الدولة العثمانية

تحول السلطنة إلى خلافة

أسباب تحول العثمانيين من التوسع فى أوربا إلى الأراضى الإسلامية:

يتساءل المؤرخون العرب عن السبب الذى جعل العثمانيين يتركون جهادهم فى الميدان الأوربى، ويتجهون إلى ميدان الشرق الإسلامى ليحاربوا فيه ويفرضوا عليه سلطانهم، وكان الأولى بهم الحرب فى «أوربا» حيث التكتل الصليبى ضد العثمانيين المسلمين، ويمكن إجمال السبب فى ذلك فى شقين:

أ – ازدياد النمو الشيعى فى «إيران» و «العراق»، وتهديد الدولة الصفوية للعثمانيين، وضربها لدولتهم من الخلف أثناء انطلاقاتها فى «أوربا».

ب – تنامى الخطر البرتغالى فى الخليج العربى وتهديدهم للأراضى المقدسة فى الجزيرة العربية، وعجز المماليك عن مواجهتهم.

 

علاقة السلطان سليم بالدولة الصفوية

أرسل الشاه «إسماعيل الصفوى» دعاته لنشر المذهب الشيعى فى «الأناضول»، وما لبثوا أن وجدوا بعض المؤيدين، ثم قامت جماعة «القيزيل باش» أى العلويين فى منطقة «إنطاكية» العثمانية بالتمرد على سلطة الدولة العثمانية، استجابة لأوامر من الشاه «إسماعيل» نفسه، وقاد هذا التمرد شخص عرف باسم «شاه قولو» أى «عبد الشاه»، وكان هذا التمرد رهيبًا، استخدم العثمانيون فيه كل قوتهم حتى نجحوا فى إخماده بقيادة «سليم بن السلطان بايزيد» والى إمارة «طرابزون» القريبة من «إيران».

وحدث الصدام الأول بين «سليم بن بايزيد» والصفويين، عندما احتل «سليم» أربع مدن من مخلفات إمبراطورية «الآق قوينلو»، وأرسل الشاه «إسماعيل» الذى يدعى أنه وريث تلك الإمبراطورية المنهارة أخاه «إبراهيم ميرزا» على رأس جيش لاستعادة تلك المدن، لكنه هزم أمام «سليم» الذى دمَّر جيشه وأوقعه فى الأسر.

وأدَّت انتصارات «سليم» إلى إكسابه مكانة كبيرة وتقديرًا وإعجابًا فى نفوس الناس، حتى نظمت فيه قصائد شعبية، غير أن السلطان «بايزيد» أمر ابنه «سليمًا» أن يطلق سراح أخى الشاه، ويترك المدنالكبرى التى استولى عليها، بناءً على شكوى من الشاه «إسماعيل»، ولم يلقَ هذا التصرف قبولاً لدى الجيش أو الشعب، ثم تطورت الأمور، وأجبر الجيش السلطان «بايزيد الثانى» على التخلى عن العرش لابنه «سليم الأول».

ولما تولَّى «سليم الأول» الحكم سنة (918هـ= 1512م)، جاءته الرسل من كل الأنحاء لتهنئته، ولم يحضر أحد من «إيران» الصفوية، فزاد ذلك من شقة الخلاف بين الدولتين، وتطور الأمر بينهما إلى الاحتكام إلى السيف، فالتقى العثمانيون مع الصفويين فى (2 من رجب 920هـ= 23 من أغسطس سنة 1514م) فى معركة «جالديران»، فانتصر «سليم»، وهزم الشاه «إسماعيل»، الذى هرب ناجيًا بحياته، وترك زوجته فى الميدان، ودخل «سليم» العاصمة الإيرانية «تبريز».

وفى طريق العودة ضم «سليم» إلى دولته أراضى «ذى القادر»؛ لأن حاكمها «علاء الدين»، التابع لدولة المماليك رفض مساعدة «سليم» عندما كان فى طريقه لمحاربة الصفويين، مما وتّر العلاقة بين العثمانيين ودولة المماليك، وقام بينهما عداء سافر، ساعد فيه الاتفاق بين دولة المماليك فى «مصر» و «الشام» وبين الصفويين ضد العثمانيين، وزاد الأمر تعقيدًا عثور العثمانيين على خطاب يؤكد العلاقة الخفية بين المماليك والصفويين، وهذا الخطاب محفوظ الآن فى أرشيف متحف «طوب قابو» فى «إستانبول».

علاقة السلطان سليم بالمماليك

برزت أمام السلطان «سليم الأول» عدة أسباب استراتيجية، جعلت الصدام مع المماليك أمرًا ضروريا، فأى اتفاق بين المماليك و «أوربا» سيفتح الباب أمام حملة صليبية جديدة، ويضع الدولة العثمانية فى مأزق، كما أن البرتغاليين بعد معركة «ديو» سنة (915هـ= 1509م) أصبحوا هم أصحاب السيادة على المياه الإسلامية الجنوبية، حتى إنهم أعلنوا عن عزمهم على قصف «مكة» و «المدينة»، وفى الوقت نفسه كانت حالة دولة المماليك الاقتصادية والسياسية والعسكرية سيئة، لا تسمح لهم بحماية المقدسات الإسلامية.

ولم يغب عن ذهن السلطان «سليم الأول» أن انتقال الخلافة إلى «بنى عثمان» يجعل منهم قوة معنوية كبيرة عند المسلمين، ويحد من أطماع «أوربا» المسيحية فى الدولة العثمانية، ويقضى على الخطر البرتغالى فى جنوب «البحر الأحمر».

وقد أدَّى وقوع الرسائل بين «قانصوه الغورى» سلطان المماليك، والشاه «إسماعيل الصفوى» إلى زيادة هوة الخلاف بين «الغورى» و «سليم» وقطع أى محاولة للحل السلمى بين المماليك والعثمانيين.

