمة بعد أن كانت غنية معمورة يسودها الرخاء».

وعندما دخل «شارل الخامس» «تونس» عام (947هـ = 1540م) لم يترك حيا أمامه إلا قتله ولم تسلم من وحشيته حتى الجمال والقطط، وهذا ما ذكره «شهاب الدين تكين داغ» فى مذكراته عن الدولة العثمانية.

إن هذه الأمثلة إذا ما قارناها بموقف «الفاتح» الحضارى من «القسطنطينية» وأهلها، نرى «الفاتح» قائدًا منعدم النظير بين أقرانه من أباطرة الشرق وحكام الغرب، ولو كان «الفاتح» قد اتبع ما كان يجرى على الجانب الغربى من البحر المتوسط من فظائع الإسبان فى «الأندلس» وما فعلوه بالمسلمين وبالعرب ما أصبح هناك مسيحى واحد فى «القسطنطينية».

دور المدفعية العثمانية

كان المدفع اختراعًا حديثًا مروعًا غيّر مجرى التاريخ، وكان «مدفع الهاون» اختراعًا عثمانيا عرفه العالم لأول مرة أثناء حصار العثمانيين للقسطنطينية كما كان المدفع الضخم خاصة مدفع الهاون أكبر عامل فى فتح المدينة.

كان المدفع الضخم من اختراع اثنين هما: «مصلح الدين» و «أوربان» – و «أوربان» هذا مختلف فى أصله هل هو مجرى أو رومانى – وكان المدفع ضخمًا جدا، وكانت تُسمع طلقاته من مسافة (25ميلا) وقذيفته من الحجر والبارود تبلغ زنة القذيفة الواحدة (1500) كيلو جرام، يصل مداها إلى مسافة ميل. يقول «أدارى مونتالدو»: «إن عدد المدافع التى صبها كل من مصلح الدين وأوربان قد بلغ 200 مدفع».

وعندما كان المدفع ينقل من «أدرنة» العاصمة إلى «القسطنطينية» ليستقر أمام أسوارها كان لزامًا على العثمانيين توسعة طريق «أدرنة – القسطنطينية» وقام بهذه العملية (50) مهندسًا ومائتا عامل،وكان يجر المدفع (60) جاموسة، ويسند المدفع من على جانبيه (400) رجل قوى، (200) على كل جانب، وذلك حتى لا ينزلق المدفع يمنة أو يسرة أثناء مروره.

ولقد لعبت مدافع الهاون دورًا ملحوظًا فى الحصار سواء فى الضرب أو فى عمليات التمويه، وبسبب هذه المدافع حدث التحول الكبير فى «أوربا».

السلطان بايزيد الثانى

انفرد «بايزيد الثانى بن محمد الفاتح» بالسلطة بعد نزاع بينه وبين أخيه «جم»، وكان الأخوان قد اختلفا بعد وفاة والدهما فى (4 من ربيع الأول سنة 886هـ= 3 من مايو سنة 1481م)، وانتهى الصراع بينهما لصالح «بايزيد»،وفر «جم» إلى «القاهرة»، ثم إلى «فرنسا»، ثم إلى «إيطاليا»، وقد تكفل أخوه «بايزيد» بالإنفاق عليه فى كل مكان ذهب إليه، وقد حاول بابا روما استخدام الأمير «جم» أداة ضغط على الدولة العثمانية، لكنه لم يعش طويلاً. عُرف «بايزيد» بلقب الولى أو الصوفى، لأن حروبه ضد «أوربا» لم تكن فى مستوى من سبقوه فى حكم الدولة العثمانية، لكن كانت له حملات على «المجر» و «البغدان» و «بلجراد»، كما كانت له معارك فى «الأناضول»، وصدام مع المماليك، لكن «يحيى الثالث» سلطان «تونس» قام بالوساطة بين الدولتين.

