عصر النبوة والخلافة الراشدة

خلافة عمر بن الخطاب

نسبه وصفته وإسلامه:

هو «عمر بن الخطاب بن نُفيل بن عبدالعُزى بن رباح» وأمه «حنتمة بنت هشام بن المغيرة».

أسلم فى العام الخامس من البعثة، وعمره سبع وعشرون سنة، بعد أربعين رجلا، وإحدى عشرة امرأة، أسلموا قبله، وكان قبل إسلامه معاديًا للإسلام شديدًا فى عداوته، لكن الله شرح صدره للإسلام استجابة لدعاء النبى – صلى الله عليه وسلم – له: «اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب».

وعُرف «عمر بن الخطاب» بشخصية قوية، وإرادة لا تلين، وحزم وعزم فى الأمور، وهيبة فى القلوب، وكان سفير «قريش» فى الجاهلية، وهى مهمة تحتاج إلى علم وعقل، وكياسة وحسن تصرف.

عمل «عمر» فى بداية نشأته بالرعى، ثم عمل فى التجارة إلى الشام وإلى «اليمن»، وكان يحرص على مقابلة ذوى الشأن فى تلك البلاد؛ ليزداد علمًا وخبرة بالحياة، وكان واحدًا من سبعة عشر رجلا من «قريش» يعرفون القراءة والكتابة فى «مكة».

واشتهر «عمر بن الخطاب» أنه كان قوى البنية، طويل القامة، إذا مشى بين الناس أشرف عليهم، كأنه راكب على دابته، أبيض اللون تعلوه حمرة، جهورى الصوت، قليل الضحك، لا يمازح أحدًا، مقبلا على شأنه.

أما صفاته الأخلاقية فهى «الإحساس الكامل بالمسئولية، والشدة والفراسة، والعدل والهيبة، وواضح أن هذه الصفات هى نتاج عوامل كثيرة متنوعة، مثل نشأة «عمر» الأولى وثقافته، والقيم التى غرسها الإسلام فى نفسه. أما إحساس «عمر» الكامل بمسئوليته قِبَل الرَّعية، فذلك ما لاحاجة بنا إلى التدليل عليه، ويمكن إرجاعه إلى النزعة الدينية التى ملكت عليه شغاف نفسه، والتى شهد له بها الجميع، وعلى رأسهم رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، فالعقيدة وحدها هى التى تبلغ بالمرء هذا المستوى القدسى، وهى التى تجعل الإنسان رقيبًا على نفسه فى جميع حركاته وسكناته، ولن تغنى عنها أية رقابة أخرى».

عمر والرسول – صلى الله عليه وسلم -:

احتل «عمر بن الخطاب» منذ أن أسلم المكانة التالية لمكانة «أبى بكر الصديق» عند النبى – صلى الله عليه وسلم -، لصفاته العالية التى سبق أن ذكرنا بعضها، ولدعوة النبى – صلى الله عليه وسلم – أن يُعز الله الإسلام بعمر بن الخطاب، وكانت دعوة ناشئة عن معرفة دقيقة بخصائص الرجل الذى سيكون ثالث ثلاثة فى الإسلام قدرًا ومنزلة.

وعلى أية حال فإن أخلاق «عمر» وصفاته مهما تكن لم تكن لتبلغ به ما بلغ من المكانة العالية والقدر الرفيع إلا بإسلامه وبصلته برسول الله – صلى الله عليه وسلم -، الذى تعهده بالتربية والرعاية، وأفسح لمواهبه أن تنطلق إلى أفاق عالية، لتؤدى دورها الخلاق لا فى تاريخ الإسلام فحسب، بل فى تاريخ البشرية، وليكون صاحبها واحدًا من عظماء الدنيا، وقد وضعه الكاتب الأمريكى «مايكل هارت» بين الخالدين المائة فى التاريخ الإنسانى كله.

ومنذ أن أسلم «عمر بن الخطاب»، وهو من أكثر الصحابة ملازمة للنبى – صلى الله عليه وسلم -، حتى إن الصحابة أطلقوا عليه وعلى أبى بكر الصديق: وزيرَى محمد.

واشتهر «عمر» دون غيره من الصحابة بمواقف كثيرة، كان يناقش النبى – صلى الله عليه وسلم – فيها ويعترض عليه فى صراحة، مثل:

موقفه من أسرى «بدر»، و «صلح الحديبية» والصلاة على «عبد الله بن أبى بن سلول» رأس النفاق، ولم يكن النبى – صلى الله عليه وسلم – يضيق بذلك، بل يسمع برحابة صدر وسعة أفق، ويشجع «عمر» وغيره على إبداء آرائهم دون خوف أو وجل، يعلمهم بذلك حرية الرأى، والمشاركة فى صنع القرار.

وكثير من تلك الآراء التى عارض فيها النبى – صلى الله عليه وسلم – نزل القرآن مؤيدًا لها لفرط إخلاصه لدينه، وشفافية روحه، وقد عدَّ العلماء نحو عشرين موقفًا من هذا القبيل منها: تحريم الخمر، وضرب الحجاب على زوجات النبى – صلى الله عليه وسلم -.

وقد وردت أحاديث كثيرة فى فضل «عمر»، منها قوله – صلى الله عليه وسلم -: «إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه».

توليه الخلافة:

أراد «الصديق أبو بكر» أن يختار المسلمون خليفتهم بأنفسهم دون قيد، وبإرادتهم الحرة بلا تدخل، فقال لهم وهو على فراش المرض:

«إنى قد نزل بى ما ترون، ولا أظننى إلا ميتًا لما بى من المرض، وقد أطلق الله أيمانكم من بيعتى، وحلَّ عنكم عقدتى، ورد عليكم أمركم، فأمروا عليكم من أحببتم، فإنكم إن أمّرتم فى حياة منى كان أجدر ألا تختلفوا بعدى».

لكنهم طلبوا منه أن يرشح لهم من يراه أهلا لتولى الخلافة بعده، وأقدر على تحمل تبعاتها الجسام، فقبل ذلك، وطلب منهم مهلة حتى ينظر لله ولدينه ولعباده، وبعد تفكير عميق، واستشارة لكبار الصحابة مثل: «عثمان بن عفان» و «على بن أبى طالب» و «عبدالرحمن بن عوف» استقر رأيه على «عمر بن الخطاب».

ولم يكن ترشيح كبار الصحابة «عمر بن الخطاب» للخلافة وتزكيتهم له، بعد «أبى بكر» غريبًا أو مفاجأة، فهم يعرفون قدره ومنزلته، وقد سبق أن ذكرنا تقديم النبى – صلى الله عليه وسلم – «أبا بكر» ليؤم الناس فى الصلاة، ورفضه أن يقوم بهذا «عمر بن الخطاب»، فلما تأخر «أبو بكر» يومًا عن الصلاة، قدَّم «بلال» «عمر بن الخطاب» اجتهادًا منه ليؤم الناس، فلما سمع الرسول «عمر» يقيم الصلاة رفض ذلك، وقال «أين أبو بكر؛ يأبى الله ذلك والمسلمون».

وعلى الرغم من ذلك فإن هذا التصرف التلقائى من «بلال» يدل على أن الصحابة كانوا يعلمون أن أفضل الناس بعد «أبى بكر الصديق» هو «عمر بن الخطاب».

ولم يعترض على ترشيح «عمر» للخلافة إلا عدد قليل من كبار الصحابة، وعللوا ذلك بغلظته وشدته، لكن «أبا بكر» طمأنهم وبين لهم أن ما يجدونه من شدته، إنما هو لله وفى الله، وإنه يشتد لأنه يرانى أحيانًا لينًا، حتى يحدث نوعًا من التعادل، وأنه لو أفضى الأمر – أى الخلافة – إليه لترك كثيرًا مما هو فيه.

ولا يقلل هذا الاعتراض من سداد رأى «أبى بكر» فى «عمر»، ولا من شأن «عمر» نفسه، بل يدل ذلك على حرية الرأى تجاه الشخصيةالتى ستلى أمر الخلافة، فلن يضير «عمر» أن نفرًا من ذوى الرأى لم يؤيدوا ترشيحه، بل يكفيه أن أغلب الصحابة أجمعوا على تزكيته، ورضوا به لهذا المنصب الجليل، وهذا ما تسير عليه الآن الأمم الحرة فى اختيار حكامها، فالإجماع ليس شرطًا ضروريًا فى اختيار الحاكم.