موقعة مرج دابق وآثارها

أدرك «الغورى» أن الحرب بينه وبين العثمانيين واقعة لا محالة، فلجأ إلى تحريض أهل «دمشق» ليشتركوا معه فى حربه ضد العثمانيين، الذين اتهمهم بخيانة فكرة الجهاد الإسلامى فى «أوربا»، وأشاع أن السلطان العثمانى قد استعان بجنود من النصارى والأرمن؛ ليحارب بهم جند الله المجاهدين ضد البرتغاليين، ولكن يبدو أن هذا الأسلوب لم يلق نجاحًا كبيرًا بين أهل «دمشق»، لاقتناعهم بأن العثمانيين منذ قرون وهم يجاهدون فى الميدان الأوربى، ولم يتخلفوا عن إمداد المماليك أنفسهم بما يلزمهم لقتال البرتغاليين، مثلما حدث فى عهد السلطان «بايزيد الثانى».

والتقى الجمعان على مشارف «حلب» فى «مرج دابق» سنة (923هـ= 1517م)، وحقق العثمانيون النصر، وقُتل السلطان «الغورى»،ودخل «سليم الأول» «حلب» ثم «دمشق» ودُعى له فى المساجد، وفتحت كثير من المدن الشامية أبوابها للعثمانيين دون مقاومة تذكر.

وأرسل السلطان «سليم الأول» رسالة إلى «طومان باى» الذى خلف السلطان «الغورى» فى «مصر»، يعرض عليه فيها حقن الدماء، شريطة أن تكون «غزة» و «مصر» تابعتين للدولة العثمانية، ويحكمهما هو باسمها، ويدفع نظير ذلك خراجًا سنويا، لكن المماليك قتلوا رسول «سليم»، فلم يكن هناك بدٌّ من الحرب، وعزم «سليم» على اللقاء، فالتقى مع المماليك فى «غزة» و «الريدانية» وكان النصر فيهما حليفه، وأدى انتصار العثمانيين فى معركتى «مرج دابق»و «الريدانية» إلى وقوع «مصر» و «الشام» و «الحجاز» و «اليمن» تحت حكم الدولة العثمانية.

ويعود انتصار العثمانيين على المماليك إلى مجموعة من الأسباب، منها:

– تفوق العثمانيين التكنولوجى، فسلاح المدفعية المملوكى كان يعتمد على مدافع ضخمة ثابتة لا تتحرك، على حين اعتمد سلاح المدفعية العثمانى على مدافع خفيفة يمكن تحريكها فى كل الاتجاهات.

– سلامة الخطط العسكرية العثمانية ومرونتها، من ذلك استدارة القوات العثمانية من خلف مدافع المماليك الثقيلة الحركة، ودخولها «القاهرة» عن طريق المقطم، مما شل دور المدفعية المملوكية، وأحدث اضطرابًا فى صفوف الجيش المملوكى؛ لتدافعهم بلا انتظام خلف العثمانيين.

– ارتفاع معنويات الجيش العثمانى.

ودخل «سليم الأول» «القاهرة»، ونودى به سلطانًا وخليفة للمسلمين، وخادمًا للحرمين الشريفين، بعد أن تسلّم مفاتيح «مكة» و «المدينة»، وكان «سليم» كريمًا مع ابن أمير «مكة» «الشريف بركات»، الذى جاء يعلن خضوع «الحجاز» للدولة العثمانية، وفى «مصر» أعاد «سليم» تنظيم البلاد، وأصدر قانون «نامه مصر» لهذا الغرض.

مسألة انتقال الخلافة إلى العثمانيين

عندما انتصر السلطان «سليم» فى موقعة «مرج دابق» أسر الخليفة العباسى «المتوكل على الله محمد بن المستمسك بالله» وكان فى صفوف جيش السلطان «الغورى»، وفى أول صلاة جمعة صلاها السلطان «سليم» فى الجامع الكبير بحلب، عُدَّ خليفة، وخطب له فى «سوريا» باعتباره خليفة للمسلمين، وسكت العملة باسمه.

وتقول إحدى الروايات التاريخية: إن الخليفة المتوكل تنازل عن الخلافة لبنى عثمان فى مراسم جرت فى «آيا صوفيا» بعد عودته مع السلطان «سليم» إلى «إستانبول»، ويقول بعضها الآخر: إن الخليفة «المتوكل» قلد السلطان «سليماً» السيف وألبسه الخلعة فى «جامع أبى أيوب الأنصارى» بعد مراسم «آيا صوفيا»، وأنه اشترك فى هذه المراسم علماء الأزهر الذين سافروا إلى «إستانبول»، وعلماءالدولة العثمانية، وأن الخلافة انتقلت إلى «بنى عثمان» بقرار هذا المجلس.

اتسعت رقعة الدولة العثمانية فى عهد «سليم الأول» بعد أن ضمَّ إليها «مصر» و «الشام» و «الجزيرة العربية»، وبعد عودته إلى العاصمة «إستانبول» وجد فتنة شيعية قد اشتعلت فى منطقة «طوقاد» الأناضولية سنة (925هـ= 1519م)، فأرسل إليها أحد قواده فنجح فى إخمادها والقضاء عليها، وأعاد السكون إلى تلك المنطقة.

وفى سنة (926هـ= 1520م) تُوفِّى «سليم الأول» من جرّاء خراج صغير فى ظهره.

السلطان سليمان القانونى

تولى السلطان «سليمان القانونى» عرش الدولة العثمانية بعد موت والده السلطان «سليم الأول» عام (926هـ= 1520م) وحكم الدولة العثمانية مدة ست وأربعين سنة وهى أطول مدة حكم فيها سلطان عثمانى.

كان عهد «القانونى» قمة العهود العثمانية سواء فى الحركة الجهادية أم فى الناحية المعمارية أو العلمية أو الأدبية أو العسكرية، وكان هذا السلطان يؤثر فى السياسة الأوربية تأثيرًا عظيمًا؛ حيث كانت الدولة العثمانية هى القوة العظمى دوليا فى زمنه، ونعمت بالرخاء والطمأنينة.

