عصر النبوة والخلافة الراشدة

خلافة ابو بكر الصديق

قيام الخلافة:

أدرك الصحابة – رضوان الله عليهم – أهمية اختيار خليفة لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – بعد وفاته، وضرورة أن يختاروا لدولتهم رئيسًا يخلف النبى فى إدارة أمورهم، فاجتمع الأنصار فى «سقيفة بنى ساعدة»، التى كانت لهم مثل دار الندوة لقريش فى «مكة»؛ لاختيار خليفة منهم، ظانين أنهم أحق الناس بذلك الأمر من غيرهم، فالمدينة بلدهم، والدولة قامت على أرضهم، فرشحوا «سعد بن عبادة الخزرجى» لهذا المنصب الجليل، وفى أثناء ذلك جاء «عويم بن ساعدة»، و «معن بن عدى»، وهما من الأنصار إلى «أبى بكر الصديق» و «عمر بن الخطاب»، وأخبراهما بما يجرى فى السقيفة، فاتجها معهما على الفور إليها، وفى الطريق لقيا «أبا عبيدة بن الجراح» فذهب معهم، ولما وصلوا إلى السقيفة حيث الأنصار مجتمعون، و «سعد بن عبادة» يتكلم على الرغم من مرضه، مبينًا أحقية الأنصار بالخلافة؛ أراد «عمر بن الخطاب» أن يتكلم، لكن «أبا بكر» طلب منه أن ينتظر، فامتثل لأمر «أبى بكر» الذى تكلم، فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه وعلى نبيه: «إن الله بعث محمدًا رسولا إلى خلقه؛ ليعبدوا الله ويوحدوه، وهم يعبدون من دونه آلهة شتى …

فعظم على العرب أن يتركوا دين آبائهم، فخص الله المهاجرين الأولين من قومه بتصديقه والإيمان به والمواساة له .. فهم أول من عبدالله فى الأرض، وآمن بالله وبالرسول، وهم أولياؤه وعشيرته، وأحق الناس بهذا الأمر من بعده، لا ينازعهم إلا ظالم. وأنتم يا معشر الأنصار من لا يُنكر فضلهم فى الدين ولا سابقتهم العظيمة فى الإسلام، رضيكم الله أنصارًا لدينه ورسوله، وجعل إليكم هجرته، وفيكم جلة أزواجه وأصحابه، فليس بعد المهاجرين الأولين عندنا أحد بمنزلتكم، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء، لاتفتاتون فى مشورة، ولا تنقضى دونكم الأمور»، ثم قال: «ولن تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحى من قريش،هم أوسط العرب نسبًا ودارًا، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين، فبايعوا أيهما شئتم» يقصد «عمر» و «أباعبيدة»، ولكنهما رفضا أن يتقدما على «أبى بكر»، وقالا: «لا والله لا نتولى هذا الأمر عليك، فإنك أفضل المهاجرين، وثانى اثنين إذ هما فى الغار، وخليفة رسول الله على الصلاة، والصلاة أفضل دين المسلمين، فمن ذا ينبغى له أن يتقدمك، أو يتولى هذا الأمر عليك».

فقام الحاضرون فى السقيفة بمبايعة «أبى بكر» بيعة عُرفت بالبيعة الخاصة، لأن كثيرًا من المسلمين لم يحضروها، وبخاصة آل بيت النبى – صلى الله عليه وسلم – الذين كانوا مشغولين فى مراسم دفنه، وتمت البيعة فى جو من السكينة والإخاء والود، بعد مشاورة ونقاش هادئ ورزين، مما دل على إحساس عميق بالمسئولية من كبار الصحابة، وضرورة استمرارية الدولة، وكراهيتهم أن يبيتوا ليلة واحدة بعد وفاة نبيهم بدون إمام يدير أمورهم، ويواجه الموقف، ويتخذ ما يلزم من قرارات، وقدموا ذلك على تجهيز النبى ودفنه – صلى الله عليه وسلم -.

البيعة العامة:

وفى اليوم التالى بعد الانتهاء من دفن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – اجتمع المسلمون فى مسجده وبايعوا «أبا بكر» بيعة عامة، حضرها جمهور الصحابة، وكأن البيعة الأولى كانت بمثابة ترشيح، احتاجت إلى تصديق من عامة المسلمين وتوثيقهم.

والذى عليه جمهور علماء أهل السنة أن النبى – صلى الله عليه وسلم – لم يعين خليفة له، ولم يوصِ بتعيين أحد، فلو أنه حدد لهم شخصًا بعينه وجعله خليفة عليهم؛ لظن بعض الناس أنه تعيين من الله ورسوله، وسيضفى على هذا الشخص نوعًا من القداسة تجعله فوق النقد والمحاسبة، وهذا أمر خطير لا محالة، فولىُّ الأمر عند المسلمين بشر، يخطئ ويصيب، فإذا أصاب أعانوه، وإذا أخطأ قوموه.

وكما لم يعين النبى – صلى الله عليه وسلم – شخصًا بعينه لتولِّى الأمر من بعده، فإنه لم يحدد للمسلمين أيضًا الطريقة التى يختارون بها منيتولى أمورهم؛ لأنها تخضع لتطور الظروف والأحوال، ومن هنا كان فى ترك النبى لهذا الأمر مصلحة للمسلمين، حتى لا يقيدهم بشخص، أو بطريقة معينة، وقد فهم الصحابة مراد نبيهم وقصده من عدم التعيين، وتصرفوا على أساسه.