اطمأنت نفس «أبى بكر الصديق» بعد أن استشار كبار الصحابة إلى اختيار «عمر بن الخطاب» خليفة من بعده، فأشرف على الناس وهو مريض، وقال: «أترضون بمن أستخلف عليكم؟، فإنى والله ما آلوت من جهد الرأى، ولا وليت ذا قربة، وإنى قد وليت عليكم عمر بن الخطاب، فاسمعوا له وأطيعوا» فقالوا: سمعنا وأطعنا.

بايع المسلمون «عمر بن الخطاب»، وبذا أصبحت خلافته شرعية.

وبعد الفراغ من دفن «أبى بكر الصديق» صعد «عمر بن الخطاب» منبر رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، ووقف على درجة أدنى من الدرجة التى كان يقف عليها «أبو بكر الصديق»، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبى – صلى الله عليه وسلم -، وذكر «أبا بكر» – رضى الله عنه – بكل خير، وقال: «أيها الناس ما أنا إلا رجل منكم، ولولا أنى كرهت أن أرد أمر خليفة رسول الله ما تقلدت أمركم»، فأثنى المسلمون عليه خيرًا، وزاد ثناؤهم حين رأوه يرفع بصره إلى السماء ويقول: «اللهم إنى غليظ فليِّنِّى، اللهم إنى ضعيف فقونى، اللهم إنى بخيل فسخِّنى».

وفى اليوم التالى لتوليه الخلافة خطب خطبة أخرى، أراد أن يوضح فيها طريقته فى الحكم، ويزيل ما قد علق فى نفوسهم من خوفٍ من شدته التى صرحوا بها لأبى بكر حين رشحه للخلافة، فقال: «بلغنى أن الناس هابوا شدتى وخافوا غلظتى، وقالوا: كان عمر يشتد علينا ورسول الله بين أظهرنا، ثم اشتد علينا وأبو بكر والينا دونه، فكيف وقد صارت الأمور إليه؟ ومن قال ذلك فقد صدق .. إننى كنت مع رسول الله فكنت عبده وخادمه، وكان من لا يبلغ أحد صفته من اللين والرحمة، وكان كما قال الله تعالى بالمؤمنين رءوفًا رحيمًا، فكنتبين يديه سيفًا مسلولا، حتى يغمدنى أو يدعنى فأمضى، فلم أزل مع رسول الله حتى توفاه الله، وهو عنى راضٍ، والحمد لله كثيرًا، وأنا به أسعد، ثم ولى أمر المسلمين أبو بكر، فكان من لا تنكرون دعته وكرمه ولينه، فكنت خادمه وعونه، أخلط شدتى بلينه، فأكون سيفًا مسلولا، حتى يغمدنى أو يدعنى فأمضى، فلم أزل معه كذلك حتى قبضه الله عزَّ وجل، وهو عنى راضٍ، فالحمد لله على ذلك كثيرًا، وأنا به أسعد، ثم إنى وليت أموركم أيها الناس، فاعلموا أن تلك الشدة قد أضعفت – أى زادت – فارتعد بعضهم من الخوف لكنه طمأنهم فقال: ولكنها إنما تكون على أهل الظلم والتعدى على المسلمين، فأما أهل السلامة والقصد – أى الاعتدال – فأنا ألين لهم من بعضهم على بعض، ولست أدع أحدًا يظلم أحدًا أو يتعدى عليه حتى أضع خده على الأرض، وأضع قدمى على الخد الآخر، حتى يذعن بالحق، وإنى بعد شدتى تلك أضع خدى على الأرض لأهل العفاف وأهل الكفاف، ولكم على أيها الناس خصال أذكرها لكم، فخذونى بها، لكم على ألا أجبى شيئًا من خراجكم، ولا ما أفاء الله عليكم إلا من وجهه، ولكم على إذا وقع فى يدى ألا يخرج منى إلا فى حقه، ولكم على أن أزيد عطاياكم وأرزاقكم إن شاء الله – تعالى – وأسد ثغوركم، ولكم على ألا ألقيكم فى المهالك، وإذا غبتم فى البعوث فأنا أبو العيال – أى يرعاهم – فاتقوا الله عباد الله وأعينونى على أنفسكم بكفها عنى، وأعينونى على نفسى بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وإحضارى النصيحة فيما ولانى الله من أمركم، أقول قولى هذا وأستغفر الله لى ولكم».

الفتوحات فى عهد عمر بن الخطاب:

مواصلة فتح العراق:

بعد أن رحل «خالد بن الوليد» من «العراق» إلى الشام؛ ليتولى قيادة الجيوش فى «اليرموك»؛ تنمَّر الفرس بالمثنى بن حارثة خليفة «خالد» على قيادة الجيش فى «العراق» وبدءوا فى الضغط عليه، فطلب مددًا من «أبى بكر»، الذى كان مشغولا بحرب الروم.

فلما تأخر رد «الصديق أبى بكر» على «المثنى» جاء بنفسه ليعرف سبب ذلك، فوجد الخليفة على فراش المرض، فلم يستطع أن يكلمه، ولما علم بذلك الخليفة أدرك أن «المثنى» لم يأت إلا لضرورة، فكان أخر كلامه لعمر بن الخطاب أن أوصاه بتجهيز جيش، يرسله مع «المثنى» إلى «العراق»، لصد عدوان الفرس، فعمل «عمر» بوصية «أبى بكر»، وأرسل جيشًا على الفور إلى «العراق» بقيادة «أبى عبيد بن مسعود الثقفى».

موقعة الجسر:

وفى شهر شعبان من سنة 13هـ خاض «أبو عبيد بن مسعود» معركة ضد الفرس سميت بموقعة الجسر، لأن المسلمين أقاموا جسرًا على «نهر الفرات» لعبور قواتهم البالغة تسعة آلاف جندى، وكان عبورهم النهر خطأ عسكريًا جسيمًا وقع فيه «أبو عبيد»، ولم يستمع إلى نصيحة قادة جيشه ومنهم «المثنى بن حارثة»، الذين نبهوه إلى خطورة ذلك، وأن موقف المسلمين غربى النهر أفضل وضع لهم، وليتركوا قوات الفرس تعبر إليهم، فإذا انتصروا كان عبور النهر إلى الشرق أمرًا سهلا، وإذا انهزموا كانت الصحراء وراءهم يتراجعون فيها، ليعيدوا ترتيب أوضاعهم، لكن «أبا عبيد» لم يستجب لهم، فحلت الهزيمة بالمسلمين على يد القائد الفارسى «بهمن جاذويه»، وقُتل «أبو عبيد» نفسه، واستشهد أربعة آلاف مسلم.

موقعة البويب:

بذل «المثنى بن حارثة» جهدًا كبيرًا فى تأمين عبور من بقى من قوات المسلمين إلى الناحية الأخرى، وأدرك أنه لابد من خوض معركة أخرى مع الفرس، حتى لا تؤثر الهزيمة فى معنويات المسلمين، وبخاصة أنها كانت أول مرة يهزمون فيها فى هذه الجبهة منذ أن بدأت الفتوحات.

استدرج «المثنى بن حارثة» قوات الفرس للعبور إلى غرب النهر، فعبروا إليه مدفوعين بنشوة النصر السابق، وظنوا أن تحقيق نصر آخر سيكون أمرًا سهلا، لكن «المثنى» فاجأهم بعد أن استثار حمية العرب القاطنين فى المنطقة، وأوقع بالفرس هزيمة كبيرة، على حافة نهر يُسمى «البويب» الذى سميت المعركة باسمه.

وعلى الرغم من هذا النصر الذى أعاد به «المثنى» الثقة إلى قواته، فإنه أدرك بعد طول تجربة أنه لن يستطيع بمن معه من قوات أن يواجه الفرس الذين ألقوا بثقلهم كله فى الميدان، فتراجع إلى الخلف، ليكون بمأمن من هجمات الفرس، وأرسل «إلى» «عمر» يخبره بحقيقة الموقف.

معركة القادسية:

لما وصلت إلى «عمر بن الخطاب» تقارير «المثنى» عن الوضع فى جبهة «العراق» عزم على الخروج بنفسه على رأس جيش كبير، لينسى الفرس وساوس الشيطان كما أنسى «خالد بن الوليد» الروم تلك الوساوس، لكن الصحابة لم يوافقوه على رأيه، ورأوا أن الأفضل أن يبقى هو فى «المدينة» يدير أمور الدولة، ويشرف على تجهيز الجيوش، ويختار واحدًا لقيادة الحرب ضد الفرس، فقبل نصيحتهم، وقال لهم: أشيروا على، فأشاروا عليه بسعد بن أبى وقاص، وقالوا عنه: هو الأسد فى عرينه، فاستدعى «سعدًا» وأمَّره على الجيش، فاتجه به «سعد» إلى «العراق» حيث عسكر فى القادسية.