بداية عهد القانونى

ابتلى «سليمان» فى السنوات الأولى من عهده بأربعة تمردات شغلته عن حركة الجهاد؛ إذ إن موت «سليم الأول» ثم جلوس ابنه على العرش وهو صغير السن أتاحا الفرصة لكى يظن الولاة الطموحون إلى الاستقلال أنهم قادرون على ذلك. فلما وصل خبر تولية «سليمان» العرش، إلى «الشام» وكان «جان بردى الغزالى» واليًا عليها من قبل الدولة العثمانية، تمرد وأشهر العصيان على الدولة.

و «جان بردى الغزالى» هذا، قائد مملوكى، تعاون مع «سليم الأول» فى حربه ضد المماليك وكان أميرًا طموحًا وأودى به طموحه إلى أن ينقلب على المماليك ويتعاون مع «سليم»، فلما تولى «سليمان» أرسل «الغزالى» من «الشام» رسالة إلى «خاير بك» النائب العثمانى على مصر أوضح فيها الأول للثانى أن الوقت قد حان لإعادة الدولةالمملوكية وبعثها من جديد، إلا أن والى «مصر» العثمانى أرسل الرسالة هذه إلى العاصمة العثمانية ليطلع عليها السلطان «سليمان»، وهذه الرسالة موجودة الآن فى قسم الأرشيف بمتحف «طوب قابو سرابى».

فأمر السلطان «سليمان» بقمع الفتنة فقمعت وأرسل رأس الثائر إلى «إستانبول» دلالة على انتهاء التمرد.

أما التمرد الثانى: فقام به «أحمد باشا» الخائن فى «مصر» فى عام (930هـ= 1524م)، وكان يطمح إلى أن يشغل منصب الصدر الأعظم ولم يفلح فى هذا، لذلك طلب إلى السلطان أن يعينه واليًا على «مصر» فقبل السلطان. وما إن وصل «مصر» حتى حاول استمالة الناس، وأعلن نفسه سلطانًا مستقلا، لكن أهل الشرع فى «مصر» وكذلك جنود الإنكشارية لا يعرفون إلا سلطانًا واحدًا خليفة لكل المسلمين هو السلطان «سليمان القانونى»، لذلك ثاروا ضد هذا الوالى المتمرد وقتلوه وظل اسمه فى كتب التاريخ مقرونًا باسم الخائن.

والتمرد الثالث ضد خليفة المسلمين تمرد شيعى علوى قام به «بابا ذو النون» عام (932هـ= 1526م) فى منطقة الأناضول؛ حيث جمع ما بين ثلاثة آلاف وأربعة آلاف ثائر، وفرض الخراج على المنطقة، وقويت حركته حتى إنه استطاع هزيمة بعض القواد العثمانيين الذين توجهوا لقمع حركته، وانتهت فتنة الشيعة هذه بهزيمة «بابا ذو النون» وأرسلت رأسه إلى «إستانبول».

والتمرد الرابع ضد الدولة العثمانية فى عهد «سليمان القانونى» كان تمردًا شيعيا علويا أيضًا وكان على رأسه «قلندر جلبى» فى منطقتى «قونية» و «مرعش»، وكان عدد أتباعه (30.000) شيعى قاموا بقتل المسلمين السنيين فى هاتين المنطقتين.

توجه «بهرام باشا» لقمع هذا العصيان فقتله العصاة، ثم نجحت الحيلة معهم؛ إذ إن الصدر الأعظم «إبراهيم باشا» قد استمال بعض رجال «قلندر جلبى»، فقلت قواته وهزم وقتل.

الجهاد فى أوربا

بعد هذا هدأت الأحوال فى الدولة العثمانية وبدأ السلطان «سليمان» فى التخطيط لسياسة الجهاد فى «أوربا».

بدأ العثمانيون فى عصر «سليمان» فتوحاتهم فى «أوربا» بفتح أهم مدن «البلقان» وهى: «بلجراد»، التى كان المجريون يتولون حمايتها، وكانت علاقة العثمانيين بالمجريين فى هذا الوقت متوترة؛ إذ كان «سليمان» قد أرسل إلى ملك «المجر» رسولا يعلنه بتولى «سليمان» عرش العثمانيين، فقتل الملك المجرى رسول «سليمان» ويدعى «بهرام جاووش»، فأعلن السلطان العثمانى الحرب على «المجر»، وحاصرت القوات العثمانية «بلجراد» من البر ومن النهر وسلّمت «بلجراد» بعد شهر واحد من الحصار عام (927هـ= 1521م)، واتخذها العثمانيون قاعدة حربية تنطلق منها قواتهم فى فتوحاتهم الأوربية. وأثناء حرب «بلجراد» هذه استولى العثمانيون أيضًا على قلاع مهمة فى منطقة «بلجراد» مثل: «صاباج» و «سلانكامن» و «زملين».

وبعد خمس سنوات من استيلاء العثمانيين على «بلجراد»، أخذ ملك «المجر» «لايوش» يجمع القوى الأوربية لمحاربة العثمانيين، وكتب إلى كل من «شرلكان» الإمبراطور الألمانى، و «فرديناند» الأرشيدوق النمساوى يطلب منهما التحالف معه ضد العثمانيين.

وفى الوقت نفسه كان السلطان «سليمان القانونى» يستعد لمحاربة «المجر»، فتحرك بجيشه فى سنة (932هـ= 1526م) فى أكثر من (60) ألف جندى حتى وصل إلى «صحراء موهاج» المجرية، وهناك دارت معركة ضخمة من معارك الإسلام فى يوم (21 من ذى القعدة 932هـ= 29 من أغسطس 1526م)، هزم فيها العثمانيون الجيش المجرى، وكان من أرقى الجيوش الأوربية، ومعروف بفرسانه المدرعين، ولعبت المدفعية العثمانية دورها فى هذا النصر السريع الذى أحرزه الجيش العثمانى فى ساعتين، على الرغم من قطعه مسافات طويلة، حتى وصل إلى أرض المعركة.