وكل ما يمكن قوله فى هذه المسألة الخطيرة أن النبى أومأ إيماءة خفيفة ذات مغزى بتقديمه «أبا بكر» ليؤم المسلمين فى الصلاة أثناء مرضه، وكأنه – عليه الصلاة والسلام – قد رشح «أبا بكر» للخلافة مجرد ترشيح وليس إلزامًا، وكأنه أراد أن يقول: إذا رأيتموه جديرًا بالخلافة وأهلا لها وقادرًا على تحقيق مصلحتكم فى دينكم ودنياكم، فأنتم وذاك، وإلا فلتروا رأيكم.

والخلاصة أن ببيعة «أبى بكر» العامة فى مسجد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فى اليوم التالى لوفاته قامت دولة الخلفاء الراشدين، التى استمرت نحو ثلاثين عامًا (11 – 40هـ).

الخليفة الأول 11 – 13):

هو «عبد الله بن عثمان بن عامر»، من قبيلة «تيم بن مرة بن كعب»، وفى «مرة بن كعب» يلتقى نسبه مع نسب النبى – صلى الله عليه وسلم -، وأمه «أم الخير سلمى بنت صخر بن عامر»، تيمية كأبيه وكنيته: «أبو بكر»، ولقبه: «عتيق».

ولُد «أبو بكر» سنة (573م) بعد مولد الرسول – صلى الله عليه وسلم – بثلاثة أعوام، ونشأ فى «مكة»، وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر؛ لعلمه وتجارته وحسن مجالسته.

وعُرف «أبو بكر» بترفعه عن عادات الجاهلية، وما كانوا يقترفونه من مجون وشرب خمر، وارتبط قبل البعثة بصداقة قوية مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، وكان الاتفاق فى الطباع وصفاء النفس من أقوى الروابط بين النبى و «أبى بكر».

إسلامه:

تُجمع مصادر السيرة والتاريخ على أن «أبا بكر» كان أول من أسلم وآمن بالنبى – صلى الله عليه وسلم – من الرجال الأحرار، وكان لسلامة فطرته التى كانت تعاف ما عليه قومه من عبادة الأوثان أثر فى تبكيره بالدخول فى الإسلام، وما إن دعاه النبى – صلى الله عليهوسلم – إلى الإسلام حتى أسلم على الفور؛ لثقته بصدق النبى – صلى الله عليه وسلم – وأمانته، يقول النبى – صلى الله عليه وسلم -: «ما دعوت أحدًا إلى الإسلام إلا كانت فيه عنده كبوة – تأخر فى الإجابة- إلا ما كان من أبى بكر بن أبى قحافة، ما عكم عنه – تأخر عنه – حين ذكرته له، وما تردد فيه».

ومنذ أن أسلم وهو يهب نفسه وماله لله ورسوله، فكان يشترى من أسلم من العبيد الذين كانت «قريش» تعذبهم، ويعتقهم كبلال بن رباح، وكان يذود عن النبى – صلى الله عليه وسلم – بكل ما أوتى من قوة، فيروى «البخارى» عن «عبد الله بن عمرو ابن العاص» قوله:

«رأيت عقبة بن أبى معيط جاء إلى النبى – صلى الله عليه وسلم – وهو يصلى، فوضع رداءه فى عنقه، وخنقه به خنقًا شديدًا، فجاء أبو بكر – رضى الله عنه – حتى دفعه عنه، فقال: أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم». [صحيح البخارى].

ومن أجَلِّ مواقف «أبى بكر» تصديقه للنبى – صلى الله عليه وسلم – فى حادث الإسراء، فحين أخبر النبى – صلى الله عليه وسلم – بذلك أسرعوا إلى «أبى بكر» يخبرونه، ظنا منهم أنه لن يصدق، فقال لهم: «والله لئن كان قاله لقد صدق، فإنى أصدقه فى أبعد من هذا، أصدقه فى خبر السماء يأتيه فى ساعة من ليل أو نهار»، فلُقب بالصديق من يومئذٍ.

واختاره النبى – صلى الله عليه وسلم – -لثقته- به ليرافقه فى رحلة الهجرة دون غيره من الصحابة، ثم لازم النبى بعد الهجرة فى ليله ونهاره، فلم يتخلف عن غزوة من غزواته أو مشهد من مشاهده، وكان مجاهدًا بنفسه وماله حتى وصفه النبى بقوله: «ما لأحد عندنا يدٌ إلا وقد كافأناه بها، إلا أبا بكر، فإن له عندنا يدًا يكافئه الله بها يوم القيامة، وما نفعنى مال أحد قط ما نفعنى مال أبى بكر».

ومما لاشك فيه أن «أبا بكر الصديق» عند علماء الأمة أفضل المسلمين مطلقًا بعد رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، ودليل ذلك أنهوسلم – إلى الإسلام حتى أسلم على الفور؛ لثقته بصدق النبى – صلى الله عليه وسلم – وأمانته، يقول النبى – صلى الله عليه وسلم -: «ما دعوت أحدًا إلى الإسلام إلا كانت فيه عنده كبوة – تأخر فى الإجابة- إلا ما كان من أبى بكر بن أبى قحافة، ما عكم عنه – تأخر عنه – حين ذكرته له، وما تردد فيه».

ومنذ أن أسلم وهو يهب نفسه وماله لله ورسوله، فكان يشترى من أسلم من العبيد الذين كانت «قريش» تعذبهم، ويعتقهم كبلال بن رباح، وكان يذود عن النبى – صلى الله عليه وسلم – بكل ما أوتى من قوة، فيروى «البخارى» عن «عبد الله بن عمرو ابن العاص» قوله:

«رأيت عقبة بن أبى معيط جاء إلى النبى – صلى الله عليه وسلم – وهو يصلى، فوضع رداءه فى عنقه، وخنقه به خنقًا شديدًا، فجاء أبو بكر – رضى الله عنه – حتى دفعه عنه، فقال: أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم». [صحيح البخارى].