وقبل نشوب المعركة أرسل «سعد» وفدًا إلى بلاط فارس، ليعرض الإسلام على «يزدجرد الثالث» أخر ملوكهم، فإذا قبله فسيتركونه ملكًا على بلاده، كما ترك رسول الله – صلى الله عليه وسلم – «باذان» ملكًا على «اليمن»، وإذا رفض الدخول فى الإسلام، فلن يكرهه عليه أحد، ولكن لابد من دفع الجزية دليلا على عدم المقاومة، فإذا امتنع عن دفعها، حاربوه، لأن رفضه دفع الجزية يعنى عزمه على حرب المسلمين، ومنعهم بالقوة من تبليغ دعوة الإسلام إلى الناس.

سمع «يزدجرد» هذا الكلام، فأخذه العجب، وعلته الدهشة؛ لأنه لم يتعود سماع مثل هذا الكلام من هؤلاء الناس، فخاطب رئيس الوفد قائلا: «إنى لا أعلم أمة كانت أشقى، ولا أقل عددًا، ولا أسوأ ذات بين منكم، قد كنا نوكل بكم قرى الضواحى -الحدود- فيكفونناكم، لا تغزون فارس، ولا تطمعون أن تقوموا لهم .. وإن كان الجهد – الجوع – دعاكم فرضنا لكم قوتًا إلى خصبكم، وأكرمنا وجوهكم وكسوناكم،وملكنا عليكم ملكًا يرفُق بكم».

فقام زعيم الوفد ورد على الملك الذى كان لا يزال يتحدث بروح السيادة، ومنطق الاستعلاء، قائلا: «إن ماقلته عنا صحيح قبل بعث النبى – صلى الله عليه وسلم -، الذى قذف الله فى قلوبنا التصديق له واتباعه، فصار فيما بيننا وبين رب العالمين، فما قال لنا فهو قول الله، وما أمرنا فهو أمر الله .. وقال: من تابعكم على هذا فله مالكم وعليه ما عليكم، ومن أبى فاعرضوا عليه الجزية، ثم امنعوه مما تمنعون منه أنفسكم، ومن أبى فقاتلوه».

رفض الملك هذا العرض فى كبرياء وصلف، ثقة منه بقدرة جيوشه بقيادة «رستم» على سحق هؤلاء العرب، وعاد الوفد إلى «سعد بن أبى وقاص» وقصوا عليه ما حدث، فاستعد هو للمعركة الحاسمة. وفى «القادسية» دارت رحى الحرب بين الفريقين، واستمرت ثلاثة أيام ونصف اليوم الرابع، وأسفرت عن نصر حاسم للمسلمين، وهزيمة منكرة للفرس، وقتل قائدهم «رستم»، وتشتيت من نجا منهم من القتل.

وتُعد معركة «القادسية» من المعارك الفاصلة فى التاريخ؛ لأنها حسمت أمر «العراق» العربى نهائيا، وأخرجته من السيطرة الفارسية التى دامت قرونًا، وأعادته إلى أهله العرب المسلمين. فتح المدائن:

انفتح الطريق أمام المسلمين بعد انتصارهم فى «القادسية» إلى «المدائن» عاصمة الفرس، فعبر «سعد» نهر «دجلة» من أضيق مكان فيه بنصيحة «سلمان الفارسى»، ودخل «المدائن»؛ ليجد الملك الفارسى قد فرَّ منها، وكان قبل أيام قليلة يهدد المسلمين ويتوعدهم من قصره الأبيض، مقر ملك الأكاسرة، الذى كان آية من آيات الفخامة والبهاء.

وفى ذلك القصر صلى «سعد ابن أبى وقاص» صلاة الشكر لله على هذا الفتح العظيم وتلا فى خشوع قول الله تعالى: {كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك وأورثناها قومًا آخرين فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين}. [الدخان: 25 – 29].

أرسل «سعد» إلى «عمر بن الخطاب» رسولا يبشره بالنصر وبماحازوه من غنائم، ويطلب منه السماح لهم بمواصلة الفتح فى بلاد فارس، لكن «عمر» رفض ذلك، وقال له: «وددت لو أن بيننا وبينهم سدًا من نار، لا يصلون إلينا ولا نصل إليهم، حسبنا من الأرض السواد – أى أرض العراق- إنى آثرت سلامة المسلمين على الأنفال».

معركة نهاوند:

اعتقد «عمر بن الخطاب» أن الفرس سيجنحون إلى السلام بعد هزيمتهم فى «القادسية»، واسترداد المسلمين «العراق» وهى أرض عربية، لكن الحوادث كثيرًا ماتكون أقوى من الرجال، وتدفعهم دفعًا إلى تعديل سياساتهم، فقد وردت الأنباء إلى «عمر» أن الفرس التفوا حول ملكهم الذى هرب من «المدائن»، واحتشدوا فى جموع هائلة فى «نهاوند» تصل إلى نحو مائتى ألف جندى بقيادة «الفيرزان».

وكانت سياسة «عمر بن الخطاب» أن يقف بالفتوحات الإسلامية عند حدود «العراق» و «الشام»، ولايتعداها، حيث قبائل العرب التى نزحت من شبه الجزيرة العربية وأقامت هناك، أما ما وراء ذلك من أرض الفرس والروم فلم يكن للمسلمين مطمع فى غزوه وفتحه، ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه، فقد حملت حوادث الفتوحات وتطوراتها «عمر بن الخطاب» على تعديل سياسته تجاه الفرس والروم.

ولما وصلت أخبار استعداد الفرس جمع «عمر» كبار الصحابة واستشارهم فى كيفية مواجهة هذا الموقف، فأشاروا عليه بتجهيز جيش لردع الفرس قبل أن ينقضوا على المسلمين فى بلادهم، فعمل بمشورتهم، وجهز جيشًا قوامه نحو أربعين ألف مجاهد تحت قيادة «النعمان بن مقرن».

ودارت معركة «نهاوند»، وانتهت بنصر عظيم للمسلمين، وهزيمة ساحقة للفرس، وقد سمى المؤرخون المسلمون هذ النصر «فتح الفتوح»، لأن الفرس قد تفرقت كلمتهم، وانفرط عقد دولتهم بهذا النصر.

الانسياح فى بلاد فارس:

كانت معركة «نهاوند» من المعارك الفاصلة فى التاريخ، فقد أزالت نهائيًا الإمبراطورية الفارسية بعد معركتى «القادسية» و «نهاوند»، ولم تقم لها قائمة بعد ذلك.

وبعد «نهاوند» عقد «عمر بن الخطاب» العزم على القضاء تمامًا على التهديد الفارسى للدولة الإسلامية ودعوتها، فأعد تسعة جيوش فى وقت واحد، لفتح جميع المقاطعات الفارسية، من «خراسان» فى أقصى الشمال الشرقى إلى إقليم «فارس» فى الجنوب الغربى، ومن «أذربيجان» فى الشمال الغربى إلى «مكران» فى الجنوب الشرقى، وفى خلال سنة (22هـ) كانت تلك المقاطعات كلها تحت السيادة الإسلامية، ولم يجبر المسلمون أحدًا من سكانها على الدخول فى الإسلام، وإنما قبلوا منهم الجزية، وأعطوهم معاهدات، ضمنوا لهم بمقتضاها حرية العبادة، وحفظوا لهم أنفسهم وأموالهم.

وبدأ تاريخ جديد لبلاد فارس، ذاقت فيه طعم الحرية والعدل؛ وعرفت معنى المساواة، وتحررت من استبداد الأكاسرة وظلمهم.

استكمال فتح الشام:

بعد تولى «عمر بن الخطاب» الخلافة عزل «خالد بن الوليد» من قيادة جيوش الشام، وأعاد «أبا عبيدة بن الجراح» إليها، وجعل «خالداً» تحت قيادته، وقد قبل القائد البطل هذا التعديل دون تذمر، لأنه كان جنديًا يعمل للإسلام لا لمجده الشخصى، وإذا كان قد احتل المكان الأعلى بين قادة الفتوحات ببطولاته وانتصاراته، فإنه اعتلى ذروة أعلى بقبوله العزل، وضرب أروع الأمثلة فى الانضباط والطاعة، وتلك أهم صفات القادة العظام.