وقد تكبَّد الجيش المجرى خسائر هائلة فلم تقم له قائمة، فقد أسر العثمانيون حوالى (25) ألف جندى، وتعرض نحو (75) ألفًا للقتل أو للغرق فى مستنقعات «موهاج»، وكان الملك المجرى «لايوش» ممن مات غرقًا فى هذه المستنقعات.

وقد رفعت الرايات العثمانية فوق العاصمة المجرية «بشت»، ولم تكن قد عرفت باسمها الآن «بودابست»، وأعلن منها السلطان «سليمان القانونى» خضوع «مملكة المجر» للحماية العثمانية، وأصدر أمرًا بتعيين «جون زابوليا» أمير منطقة «أردل» المجرية ملكًا على «المجر»، وهو الذى تعرفه المصادر الشرقية باسم الملك «يانوش»، وعاد «سليمان» إلى «إستانبول» بجيوشه.

بعد ثلاث سنوات من الحملة العثمانية لفرض الحماية الإسلامية على «مملكة المجر»، جاءت رسالة إلى «سليمان» من «يانوش» ملك «المجر» يقول فيها بأن أرشيدوق «النمسا» «فرديناند» يستعد لأخذ «المجر» منه، بعد أن قام الكثير من أمراء «المجر» بتأييده ملكًا على «المجر» بدلا من «يانوش»، واستولى «فرديناند» بالفعل على مدينة «بودين» من الملك المجرى التابع للعثمانيين.

وفى (رمضان 935هـ= مايو 1529م) تحركت الجيوش العثمانية من «إستانبول» إلى «المجر» واستعاد «سليمان القانونى» مدينة «بودين» مرة أخرى، وفى احتفال مهيب توّج «القانونى» «جون زابوليا» ملكًا على «المجر».

ثم أصر السلطان «سليمان القانونى» على محاربة «فرديناند»، فحاصرت القوات العثمانية فى (المحرم 936هـ= سبتمبر 1529م) مدينة «فيينا» عاصمة «النمسا»، واشترك فى الحصار مائة وعشرون ألف جندى وثلاثمائة مدفع، وقبل الحصار خرج ملك «النمسا» من عاصمته وانسحب بعيدًا عنها، وقامت معارك كبيرة أمام أسوار «فيينا» لكن الجيش العثمانى لم يتمكن من فتحها، إذ جاء الشتاء وبدأت المواد الغذائية تنقص، وعادت القوات العثمانية جميعًا دون التمكن من فتح «فيينا».

وبعد ثلاث سنوات من بداية الحملة على «المجر» وحصار «فيينا»، قام السلطان «سليمان القانونى» بمحاربة «ألمانيا» (939هـ= 1532م) بسبب قيام أرشيدوق «النمسا» «فرديناند» بإرسال سفير إلى السلطان العثمانى يطلب منه الاعتراف به ملكًا على «المجر»، ولم يكتف «فرديناند» بذلك بل جرّد حملة وحاصر بها مدينة «بودين».

وقامت الحامية العثمانية فى هذه المدينة مع القوات المجرية المحلية بالدفاع عن المدينة.

وصل السلطان العثمانى إلى «النمسا» مارا بيوغوسلافيا و «المجر»، وكانت القوات العثمانية المشتركة فى هذه الحملة تقدر بمائتى ألف، ولم يحاصر العثمانيون «فيينا» هذه المرة بل توجهوا لتأديب أسرة «هابسبرج» العريقة، لكن «آل هابسبرج» وقوادهم خافوا مواجهة السلطان «سليمان» العثمانى عندما علموا بوصوله، ولما لم يتحركوا للحرب أرسل «سليمان» إلى «فرديناند» رسالة كلها احتقار دفعًا لحماسه إلى الحرب، لكن «آل هابسبرج» لم يتحركوا وصدرت للمغيرين أوامر بالقيام بعمليات عسكرية سريعة فى داخل «ألمانيا» غنموا فيها وأسروا وانتصروا، وعندما حل الشتاء عادت الحملة العثمانية بأكملها إلى «إستانبول».

أسفرت الحملة العثمانية على «ألمانيا» عن خوف «فرديناند» وإيمانه بأن لا قوة فى «أوربا» تستطيع التصدى لسليمان العثمانى، فاضطر «فرديناند» إلى طلب الصلح، فوافق السلطان بشرط أن يعترف بأن «بيانوش» ملك على «المجر» تحت الحماية العثمانية، وأن يدفع (30.000) دوقة ذهبية؛ جزية للدولة العثمانية.

وفى الجبهة الأوربية، مات «يانوش» عام (947هـ= 1540م)، ولم يكن له إلا طفل صغير، فقامت الملكة «إيزابيلا» بالكتابة إلى السلطان العثمانى، تقول له: إنها تريد أن يكون ابنها هو الملك، وكانت تدرك أن «فرديناند» أرشيدوق «النمسا» يطمع فى ملك «المجر»، بل وتحرك وحاصر «بودين» فعلاً، وسريعًا ما تحرك جيش العثمانيين بقيادة السلطان «سليمان القانونى» نحو «بودين»، وما إن سمع النمساويون بقرب القوات العثمانية حتى تركوا حصار المدينة وهربوا، وعند انسحابهم كانت بعض وحدات العثمانيين بقيادة الوزير «محمد باشا» تلحق بهم الخسائر الفادحة أثناء انسحابهم.