ومن أجَلِّ مواقف «أبى بكر» تصديقه للنبى – صلى الله عليه وسلم – فى حادث الإسراء، فحين أخبر النبى – صلى الله عليه وسلم – بذلك أسرعوا إلى «أبى بكر» يخبرونه، ظنا منهم أنه لن يصدق، فقال لهم: «والله لئن كان قاله لقد صدق، فإنى أصدقه فى أبعد من هذا، أصدقه فى خبر السماء يأتيه فى ساعة من ليل أو نهار»، فلُقب بالصديق من يومئذٍ.

واختاره النبى – صلى الله عليه وسلم – -لثقته- به ليرافقه فى رحلة الهجرة دون غيره من الصحابة، ثم لازم النبى بعد الهجرة فى ليله ونهاره، فلم يتخلف عن غزوة من غزواته أو مشهد من مشاهده، وكان مجاهدًا بنفسه وماله حتى وصفه النبى بقوله: «ما لأحد عندنا يدٌ إلا وقد كافأناه بها، إلا أبا بكر، فإن له عندنا يدًا يكافئه الله بها يوم القيامة، وما نفعنى مال أحد قط ما نفعنى مال أبى بكر».

ومما لاشك فيه أن «أبا بكر الصديق» عند علماء الأمة أفضل المسلمين مطلقًا بعد رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، ودليل ذلك أنهجعله أميرًا على الحج فى العام التاسع من الهجرة، وأنابه فى الصلاة عند مرضه – دون غيره -، وكان هذا أقوى مرشح له لتولى الخلافة بعد وفاة النبى – صلى الله عليه وسلم -.

أبو بكر الصديق ومسئوليات الخلافة:

بعد أن بويع «أبو بكر الصديق» البيعة العامة قام فخطب الناس خطبة قصيرة، وضح لهم فيها منهجه فى الحكم، فقال بعد أن حمد الله وصلى على نبيه: «أما بعد أيها الناس فإنى وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينونى، وإن أسأت فقومونى، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوى عندى حتى أزيح عليه حقه إن شاء الله، والقوى فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه إن شاء الله، لا يدع قوم الجهاد فى سبيل الله إلا ضربهم الله بالذلّ، ولا تشيع الفاحشة فى قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعونى ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لى عليكم، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله».

كلمات قليلة وبسيطة، لكنها في غاية الأهمية، تحمل اعتراف الخليفة الأول بحق الأمة فى مراقبة تصرفات حاكمها ونقده وتقويمه إن جانب الصواب.

كان أول القرارات التى اتخذها «أبو بكر» وأصعبها قراره بإنفاذ جيش «أسامة» إلى «جنوبى الشام»، كما أمر به رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، وذلك لأن «الصديق» أقدم عليه فى ظروف دقيقة وحرجة، فالعربُ قد ارتدت عن الإسلام، حتى «مكة» نفسها همت بالردة، لولا أن «سهيل بن عمرو» روَّعهم، قائلا: «لماذا ترتدون والنبوة كانت فيكم، والخلافة أصبحت فيكم؟»، وحاولت «الطائف» أن ترتد، فمنع من حدوث ذلك عقلاؤها؛ إذ قالوا لقومهم: لقد كنتم آخر من أسلم، فلا تكونوا أول من يرتد.

كما استفحل أمر مدعى النبوة «مسيلمة الكذاب» فى «اليمامة» شرقى شبه الجزيرة العربية، و «طليحة بن خويلد الأسدى» فى «بنى أسد»، فى منطقة «بذاخة» -ماء لبنى أسد يقع إلى الشرق من «المدينة المنورة» – و «لقيط بن مالك» فى «عمان» جنوبى شرقى بلاد العرب، و «الأسود العنسى» فى «اليمن».

وكل أولئك ظهروا فى أواخر حياة النبى – صلى الله عليه وسلم -، لكنه لم يحفل بهم كثيرًا؛ لثقته بالقدرة على القضاء على تلك الحركات، وفى الوقت نفسه أمر بإنفاذ جيش «أسامة بن زيد» إلى جنوب «الشام»؛ لتأديب القبائل القاطنة هناك، التى تعادى المسلمين، ولتثبيت هيبة الإسلام فى أعين الروم، التى فرضها عليهم فى غزوة «تبوك»، وللفت أنظار أصحابه إلى خطورة دولة الروم على الإسلام، لكن هذا الجيش لم يذهب لأداء مهمته؛ لمرض النبى – صلى الله عليه وسلم – ووفاته، فكان أول قرار للصديق، هو تنفيذ ما عزم عليه الرسول – صلى الله عليه وسلم -.

لكن الصحابة جميعًا عارضوا «أبا بكر» فى قراره بإرسال جيش «أسامة»، وتعللوا بأن الردة قد عمت شبه جزيرة العرب، وأن الخطر داهم ومحدق بهم، حتى لم تسلم منه «المدينة» نفسها، واشرأبت أعناق أعداء الإسلام من يهود ونصارى وغيرهما، وتحفزوا للقضاء على الإسلام، ولذا فإن بقاء الجيش فى «المدينة» ضرورة ملحة؛ لحمايتها من الأخطار المحدقة بها.

لكن ذلك كله لم يثن عزيمة الصديق عن إرسال جيش «أسامة»، ووقف كالأسد الهصور يذود عن الإسلام باتخاذ ذلك القرار الصعب قائلا:

«والذى نفس أبى بكر بيده، لو ظننت أن السباع تخطفتنى لأنفذت بعث أسامة، كما أمر به رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، ولو لم يبق فى القرى غيرى لأنفذته».