وكانت تعليمات «عمر» لأبى عبيدة بعد «اليرموك»، أن تعود الأمور إلى ما كانت عليه من قبل فى مطلع فتح الشام، حين رتب ذلك «أبو بكر الصديق»، فيسير «أبو عبيدة» ومعه «خالد بن الوليد» إلى «حمص»، و «يزيد بن أبى سفيان» إلى «دمشق»، و «شرحبيل بن حسنة» إلى «الأردن»، و «عمرو بن العاص» إلى «فلسطين»، وكل قائد يكون أميرًا على منطقته التى يفتحها، على أن يكون ذلك بعد أن يشتركوا جميعًا فى فتح «دمشق».

وبعد أن نجح القادة جميعهم فى فتح «دمشق» وأعطوا أهلها معاهدة صلح بقى «يزيد بن أبى سفيان» أميرًا عليها، فى حين اتجهالقادة الباقون إلى مناطقهم، وفى خلال عامين فقط تم فتح الشام كله.

وفى سنة (15 هـ) جاء «عمر ابن الخطاب» إلى «فلسطين»؛ ليتسلم مفاتيح «بيت المقدس» من البطريرك «صفرونيوس»، وأعطى معاهدة لأهلها هى آية فى التسامح والعدل، أمنهم على عقائدهم وأموالهم وأنفسهم، وأخذت منهم نظير ذلك الجزية لرفضهم الدخول فى الإسلام.

وقد رفض «عمر بن الخطاب» أن يصلى فى «كنيسة القيامة»، معللا ذلك بخوفه أن يأتى من المسلمين من يقول: لقد صلى «عمر» فى الكنيسة فهى من حقنا، وهذا ظلم للمعاهدين لا يقره عمر.

فتح مصر:

بعد فتح «بيت المقدس» اتجه «عمر» إلى الشمال، وعقد فى «الجابية» جنوبى «دمشق» مؤتمرًا حضره جميع القادة المسلمين، ناقش فيه ماتم إنجازه والترتيبات اللازمة لإدارة البلاد المفتوحة إدارة حسنة، والعمل على إشاعة العدل والحرية بين الناس بعد الظلم والاستبداد والاستعباد الذى ذاقوه من الروم.

وفى هذا المؤتمر عرض «عمرو بن العاص» والى «فلسطين» على «عمر بن الخطاب» ضرورة فتح «مصر»، لأن فلول قوات الروم فى «الشام» لجأت إلى «مصر» التى كانت فى ذلك الوقت تحت حكم الروم، كما لجأ «الأطربون» قائد قواتهم فى فلسطين إلى «مصر»؛ ليستعد من جديد للانقضاض على المسلمين فى الشام، ولذا فإن بقاء «مصر» فى أيدى الروم سيكون خطرًا على فتوحات المسلمين فى الشام، بل قد يصل الخطر إلى شبه الجزيرة العربية نفسها.

ولما اقتنع «عمر بن الخطاب» بما أبداه «عمرو بن العاص» أذن له بالسير إلى «مصر» لفتحها، فخرج فى أربعة آلاف جندى، ودخل «العريش» دون قتال، ثم توجه إلى «الفرما» (مدينة قديمة شرقى «بور سعيد») ففتحها بعد معارك يسيرة مع حاميتها الرومية، ثم توجه إلى «بلبيس» فى محافظة «الشرقية» الحالية، فهزم جيشًا روميا كان يقوده «الأطربون»، ثم هزم الروم مرة أخرى فى «عين شمس».

ولما تجمعت قوات الروم كلها فى «حصن بابليون» بالقرب من «مصرالقديمة» الحالية؛ طلب «عمرو» مددًا من الخليفة «عمر»، فأمده بثمانية آلاف جندى، مكنته من فتح الحصن والاستيلاء عليه، ثم اتجه إلى «الإسكندرية» ففتحها، وأرسل فرقة من قواته لفتح «الفيوم».

وفى نحو «عامين» (19 – 21هـ) فتُحت «مصر» بأكملها، وكان فتحًا سهلا ويسيرًا، لأن القبط لم يشتركوا فى معارك ضد المسلمين، بل ساعدوهم وقدموا لهم يد العون، فدلوهم على أيسر الطرق، وأمدوهم بالطعام، تخلُصًا من حكم الروم الذين اضطهدوهم دينيا، مع أنهم مسيحيون مثلهم، وأرهقوهم بالضرائب، واستغلوهم أبشع استغلال.

ولما تعامل أهل «مصر» مع الفاتحين المسلمين أدركوا أن ما سمعوه كان حقيقة، فقد منحوهم الحرية الدينية الكاملة، وأعادوا بطريركهم «بنيامين» إلى كنيسته بالإسكندرية، وكان الروم قد نفوه إلى «وادى النطرون»، وقد حفظ الرجل هذا العمل الجليل لعمرو بن العاص، فعاونه كثيرًا فى إدارة «مصر» إدارة حسنة.

وقد أتاح الفتح الإسلامى لمصر جوا من الحرية والتسامح لم تشهده البلاد منذ زمن بعيد، بنص المعاهدة التى أعطاها «عمرو بن العاص» لأهل «مصر»: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى عمرو بن العاص أهل مصر من الأمان على أنفسهم وملتهم وأموالهم وكنائسهم وصلبهم وبرهم وبحرهم، لا يدخل عليهم شىء من ذلك ولا ينتقص، ولا يساكنهم النوب – أهل النوبة – وعلى أهل مصر أن يعطوا الجزية .. ومن دخل فى صلحهم من الروم والنوب، فله مثل ما لهم، وعليه مثل ما عليهم، ومن أبى واختار الذهاب فهو آمن حتى يبلغ مأمنه، على ما فى هذا الكتاب عهد الله، وذمة رسوله، وذمة الخليفة أمير المؤمنين، وذمة المؤمنين».

وقد عمل المسلمون بوصية رسول الله – صلى الله عليه وسلم – التى أوصاهم فيها بأهل «مصر» خيرًا عندما يفتحونها؛ لأن لهم ذمة ورحمًا، كما نصحهم أن يتخذوا منها جندًا كثيفًا، فأجنادها من خير أجناد الأرض، لأنهم وأزواجهم فى رباط إلى يوم القيامة.

عوامل نجاح الفتوحات الإسلامية فى عهد عمر:

فى خلال السنوات العشر التى تولى «عمر» فيها الخلافة (13 – 23هـ) امتدت حدود الدولة الإسلامية من ولاية «برقة» – فى «ليبيا» حاليًا – غربًا إلى نهر «جيحون» شرقًا، ومن بحر «قزوين» فى الشمال إلى «المحيط الهندى» فى الجنوب.

وقد حار المؤرخون فى تفسير نجاح هذه الفتوحات، وتعليل أسبابها، فقد أذهلهم أن العرب الذين كانوا قبل دخولهم الإسلام قليلى الشأن، لا حول لهم ولا قوة، ولا يأبه بهم أحد ولا يحسب لهم حساب، هم فى سنوات قليلة ينجحون فى إزالة الإمبراطورية الفارسية كلها، وهى التى وقفت ندًا للإغريق والرومان نحو ألف سنة، وفى فتح الشام، و «مصر» وهما أعظم ولايات الدولة البيزنطية وأكثرها غنى فى الشرق بعد إنزال هزائم قاسية بجيوشها فى «اليرموك» وغيرها.

وسبب حيرة هؤلاء المؤرخين أنهم يربطون عادة بين الانتصارات والهزائم فى الحروب، وبين أعداد الجيوش المتحاربة وما معها من عدة وأسلحة، ولما كان المسلمون أقل عددًا وعتادًا على نحو لا يقارن بما كان عند الفرس والروم، راحوا يبحثون عن أسباب أخرى غير قضية العدد والأسلحة، وذهبوا فى ذلك مذاهب شتى.

ذهب بعضهم إلى القول بأن المسلمين واجهوا دولتى الفرس والروم، وهما فى حالة ضعف وانهيار بعد الحروب الطويلة التى دامت بينهما، وانتصروا عليهما بسهولة وفى وقت قصير. غير أن هذا التفسير بعيد عن الواقع ومخالف للحقيقة، فالمعارك التى دارت فى «القادسية» و «نهاوند» و «اليرموك» لا تؤيد هذا التعليل؛ لأنها كانت معارك كبيرة، ولم تكن جيوش الفرس والروم فيها ضعيفة، وهى لم تهزم أمام المسلمين لضعف قوتها المادية من الرجال والأسلحة، ولكن لأن معنويات أفرادها كانت منحطة إلى أبعد الحدود، فى حين كانت معنويات المسلمين عالية، ويعرفون الهدف الذى يحاربون من أجله، وكان الموت أحب إليهم من الحياة.

