الجغرافيا

جمال حمدان – والوصول إلى روح الجغرافيا

ملخص المقال

    كان لعبقرية جمال حمدان ونظرته العميقة الفضل في الوصول إلى كثير من التحليلات والآراء التي استغربت وقت إفصاحه عنها، فمن هو جمال حمدان ؟

على خلاف ما اعتدناه في جوانب الحضارة الإسلامية التي سبق لنا الوقوف أمام روائعها.. حيث كنا نهتم فقط بالتعرُّف على نماذج من العلماء المسلمين القدامى، مع الاعتراف بوجود عبقريات إسلامية معاصرة في مختلف العلوم.

إلا أنه من العسير جدًا – ونحن بصدد الانتهاء من الحديث عن الإسهامات العبقرية للحضارة الإسلامية في الجغرافيا – أن نجاوز علمًا إسلاميًّا معاصرًا.. لم يشأ أن يرحل عن دنيا الناس دون ترك بصماته الفريدة على الدراسات الجغرافية في العصر الحديث.

جمال حمدان .. تفوق منذ النشأة

ولد “جمال محمود صالح حمدان” في قرية “ناي” بمحافظة القليوبية بمصر في (12 شعبان 1346هـ= 4 فبراير سنة 1928م)، ونشأ في أسرة كريمة تنحدر من قبيلة “بني حمدان” العربية التي نزحت إلى مصر في أثناء الفتح الإسلامي.

كان والده أزهريًّا ومدرّسًا للغة العربية.. وقد اهتم بتحفيظ أبنائه السبعة القرآن الكريم، وتجويده وتلاوته على يديه؛ مما كان له أثر بالغ على شخصية “جمال حمدان”، وعلى امتلاكه نواصي اللغة العربية؛ مما غلّب على كتاباته الأسلوب الأدبي المبدع.

حصل “جمال حمدان” على الثانوية العامة عام (1363هـ= 1944م)، وكان ترتيبه السادس على القطر المصري، ثم التحق بقسم الجغرافيا بكلية الآداب، وكان طالبًا متفوقًا ومتميزًا خلال مرحلة الدراسة الجامعية؛ حيث كان منكبًّا على البحث والدراسة، متفرغًّا للعلم والتحصيل.

وبعد تخرج جمال حمدان عام (1367هـ= 1948م) وعُيِّين معيدًا بالكلية، ثم أوفدته الجامعة في بعثة إلى بريطانيا سنة (1368هـ ـ 1949م)، حصل خلالها على الدكتوراه في “فلسفة الجغرافيا” من جامعة “ريدنج” عام (1372هـ= 1953م)، وكان موضوع رسالته “سكان وسط الدلتا قديمًا وحديثًا”، ولم تترجم رسالته تلك حتى وفاته.

بعد عودته من بعثته العلمية انضم إلى هيئة التدريس بقسم الجغرافيا في كلية الآداب جامعة القاهرة، ثم رُقّي أستاذًا مساعدًا.. وأصدر في فترة تواجده بالجامعة كتبه الثلاثة الأولى: “جغرافيا المدن”، و”المظاهر الجغرافية لمجموعة مدينة الخرطوم”، و”دراسات عن العالم العربي” وقد حصل بهذه الكتب على جائزة الدولة التشجيعية سنة (1379هـ= 1959م)، وقد لفتت كتبه أنظار الحركة الثقافية عامة، كما أنها صوبت إليه سهام الغيرة من قِبَل بعض زملائه وأساتذته داخل الجامعة.. حتى اضطر في عام (1383هـ= 1963م) إلى التقدّم باستقالته من الجامعة؛ احتجاجًا على ظلم إداري تعرَّض له.

وباستقالة “جمال حمدان” من الجامعة تبدأ مرحلة طويلة من التبتل في طلب العلم، والانقطاع للتأليف.. أثمرت نتاجًا علميًّا غزيرًا، يأتي في القمة منه موسوعته الفريدة “شخصية مصر.. دراسة في عبقرية المكان”.

