مقدمات السفر

حكم السياحة في الإسلام

معنى السياحة:

السياحة مأخوذة من (ساح الماء سياحة) إذا جرى على وجه الأرض وذهب.

واستعملت في الإنسان بمعنى: ذهب في الأرض للعبادة أو الترهب, أو لغير غرض.

وقد صار مصطلح السياحة في هذا الزمان يعني: التنقل من بلد إِلَى بلد طلبًا للتنزه، أو الاستطلاع والكشف (المعجم الوسيط 1/467).

مصطلح السياحة في الأحاديث والآثار:

ورد مصطلح  السياحة ولكن بمعنى آخر غير متداول اليوم.

في حديث مرسل رواه طاوس بن كيسان بلفظ: “لا خزام، ولا زمام، ولا سياحة ولا تبتل، ولا ترهب في الإسلام” (عبد الرزاق 15860).

ومعنى السياحة المنهي عنها هنا: ترك المباني والانتقال إلى البراري واعتزال الناس تفرغاً لعبادة الله.

قال ابن الأثير: “أراد مفارقة الأمصار وسكنى البراري وترك شهود الجمعة والجماعات. وقيل: أراد الذين يسيحون في الأرض بالشر والنميمة والإفساد بين الناس” (النهاية 2/432).

وقال ابن تيمية: “وأما السياحة التي هي الخروج في البرية لغير مقصد معين فليست من عمل هذه الأمة. ولهذا قال الإمام أحمد: (ليست السياحة من الإسلام في شيء، ولا من فعل النبيين ولا الصالحين) مع أن جماعة من إخواننا قد ساحوا السياحة المنهي عنها متأولين في ذلك، أو غير عالمين بالنهي عنه، وهي من الرهبانية المبتدعة التي قيل فيها: لا رهبانية في الإسلام” (اقتضاء الصرط المستقيم 1/327).

أما قول الله تعالى في مدح المؤمنين: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ}.

فأكثر المفسرين على أن المقصود بهم الصائمون (تفسير الطبري 14/502-506).

ويؤيده قول الله تعالى: {عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا}.

وسمي الصائم سائحًا، لأن السائح لا زاد معه، وإنما يأكل حيث يجد الطعام، فكأنه أُخذ من ذلك (تفسير الطبري 23/490).

وذهب بعض المفسرين إلى أن السياحة في الآية تعني الهجرة المشروعة.

ومنه ما جاء في حديث الهجرة: قالت عائشة رضي الله عنها: “فلما ابتلي المسلمون خرج أبوبكر مهاجرًا نحو أرض الحبشة، حتى إذا بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة، فقال:  أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبوبكر: أخرجني قومي، فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي، قال ابن الدغنة: فإن مثلك يا أبا بكر لا يَخْرُجُ  ولا  يُخْرَج، إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكَلَّ، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فأنا لك جار, ارجع واعبد ربك ببلدك” (البخاري 3692).

 

حكم السياحة بالمصطلح المعاصر:

الأصل في مطلق السفر الإباحة إلا إن عرض عارضٌ أخرجه عن الإباحة.

قال ابن حزم: “اتفقوا أن سفر الرجل مباح ما لم تزل الشمس من يوم الخميس” (مراتب الإجماع ص 151).

قال ابن عابدين: “الأصل في التلاوة العبادة إلا بعارض نحو رياء أو سمعة أو جنابة فتكون معصية, وفي السفر الإباحة إلا بعارض نحو حج أو جهاد فيكون طاعة، أو نحو قطع طريق فيكون معصية” (رد المحتار 2/121, وانظر: الفواكه الدواني 1/254).

السفر وسيلة تأخذ حكم الغاية منها:

فقد يكون السفر واجبًا، إذا كان لفعل واجب؛ كحج الفريضة.

وقد يكون مندوبًا؛ كالسفر لحج النافلة.

وقد يكون مكروهًا.

وقد يكون حرامًا؛ كالسفر لمعصية.

وقد يكون مباحًا؛ كالسفر للتجارة من أجل تكثير المال.

والمشهور عند العلماء أن السفر للتنزه والفرجة من قبيل السفر المباح (البيان 2/450, الإنصاف 3/237, شرح الزركشي 2/141-142).

والمشهور أيضًا جواز دخول دار الكفر بأمان لتجارة، وإن كان مع الكراهة عند بعض العلماء.(بدائع الصنائع 7/102, مواهب الجليل 2/518,روضة الطالبين 10/289, كشاف القناع 3/131-132).

وقد ورد ذلك من فعل الصحابة:

  • فعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: “لقد خرج أبو بكر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم تاجرًا إلى بصرى…” (الطبراني في المعجم الكبير 674, وانظر: مسند أحمد 26687, وحسنه الذهبي في السير 2/411، وقال الهيثمي في الزوائد 4/63: رواه الطبراني في الكبير، والأوسط بنحوه، ورجال الكبير ثقات).
  • وقال سعيد بن المسيب: “كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتجرون في بحر الروم, منهم طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل” (إصلاح المال لابن أبي الدنيا 229, تاريخ دمشق 25/57).

وقد قال الله تعالى {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ}.

 

فالسياحة تأخذ الأحكام الخمسة:

1- سياحة مباحة: إن كانت لمجرد التنزه والفرجة والترويح عن النفس، وهي مباحة على الأصل إلا إن كانت في مكان يكثر فيه الفساد.

2- سياحة مكروهة: إذا لم تكن لمقصد شرعي وإنما لمجرد النزهة والفرجة، وكان السفر لبلاد يكثر فيها الفساد, فتكره بسبب انتشار الفساد في تلك البلاد وصعوبة السلامة منه.

3- وتكون السياحة محرمة إذا اعتراها مانع خارجي ولها صور:

• إذا كانت بقصد المعصية وتقليب النظر فيما حرم الله، والوقوع في المعاصي والفواحش الظاهرة والباطنة.

• إذا كان السفر لمشاركة الكفار في أعيادهم واحتفالاتهم الدينية.

• إذا كانت السياحة تزاحم حقوق الله؛ كمن يسافر للسياحة في زمن الحج، وقد وجب عليه الحج وهو قادر عليه.

• إذا كانت السياحة تزاحم حقوق العباد؛ كحق الوالدين والزوجة،أو كانت تكاليف السياحة تؤخر سداد دين قد لزمه وفاؤه.

• إذاكان ذلك السفر بعصيان أوامر الوالدين بعدم الذهاب.

4-  وتكون مستحبة في أحوال, منها:

1. إذا كانت للدعوة إلى الله تعالى.

2. إذا كانت للاتعاظ بالتفكر في آيات الله الكونية، كما قال تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.

أو النظر في مصير الأمم السابقة وما حلَّ بهم بسبب ذنوبهم، فيشاهد السائح أثر قدرة الله على أناس أقوى منه فينتهي عن المعاصي, وقد ذكر الله ذلك في أكثر من آية, قال تعالى: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ}, وقال: {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا}.

ولابد لهذه السياحة أن تكون بتدبر وتفكر في قصص الماضين حتى تحصل الثمرة منها, قال تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}.

فائدة

1. وردت السياحة في بعض الآثار والنصوص بمعان أخرى غير مشتهرة اليوم.

2. الأصل في السفر الإباحة.

3. السفر وسيلة تأخذ حكم الغاية منها وتجري عليه الأحكام الخمسة.

السابق
أدعية السفر
التالي
حكم السفر يوم الجمعة