وهذا هو السبب الرئيسى فى انتصاراتهم الذى نسيه الكتاب الغربيونأو تناسوه، فمنبع هذه القوة وسبب هذا الانقلاب العظيم الذى لا يوجد له مثيل فى التاريخ أن العرب أصبحوا بفضل رسالة الإسلام أصحاب دين ورسالة، فبعثوا بعثًا جديدًا، وخُلقوا من جديد، وعلموا أن الله قد ابتعثهم ليخرجوا الناس من الظلمات إلى النور، ومن عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، .. وعرفوا أن الله قد ضمن لهم النصر ووعدهم الفتح، فوثقوا بنصر الله ووعد رسوله، واستهانوا بالقلة والكثرة، واستخفوا بالمخاوف والأخطار.

وفى ذلك قال المؤرخون: «لما أقبل خالد بن الوليد من العراق، ليتولى قيادة الجيوش فى الشام لحرب الروم، قال رجل من نصارى العرب أمامه: ما أكثر الروم وأقل المسلمين، فنهره خالد، وقال له:

ويحك بل قل: ما أكثر المسلمين وأقل الروم إن الجيوش تكثر بالنصر وتقل بالهزيمة لا بعدد الرجال».

وهذه الحقيقة عرفها أعداؤهم حتى إن هرقل لما انتهى إليه خبر زحف المسلمين وانتصاراتهم، قال وكان عندئذٍ موجودًا فى حمص:

«ويحكم إن هؤلاء أهل دين جديد، وإنهم لا قبل لأحد بهم، فأطيعونى وصالحوهم على نصف خراج الشام، ويبقى لكم جبال الروم، وإن أنتم أبيتم ذلك أخذوا منكم الشام، وضيقوا عليكم جبال الروم».

نتائج الفتوحات الإسلامية وآثارها على العالم:

لقد ترتب على الفتوحات الإسلامية نتائج وآثار بعيدة المدى فى تاريخ العالم، وإذا ما قورنت بغيرها – مثل فتوحات «الإسكندر» قبلها، وفتوحات المغول بعدها – فإن تلك المقارنة تظهر عظمة المسلمين، وأن فتوحاتهم كانت أكثر الفتوحات فى العالم خيرًا وبركة، ففتوحات «الإسكندر» وامبراطوريته التى شادها فى الشرق انهارت وتمزقت أوصالها بعد وفاته مباشرة، وأصبحت ذكرى من ذكريات التاريخ، أما غزوات المغول التى لم يعرف لها تاريخ العالم مثيلا من قبل فى همجيتها ووحشيتها، فقد دمرت معظم العالم الإسلامى فى الشرق بما كان فيه من حضارة مزدهرة، ولم يوقفزحفها المدمر سوى الجيش المصرى فى معركة «عين جالوت» سنة (658هـ).

وهذه الغزوات المغولية البربرية كان يمكن أن ينساها التاريخ أو يذكرها باعتبارها عملا بربريا ألم بالإنسانية فى مسيرتها الطويلة، لولا أن الله – تعالى – أدرك برحمته الواسعة هذه الجموع الوحشية وهداها إلى دينه، فأسلم أغلب المغول، وأظلهم الإسلام بحضارته، وحولهم من قوة مدمرة إلى طاقة خيرة، ومن أعداء مهاجمين إلى أتباع مدافعين، بل مشاركين فى صنع الحضارة الإسلامية.

والخلاصة أن كل أرض وصلت إليها الفتوحات الإسلامية انتشر فيها الإسلام بحرية تامة، ودون إكراه، وانتشرت اللغة العربية والثقافة الإسلامية، ولم يتراجع الإسلام عن أية منطقة من العالم وصل إليها سوى «الأندلس» وكان تراجعه لأسباب تعود إلى المسلمين لا إلى الإسلام وعندما تراجع فى «الأندلس» امتد فى مناطق أخرى فى «جنوب شرق آسيا» وفى «أوربا» و «إفريقيا» بدون حرب أو معارك، بل عن طريق الدعاة والتجار المسلمين، مما يدحض كلام من يقول إن الإسلام انتشر بحد السيف. كما يردد أعداء الإسلام فى كتاباتهم.

عمر وإدارة الدولة:

تجلت عبقرية «عمر بن الخطاب» أعظم ما تجلت فى ميادين الإدارة، فقد ضبط نظم الدولة الإسلامية، وكانت مترامية الأطراف، وأحكم إدارتها بمقدرة فائقة تثير الدهشة والإعجاب، فى وقت كانت فيه وسائل الاتصال بطيئة تمامًا.

ويصعب على أى باحث أن يحيط بالجوانب الإدارية عند «عمر بن الخطاب»، ولذا سنتعرض لبعض منها:

أولا: عمر واختيار الولاة:

استعان «عمر بن الخطاب» برجال يديرون شئون الولايات البعيدة عنه، أما القريبة منه فكان يديرها بنفسه، وكان يقول: «ما يحضرنى من أموركم لا ينظر فيه أحد غيرى، أما ما بعد عنى فسوف أجتهد فى توليته أهل الدين والصلاح والتقوى، ثم لا أكتفى بذلك، بل لابد من متابعتهم؛ لأعرف هل يقومون بالعدل بين الناس أم لا؟».

وكان لعمر بن الخطاب طريقة فى اختيار ولاته، فلم يكن يستعملأحدًا من أهل بيته، وقلما استعمل كبار الصحابة على الأمصار، بل استبقاهم معه فى «المدينة» ليعينوه فى شئون الدولة، ويقدموا له المشورة، ومن أهم شروط «عمر» فى الوالى:

– القوة والأمانة: والمقصود بالقوة قوة الدين، وقوة الإرادة والحزم فى الأمور، ومن أقواله المأثورة: «إنى لأتحرج أن أستعمل الرجل وأنا أجد أقوى منه»، ولذا فقد عزل «شرحبيل بن حسنة» عن «الأردن»، و «عمير بن سعد» عن «حمص»، وضم ولايتهما إلى «معاوية بن أبى سفيان»، وكان المعزولان أسبق إسلامًا من «معاوية» وأفضل، فلما كلمه الناس فى ذلك قال إنه لم يعزلهما عن سخط أو خيانة، ولكنه كان يريد رجلا أقوى من الرجل.

– الهيبة مع التواضع: أدرك «عمر بن الخطاب» حاجة ولى الأمر إلى الهيبة واحترام الناس، حتى يستطيع أن يقودهم، ولكن لا ينبغى لها أن تتجاوز الحد لتصبح تسلطًا وتعاليًا، وكان يقول: «أريد رجلا – أى واليًا – إذا كان فى القوم وليس أميرهم، كان كأنه أميرهم، وإذا كان أميرهم كان كأنه واحد منهم».

– الرحمة بالناس: كان «عمر» يختار للولاية من اشتهر بالرحمة ولين الجانب وحب الخير للناس، وحين كان يولى أحدًا يكتب له كتاب تولية، ويشهد عليه بعض الصحابة، ويشترط عليه ألا يظلم أحدًا فى جسده ولا فى ماله، ومن وصاياه لعماله: «ألا وإنى لم أبعثكم أمراء ولا جبارين، ولكن بعثتكم أئمة الهدى، يهتدى بكم فادرءوا على المسلمين حقوقهم، ولا تضربوهم فتذلوهم، ولاتغلقوا الأبواب دونهم، فيأكل قويهم ضعيفهم، ولا تستأثروا عليهم فتظلموهم، ولا تجهلوا عليهم».

ثانيًا: قواعد العمل بالنسبة إلى العمال والولاة:

لم يكن «عمر» يقنع بحسن اختيار الولاة وفق شروطه، وإنما كان يحدد لهم أسلوب العمل، والقواعد التى يسيرون عليها، إما فى صورة خاصة محددة كما كان يحدث فى عهد الولاية، وإما فى توجيهات عامة كما فى المؤتمرات التى كان يعقدها للعمال والولاة، وبخاصة فى موسم الحج.

