صلاة السائح

حكم الصلاة في مسجد فيه قبر

ينتشر بسبب الجهل بين المسلمين بناء المساجد على القبور في كثير من بلاد المسلمين، فيحتار السائح والمسافر إلى تلك البلاد في حكم صلاته إذا أدركته الصلاة قريباً من مسجد بني على قبر.

ولتوضيح ذلك يقال:

تحريم البناء على القبور:

• أجمع أهل العلم على تحريم البناء على القبور وتشييدها وجعلها مزارات ومساجد يدل على ذلك :

1- قول النبي صلى الله عليه وسلم: “إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك” (مسلم 532).

2-  ما روته عائشة رضي الله عنها : أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة” (البخاري 427, مسلم 528).

قال الشوكاني: “اعلم أنه قد اتفق الناس، سابقهم ولاحقهم، وأولهم وآخرهم من لدن الصحابة رضوان الله عنهم إلى هذا الوقت: أن رفع القبور والبناء عليها بدعة من البدع التي ثبت النهي عنها واشتد وعيد رسول الله لفاعلها، كما يأتي بيانه، ولم يخالف في ذلك أحد من المسلمين أجمعين” (شرح الصدور ص 8).

• كما أجمع أهل العلم على تحريم قصد الصلاة عند أي قبر للتبرك به، أو اعتقاد فضل الصلاة عنده، وغير ذلك من الاعتقادات الباطلة.

قال ابن تيمية: “بل لا يجوز اتخاذ القبور مساجد, سواء كان ذلك ببناء المسجد عليها أو بقصد الصلاة عندها, بل أئمة الدين متفقون على النهي عن ذلك, وأنه ليس لأحد أن يقصد الصلاة عند قبر أحد لا نبي ولا غير نبي, وكل من قال: إن قصد الصلاة عند قبر أحد أو عند مسجد بني على قبر أو مشهد أو غير ذلك: أمر مشروع بحيث يستحب ذلك ويكون أفضل من الصلاة في المسجد الذي لا قبر فيه: فقد مرق من الدين, وخالف إجماع المسلمين” (مجموع الفتاوى 27/488).

 

أما إن لم يكن هناك قصد لتعظيم القبر فقد اختلف العلماء في مسائل:

الصلاة في المقبرة:

تشرع الصلاة على الجنازة في المقبرة على الصحيح من أقوال أهل العلم كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.

قال الإمام أحمد:“ومن يشك في الصلاة على القبر؟ (يعني الجنازة) يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم من ستة وجوه حسان” (انظر: حاشية ابن القيم على أبي داود9 /3).

 أما بقية الصلوات فاختلف فيها أهل العلم على أقوال:

1- فذهب الحنفية إلى كراهة الصلاة في المقبرة, لأن فيه تشبهًا باليهود الذين يتخذون قبور أنبيائهم مساجد (بدائع الصنائع 1/115, رد المحتار 1/645).

2- وذهب المالكية إلى جواز الصلاة في المقبرة في المشهور (مواهب الجليل 1/419).

3- وذهب الشافعية إلى تحريم الصلاة في المقبرة المنبوشة, وكراهتها في غير المنبوشة (المجموع 3/158).

4- وذهب الحنابلة والظاهرية إلى تحريم الصلاة في المقبرة مطلقًا, وأن الصلاة فيها باطلة (الإنصاف 1/489, المحلى 2/345).

قال ابن المنذر: “الذي عليه الأكثر من أهل العلم كراهية الصلاة في المقبرة” (الأوسط 2/185).

الصلاة إلى القبور:

 تكره الصلاة إلى القبور بحيث تكون أمامه إلا إذا كان هناك حائل (بدائع الصنائع 1/116, الذخيرة 2/95-96, أسنى المطالب 1/174, كشاف القناع 1/298).

دليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: “لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها” (مسلم 972).

قال السندي في معنى الحديث: “لا تصلوا إلى القبور بالاستقبال إليها لما فيه من التشبه بعبادتها” (حاشية السندي على سنن النسائي 2/67).