وقامت فى عهده أول حملة عثمانية فى غربى «البحر المتوسط»، بهدف مساعدة المسلمين فى «الأندلس»، ودخلت هذه الحملة المياه الإسبانية، واستولت على ميناء «مالقة» الذى كان الإسبان قد استولوا عليه من مسلمى «الأندلس» قبل أشهر.

وبعد سقوط «غرناطة» فى أيدى الإسبان سنة (897هـ= 1492م) انتشر نحو (300) ألف مسلم على سواحل «إسبانيا»، وقد قامت السفن العثمانية بنقل هؤلاء إلى «فاس» و «الجزائر»، وأنقذتهم من المصير المؤلم الذى تعرَّض له المسلمون بالداخل، وظلَّت هذه الحملات تتتابع، وقاد أغلبها «كمال رئيس» نحو (23) سنة حتى استشهد أثناء عودته من حملة على «إسبانيا» سنة (917هـ= 1511م).

عقد «بايزيد الثانى» صلحًا مع «أوربا» لمدة عشرين سنة تقريبًا،وكان السبب فى ذلك انشغال الدولة العثمانية بتحركات الشاه «إسماعيل الصفوى»، الذى جعل «إيران» دولة شيعية، وكوَّن جيشًا قويا، ووسع حدوده، وتفوق على المماليك عسكريا واقتصاديا، وعمل على التوسع على حساب الدولة العثمانية، والتحالف مع «أوربا» ضد العثمانيين، وحاول التحالف مع «مصر» ضد الدولة العثمانية، لكن المماليك فى «مصر» رفضوا ذلك.

حدثت مناوشات بين الشاه «إسماعيل الصفوى» وبين «سليم ابن السلطان بايزيد» والى «طرابزون»، كان النصر فيها حليف «سليم بن بايزيد»، فأثار ذلك حفيظة الشاه، فاشتكى إلى السلطان «بايزيد» من ابنه، فأمر بإعادة الأراضى التى استولى عليها إلى الصفويين.

وقد أدَّى هذا التصرف إلى استياء «سليم بن بايزيد» من والده، وشكه فى مقدرة والده على التصدى للدولة الصفوية، فقام بانقلاب على والده، بمساعدة الجنود الإنكشارية، التى سارت بالأمير «سليم» إلى «إستانبول»، وطلبوا من السلطان «بايزيد» التنازل عن عرش السلطنة لابنه «سليم»، فقبل واستقال فى يوم (8 من صفر سنة 918 هـ= 25 من أبريل سنة 1512م).

نظام الحكم

كانت سلطة اتخاذ القرار فى الفترة الأولى من تاريخ الدولة العثمانية تتمثل فى الديوان الهمايونى فى العاصمة، وفى الديوان فى الولايات.

والديوان الهمايونى ( Divan imeperiel) اسم أطلق على الديوان الذى يجتمع برئاسة السلطان، لينظر فى أمور الدولة ذات الأهمية الأولى، وهو امتداد حضارى لهذه المؤسسة منذ عهد السلاجقة ثم الإيلخانيين والدول التركية الأخرى، ومثله فى ذلك مثل الديوان العالى عند السلاجقة والديوان الكبير عند الإيلخانيين والديوان السلطانى عند المماليك.

كانت مهمة الديوان الهمايونى دراسة أمور الدولة السياسية والإدارية والعسكرية والعرفية والشرعية والعدلية والمالية، كما كانت مهمته النظر فى الشكاوى والقضايا، واتخاذ القرار بشأنها، وكان الديوانمفتوحًا لكل من يتمتع بحماية الدولة العثمانية مهما يكن دينه أو ملته، ومهما يكن عرقه أو مكان موطنه فى الدولة، ومهما تكن مهنته أو الطبقة الاجتماعية التى ينتمى إليها، كما كان الديوان مفتوحًا لكل رجل أو امرأة يتعرض للظلم، أو لمن صدر حكم من القضاة المحليين ضده ويرى خطأ هذا الحكم، أو لمن يشكو الولاة أو الجنود أو الضباط، أو لمن وقع عليه ظلم القائمين على الأوقاف.