ثالثًا: المتابعة:

فطن «عمر بن الخطاب» إلى فاعلية المتابعة، وأثرها فى حسن سير الإدارة، ولذا لم يكتفِ بالتدقيق فى اختيار الولاة، وإنما وضع عليهم العيون والأرصاد، يحصون عليهم حركاتهم وسكناتهم، ويسجلون أعمالهم وينقلونها إلى الخليفة فور وقوعها، لأنه أدرك أن الخطأ قد يقع بدون قصد، وأن الانحراف لا يبدأ كبيرًا، وأن كل شىء يمكن وقفه فى أوله قبل استفحاله، عملا بالحكمة الخالدة: «الوقاية خير من العلاج».

رابعًا: سياسة الباب المفتوح:

أدرك «عمر بن الخطاب» أن آفة الإدارة فى كل عصر هى احتجاب كبار المسئولين عن أصحاب الحاجات فتضيع مصالح الناس أو تتعطل، ولذا لم يكن يتهاون مع أى أمير أو والٍ يسمع أنه يحتجب عن الناس مهما يكن شأنه، وحين بلغه أن «سعد بن أبى وقاص» قد بنى بيتًا فى «الكوفة» من طابقين، وسماه الناس قصر «سعد»، لأن بقية البيوت كانت من طابق واحد، وأنه اتخذ لمكانه الذى يباشر منه أعمال الولاية بابًا، أرسل إليه «محمد بن مسلمة الأنصارى»، وكان مبعوث «عمر» فى المهمات الكبيرة، وأمره أن يحرق ذلك الباب الذى يحول بين الأمير وبين الناس، وأن يقدم بسعد معه، فلما قدم عليه وبخه ولم يقبل اعتذاره بأن داره قريبة من السوق وأنه كان يتضايق من ارتفاع أصوات الناس وجلبتهم، ثم رده إلى عمله بعد أن أكد عليه ألا يعود إلى مثل هذا أبدًا.

خامسًا: المؤتمرات العامة:

ابتكر «عمر» عقد المؤتمرات العامة لمناقشة أمور الدولة، حتى يتيح لأكبر عدد من المسلمين المشاركة فى صنع السياسة والقرار بالحوار والمشاورة، فاهتدى إلى استثمار مناسبة الحج، وتجمع الناس فى البلد الحرام، وقرر أن يحج كل عام، عدا السنة الأولى من خلافته، وأن يحج معه كل ولاة الأمصار، وهناك يدور النقاش والحساب مع الولاة عما صنعوا فى عامهم الذى مضى، وما ينوون عمله فى العام القادم، وفوق ذلك تكون تقارير عيونه بين يديه قبل مجىء الولاة، بحيث تكون أمورهم كلها واضحة، ولا يستطيع أحد منهم أن ينكرشيئًا، ولما كانوا يعرفون ذلك فإنهم حرصوا على أن تكون سجلات أعمالهم نظيفة، فالخليفة لا يتهاون فى حساب المقصر أو من تثبت عليه مخالفة لشرع الله.

سادسًا: محاسبة الولاة والأمراء:

دأب «عمر بن الخطاب» على محاسبة كل والٍ مقصر، أو من يشتبه أنه قصر فى عمله، لا يمنعه من ذلك كون الوالى كبير القدر أوصاحب سابقة فى الإسلام، وقلما نجا والٍ من ولاته من المحاسبة، وإذا كان الجرم صغيرًا يمكن إصلاحه؛ اكتفى بالتوبيخ، ورد الوالى إلى عمله كما فعل مع «سعد بن أبى وقاص»، أما إذا كان الجرم كبيرًا من وجهة نظره؛ فإنه يأمر بعزل الأمير على الفور، ومن أشهر إجراءاته فى هذا المجال: عزله «خالد بن الوليد» حين علم بأنه أعطى «الأشعث بن قيس» عشرة آلاف درهم، فساورته شكوك فى أن من يعطى عشرة آلاف مرة واحدة لرجل واحد، كم يكون لديه؟ فأمر «أبا عبيدة بن الجراح» أمير الأمراء فى الشام بمحاكمة «خالد» ومقاسمته ماله، فامتثل «خالد» لهذا العزل كما امتثل من قبل للعزل الأول عن القيادة العامة.

ولم يكن «عمر» يقصد بهذا التصرف الإساءة إلى «خالد» قط، وإنما كان يريد أن يعلم الجميع أن الإسلام فوقهم، وليس هناك استثناء لمخالف، ولو كان قائدًا عظيمًا فى مكانة «خالد».

سابعًا: القدوة الحسنة:

أدرك «عمر» أثر القدوة فى سياسة الناس، وأن عليه أن يعلم الناس بأعماله قبل أن يعلمهم بأقواله.

وكثيرًا ما كان يردد للناس قوله: «سأسوكم بالأعمال وليس بالأقوال»، وأن الرعية مؤدية إلى الإمام ما أدى الإمام إلى الله، فإن رتع الإمام رتعوا.

وكان «عمر» قدوة فى حياته الخاصة، يعيش كما يعيش عامة الناس دون تميز، وحين فرضوا له عطاءً (راتبًا) من بيت مال المسلمين، ليعول منه أسرته قدروا له راتبًا يمكنه من معيشة رجل من أوسط الناس، لا أغناهم ولا أفقرهم.

وفوق ذلك هو يشارك المسلمين ويواسيهم إذا أصابهم ضر، كما حدث فى عام «الرمادة» المشهور سنة (18هـ) الذى أصاب الناس فيهمجاعة شديدة فى شبه الجزيرة العربية لقلة الأمطار، فكان يجلب إليهم الأقوات من الأمصار، ويأكل مما يأكله الناس، حتى ساءت صحته، فنصحه بعض أصحابه بأن يحسِّن من طعامه، ليقوى على العمل وإنجاز مصالح المسلمين، لكنه أجاب بقوله: «كيف يعنينى شأن الرعية إذا لم يصبنى ما أصابهم؟».

ولا شك أن ما عبر عنه الخليفة «عمر» هو مفتاح الحكم الصالح فى كل عصر وزمان فيوم يحس الحاكم بإحساس شعبه فسوف يستقيم الحكم، وينصلح حال الرعية، ويوم ينفصل الحاكم عن شعبه، وتكون له حياته الخاصة، فحينئذٍ ينفتح باب الفساد.

وقد حرص «عمر» على أن يجعل من أبنائه وأهله قدوة كذلك، فأخذهم بما أخذ به نفسه، لأنه الناس ينظرون إليهم، وكان يقول لهم إذا عزم على أمر يهم المسلمين: «لقد عزمت على كذا وكذا، أو نهيت الناس عن كذا وكذا، وأقسم بالله لو خالفنى أحد منكم لأضاعفن له العقوبة».

بهذه الإجراءات حصن «عمر» نفسه وأولاده وكل من يلوذون به ضد أية انحرافات أو إغراءات، فأطاعه المسلمون وأحبوه سواء أكانوا أمراء أم من عامة الناس، ولم يعرف التاريخ رجلا بعد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – و «أبى بكر الصديق» أطاعه كبار الأمراء وصغارهم كما أطاعوا «عمر بن الخطاب»، لا لهيبته فى عيونهم فحسب، بل للقدوة الحسنة فى حياته وانضباطه الشديد، ولهذا كله احتل مكانة عالية فى التاريخ الإنسانى.

عدل عمر بن الخطاب:

لم ترتبط صفة من صفات «عمر» الكثيرة باسمه كما ارتبطت به صفة العدل، فإذا ذُكر «عمر» ذكر الناس عدله، الذى كان لا يفرِّق بين قريب وبعيد، أو كبير وصغير، أو صديق وعدو، والأخبار المتواترة فى ذلك أكثر من أن تحصى، ولعل قصته مع «أبى مريم السلولى» قاتل أخيه «زيد» فى معركة «اليمامة» أصدق مثال على تجرده فى عدله، وعدم خلطه بين عواطفه ومسئولياته باعتباره حاكمًا يُجرى العدل بين الناس.

فحين قابل «عمر» – وهو خليفة – قاتل أخيه بعد أن أسلم، قال له: أأنت قاتل «زيد بن الخطاب»؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: والله لا أحبك أبدًا، فقال «أبو مريم»: أو تمنعنى بذلك حقا لى، قال: لا.

قال: إذًا يا أمير المؤمنين إنما يأسى على الحب النساء. يريد أنه مادام لا يظلمه الخليفة فلا يعنيه أحبه أم كرهه، لأن النساء هن اللائى يأسفن على الحب.