ومن الإنصاف أن نؤكد – كما أشار عدد من الباحثين – أن “جمال حمدان” لم ينعزل تلك الفترة الطويلة ذلك النوع السلبي من العزلة.. وإنما عَزَلَ ضجيج الحياة وصغائر همومها وتهافت صراعاتها عن فكره الراقي وعقله الثاقب؛ ليطلق لهما العنان في آفاق العلم الرحبة وغير المحدودة.

نظرة جمال حمدان إلى الجغرافيا

لا يرى “جمال حمدان” في علم الجغرافيا ذلك العلم الذي يقف على حدود الموقع والتضاريس.. وإنما هو علم تنصهر في بوتقته علوم مختلفة؛ فالجغرافيا هي: “تلك التي إذا عرفتها عرفت كل شيء عن نمط الحياة في هذا المكان أو ذاك.. جغرافيا الحياة التي إن بدأت من أعلى آفاق الفكر الجغرافي في التاريخ والسياسة فإنها لا تستنكف عن أن تنفذ أو تنزل إلى أدق دقائق حياة الناس العادية في الإقليم”.

وإذا كانت الجغرافيا – كما يقول في تقديمه لكتاب “شخصية مصر” – هي علم “التباين الأرضي”، أي التعرف على الاختلافات الرئيسة بين أجزاء الأرض على مختلف المستويات؛ فمن الطبيعي أن تكون قمة الجغرافيا هي التعرف على “شخصيات الأقاليم”.. والشخصية الإقليمية شيء أكبر من مجرد المحصلة الرياضية لخصائص وتوزيعات الإقليم.. إنها تتساءل أساسًا عمَّا يعطي منطقة ما تفرّدها وتميُّزها بين سائر المناطق، كما تريد أن تنفذ إلى روح المكان لتستشف عبقريته الذاتية التي تحدد شخصيته الكامنة.

ولئن بدا أن هذا يجعل للجغرافيا نهجًا فلسفيًّا متنافرًا، يتأرجح بين علمٍ وفنٍ وفلسفةٍ؛ فيمكن أن نضيف للتوضيح: إنها كذلك؛ فهي علمٌ بمادتها، وفنٌ بمعالجتها، وفلسفةٌ بنظراتها.. والواقع أن هذا المنهج المثلث يعني ببساطة أنه ينتقل بالجغرافيا من مرحلة المعرفة إلى مرحلة التفكير، من جغرافيا الحقائق المرصوصة إلى جغرافيا الأفكار الرفيعة.

وكانت رؤية جمال حمدان للعلاقة بين الإنسان والطبيعة في المكان والزمان متوازنة؛ فلا ينحاز إلى طرف على حساب الآخر.. يظهر ذلك واضحًا في كتابه العظيم “شخصية مصر”، الذي تبرز فيه نظرته الجغرافية المتوازنة للعلاقة بين الإنسان المصري والطبيعة بصفة عامة، و”النيل” -كمكوِّن أساس للطبيعة المصرية- بصفة خاصة، وكيف أفضت هذه العلاقة إلى صياغة الحضارة المصرية على الوجهين: المادي والروحي.

آثار جمال حمدان وإنجازاته

كان لعبقرية جمال حمدان ونظرته العميقة الفضل – بعد توفيق الله تعالى – في الوصول إلى كثير من التحليلات والآراء التي استُغربت وقت إفصاحه عنها، إلا أن الأيام أكدتها بعد ذلك؛ فقد أدرك بنظره الثاقب كيف أن تفكك الكتلة الشرقية واقع لا محالة، وكان ذلك عام (1388هـ= 1968م)، فإذا الذي تنبأ به يتحقق بعد إحدى وعشرين سنة، عام (1409هـ= 1989م)، حيث حدث الزلزال الذي هز أركان أوربا الشرقية، وانتهى الأمر بانهيار أحجار الكتلة الشرقية، وتباعد دولها الأوروبية عن الاتحاد السوفيتي، ثم تفكك وانهيار الاتحاد السوفيتي نفسه عام (1411هـ= 1991م).