وكانت الشئون الإدارية والعرفية فى الديوان من اختصاص «الوزير الأعظم»، أما الشئون الخاصة بالأراضى فكانت من اختصاص «النشانجى» (التوقيعى)، أما الشئون الشرعية والقانونية فكانت من اختصاص «قاضيى عسكر»، أما الشئون المالية فكانت من نصيب «الدفتردار»، وكانت القرارات التى يتخذها والأمور التى ينظرها تسجل بدفاتر تسمى «مهمة دفترى» و «رءوس دفترى» و «نامه» و «عهد نامه» ثم تُمهر بخاتم السلطان الذى يكون عادة فى عهدة الوزير الأعظم، ثم تودع فى «الدفترخانة».

ويتشكل الديوان الهمايونى من أعضاء دائمين (الأعضاء الطبيعيين)، وأعضاء مؤقتين.

الأعضاء الدائمون

هم السلطان والصدر الأعظم أو الوزير الأعظم وقاضيا العسكر والنشانجى (وهو التوقيعى أو الطغرائى) والدفتردار.

الأعضاء المؤقتون

هم أمير أمراء الروملى (إذا كان موجودًا فى العاصمة)، وأغا الإنكشارية، وقائد الأسطول (إذا كان حائزًا على رتبة الوزير فيكون عضوًا دائمًا)، وشيخ الإسلام (إذا دعى للحضور).

هذا بالإضافة إلى المساعد (الكادر) وأهمهم رئيس الكُتاب والتذكرجى وجاووش باشى والكُتاب.

ويستطيع السلطان استخدام سلطاته أو إحالتها إلى الوزير الأعظم.

سلطات الديوان الهمايونى

السياسية

يتمتع «الديوان الهمايونى» بأعلى سلطة فى الدولة بعد السلطان، ومهمته المحافظة على نظام الحكم وضمان ملائمة جميع أجهزة الدولة لهذه السلطة، ومنع القيام ضدها، وهوصاحب المسئولية فى اتخاذ مايراه كفيلا للقيام بمهمته، خاصة أن هذا الديوان يمثل قوى رأس الدولة كلها.

وتنقسم سلطة الديوان الهمايونى السياسية إلى قسمين: داخلية وخارجية:

السياسة الداخلية

السلطة السياسية الداخلية التى يمارسها الديوان الهمايونى هى حماية الشريعة الإسلامية، وإعلاء الإسلام، وسحق كل حركة تقوم ضده، واستقبال من أسلم حديثًا، وإقرار رواتب لهم من الدولة، كل حسب وضعه الاجتماعى، وتقديم هدايا مناسبة لهم وحمايتهم من تدخل سفراء الدول التابعين لها، وعدم تسليمهم لهم عند مطالبة هؤلاء السفراء بتسليم المهتدين حديثًا إلى الإسلام لهم، فى حالة ما إذا كان هذا المسلم حديثًا من مواطنى دولة أخرى، أما إذا كان من مواطنى الدولة العثمانية فالديوان يستقبلهم ويوزع عليهم هدايا ويربطهم برواتب منتظمة من الدولة، كما كان يتخذ تدابير شديدة ضد من يرتد عن دينه من المسلمين.

السياسة الخارجية

كانت السياسة الخارجية العثمانية التى ينفذها الديوان الهمايونى تتلخص فى الآتي: نشر الإسلام بكل ما تستطيعه الدولة من إمكانات وبتعبير آخر: «تحويل دار الحرب إلى دار إسلام»، وكان هذا أحد أهم الأهداف السياسية الخارجية العثمانية التى يتولى تنفيذها الديوان الهمايونى. وقد نجحت هذه السياسة الخارجية نتيجة توسيع حدود الدولة العثمانية، وهذا يعنى نشرها للإسلام، ولم تتوقف حروب الفتح إلا منذ أواخر القرن السادس عشر الميلادى، ومنذ ذلك الحين جعل الديوان الهمايونى هدفه فى السياسة الخارجية حماية الأراضى المفتوحة والدفاع عنها.