وقد ظهرت نتائج سياسة «الصديق» الموفقة، عندما ذهب جيش «أسامة» وحقق ما قصده الرسول – صلى الله عليه وسلم – من أهداف، وعاد محمَّلا بالغنائم، وألقى الرعب والفزع فى قلوب القبائل العربية التى مرَّ عليها فى شمالى شبه الجزيرة العربية وهو فى طريقه إلى الشام؛ لأنهم قالوا: «لو لم يكن بالمسلمين قوة لما أرسلوا هذا الجيش الكبير إلى هذا المكان البعيد فى مثل هذا الوقت»؛ ولذا كانت حركة الردة فى المناطق التى مرّ بها «أسامة» بجيشه أضعف منها فى أى مكان آخر من شبه الجزيرة العربية.

حركة الردة:

يعد موقف «الصديق» من حركة الردة ومواجهته لها من أروع المواقف فى التاريخ، لأنه آمن إيمانًا عميقًا بانتصار الحق مهما تكن قوة أعدائه، وأظهر تصميمًا على الدفاع عن الإسلام مهما يبذل من جهد.

وقد بدأت حركة الردة بالقبائل التى منعت الزكاة كعبس و «ذبيان» و «غطفان» وغيرها، حيث أرسلت وفدًا إلى «المدينة»، يعرض على «الصديق» مطالبهم، وأنهم لم يرفضوا الإسلام، ولكنهم يرفضون دفع الزكاة لحكومة «المدينة»؛ لأنها فى ظنهم معرَّة، ويعدُّونها إتاوة تدفع لأبى بكر، ولم تدرك تلك القبائل أثر الزكاة فى التكافل الاجتماعى بين المسلمين.

كان رأى فريق من الصحابة وعلى رأسهم «عمر بن الخطاب» أن يستجيب «أبو بكر» لتلك القبائل، ولا يجبرها على دفع الزكاة، وخاصة أن «المدينة» مكشوفة، وليس بها قوة تحميها وتدافع عنها؛

لأن جيش «أسامة» لما يعد بعد من شمالى بلاد العرب، لكن «الصديق» لم يقتنع بهذا الرأى، ورد على «عمر بن الخطاب» ردا جازمًا قائلا له:

«والله لو منعونى عقالا -الحبل الذى يجرُّ به الحمل – لجاهدتهم عليه».

وكان هذا الموقف الثابت من «الصديق» رائعًا كل الروعة، فماذا لو وافق «أبو بكر» «عمر» ومن معه على رأيهم؟ ربما شجع هذا التنازل قبائل أخرى، فتمتنع عن دفع الزكاة أسوة بهؤلاء، ولربما تطور الموقف إلى أبعد من هذا، فتمتنع قبائل عن إقامة الصلاة أو غيرها من أركان الإسلام، ويكون هذا هدمًا للدين من أساسه.

وكأن «الصديق» حين فعل هذا تمثل واقتدى بموقف لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – عندما جاءه وفد «ثقيف» يعلنون إسلامهم، ويطلبون منه إعفاءهم من أداء الصلاة، فرفض النبى – صلى الله عليه وسلم – ذلك، وقال لهم: «لا خير فى دين لاصلاة فيه»، ولعل «الصديق» قصد ذلك حين قال: «والله لأقاتلن من فرَّق بين الصلاة والزكاة».

ولم يكن «الصديق» صاحب قرارات صائبة فحسب، بل كان يقرنها بالعمل على تنفيذها، فلما رأى الغدر فى عيون مانعى الزكاة أدركأنهم سيهاجمون «المدينة» على الفور؛ لأنهم عرفوا غياب معظم الرجال مع جيش «أسامة»، وأعلن حالة الاستعداد للدفاع عن «المدينة» عقب عودة المانعين إلى ديارهم، واتخذ مسجد رسول الله، مقرا لغرفة عمليات عسكرية، وبات ليلته يُعد للمعركة ويستعد لها، وأمر عددًا من كبار الصحابة بحراسة مداخل «المدينة»، على رأسهم «على بن أبى طالب»، و «طلحة بن عبيد الله»، و «الزبير بن العوام»، و «عبد الله بن مسعود» رضى الله عنهم.

وحدث ما توقعه «الصديق» فبعد ثلاثة أيام فقط هاجم مانعو الزكاة «المدينة»، فوجدوا المسلمين فى انتظارهم، فهزمهم المسلمون وردوهم على أعقابهم إلى «ذى القصة» – شرقى «المدينة».

ثم تعقبهم «الصديق» وألحق بهم هزيمة منكرة، وفرت فلولهم، وغنم المسلمون منهم غنائم كثيرة، واتخذ «الصديق» من «ذى القصة» مكانًا لإدارة المعركة ضد حركة الردة كلها، وفى هذه الأثناء جاءت الأخبار بوصول جيش «أسامة» سالمًا غانمًا، فأسرع «الصديق» بنفسه لاستقبال قائد الجيش الشاب، الذى قام بهذه المهمة الخطيرة خير قيام، وبعد أن احتفى به وهنأه على عمله، أنابه عنه فى حكم «المدينة»، وعاد هو إلى «ذى القصة» ليدير المعركة مع المرتدين بعزيمة لا تلين.

أسباب حركة الردة:

قبل الخوض فى الحديث عن مواجهة «أبى بكر» لحركة الردة، ينبغى معرفة أسبابها، التى جعلت تلك القبائل ترتد بعد أن أعلنت إسلامها أمام الرسول – صلى الله عليه وسلم – فى السنة الأخيرة من حياته.