وفى عام (948هـ= 1541م) دخل السلطان «بودين» وأمر بتحويل أضخم كنائسها إلى جامع للمسلمين، كما أمر بإلحاق هذه المنطقةالمهمة من «المجر» بالدولة العثمانية تحت اسم «ولاية بودين»، وأمر بتعيين «سيجموند» الابن الطفل لملك «المجر» «يانوش»، أميرًا على إمارة «أردل» التى كان يحكمها أبوه قبل أن يصبح ملكًا على «المجر»، ثم عاد السلطان إلى العاصمة.

لكن «فرديناند» لم يسكت، فقد أقنع البابا «بول الثالث» بضرورة تكوين حملة صليبية قوية لكى تستريح «أوربا» من العثمانيين بالتخلص منهم والقضاء عليهم، فتحركت هذه الحملة إلى «بودين» عام (949 هـ = 1542م)، وحاصرتها حصارًا محكمًا، لكنها فشلت فى الاستيلاء عليها، ولما وصلت أخبار هذه الحملة إلى السلطان «سليمان»، تحرك مرة أخرى عام (950هـ= 1543م) إلى «أوربا»،واستولى على أهم القلاع المجرية التى كانت فى يد النمساويين، وهما «استركون»، و «استولنى بلجراد».

سليمان القانونى والدولة الصفوية

أما فى جبهة الدولة العثمانية مع عدوها الدولة الصفوية فنذكر ما يلى:

فى عام (930هـ= 1524م) تولى الحكم فى الدولة الصفوية الشاه «طهماسب» ابن الشاه «إسماعيل»، وكان «طهماسب» عدوا للعثمانيين؛ فرغب فى التحالف مع القوى الأوربية لحصر العثمانيين بين القوتين والقضاء على دولتهم، فأرسل «طهماسب» إلى «شرلكان» سفيرًا يطلب منه التحالف معه، وكانت البداية الحقيقية للنزاع – هذه المرة – بين العثمانيين والصفويين، حين طلب «ذو الفقار خان» حاكم «بغداد» الدخول تحت الحماية العثمانية فأرسل له الشاه من يقتله عام (935هـ= 1529م)، ودخلت القوات الصفوية «بغداد».

وعلى الجانب الآخر قام «شرف خان» حاكم «بتليس» بخيانة العثمانيين، وتحالف مع الصفويين، عندئذٍ أعلنت الدولة العثمانية الحرب على الصفويين، وتحرك الصدر الأعظم «إبراهيم باشا» فدخل «تبريز» دون مقاومة تذكر، ومن خلفه كان السلطان «سليمان القانونى» يقود الجيوش العثمانية إلى الهدف نفسه، ودخل «تبريز» عام (941هـ= 1534م)، ثم اتجه إلى «بغداد» فسلّمت القوات الصفويةعام (941هـ= 1534م)، وكان «سليمان» قد استولى على «أذربيجان»، وعبر جبال «زاغروس» الإيرانية، ومنها إلى «بغداد»، وسميت هذه الحملة حملة العراقَيْن، أى «العراق العجمى» وهو «أذربيجان» و «العراق العربى». وبهذه الحملة دخلت «العراق» فى كنف الدولة العثمانية.

وعندما انسحب العثمانيون استرجع الصفويون المنطقة؛ مما جعل السلطان يعزم على تأديب الصفويين مرة أخرى، وهذا ما سمى باسم الحملة الثانية على «إيران»، وكانت عام (955هـ= 1548م)، واسترجع فيها «تبريز»، وأضاف إليها قلعتى «وان» و «أريوان»، لكن انسحاب العثمانيين وعودتهم جعل الإيرانيين ينتهزون فرصة انشغال الدولة فى «أوربا»، ويعودون مرة أخرى، فقام «سليمان» بحملته الثالثة، ولم يحصل على نتيجة مباشرة؛ إذ إن «طهماسب» خاف من مجابهة الجيوش العثمانية، فلما عاد «سليمان» إلى بلاده وعند وصوله إلى «أماسيا» وصلت إليه رسل «طهماسب» للصلح، فقبل السلطان توقيع معاهدة «أماسيا» عام (963هـ – 1555م) وبموجبها تقررت أحقية الدولة العثمانية فى كل من «أريوان» و «تبريز» و «شرق الأناضول».

سليمان القانونى وفرنسا

أما ما كان من أمر السلطان مع «فرنسا» فقد بدأ أول ما بدأ أثناء حروب «القانونى» فى «المجر»، فقد لبى السلطان طلب الدعم الذى تقدم به «فرانسوا الأول» ملك «فرنسا» وأمه، وأنقذه من ضغوط «شرلكان» عليه.

أما لماذا قبل السلطان «سليمان القانونى» أن يساعد «فرنسا»؛ فذلك لأن الأوربيين كانوا ينظمون حملات صليبية على الدولة العثمانية، وعلى العالم الإسلامى، ولا يكلّون من هذا رغم هزائمهم المتكررة، فانتهز «القانونى» فرصة النزاع بين «شرلكان» و «فرانسوا» ملك «المجر» وفكر فى تحييد «فرنسا» وإبعادها عن المعسكر المسيحى واتخاذها مانعًا أوربيا ضد أى تجمع صليبى يستهدف العثمانيين.

وبعد عودة السلطان «سليمان» من حملته البغدادية منتصرًا وقع مع «فرنسا» معاهدة عام (942هـ= 1535م)، منح بموجبها السلطانلفرنسا بعض الامتيازات التجارية، مثل:

إعطاء تخفيض جمركى خاص للسفن الفرنسية التى تصل إلى الموانئ العثمانية، وتم الاتفاق على أن هذه المعاهدة تسرى ما دام الحاكمون على قيد الحياة، لكن الفرنسيين نجحوا فى تجديدها كلما جدّ سلطان جديد حتى وصل الأمر إلى تثبيت هذه الامتيازات رسميا عام (1153هـ= 1740م).

كان «القانونى» معوانًا لفرنسا، فقد أمدها بمعونات عسكرية، وأرسل قباطنته العظام مثل: «خير الدين بارباروس»، و «طورغود رئيس»، وتحت إمرتهما الأساطيل العثمانية إلى «فرنسا» لمؤازرتها.