ومع تداخلات الدول الأوربية فى السياسة الخارجية العثمانية وإرسال هذه الدول سفراء مؤقتين ثم سفراء دائمين لها فى إستانبول أصبح السفراء يقدمون رسائلهم إلى الديوان الهمايونى، ويحصلون على أجوبتها فى مراسم رسمية يوضحها «قوجى بك» فى رسالته المشهورة، وكان للسفراء الأجانب أن يقدموا شكاوى للديوانالهمايونى إذا حدث إخلال بالاتفاقات المعقودة بين بلادهم وبين الدولة العثمانية التى تسمى فى «عهد نامه»، وكان الديوان يحقق فيها ويعدل. وكان لهذا الديوان حق تعيين العثمانيين فى المناصب الدبلوماسية، وكانوا غالبًا من البيروقراطيين العاملين فيه.

أما أهم سلطات الديوان الهمايونى فكان إعلان الحرب، وكان المعتاد أن يحيل السلطان قرار الحرب إلى الديوان الهمايونى لدراسته واتخاذ اللازم لتنفيذه، وكان هذا القرار أحيانًا يُتخذ فى الديوان الهمايونى.

الإدارية

كان التفتيش على جميع الأعمال الإدارية فى البلاد من سلطات الديوان الهمايونى وهو فى ذلك – بعد السلطان – السلطة الأولى فى البلاد وعليه محاكمة الموظفين إذا لزم الأمر.

وإن كان توجيه المناصب إلى حدّ معين من اختصاص الجهات الإدارية الأخرى، مثل: تعيين القضاة الذى هو من اختصاص قاضى العسكر؛ فإن التعيين فى بعض المناصب مثل منصب «صوبا شى» المدن الكبرى من اختصاص الديوان الهمايونى. وإذا صدر قرار بتعيين شخص فى منصب وتظلَّم من هذا التعيين أو النقل فمن حقه مراجعة الديوان الهمايونى، وللديوان فى هذه الحالة الأمر بإجراء التحقيقات وعمل اللازم.

ومن السلطات الإدارية لهذا الديوان أيضًا حماية أهل الذمة فى البلاد من تعديات الإداريين وإعادة الحق إليهم ومعاقبة المسئولين عن ذلك.

وكانت خيوط المركزية الإدارية فى الدولة تتجمع فى هذا الديوان، مثال ذلك: أن الديوان طلب من أجهزة الدولة المسئولة عمل قوائم بكل الموجودين داخل حدود الدولة العثمانية وتسليمها إلى الديوان الهمايونى وتجديدها كل ثلاثين عامًا، وأن على المسئولين عن هذا تسجيل الوفيات والمواليد خلال هذه الأعوام الثلاثين، وهو ما يعرف اليوم بالإحصاء العام.

المالية والاقتصادية

والديوان الهمايونى هو سلطة الفصل العليا فى الأمور الاقتصادية والمالية على أعلى مستوياتها فى الدولة، فالوزير الأعظموالدفتردار عضوا الديوان الطبيعيان، وهما صاحبا السلطة الأولى فى الدولة – بعد السلطان – فى التصرف فى الأمور المالية، ومن مهام الديوان الطبيعية الضرائب والاقتصاد والمال.

أما عن الضرائب: فمهمة الديوان تحرير موارد البلاد المفتوحة بدقة وعناية فائقتين، والإشراف المباشر سنويا على الضرائب التى من حق الخزينة العامة، وتسلم دفاتر الضرائب التى تُحصَّل سنويا من جميع أرجاء البلاد، ويكتب منها نسختان: نسخة فى مركز الولاية، ونسخة أخرى ترسل إلى «إستانبول» لتسلَّم إلى الديوان الهمايونى.

والقوانين التى تسن لجمع الضرائب تعد فى الديوان الهمايونى ويقوم بإعدادها التوقيعى (النشانجى) ومجموعة مساعديه، وينظر الديوان فى مدى مطابقة هذه الضرائب للعدالة الضريبية بناءً على مدى مطابقتها للشرع الإسلامى.