وفي عام (1387هـ= 1967م) أصدر “جمال حمدان” كتابه المهم “اليهود أنثروبولوجيًّا”، الذي أثبت فيه أن اليهود المعاصرين الذين يدَّعون أنهم ينتمون إلى فلسطين ليسوا هم أحفاد اليهود الذين خرجوا من فلسطين قبل الميلاد، وإنما ينتمي هؤلاء إلى إمبراطورية “الخزر التترية” التي قامت بين “بحر قزوين” و”البحر الأسود”، واعتنقت اليهودية في القرن الثامن الميلادي.. وهذا ما أكده بعد ذلك “آرثر بونيسلر” مؤلف كتاب (القبيلة الثالثة عشرة) الذي صدر عام (1396هـ= 1976م).

وقد ترك “جمال حمدان” 29 كتابًا و79 بحثًا ومقالةً، يأتي في مقدمتها كتاب “شخصية مصر.. دراسة في عبقرية المكان”، الذي أصدر الصياغة الأولى له سنة (1387هـ= 1967م) في نحو 300 صفحة من القطع الصغير.. ثم تفرغ لإنجاز صياغته النهائية لمدة عشر سنوات، حتى صدر مكتملاً في أربعة مجلدات خلال السنوات بين (1401هـ ـ 1404هـ= 1981م ـ 1984م).

جمال حمدان .. الجوائز والوفاة

حظي “جمال حمدان” بالتكريم داخل مصر وخارجها:

1- فقد حصل عام (1379هـ= 1959م) على جائزة الدول التشجيعية في العلوم الاجتماعية.

2- ومُنح جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية سنة (1406هـ= 1986م)

3- وحصل كذلك على وسام العلوم من الطبقة الأولى عن كتابه “شخصية مصر” عام (1408هـ= 1988م).

4- كما منحته الكويت جائزة التقدم العلمي سنة (1413هـ ـ 1992م) قبيل وفاته.

لذة العلم ووفاته

لقد كان بمقدور “جمال حمدان” أن يحيا حياة منعمة، وأن يتقلب في صنوف الجاه والرفاهية؛ فقد عُرضت عليه كثيرٌ من المناصب التي يلهث وراءها كثير ممن يبتغون المغنم من وراء العلم، وكان يقابل هذه العروض بالاعتذار؛ فقد كان للانقطاع إلى العلم لذة ونعيم لا يُحسن تذوقهما إلا أمثال “جمال حمدان”.. فقد تم ترشيحه – على سبيل المثال – عام (1403هـ= 1983م) لتمثيل مصر في إحدى اللجان المهمة بالأمم المتحدة، ولكنه اعتذر عن ذلك، رغم المحاولات المتكررة لإثنائه عن الاعتذار. كما اعتذر بأدب ورقة عن عضوية مجمع اللغة العربية، وكذلك عن رئاسة جامعة الكويت… وغير ذلك الكثير.

وفي (الخامس والعشرين من شوال 1413هـ=  السابع عشر من إبريل 1993م)، انتقل العالم الجليل الدكتور “جمال حمدان” إلى جوار ربه، إثر تسربٍ غامض للغاز في منزله.. وكما شيَّد تراثه العلمي الخالد في هدوء فقد شاء الله له أن يرحل في هدوء.. ويبقى على الأجيال اللاحقة أن تُحسن الالتفات إلى النماذج العلمية الشامخة التي يمتلئ بها تاريخ أمتنا القديم والحديث على حد سواء.

ونسأل الله عزَّ وجل أن يُعزَّ الإسلام والمسلمين.

د. راغب السرجاني

السابق
ابن حوقل – مصور الأرض الرحالة المغامر
التالي
سليمان المهري – أمير الملاحة ومعلم البحر