الصلاة في مسجد فيه قبر:

وللصلاة في مسجد فيه قبر داخل حدوده حالتان:

1- إذا كان ذلك بقصد التبرك بالقبر كما يفعله كثير من الجهلة.

فقد اتفق أهل العلم على منع الصلاة عند القبر إذا كان ذلك بقصد التبرك، قال ابن تيمية رحمه الله: “وكل من قال: إن قصد الصلاة عند قبر أحد أو عند مسجد بني على قبر أو مشهد أو غير ذلك: أمر مشروع بحيث يستحب ذلك ويكون أفضل من الصلاة في المسجد الذي لا قبر فيه: فقد مرق من الدين, وخالف إجماع المسلمين” (مجموع الفتاوى 27/488).

• وتبطل صلاته إن قصد التبرك بالصلاة عند القبر على الصحيح من أقوال أهل العلم كما هو مذهب الحنابلة, لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك بقوله: “فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك” (مسلم 532).

والأصل أن النهي في مثل هذه الحالة يقتضي فساد المنهي عنه.

2- إن حصل ذلك بدون قصد للقبر وإنما لقرب المسجد ونحو ذلك فقد اختلف فيه أهل العلم على قولين:

• فذهب الشافعية إلى كراهة الصلاة فيه وينسب للجمهور. (تحفة المحتاج 2/167، وانظر: تحذير الساجد 163).

• وذهب الحنابلة إلى تحريم الصلاة فيه وبطلانها (الفروع 3/381).

والراجح هو رأي الشافعية القائلين بالكراهة دون التحريم إذا لم يقصد التبرك؛ لعدم الدليل على التحريم في تلك الحالة، و إن كان الأولى البحث عن مسجد بعيد عن الشبهة.

أما وجه الكراهة:

1- فلأن الصلاة في هذه المساجد قد يكون فيها نوع تشبه باليهود والنصارى الذين كانوا ولا يزالون يقصدون التعبد في تلك المساجد المبنية على القبور.

2- أن الصلاة فيها ذريعة لتعظيم المقبور فيها تعظيمًا خارجًا عن حد الشرع, فينهى عنها احتياطًا وسدًا للذريعة, لا سيما ومفاسد المساجد المبنية على القبور ماثلة للعيان. (انظر: تحذير الساجد 163-166).

تنبيه:

ينبه بأن الجواز مع الكراهة لا يكون في المسجد والقبر الذي صار مزاراً يقصده الجهلة للتبرك وممارسة الشركيات الفعلية والقولية حوله، فمثل ذلك لا ينبغي الذهاب إليه حينئذ دفعاً للتهمة عن النفس.

قال الله تعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ}.

قال القرطبي: “فكل من جلس في مجلس معصية ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء، وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها، فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية.

وإذا ثبت تجنب أصحاب المعاصي كما بينا فتجنب أهل البدع والأهواء أولى” (أحكام القرآن 5/418).

• ولما قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: إني نذرت أن أذبح إبلا ببوانة, قال له النبي صلى الله عليه وسلم: “هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟” قالوا: لا، قال: “هل كان فيها عيد من أعيادهم؟”، قالوا: لا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم” (أبو داود 3313, ابن ماجه 2131, أحمد 27066, قال ابن الملقن في البدر المنير:  كل رجاله أئمة، مجمع على عدالتهم).

فنبه إلى كون المكان الذي يفعل فيه المشركون ضلالاتهم لا ينبغي أن يكون محلاً لوفاء النذر الواجب عليه شرعاً.

 

تذكر

1. تحرم الصلاة وتبطل في مسجد فيه قبر إذا قصد المصلي التبرك بالقبر أو اعتقد فضل الصلاة عنده.

2. تحرم الصلاة في مسجد فيه قبر صار مزاراً أو مشهدًا للشركيات والبدع إذا لم يمكن إنكار ذلك المنكر.

3. تكره الصلاة في مسجد فيه قبر إذا لم يقصد المسلم ذلك القبر وإنما حصل ذلك له اتفاقًا.

السابق
جمع العصر مع الجمعة
التالي
المعتقد الصحيح في السيد المسيح