ويتساوى فى هذا جميع أنواع الضرائب، ومن أهمها ضرائب الجمارك التى يتابعها الديوان بدقته المعهودة، حتى إنه يتدخل فورًا إذا قدمت له شكوى تخص تحصيل هذه الضرائب بغير وجه حق إلى أبسط أنواع الضرائب وأخفها.

وعلى الديوان الهمايونى ضمان عدم تحصيل الضرائب من الذين لا تحصل منهم مثل: رجال الدين الذميين، ومجازاة المرتشين – إذا وجدوا – فى عمليات جمع الضرائب، والعمل على عدم إهدار المال العام واتخاذ التدابير الصارمة فى هذا السبيل، واتخاذ الإجراءات الضرورية لحماية البائع والمستهلك على حد سواء، ومراقبة أعمال قطع الأشجار وأعمال المحافظة على الخضرة.

ومن مهام الديوان الهمايونى أيضًا اتخاذ التدابير الضرورية لتطور اقتصاد البلاد، والعمل على عدم سيطرة تجار معينين على تجارة البلاد واحتكارهم لها، وعدم تخزين البضائع والمواد الضرورية فى الوقت المناسب ثم بيعها بعد ذلك بأسعار باهظة، والقضاء على التهريب وحصر ثروة السلطان إذا توفى وغير ذلك.

أعضاء الديوان الهمايونى الطبيعيون (غير السلطان)

– الوزير الأعظم

وتتلخص سلطاته فى أنه وكيل السلطان وحامل خاتمه، وكان يعين فى أوائل الحكم العثمانى من طبقة العلماء، ومنذ عهد «مراد الأول» (791 – 794 هـ = 1389 – 1392م) كثر عدد الوزراء، ولذلك سمى أولهم الوزير الأعظم، وكانت له رئاسة الديوان الهمايونى نيابة عن السلطان فى حالة عدم وجوده، وسلطة تعيين العلماء ومن على شاكلتهم وعزلهم وترقيتهم، وله فى أوقات الحرب سلطة السلطان فى كثير من الأمور.

ولابد أن يشترك مع السلطان فى الحرب، فإذا ترك السلطان الحرب لسبب أو لآخر يتولى الوزير الأعظم قيادة الجيش نيابة عن السلطان، وفى أثناء ذلك يحمل لقب «السردار الأكرم»، ويترك فى حالة الحرب فى مكانه موظفًا فى البلاد يسمى «قائمقام الصدارة» أو «قائمقام الركاب الهمايونى» يرأس الديوان الهمايونى فى العاصمة بدلا من الوزير الأعظم بمقتضى بنود القانون.

– قاضيا العسكر

وموقعهما فى البروتوكول خلف الوزير الأعظم مباشرة، وهما اثنان:

قاضى عسكر الأناضول وقاضى عسكر الروملى (البلقان)، وكانا يستمعان إلى الشكاوى، ويجلسان على يسار الوزير الأعظم فى الوقت الذى يكون فيه بقية الوزراء على يمينه، وكان عليهما حل المسائل الشرعية، ويمثلان العلماء؛ إذ إن شيخ الإسلام لم يكن عضوًا بالديوان الهمايونى. وأهم عمل لهما فى الديوان الاستماع إلى القضايا المعروضة.

– النشانجى

ويسمى بالتوقيعى وأحيانًا بالطغرائى والمعنى الحرفى لعمله: «هو الشخص الذى يختم الفرمانات السلطانية بالطغراء»، لكن سلطاته كانت أوسع من ذلك، فهو الذى يعد الفرمانات من حيث صياغتها، ويكتب بنفسه أهم الفرمانات، وعليه تثبيت قواعد الحقوق العرفية الواجب وضعها أو تغييرها، والمراجعة الأخيرة لما يعده الدفتردار من وثائق.

ونظرًا لأهميته فى الديوان فقد كان اختياره من العلماء ثم من بعد ذلك من الكتّاب البارزين، ولم يكن لشيخ الإسلام ولا لقاضى العسكر دخل فى اختيار النشانجى أو تعيينه.