ولا لوم على «عمر» فى التعبير عن عواطفه التى لا يملكها تجاه قاتل أخيه، فقد ورد أن النبى – صلى الله عليه وسلم – قال لوحشى قاتل عمه «حمزة بن عبدالمطلب» حين رآه بعدما أسلم: «غيِّب وجهك عنى يا وحشى لا أراك». ولكن للقصة دلالة على ضبط النفس والتجرد المطلق لعمر ابن الخطاب، فلم يحمله غضبه من قاتل أخيه على ظلمه. وامتد عدل «عمر» ليشمل كل من يعيش على أرض الإسلام، سواء أكانوا مسلمين أم غير مسلمين، فحين رأى يهوديا يتسول أحزنه ذلك. وأخذ الرجل من يده، وأعطاه معونة عاجلة من بيت الدقيق (8)، وأمر له براتب دائم من بيت مال المسلمين.

إحساسه بالمسئولية:

بلغ من شدة إحساس «عمر» بالمسئولية أنه لم يكتفِ بأن يكون مسئولا عن حياة البشر الذين يعيشون فى دولته، بل مسئولا عن البهائم والدواب أيضًا. وذلك فى مقولته الشهيرة: «والله لو أن بغلة عثرت بشط الفرات لكنت مسئولا عنها أمام الله، لماذا لم أعبد – أسوى – لها الطريق».

وأعمال «عمر» العظيمة من الفتوحات واستكمال بناء الدولة ومؤسساتها لم تشغله عن متابعة أحوال الناس وتفقدها؛ ليقف على أوجه النقص ليتلافاها أولا بأول، فكان كثير الطواف ليلا بالمدينة، وسمع ذات ليلة طفلا يبكى بكاء مستمرا، فسأل عن أمره، فعرف أن أمه منعت عنه الرضاع، لأنه لا يُفرض عطاء من بيت المال إلا للأطفال المفطومين، فانزعج «عمر»، وأصدر أوامره أن يفرض عطاء لكل مولود فى الإسلام، ونادى مناديه: لا تعجلوا فطام أولادكم.

وحوادث «عمر» التى من هذا القبيل كثيرة، وقد يظنها بعض الناسأنها من المبالغات، ولكنها متواترة فى المصادر التى أرَّخت لعمر وعصره، فمن يصدق أن خليفة المسلمين يأخذ امرأته «أم كلثوم بنت على بن أبى طالب» ومعها كل ما تحتاج إليه عملية ولادة، لمساعدة امرأة غريبة جاءها المخاض، فيشترك هو معها فى الإشراف على ولادتها؛ وصنع الطعام لها، ولما أنجز مهمته، قال لزوج المرأة: «إذا كان الغد فأتنا نأمر لك بما يصلحك»، ففعل الرجل فأجازه وأعطاه. عمر والقضاء:

عندما بويع «أبو بكر» بالخلافة شكى لعمر من كثرة أعبائها وخوفه من عدم النهوض بكل مسئولياتها، فقال له «عمر»: «أنا أكفيك القضاء وأبو عبيدة يكفيك الأموال»، ومعنى ذلك أن «عمر» كان قاضيًا لأبى بكر.

وفى عهد «عمر» اتسعت الدولة، واحتاج كل إقليم إلى قاضٍ، فعين «عمر» القضاة وكان يدقق فى اختيارهم، فعين: «شريح بن الحارث الكندى» على قضاء «الكوفة»، و «أبا الدرداء» على قضاء الشام، و «عثمان بن قيس» على قضاء «مصر».

ولم يكن «عمر» فى حاجة إلى سن قوانين للقضاة، لأنهم يحكمون طبقًا لكتاب الله وسنة رسوله، ولكنه كان فى حاجة إلى تعليمهم كيف يتصرفون حين يلتبس الأمر عليهم، وقد كتب لأحدهم يقول له:

«فإن جاءك أمر ليس فى كتاب الله ولم تكن فيه سنة من رسول الله، ولم يتكلم فيه أحد قبلك، فاختر أى الأمرين شئتَ، إن شئتَ أن تجتهد رأيك وتقدِّم فتقدم، وإن شئتَ أن تأخَّر فتأخر».

ومن أعظم وصاياه للقضاة وصيته لأبى موسى الأشعرى، ومما جاء فيها: «آس – أى سوِّ بين الناس فى مجلسك ووجهك – حتى لا يطمع شريف فى حيفك – ظلمك – ولا ييأس ضعيف من عدلك، والبينة على من ادعى واليمين على من أنكر، والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا حرَّم حلالا أو حلل حرامًا .. ».

إصلاحات عمر بن الخطاب وإنشاءاته:

لعمر بن الخطاب كثير من الإصلاحات والإنشاءات التى لم يُسبق إليها، وسماها مؤرخو سيرته «أوليات عمر»، فهو أول من سُمى أميرالمؤمنين، وأول من اتخذ حادث الهجرة مبدأ التاريخ للدولة الإسلامية، بعد أن استشار فى ذلك كبار الصحابة، وهو أول من اتخذ بيت المال، وهو يشبه خزانة الدولة، وأول من مصَّر الأمصار، أى بنى مدنًا جديدة كالبصرة و «الكوفة» فى «العراق»، و «الفسطاط» – حى مصر القديمة حاليا – فى «مصر»، وأول من وسَّع مسجد رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، وأدخل فيه دار «العباس بن عبد المطلب»، وفرشه بالحصباء، أى الحجارة الصغيرة، وكانوا قبل ذلك يصلون على التراب.

وهو أول من دوَّن الدواوين، وهى تشبه الوزارات فى الوقت الحاضر، وقد اقتبس هذا النظام من الفرس والروم، فأنشأ «ديوان العطاء»، وكان مختصًا بالعطاء الذى فرضه «عمر» للمسلمين، وأنشأ «ديوان الجند» – وزارة الدفاع حاليًا – و «ديوان الخراج» – وزارة المالية – و «نظام البريد» الذى كان يُستخدم فى أمور الدولة.

ومن أعظم اجتهاداته إبقاؤه الأرض المفتوحة فى أيدى أهلها يزرعونها، ويدفعون خراجًا -إيجارًا – للدولة، تنفق منه على الجيش والمرافق العامة، كما أمر بإعادة مسح الأرض – أى قياسها واختبارها – ووضع الخراج المناسب عليها. حسب جودة الأرض.

وهو أول من قنن الجزية على أهل الذمة، فوضع على الأغنياء ثمانية وأربعين درهما للفرد الواحد فى السنة، وعلى متوسطى الحال أربعة وعشرين درهمًا، وعلى الفقراء القادرين على الكسب اثنى عشر درهمًا، وأعفى منها الشيوخ والنساء والأطفال ورجال الدين والعاجزين عن الكسب، وقد سبق القول إنه فرض للعاجزين عن الكسب من أهل الذمة عطاءً من بيت المال.

وكما ترك «عمر بن الخطاب» الأرض لأهلها يزرعونها؛ ترك معظم الدواوين – وبخاصة «ديوان الخراج» – فى أيدى أبناء البلاد المفتوحة يزاولونها بلغاتها؛ لأنها كما يقول العقاد: «ليست من أسرار الدولة، وليس من الميسور أن ينصرف إليها فتيان العرب عما هو أولى بهم، وهو فرائض الدفاع والجهاد».

ولاشك أن ترك تلك الأعمال فى أيدى أبناء البلاد المفتوحة كان مبعث ارتياح لهم، فاطمأنوا للحكم الإسلامى، بل أخذوا يعتنقون الإسلام، ويتعلمون اللغة العربية.

استشهاده:

فى يوم الأربعاء الموافق 26 من شهر ذى الحجة سنة 23هـ وبينما «عمر بن الخطاب» يسوِّى صفوف المسلمين فى صلاة الفجر كعادته كل يوم، وبدأ ينوى مكبرًا للصلاة، إذا بأبى لؤلؤة المجوسى يسدد للخليفة عدة طعنات بخنجر مسموم، فقطع أمعاءه، وسقط مغشيًا عليه، واضطرب المسلمون فى الصلاة اضطرابًا شديدًا من هول المفاجأة، وأقبلوا على القاتل محاولين القبض عليه، لكنه أخذ يضرب شمالا ويمينًا بدون هدى، فأصاب اثنى عشر من الصحابة، مات ستة منهم، ثم أتاه رجل من خلفه وألقى عليه رداءه وطرحه أرضًا فلما أيقن «أبو لؤلؤة» أنه مقبوض عليه لا محالة، طعن نفسه بالخنجر الذى طعن به أمير المؤمنين، ومات على الفور قبل موت الخليفة نفسه ومات معه السر الخفى الذى دفعه إلى هذه الجريمة البشعة.