– السبب الأول: أن إسلام أغلب هذه القبائل كان ضعيفًا، فقد أذعنوا لقوة المسلمين، التى لم يكن لهم قِبَل بمواجهتها؛ فاستسلموا ولم يسلموا إسلامًا حقيقيًا، فظنوا أن وفاة الرسول – صلى الله عليه وسلم – ستفتُّ فى عضد المسلمين، ولن يستطيعوا مواجهتهم.

– والسبب الثانى: أن العصبية القبلية كانت عندهم قوية، فمعظم المرتدين الذين التفوا حول مدعى النبوة كانوا يعلمون صدق النبى- صلى الله عليه وسلم -، ولكن كل قبيلة كانت تريد أن يكون لها نبى من أبنائها ولو كان كذابًا، كما لقريش نبى من أبنائها، وعبروا عن ذلك بوضوح وصراحة، فيقول أحد «بنى حنيفة» لمسيلمة: «أشهد أنك كذاب، ولكن كذاب ربيعة – التى منها مسيلمة – خير من صادق مضر- التى منها محمد»، وقال «عيينة بن حصن الفزارى» عن «طليحة بن خويلد الأسدى»: «نبى من الحليفين خير من نبى من قريش، ومحمد مات، وطليحة حى».

– والسبب الثالث: أن زعماء القبائل وشيوخها كانوا مستفيدين من الوضع القبلى القديم؛ إذ كانت حياة معظم القبائل تقوم على الإغارة والسلب والنهب، ويأخذ شيوخها ربع ما تحصل عليه من تلك الغارات، ولذا تزعموا حركة الردة، وحرضوا أبناء القبائل عليها، ليستمروا فى السيطرة على قبائلهم.

– والسبب الرابع: أن الفرس والروم حاولا القضاء على الإسلام باستخدام العرب وتحريضهم ومساعدتهم، فلما فشلا فى ذلك تدخلا تدخُّلا مباشرًا، فحرَّض الفرس عرب الخليج على الردة، ثم أمدوا «سجاح بنت الحارث اليربوعية» – مدعية النبوة – بجيش كبير، قوامه أربعون ألف رجل، جاءت بهم من «العراق» التى كانت تحت الحكم الفارسى لمحاربة المسلمين، فلما فشلت تدخلوا مباشرة ضد «المثنى بن حارثة»، الذى كان يحارب المرتدين على حدود «العراق».

وفعل الروم البيزنطيون ما فعله الفرس، فاعتدوا فى حروب الردة على جيش «خالد بن سعيد بن العاص» فى منطقة «تيماء» شمالى «الحجاز»، وألحقوا به هزيمة كبيرة وقتلوا معظم جنوده.

المواجهة السلمية:

أراد «أبو بكر الصديق» أن يبصِّر المرتدين بخطورة ما أقدموا عليه، فواجههم مواجهة سلمية بأن دعاهم إلى العودة بدون قتال إلى الإسلام، الذى أكرمهم الله به، وأرسل إليهم كتابًا يقرأ على القبائل كلها؛ لعلهم يعقلون، جاء فى أخره:

«وإنى بعثت إليكم فلانًا فى جيش من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان، وأمرته ألا يقاتل أحدًا ولا يقتله حتى يدعوه إلى داعيةالله، فمن استجاب له وأقرَّ وكف وعمل صالحًا، قبل منه وأعانه عليه، ومن أبى أمرت أن يقاتله على ذلك، ثم لا يبقى على أحدٍ منهم قدر عليه، .. ولا يقبل من أحدٍ إلا الإسلام فمن اتبعه فهو خير له، ومن تركه فلن يعجز الله، وقد أمرت رسولى أن يقرأ كتابى فى كل مجمع لكم، والداعية الأذان، فإذا أذن المسلمون فأذَّنوا كفوا عنهم، وإن لم يؤذنوا عاجلوهم … ».

الاستعداد العسكرى:

وفى الوقت الذى كان يأمل فيه أن يستجيب المرتدون، ويعودوا إلى دين الله دون قتال؛ كان يعد أحد عشر جيشًا فى وقت واحد، تغطى المناطق التى ارتد أهلها فى شبه جزيرة العرب، جاهزة للانطلاق إلى كل منطقة؛ ليشغل كل قبيلة بالدفاع عن نفسها فى ديارها، ولا تأخذ فرصة للتجمع والتكتل ضده، وكان هذا تصرفًا بارعًا وحكيمًا من «الصديق».

واختار «الصديق» لهذه الجيوش أمهر القادة وأكثرهم خبرة بالقتال، وهم: «خالد بن الوليد»، سيف الله وعبقرى الحرب، وأمره بقتال المرتدين من «بنى أسد» و «غطفان» وحلفائهم بقيادة «طليحة بن خويلد» فى «بذاخة»، فإذا انتهى من مهمته توجه لقتال المرتدين من «بنى تميم» فى «البطاح»، إلى الشرق من ديار «بنى أسد».

– و «عكرمة بن أبى جهل» وأردفه بشرحبيل بن حسنة، وأمرهما بالتوجه إلى «مسيلمة الكذاب» ومن معه فى «اليمامة»، وأمرهما ألا يقاتلاه حتى يأمرهما بذلك، لمعرفة «أبى بكر» بقوة جيش «مسيلمة»، وأنهما لن يقدرا على هزيمته بسهولة، بل يشغلاه حتى يحين الوقت المناسب لإرسال قوات أكبر؛ لمواجهة «بنى حنيفة» فى جموعهم الكبيرة.