وفى عهد «القانونى» تم فتح «جزيرة رودوس» عام (928هـ= 1522م)، و «رودوس» ذات موقع استراتيجى مهم بالنسبة إلى الأناضول والدولة العثمانية، وكانت تضرب السفن التى تسير فى شرق «البحر المتوسط» بين «الأناضول» و «مصر» و «سوريا»، وسبق أن حاصرها السلطان «محمد الفاتح» ثلاث مرات فلم ينجح فى فتحها، وكان انتصار العثمانيين على فرسان القديس «يوحنا» الذين يحكمون الجزيرة انتصارًا هائلاً، حيث كانت «رودوس» أقوى قلعة بحرية فى ذلك الوقت.

وبعدها سمح السلطان للفرسان المقاتلين بالخروج من «رودوس» بكل ما يستطيعون حمله فى سماحة وكرم.

خير الدين بارباروس والدولة العثمانية

«خير الدين بارباروس» أحد أربعة أخوة اشتهروا فى التاريخ الإسلامى، وكانوا يعملون فى «البحر المتوسط»، وفى إحدى أسفارهم قتل فرسان «رودوس» أخاهم «إلياس»، وأسروا «أوروج» الذى استطاع الهرب، وراح يتنقل بين الموانئ، حتى استقر بجزيرة «جربة» الواقعة بين «تونس» و «ليبيا» سنة (919هـ= 1513م).

وبمجيئه هو وأخيه «خير الدين» تغير سير تاريخ الشمال الإفريقى كله، حيث استطاعا أن يشتريا قسمًا من الساحل التونسى، ويؤسسا قاعدة للحملات ضد الصليبيين، وأقاما علاقات حسنة مع «قانصوه الغورى» سلطان «مصر»، و «أبى عبد الله الخامس» سلطان «تونس»، الذى وافق على إعطائهما قلعة «حلق الوادى»، وكانت ميناءمتحكمًا فى «خليج تونس»، مقابل إعطاء السلطان خمس الغنائم.

ولما بدأت القوة البحرية للأخوين فى الاتساع أخذت تضرب السفن الصليبية على نطاق واسع، ونجحت فى الاستيلاء على مدينة «بجاية» سنة (922هـ= 1516م)، واتخذتها قاعدة بحرية للصراع مع قوة «إسبانيا» البحرية.

وبعد استشهاد «أوروج»، المعروف فى المصادر التاريخية العربية باسم «عروج» فى إحدى معاركه، طلب أخوه «خير الدين» المعروف فى المصادر الأوربية باسم «بارباروس» أى «ذى اللحية الحمراء» مساعدة العثمانيين بعد استيلاء السلطان «سليم» على «مصر»، وقد أذن له السلطان بالحصول على ما يحتاج إليه من سواحل «الأناضول»، فى مقابل سيطرة الدولة العثمانية على «الجزائر»، وقيام «خير الدين» بحكمها نيابة عن السلطان.

ولم تتمكن الدولة العثمانية من تنفيذ هذا الاتفاق بسبب انشغالها بغزو «جزيرة رودوس» وكان قراصنتها يأسرون أعدادًا كبيرة من السفن التى كانت تجلب الغلال والذهب من الولايات العربية وتنقل الحجاج إلى الأماكن المقدسة، وبغزو «المجر»، ومواجهة الصفويين، وبناء أسطول جديد يمكنه مواجهة البرتغاليين؛ لهذا آثر البحارة المسلمون فى الشمال الإفريقى الاعتماد على أنفسهم، إلى أن تتمكن الدولة العثمانية من مدّ يد المساعدة لهم.

وقد قام «خير الدين» بسلسلة من الغارات على الأسطول الإسبانى، كما قام فى الوقت نفسه بسبع رحلات من «الجزائر» إلى ساحل «الأندلس»، تمكن خلالها من نقل (70) ألف مسلم أندلسى، فأنقذهم بذلك من الموت حرقًا باسم «محاكم التفتيش».

اهتم السلطان «سليمان القانونى»، برفع نظام «الجزائر» من نظام اللواء العثمانى إلى نظام الإيالة (أى إقليم شبه مستقل)، وولَّى عليها «خير الدين بارباروس» سنة (925هـ= 1519م)، ووكّل إليه قيادة حملات غرب «البحر المتوسط».

وقد حاول الملك الإسبانى القضاء على أسطول «خير الدين»، لكنه كان يتكبَّد فى كل مرة خسائر فادحة، ولعل أعظم انتصاراته البحريةفى «البحر المتوسط» يتمثل فى موقعة «بروزة» سنة (945هـ= 1538م)، التى تعد من المعارك البحرية الخالدة فى التاريخ الإسلامى الحديث، فقد دعا البابا «بول الثالث» الجيوش الأوربية إلى الاتحاد ضد العثمانيين، وتكوَّن منهم تحالف بحرى ضمَّ أكثر من (600) سفينة و (60) ألف جندى، يقودها «أندريا دوريا»، وهو من أمهر القادة البحرية فى ذلك الوقت.

وتكوَّن الأسطول الإسلامى من (122) قطعة بحرية، و (22) ألف جندى، والتقى الأسطولان فى (4 من جمادى الأولى945هـ= 28 من سبتمبر 1538م) أمام «بروزة»، ولم تستمر المعركة أكثر من خمس ساعات تمكَّن فى نهايتها «خير الدين» من حسم المعركة لصالحه، وفر القائد «أندريا دوريا» هربًا بحياته.

ونظرًا لجهود «خير الدين» وانتصاراته التى حققها قام السلطان «سليمان القانونى» بتعيينه فى القيادة العامة للقوة البحرية العثمانية وناظرًا للحربية، واستقدمه إلى «إستانبول» مع طاقمه المكون من تسعة عشر أميرلاى.