حمل المسلمون الخليفة إلى بيته، وظل فاقد الوعى فترة طويلة، فلما أفاق كان أول سؤال سأله للمسلمين: هل صليتم الصبح؟ قالوا: نعم، قال: الحمد لله، لا إسلام لمن ترك الصلاة، ثم سأل: من الذى قتلنى؟ قالوا: «أبو لؤلؤة» غلام «المغيرة بن شعبة». قال: الحمد لله الذى جعل منيتى على يد رجل كافر، لم يسجد لله سجدة واحدة يحاجنى بها عند الله يوم القيامة.

المؤامرة:

كان «أبو لؤلؤة» غلامًا مجوسيا، أُسِرَ فى معركة «نهاوند»، ووقع من نصيب المغيرة بن شعبة، وكان يجيد حرفًا كثيرة كالحدادة والنجارة، وكان سيده يتركه يعمل ويأخذ منه درهمين فى اليوم.

فاشتكى إلى أمير المؤمنين «عمر» مستكثرًا الدرهمين، فسأله «عمر» عن صناعته، فأخبره، فقال: لا أرى ذلك كثيرًا، وكانت تلك المهن رائجة فى ذلك الوقت وتدرُّ عليه مالا وفيرًا، فحقدها العبد المجوسى وعزم على قتله.

هذا هو السبب الظاهر الذى روته كتب التاريخ والسير، لكنه لا يقنعوحده بارتكاب جريمة خطيرة كهذه، فالأمر أكبر من ذلك وأبعد مدى، ووراءه تدبير واسع ومؤامرة محكمة نُسجت خيوطها فى بلاد فارس وكان فيها «أبو لؤلؤة» أداة تنفيذ فحسب، وكان هو مستعدًا بتكوينه للقيام بها، فقد رُوى عنه أنه كان كلما رأى أسرى بلاده فى «المدينة»، يقول: «أكل عمر كبدى»، لأن «عمر» هو الذى أزال دولة الفرس وأنزل الأكاسرة من على عروشهم.

ولم تكن الجريمة فارسية فقط باشتراك «أبى لؤلؤة»، و «الهرمزان» الذى كان أميرًا فارسيا وأُسِرَ فى إحدى الحروب وجاء إلى «المدينة» وأظهر الإسلام، بل كانت يهودية باشتراك «كعب الأحبار»، ونصرانية باشتراك «جفينة».

وكان «كعب الأحبار» يهوديا ادعى الإسلام، جاء إلى «عمر» قبل طعنه بثلاثة أيام، وقال له: يا أمير المؤمنين اعهد – أى اختر لك خلفًا يعقبك فى الحكم – فإنك ميت بعد ثلاثة أيام، فتعجب «عمر» وسأله كيف عرفت ذلك؟ قال: أجده فى التوراة، فقال «عمر»: يا سبحان الله! هل تجد «عمر بن الخطاب» مذكورًا فى التوراة، قال: أجدك بصفتك. لكن «عمر» لم يعط لهذا الحديث اهتمامًا، فهل كان «كعب الأحبار» على علم بما دبره «أبو لؤلؤة المجوسى» وبقية شركائه؟ يقول الدكتور «هيكل»: «لابد إذًا أن يكون كعب الأحبار عرف بسر ماكان يجرى، فوجه النذير إلى «عمر»، وأغفل «عمر» أمر هذا النذير .. فحدث ما حدث، ونذير «كعب» وطعنات «أبى لؤلؤة» تدل على أن فى الأمر سرا لم يظهر ساعة ارتكاب الجريمة؛ لكنه ظهر من بعد».

أما «الهرمزان» و «جفينة» فأمرهما أوضح من أمر «كعب الأحبار»، واشتراكهما فى الجريمة لا لبس فيه، فقد شهد «عبدالرحمن بن عوف» أنه رأى الخنجر الذى طُعِن به «عمر» مع «الهرمزان» و «جفينة» فى اليوم السابق ليوم الجريمة، وسألهما ماذا يصنعان به؟ فقالا: نقطع به اللحم، وشهد «عبدالرحمن بن أبى بكر الصديق» أنه مرَّ فى الليلة التى طعن «أبو لؤلؤة» «عمر» فى صبيحتها فى أحد طرق«المدينة»، فوجد «أبا لؤلؤة» و «الهرمزان» و «جفينة» يتناجون – يتحدثون سرا – فلما طلع عليهم فجأة، قام «أبو لؤلؤة» مرتبكًا، فسقط منه الخنجر نفسه الذى طعن به «عمر».

ومما يؤكد أن قتل «عمر بن الخطاب» كان مؤامرة انتحار «أبى لؤلؤة» نفسه، فليس هناك رجل يقدم على عمل كهذا من أجل بضعة دراهم، حتى لو رأى أن «عمر» لم ينصفه، فقد كان بإمكانه أن يعاود الشكوى ويأخذ حقه، ولكن العبد المجوسى مُلئ حقدًا، وأوعز عليه فأقدم على جريمته إقدام من يؤمن بأنه يقوم بعمل بطولى يستحق أن يدفع من أجله حياته.

وهناك أمر آخر يؤكد المؤامرة، وأنها نُسجت خيوطها فى بلاد فارس نفسها، وهو ثورة معظم بلاد فارس على المسلمين، ونقض معاهدات الصلح، التى وقعها معهم الفاتحون المسلمون، فور سماعهم خبر مقتل «عمر»، وكأنهم كانوا ينتظرون ذلك بصبر نافد؛ لأنهم ظنوا أن وفاة «عمر» هى فرصتهم لإعادة الأمور إلى ماكانت عليه قبل الفتوحات.

تفكير عمر فى أمر الخلافة ووفاته:

أيقن «عمر بن الخطاب» بعد طعنه أنه لم يبق من عمره سوى ساعات، وكذلك أيقن المسلمون، ولذا ألحوا عليه أن يختار لهم من يخلفه فيهم، فرشَّح لهم ستة من الصحابة، هم بقية العشرة المبشرين بالجنة، يختارون من بينهم واحدًا للخلافة، ومع أن ابن عمه «سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل» واحد من العشرة المبشرين بالجنة، فقد استبعده من الترشيح، خوفًا أن يقع عليه الاختيار لقرابته منه، كما استبعد ابنه «عبد الله» من الترشيح تمامًا، بل رد على من اقترح عليه ترشيحه ردا قاسيًا، إبعادًا لشبهة الوراثة عن نظام الحكم الإسلامى، وجعل الأمر فى يد الأمة تختار الأصلح ليتولى أمرها.

قال «عمر» لهم: «عليكم هؤلاء الرهط الذين قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: إنهم من أهل الجنة، سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل منهم، ولست مدخله فيهم، ولكن الستة، هم: على بن أبى طالب، وعثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وسعد بن أبى وقاص،وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة بن عبيد الله».

واهتم «عمر» وهو فى تلك الحال بأمر دفنه، وطلب أن يُدفن إلى جوار الرسول – صلى الله عليه وسلم – و «أبى بكر الصديق» – رضى الله عنه – فى بيت «عائشة»، لينعم بصحبته فى الآخرة كما نعم بها فى الدنيا، فأرسل ابنه «عبد الله» إلى «عائشة» – رضى الله عنهما – وقال له: قل لها: «عمر» يقرأ عليك السلام ويستأذنك فى أن يُدفن مع صاحبيه، فأتاها «عبد الله» فوجدها تبكى، فسلم عليها، ثم قال لها ما أمره به أبوه، فقالت: «كنت والله أريده لنفسى – أى المكان – ولأوثرنه به اليوم على نفسى»، فلما رجع «عبد الله»، وأخبر أباه أن «عائشة» أذنت له، تهلل وجهه، وقال: الحمد لله ماكان شىء أهم إلى من ذلك المضجع.

وفى اليوم التالى لطعنه أى يوم الخميس الموافق 27 من ذى الحجة سنة 23هـ فاضت روح «عمر» بعد أن قضى فى الخلافة عشر سنوات وبضعة شهور، وكُفن فى ثلاثة أثواب أسوة بكفن رسول الله، وصلى عليه «صهيب الرومى» -رضى الله عنه – وكان «عمر» قد أمره أن يصلى بالناس بعد طعنه، ودُفن مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – و «أبى بكر الصديق».

السابق
خلافة علي بن ابى طالب
التالي
ما بعد فتح مكة