– و «العلاء بن الحضرمى»، وأمره بقتال المرتدين فى «البحرين» وما والاها.

– و «حذيفة بن محصن»، وأمره بقتال المرتدين فى «دبا» فى جنوبى شرقى شبه الجزيرة.

و «عرفجة بن هرثمة»، وأمره بقتال المرتدين فى «مهرة» فى جنوبى شبه الجزيرة.

و «المهاجر بن أبى أمية المخزومى»، وأمره بقتال المرتدين فى جنوبى «اليمن».

و «سويد بن مقرن»، وأمره بقتال المرتدين فى «تهامة اليمن» على ساحل «البحر الأحمر».

– و «عمرو بن العاص»، وأمره بقتال قبائل «قضاعة» فى الشمال.

– و «معن بن حاجز» وأمره بقتال المرتدين فى «هوازن» و «بنى سليم».

و «خالد بن سعيد بن العاص»، وأمره أن يعسكر فى «تيماء»، ولا يقاتل أحدًا إلا إذا قوتل.

أهم معارك حروب الردة:

لم يستجب المرتدون لدعوة «أبى بكر» السلمية، فبدأ قادته ينفذون ما عهد إليهم من مهام، وخاض «خالدبن الوليد» أول معارك الردة فى «بذاخة» ضد المرتدين من «غطفان» و «بنى أسد» وحلفائهم ممن التفوا حول «طليحة بن خويلد الأسدى» مدعى النبوة، وكان النصر حليف «خالد»، بعد أن ألحق بهم هزيمة منكرة وغنم كثيرًا، وأرسل عددًا من زعمائهم أسرى إلى الخليفة، وفر «طليحة»، وظهر كذبه، ويجدر بالذكرى أن «طليحة» قد أسلم بعد ذلك، وحسن إسلامه فى عهد «أبى بكر الصديق»، واشترك فى الفتوحات الإسلامية فى «فارس»، فى عهد «عمر بن الخطاب»، وكان له دور بارز فيها.

وبعد ذلك توجه «خالد بن الوليد» إلى «البطاح» فى «نجد» لقتال المرتدين من «بنى تميم» بزعامة «مالك بن نويرة»، ونجح فى إلحاق الهزيمة بهم، والقضاء على الردة فى بلادهم.

معركة اليمامة:

«اليمامة» مصطلح جغرافى قديم، يشمل المناطق الشرقية من شبه الجزيرة العربية التى تقع فيها الآن مدينة «الرياض» عاصمة «المملكة العربية السعودية».

ووقعت معركة «اليمامة» نفسها فى مكان قريب من هذه المدينة.

وسبق أن ذكرنا أن «أبا بكر» أرسل «عكرمة بن أبى جهل» و «شرحبيل بن حسنة» للوقوف فى وجه «مسيلمة»، ولم يأمرهما بقتال؛ لكنهما تعجلا مخالفين أوامر الخليفة، واشتبكا مع «مسيلمة» فى حرب لم يصمدا فيها، وعادا منهزمين، ولعلهما أرادا أن يتشبها بخالد بن الوليد حتى يحوزا أكاليل النصر، كما حازها هو.

وما إن وصلت أنباء هزيمتهما إلى «أبى بكر» حتى غضب غضبًاشديدًا، وطلب منهما ألا يعودا إلى «المدينة»، وقرر فى الوقت نفسه أن يرسل «خالد بن الوليد» إلى «اليمامة» للقضاء على فتنة «مسيلمة»، فهو أصلح الناس لهذه المهمة. وكان «خالد» قد فرغ من القضاء على فتنة المرتدين من «بنى أسد» و «غطفان» و «تميم»، فجاءته أوامر من «أبى بكر» بالتوجه إلى «اليمامة» للقضاء على فتنة «مسيلمة الكذاب».

امتثل «خالد بن الوليد» لأوامر الخليفة، وسار فى صحراء وعرة نحو ألف كيلو متر، حتى التقى بجيوش «مسيلمة» – وكانت نحو أربعين ألفًا – فى مكان يسمى «عقرباء» فى حين كانت قوات «خالد» تبلغ نحو ثلاثة عشر ألفًا، فيهم عدد كبير من المهاجرين والأنصار، ودارت الحرب بين الفريقين، وكانت حربًا شرسة، اشتدت وطأتها على المسلمين فى البداية، وكادوا ينهزمون، لولا أن زأر «خالد» كالأسد الهصور، ونادى بأعلى صوته «وامحمداه»، وكان شعار المسلمين فى المعركة، فاشتعلت جذوة الإيمان فى القلوب، وهانت الحياة على النفوس، وأقبل المسلمون على القتال دون خوف أو وجل، طمعًا فى النصر أو الشهادة، وصبروا لأعداء الله حتى هزموهم هزيمة منكرة، وقتلوا «مسيلمة» الكذاب مع نحو عشرين ألفًا من رجاله، واستسلم من بقى من قواته أسرى للمسلمين، واستشهد من المسلمين أكثر من ألف ومائتى رجل، منهم عدد كبير من القراء وحفظة القرآن الكريم.

وحين ترامت إلى المرتدين أخبار انتصارات «خالد» وما فعله فى «بنى حنيفة»، وقر فى أذهانهم أن المسلمين لا ينهزمون؛ ولذا كانت مهمة بقية القادة فى المناطق التى توجهوا إليها أقل صعوبة مما واجهه «خالد بن الوليد» فى «اليمامة».