وتُوفى «خير الدين» فى «إستانبول» سنة (953هـ= 1546م)، تاركًا أسطوله الذى بناه بأمواله للدولة، وترك أموالا وفيرة أوقفها لأعمال الخير، واستطاع خلفاء «خير الدين» من بعده أن ينتزعوا من الإسبان ما احتلوه من «الجزائر» باستثناء «وهران» التى بقيت فى أيديهم حتى القرن الثامن عشر.

فتح ليبيا

كانت «طرابلس الغرب» فى تلك الفترة تحت حكم فرسان «مالطة» المسيحيين، فأصدر السلطان «سليمان القانونى» أوامره إلى قبطان «البحر العثمانى» «طورغود رئيس» بتخليص «طرابلس الغرب» من النفوذ المسيحى، فقام بمحاصرة «طرابلس الغرب» بأسطوله حصارًا شديدًا فاضطرت حاميتها المسيحية إلى التسليم فى سنة (959هـ= 1552م)، وعين السلطان القبطان «طورغود رئيس» واليًا على «طرابلس الغرب».

الحملات البحرية العثمانية فى الخليج العربى والمحيط الهندى:

واجه العثمانيون نفوذ البرتغاليين فى «المحيط الهندى» و «الخليجالعربى»، وكانت تلك المواجهة أحد الأسس الثابتة فى السياسة الحربية للعثمانيين، فاستولى «أويس باشا» والى «اليمن» على «قلعة تعز» سنة (953هـ= 1546م)، ثم نجح فى ضم صنعاء، وفى الوقت نفسه حاصر «بيرى رئيس» «قلعة هرمز» التى كان يسيطر عليها البرتغاليون، لكنه لم ينجح فى الاستيلاء عليها، فدخل ميناء «بندر عباس» الإيرانى، واعترفت إمارات «عمان» و «قطر» و «البحرين» بتبعيتهم للدولة العثمانية، على حين ظلَّت مسقط تنتقل من السيطرة العثمانية إلى الاحتلال البرتغالى، حتى نجح العثمانيون فى إخراج البرتغاليين منها نهائيا فى سنة (1060هـ= 1650م).

وقد أدت هذه السياسة فى مواجهة البرتغاليين إلى الحد من عربدتهم فى المياه الإسلامية، ولم يعد ممكنًا أن يجتاز البرتغاليون «باب المندب» وسط السيطرة العثمانية.

وفاة السلطان سليمان القانونى

وفى (صفر 974هـ= سبتمبر 1566م) اشتد المرض بالسلطان «سليمان» وهو يحاصر مدينة «سيكتوار» المجرية، ثم تُوفى فى (20 من صفر سنة 974هـ= 5 من سبتمبر سنة 1566م) بعد أن قضى فى الحكم 46 عامًا قضاها فى توسيع دولته وإعلاء شأنها، حتى بلغت فى أيامه أعلى درجات القوة والكمال، وفى وضع النظم الداخلية للدولة حتى اشتهر بلقب «القانونى».

نظام الإقطاع

لم يكن نظام الإقطاع الحربى أسلوبًا جديدًا ابتكرته العقلية العثمانية، ولم تكن أول من يستخدمه، بل إن المتصفح لصفحات التاريخ يجد أن هذا النظام عُرف على عهد الدولة السلجوقية التى كانت تحكم قبل الدولة العثمانية، كما أنه عُرف فى «مصر» على عهد الناصر «صلاح الدين الأيوبى» الذى نقله من «الدولة الزنكية» فى «الموصل» و «حلب»، ولكن الفرق بين النظام الإقطاعى فى «مصر» وفى الدولة العثمانية هو: أن «صلاح الدين الأيوبى» نجح إلى حد بعيد فى حماية الفلاحين الذين يخضعون لهذا النظام، فحدد الإيجارات والجبايات التى يدفعها من يعطى له الإقطاع، وكان يراقبهذا مراقبة شديدة؛ منعًا لاستغلال العسكريين للفلاحين ولذلك أطلقت العبارة المشهورة:

«إن السادة الإقطاعيين العسكريين فى العصر الأيوبى كانوا فى نعمة محدودة».

كما أن هذا النظام ظل معمولا به على عهد دولة المماليك فى «مصر»، حتى إنه أطلق على ديوان الجيش اسم «ديوان الإقطاع».

الإقطاع الحربى فى الدولة العثمانية

كان السلطان يمنح أرضًا زراعية لأفراد من سلاح الخيالة (الفرسان) يستقرون فيها، ويشرفون على زراعتها بمساعدة الفلاحين، الذين كانوا يتولون زراعتها بصفتهم مستأجرين، وذلك مقابل أن ينضموا إلى الجيش بخيولهم وأسلحتهم عند نشوب أى حرب، وكان على كل فارس من هؤلاء الفرسان أن يقدم إلى الجيش وقت الحرب عددًا من الفرسان، يتراوح بين اثنين وأربعة، بخيولهم وأسلحتهم، وكان عدد هؤلاء الفرسان الإقطاعيين يتناسب تناسبًا طرديا مع مساحة الإقطاع الحربى، ومع الإيراد الذى تغله هذه الأرض الإقطاعية، وكانت هذه الأراضى تسمى إقطاعات، وكان يطلق على من يحصل عليها عن طريق الإقطاع الحربى اسم «السباهية الإقطاعية»، وكان هؤلاء لا يتقاضون مرتبات نقدية من الحكومة، بل كانوا يعتمدون فى معيشتهم على المحاصيل الزراعية التى تغلها لهم الإقطاعات الممنوحة؛ ولذلك كانوا يمدون الفلاحين عادة بالماشية والبذور فى مقابل حصولهم على نصف المحصول، كما كانوا يعتمدون على حصيلة العشور وغيرها من الضرائب المقررة على الفلاحين – الأرض أو المحاصيل – ويقومون بجبايتها منهم لحسابهم، وكانت الإيرادات التى يستولون عليها يطلق عليها بالمصطلح التركى (ماله مقاتلهـ) بمعنى مال المقاتلة.