– الدفتردار:

وله سلطة خاصة وهو وكيل السلطان فى مال الدولة، وميدان عمله الأمور المالية فى الدولة، ومن واجباته فتح الدفترخانة والخزانة، ويعرض على السلطان مسائله عقب اجتماع الديوان فى أيام الثلاثاء. القوة العسكرية ومدى تفوقها:

منذ بداية نشأة الدولة العثمانية بدأ الاهتمام بالجيش، وقد كون السلطان «أورخان» ثانى السلاطين العثمانيين «العسكر الجديد»، أو ما عرف فيما بعد بالإنكشارية، وتعد أشجع فرق الجيش العثمانى، إذ كان جنودها يربون تربية خاصة منذ صباهم، وقد اهتم السلاطين العثمانيون بتطوير الجيش وأخذه بأحدث أساليب القتال، وكونت فرق الطوبجية (المدفعية) وفرق الفرسان المهاجمة، وغيرها.

ولتفوق العثمانيين فى المدفعية كان لهم النصر فى كثير من المعارك التى خاضوها ضد أعدائهم. وكان أكثر السلاطين العثمانيين اهتمامًا بالجيش وأكثرهم تطويرًا له السلطان «محمد الفاتح» – طيب الله ثراه – فقد أنشأ مصانع الذخيرة، وأدخل إصلاحات جديدة فى الجيش، ويمتاز السلطان «محمد الفاتح» عمن سبقه من السلاطين أنه إلى جانب اهتمامه وعنايته بتنظيم وتنمية قوات الجيش البرى أولى اهتمامًا كبيرًا وعناية عظيمة للقوة البحرية، وقد حثه على تنمية الأسطول العثمانى ما رأى عليه دولة «البندقية» (فينسيا)، من قوة وثراء، بفضل أسطولها البحرى، ولذلك لم يدخر السلطان «محمد الفاتح» وسعًا فى سبيل تنمية القوة البحرية وإدخال أسباب التحسين عليها؛ فأمر باتخاذ سفن «البندقية» و «جنوة» – أكبر الدول البحرية فى ذلك العهد – نماذج تبنى على مثالها السفن العثمانية، وقد رأينا -فيما سبق – أن هذا الأسطول ساعد «محمداً الفاتح» فى فتح «القسطنطينية» وفى فتوحاته البحرية فى بحر «إيجة»،وكذلك فى إنزاله جيشه فى جنوب «إيطاليا».

وقد بلغ الجيش العثمانى بقسميه البرى والبحرى أقصى قوة له فى القرن العاشر الهجرى، وذلك فى عهد الخليفة السلطان «سليمانالقانونى» حتى غدا الجيش البرى أقوى جيش على الساحة الأوربية، كما أن الأسطول العثمانى كان يتكون فى عهده مما يزيد على ألفى مركب حربى وكان الأسطول العثمانى مهيمنًا على معظم «البحر المتوسط»؛ إذ كان يستطيع النزول فى أى شاطئ من شواطئه، ولذلك فتح العثمانيون «نيس» على شاطئ «فرنسا» ونزلوا عدة مرات فى شواطئ «إيطاليا»، وأغاروا على شواطئ «الأندلس» (إسبانية) منقذين كثيرًا من مسلميها الفارين بدينهم من محاكم التفتيش النصرانية، وقد حاول الأوربيون تدمير هذا الأسطول، فاجتمعت سفن البابا و «البندقية» و «إسبانيا» عليه لكنهم فشلوا، أما الجيش البرى فقد بلغ سور «فيينا» واستولى على كثير من مدن وقلاع «البلقان» كتيمسوالا (غرب رومانيا حاليا) و «بودا» عاصمة «المجر»،و «أنجرا» فى شمال «المجر» وغيرها.

السابق
بعض الجوانب الحضارية فى الدولة العثمانية
التالي
تحول السلطنة إلى خلافة