وقبل أن يمضى عام على بدء حركة الردة كان «أبو بكر الصديق» قد نجح فى القضاء عليها فى كل مكان، وعادت شبه الجزيرة العربية موحدة دينيًا وسياسيًا تحت لواء المسلمين وحكومتهم فى «المدينة» على ما كانت عليه فى آخر حياة الرسول. الفتوحات الإسلامية فى عهده:

أسبابها:

من يتتبع حركة الفتوحات الإسلامية خارج شبه الجزيرة العربية يجد أنها جاءت استطرادًا، وجاءت تحت ضغط الظروف، وأن المسلمين اضطروا إليها اضطرارًا؛ إذ لم يكن لهم برنامج أو خطة معدة من قبل للفتح أو التصادم مع الآخرين؛ لأن نشر الإسلام، وهو الغاية الأولى للمسلمين، لا يتطلب أعمالا حربية أو الدخول فى معارك عسكرية، وكل ما كان يطلبه المسلمون هو أن يفسح لهم الآخرون الطريق ليدعوا إلى دينهم بالحكمة والموعظة الحسنة، ولكن الفرس والروم لم يعطوا المسلمين هذه الفرصة، فكادوا لهم واعتدوا عليهم، مما اضطر المسلمين إلى خوض الحروب معهم، ورد عدوانهم، وتحقيق الحرية لنشر العقيدة الإسلامية دون عوائق، وليس لنشر العقيدة، والفرق كبير بين المعنيين.

فتح العراق:

فى أثناء حروب الردة طارد «المثنى بن حارثة» – أحد قادة المسلمين – المرتدين إلى الشمال، على الساحل الغربى للخليج العربى، فلما وصل إلى حدود «العراق» تكاثرت عليه قوات الفرس، بعد أن رأوا فشل عملائهم من المرتدين فى القضاء على الإسلام فألقوا بثقلهم فى المعارك ضد المسلمين.

ولما رأى «المثنى» أنه غير قادر بمن معه على مواجهة القوات الفارسية، أرسل إلى الخليفة يشرح له الموقف، ويطلب منه المدد، فأدرك الخليفة خطورة الموقف، ورأى أن يردع الفرس ويرد عدوانهم، فرماهم بخالد بن الوليد أعظم قواده، وأردفه بعياض بن غنم.

وفى المحرم من العام الثانى عشر من الهجرة تحرك «خالد بن الوليد» من «اليمامة»، وكان لايزال بها، بعد أن قضى على فتنة «مسيلمة الكذاب»، وتوجه إلى «العراق». حيث خاض سلسلة من المعارك ضد الفرس فى خلال عدة شهور، فى «ذات السلاسل» و «المذار»، و «الولجة»، و «أليس»، وهذه أسماء الأماكن التى دارت فيها الحروب، وكان النصر حليفه فيها، ثم توَّج انتصاراته بفتح «الحيرة» عاصمة «العراق» فى ذلك الوقت، واستقر بها فى شهر ربيع الأول من العام نفسه، ثم فتح «الأنبار» و «عين التمر» إلى الشمال من«الحيرة»، ثم جاءته أوامر من «أبى بكر» أن يعود إلى «الحيرة» ويستقر بها إلى أن تأتيه أوامر أخرى.

وخلاصة القول أنه فى خلال بضعة أشهر نجح «خالد» فى فتح أكثر من نصف «العراق»،وصالح أهله على دفع الجزية، ولم يجبر أحدًا على الدخول فى الإسلام».

فتح الشام:

كان «خالد بن سعيد بن العاص»، أحد قادة حروب الردة، معسكرًا بقواته فى «تيماء» شمالى «الحجاز» بأمر من الخليفة الذى ألزمه بألا يقاتل أحدًا إلا إذا قوتل، وقصد الخليفة بذلك أن يكون هذا الجيش احتياطيًا، يمد -عند الضرورة – القوات المحاربة فى جهات أخرى، وأن يراقب تحركات الروم؛ لأنه كان على يقين أنهم سوف يستغلون فرصة انشغاله بحروب الردة، ويكرروا عدوانهم.

وحدث ما توقعه «أبو بكر الصديق»، فقد هجم الروم على جيش «خالد»، ومعهم القبائل العربية القاطنة فى الشام، وألحقوا به هزيمة قاسية، وقتلوا معظم جنوده، واستشهد ابنه فى المعركة، فلما وصلت أخبار الهزيمة إلى الخليفة «أبى بكر» جمع كبار الصحابة لدراسة الموقف، فاستقر رأيهم على ضرورة صد العدوان، وشرع «أبو بكر» فى حشد أربعة جيوش لتحقيق ذلك:

– جيش بقيادة «أبى عبيدة بن الجراح» وجهه إلى «حمص» شمالى الشام.

– وجيش بقيادة «يزيد بن أبى سفيان»، ووجهه إلى «دمشق» فى وسط الشام.

– وجيش بقيادة «شرحبيل بن حسنة»، ووجهه إلى «الأردن».

– وجيش بقيادة «عمرو بن العاص»، ووجهه إلى «فلسطين».

وقال «أبو بكر» لقادة جيوشه: إذا عملتم منفردين، فكل واحد منكم أمير على من معه من قوات – وكان مع كل واحد منهم نحو ثمانية آلاف جندى – ثم أمير على المنطقة التى يفتحها، أما إذا ألجأتكم الظروف إلى الاجتماع فى مكان واحد، فالقائد العام «أبو عبيدة بن الجراح».

موقعة اليرموك:

تحرك القادة الأربعة بجيوشهم، فلما دخلوا جنوبى الشام، وجدوا جيشًا روميا، قوامه نحو (250) ألف جندى، بقيادة «تذراق» أخى«هرقل»، يساندهم نحو ستين ألفًا من العرب – تقريبًا – بقيادة «جبلة بن الأيهم الغسانى»، فلم يستطيعوا الالتحام مع هذه الجموع الحاشدة، فدارت بينهم مراسلات تجمعوا بعدها فى وادى «اليرموك»، تحت قيادة «أبى عبيدة بن الجراح».