وكانت الأراضى الإقطاعية تنقسم إلى:

1 – إقطاعات صغيرة نسبيا، وتسمى (تيمار)، وتحقق لصاحبها إيرادًا يبلغ ثلاثة آلاف أقجة، وهى عملة عثمانية من الفضة.

2 – إقطاعات أكبر مساحة من الأولى وتسمى (زعامت)، يمنحها السلطان للفارس إذا أظهر كفاية قتالية، وكان يطلق على صاحبها(زعيم)، وكان هذا الإقطاع يدر ربحًا على صاحبه يصل إلى مائة ألف أقجة، وذلك مقابل أن يقدم للجيش وقت الحرب عددًا من الفرسان بخيولهم وأسلحتهم، وكان هذا العدد يتحدد بنسبة فارس عن كل خمسة آلاف أقجة.

وكان هذان النوعان من الإقطاع الحربى يخضعان لنظام التفتيش الذى يقوم به موظفو الحكومة المختصون، ويسمون (الدفترداريين)، وكانت تربية الخيول والعناية بها وتدريبها تدريبًا متواصلاً أمورًا تعد فى مقدمة واجبات صاحب الإقطاع الحربى، فإذا تبين لموظفى الحكومة فى أثناء دوراتهم التفتيشية على الإقطاعات الحربية إهمال أو تراخٍ من صاحب الإقطاع فى تربية الخيول، كان هذا الإهمال أو التراخى سببًا كافيًا لانتزاع الإقطاع منه.

وكانت الإقطاعات التى من نوع (تيمارات) و (زعامات) توجد فى ولايات الدولة المحكومة من «إستانبول» رأسًا، سواء فى «أوربا» أو فى «آسيا»، ومع ذلك فلم تطبق الدولة هذا النظام على جميع تلك الولايات، ومن الأقاليم التى طبق فيها نظام الإقطاع الحربى:

«الروملى»، «بودا» (بودابست)، «البوسنة»، «طمسفار»، «ديار بكر»، «أرضروم»، «دمشق»، «حلب»، «بغداد»، «شهر زور»، «إيالات الأناضول»، «جزر الأرخبيل»، «فرمان»، «مرعش»، «سيواس».

3 – إقطاع أكبر مساحة من النوعين الأولين ويسمى (خاصا) وكان هذا الإقطاع يُمنح للولاة الذين فى الخدمة الحكومية، فإذا ما تركوا مناصبهم نتيجة الوفاة أو العزل أو الترقية إلى منصب آخر، نزع منهم الإقطاع (الخاص). وجدير بالذكر أن بعض (التيمارات) و (الزعامات) كانت تُمنح لبعض شاغلى المناصب الكبرى فى الدولة، فكانت تشبه الإقطاع (الخاص) الذى كان يرتبط بالمناصب.

4 – الإقطاعات السلطانية الخاصة: وكان يطلق على هذه الإقطاعات اسم (خواص همايون)،وكانت أكبر وأهم الإقطاعات جميعًا من حيث المساحة وجودة الأرض، وكان السلطان يمنح أجزاء منها لبعض أعضاء الأسرة الحاكمة من أميرات وسيدات من حريمه.

5 – إقطاعات اقتصادية: وكانت تخصص للإنفاق العسكرى على أفراد حرس الحصون، والسلاح البحرى، والحاميات المحلية وغيرها، وكان يطلق على هذا الإقطاع اسم (أوجاقلقات).

كيفية توزيع الإقطاعات الحربية

– خمس مساحة الإقطاع على القسم الأول (التيمارات).

– عشر مساحة الإقطاع على القسم الثانى (الزعامات).

– خمس مساحة الإقطاع على القسم الثالث (الخواص).

– عشر مساحة الإقطاع على القسم الرابع (الأجاقلقات).

– خمس أوقاف.

أهمية النظام الإقطاعى

ساعد هذا النظام على التوسع فى زراعة مساحات شاسعة من الأراضى داخل الأقاليم العثمانية فى «أوربا» وفى «آسيا»، وأدى إلى اطمئنان الدولة العثمانية؛ بسبب حرص أصحاب هذه الإقطاعات على بذل أقصى ما لديهم من جهد فى سبيل زراعة هذه المساحات، وحصول الدولة العثمانية على عدد كبير من الفرسان دون أى تكلفة تذكر، فقد كان كل صاحب إقطاع يجهز عددًا من الفرسان بتجهيزاتهم وأسلحتهم.

النظام المالى

انقسم النظام المالى فى عهد الدولة العثمانية إلى قسمين، هما: 1 – ميرى، أى الدخل والمنصرف العام، ويتكون من: دخل الأرض الزراعية، والجزية، ورسوم التجارة، ويديره «دفتردار».

2 – خزنة، أى مخصصات السلطان، ويديرها «خزنة وكيلى»، ويتجمع دخلها فى «آل خزنة»، ويديرها موظفو السلطان الخصوصيون.

ويضاف إلى النوع الأول ما كان يتبقى من مال الوقف و «الجزية» وكان يدفعها أميرا الأفلاق والبغدان.

وكانت الأقاليم المشهورة بالخصب والحبوب مثل «مصر» ترسل هبة من القمح تمثل (12/ 1) من المحصول، وفى أغلب الأحيان لم يكن فى وسع الزراع تصدير القمح أو نقله إلى خارج حدود الإقليم، بل كانوا يجبرون على بيع الفائض عنهم للحكومة نظير ثمن محدد.

وكانت تقع مصروفات القضاء على المتقاضين؛ إذ كان القضاة يأخذون رسمًا لأنفسهم بدلا من أخذهم رواتب من الدولة.

السابق
تحول الإمارة إلى سلطنة
التالي
الدول المغربية بعد سقوط الموحدين