لكن تجمعهم لم يؤدِ إلى تحريك للموقف ضد الروم، فأخبروا الخليفة «أبا بكر» بما هم فيه، وطلبوا المدد منه، فرأى أنه لن ينقذ الموقف فى الشام سوى «خالد بن الوليد»، وقال عبارته المشهورة: «والله لأُنسين الروم وساوس الشيطان بخالد بن الوليد»، ثم كتب رسالة إليه:

«أما بعد فإذا جاءك كتابى هذا، فدع العراق، وأخلف فيه أهله الذين قدمت عليهم وهم فيه وامضِ متخففًا فى أهل القوة من أصحابك الذين قدموا العراق معك من اليمامة، وصحبوك من الطريق، وقدموا عليك من الحجاز، حتى تأتى الشام، فتلقى أبا عبيدة بن الجراح ومن معه من المسلمين، فإذا التقيتم فأنت أمير الجماعة والسلام عليك».

امتثل «خالد» لأوامر الخليفة، وسار من «العراق» فى سبعة آلاف جندى فى واحدة من أجرأ المسيرات العسكرية فى التاريخ وأكثرها خطرًا، حيث قطعوا أكثر من ألف كيلو متر فى ثمانية عشر يومًا، فى صحراء قاحلة مهلكة، حتى وصلوا إلى «وادى اليرموك» فتسلم «خالد بن الوليد» القيادة من «أبى عبيدة» وخاض معركة مع الروم تُعد من أعظم المعارك وأبعدها أثرًا فى حركة الفتح الإسلامى، وسحق جيش الروم الذى كان يعد يومئذٍ أقوى جيوش العالم، إذ قتل منه نحو مائة وعشرين ألفًا، وقد أدرك «هرقل» إمبراطور الروم حجم الكارثة التى حلت بجيشه، فغادر المنطقة نهائيًا، وقلبه يقطر دمًا، ويتحسر على جهوده التى بذلها فى استرداد الشام من الفرس، ثم ها هى ذى يفتحها المسلمون، وقال: «السلام عليك يا سوريا، سلامًا لا لقاء بعده، ونعم البلد أنت للعدو وليس للصديق، ولا يدخلك رومى بعد الآن إلا خائفًا».

وقد استشهد من المسلمين نحو ثلاثة آلاف، وقد فتح هذا النصرالعظيم الطريق لفتح بقية الشام، الذى تم فى عهد «عمر بن الخطاب».

الجمع الأول للقرآن فى عهد أبى بكر الصديق:

فزع «عمر بن الخطاب» لاستشهاد عدد كبير من حفظة القرآن فى حروب الردة، وبخاصة معركة «اليمامة»، فأشار على «أبى بكر» بضرورة جمع القرآن فى مصحف واحد؛ خشية أن يُستشهد عدد آخر من الحفاظ، فيضيع القرآن، أو يدخله تحريف إذا تباعد الزمن بين نزوله وجمعه، كما حدث للكتب السابقة.

تردد «أبو بكر» فى بادئ الأمر من اقتراح «عمر»، وقال: «كيف أفعل شيئًا لم يفعله رسول الله – صلى الله عليه وسلم -»، فقال له «عمر»: «أرى والله أنه خير»، فلم يزل «عمر» بأبى بكر حتى قبل، ثم استدعى «أبو بكر» «زيد بن ثابت الأنصارى»، وكلفه بمهمة جمع القرآن، قائلا له: «إنك رجل شاب عاقل، لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحى لرسول الله – صلى الله عليه وسلم -، فتتبع القرآن فاجمعه»، فقبل «زيد» هذه المهمة الثقيلة، وبدأ فى تتبع القرآن، وجمعه من الرقاع والعظام، والعسب (سعف النخل) التى كان مكتوبًا عليها ومن صدور الرجال، وجعل ذلك فى مصحف واحد.

وقد ظل هذا المصحف عند «أبى بكر»، ثم انتقل بعد وفاته إلى «عمر بن الخطاب»، ثم انتقل بعد وفاته إلى ابنته أم المؤمنين «حفصة»، وفى عهد «عثمان» دعت الضرورة إلى جمع الناس على قراءة واحدة، فأخذه «عثمان» منها، ونسخ منه عدة نسخ ووزعها على الأمصار.

وهكذا توَّج «أبو بكر الصديق» أعماله الجليلة بجمع القرآن.

وفاة أبى بكر الصديق:

قضى «أبو بكر» فى الخلافة سنتين وثلاثة أشهر وعشرة أيام قام فيها بجلائل الأعمال، ونهض بمسئولية قيادة الدولة على خير وجه، وعاش حياته للإسلام وللمسلمين، ووهب حياته لخدمة رعيته، والدفاع عن عقيدتها، دون أن يأخذ أجرًا على تحمله تبعات هذا المنصب الجليل، منصب الخليفة، وعاش مثل بقية رعيته دون أن يمتاز عنهم فى مسكن أو ملبس، بل إنه رد ما خصصه له كبار الصحابة من راتب ضئيل، كى يترك التجارة ويتفرغ لمنصبه.

وفى أواخر شهر جمادى الآخرة من العام الثالث عشر للهجرة، فاضت روح «أبى بكر» إلى بارئها بعد مرض استمر أسبوعين، كان سببه الحمى، وتولى بعده الفاروق «عمر بن الخطاب».

السابق
بعثة الرسول – صلى الله عليه وسلم
التالي
خلافة عثمان بن عفان