المسلمون في أفريقيا جنوبي الصحراء

سلطنة أوفات الإسلامية

 

[حوالى 648 – 805هـ = 1250 – 1402م]:

كانت الحركة الإسلامية قد ازدادت قوة فى بلاد الزيلع منذ القرن العاشر الميلادى. وبلاد الزيلع هى البلاد التى تحيط بهضبة الحبشة من الشرق والجنوب الشرقى، وتتمثل الآن فيما يعرف بإريتريا وجيبوتى والصومال الكبير بأقسامه الثلاثة: الشمالى والجنوبى والغربى، المعروف باسم إقليم «أوجادين»، يضاف إلى ذلك كل المناطق الإسلامية التى ضمتها الحبشة بالغلبة والقوة قرب نهاية القرن التاسع عشر الميلادى.

فى هذه البقعة الواسعة التى تنحصر بين ساحل البحر الأحمر وخليج عدن وبين هضبة الحبشة قامت مراكز تجارية عديدة على الساحل وانتشرت أيضًا فى الداخل، وتحولت فى النهاية إلى إمارات وممالك إسلامية نامية تحدث عنها المؤرخون القدامى، وقالوا إنها كانت سبع ممالك هى: «أوفات» و «هدية» و «فطجار» و «دارة» و «بالى» و «أرابينى» و «شرخا»، وامتدت هذه الممالك إلى «هرر» وبلاد «أروسى» جنوبًا حتى منطقة البحيرات، مطوقة الحبشة من الجنوب والشرق.

غير أن هذه الممالك والسلطنات التى قامت فى شرق الحبشة وجنوبها تختلف عما رأيناه فى أقطار إفريقية أخرى فى هذه المرحلة من التطور؛ إذ لم تكن هذه السلطنات إفريقية خالصة، أسستها أسرات من أهل البلاد الأصليين الذين أسلموا، كما حدث فى «مالى» و «صنغى» و «كانم وبرنو»، إنما أسستها أسرات عربية الأصل، فسلاطين «أوفات» وسلاطين «شوا» وغيرها يمثلون أرستقراطية عربية مهاجرة، استقرت فى هذه الجهات ونمت ثروتها وازداد نفوذها واستولت على حكم البلاد وكانت الرعية مسلمة ومن أهل البلاد الأصليين.

وكانت العلاقات بين هذه الإمارات متوترة تسودها المنافسات القبلية، ولم يكن بينها من رابط سوى الصلة الروحية فقط، وكانت من الضعف بحيث إن أمراءها لايتولون العرش – فى كثير من الأحيان – إلا بموافقة ملك الحبشة المسيحى، وليس معنى ذلك أن مسلمى تلكالإمارات قنعوا بالخنوع والخضوع للأحباش، بل إنهم كانوا فى أحيان كثيرة مناوئين لملك الأحباش وغازين له فى عقر داره كما سنرى.

وكان من أسباب ضعف هذه الإمارات أو السلطنات الإسلامية أنها ما كاد يكتمل نموها وتزداد قوتها حتى واجهت حربًا صليبية ضروسًا استنزفت مواردها وشغلتها عن التفرغ للدعوة الإسلامية، ولذلك فإن الإنتاج الثقافى لتلك الإمارات كان محدودًا جدا، إذ إن الصراع مع الأحباش أخذ كل وقتها ولم يترك لها فرصة للإبداع والابتكار، ولم تنج سلطنة واحدة من الاشتباك مع هؤلاء الأحباش.

وقد قامت سلطنة «أوفات» حوالى (648 – 805 هـ = 1250 – 1402م) بعبء المقاومة والدفاع ضد هذا الخطر الصليبى الحبشى الذى كان يهدف إلى القضاء على الإسلام فى منطقة القرن الإفريقى كلها، ولذلك كان من الواجب أن نخص هذه السلطنة بحديث.

كانت سلطنة «أوفات» أقوى سلطنة إسلامية قامت فى بلاد «الزيلع»، أسسها قوم من قريش من «بنى عبدالدار» أو من «بنى هاشم» من ولد «عقيل بن أبى طالب».

ومدينة «أوفات» هى نفسها مدينة «جبرة» أو «جبرت» وكانت من أكبر مدن بلاد «الزيلع»، وكانت تتحكم فى الطريق التجارى الذى يربط المناطق الداخلية بميناء «زيلع» على البحر الأحمر. ولم يتضح تاريخ «أوفات» إلا حوالى منتصف القرن الثالث عشر الميلادى حينما ظهر أحد أمراء المسلمين وكان يسمى «عمر» ويعرف بلقب «ولشمع»، وأقام هذه السلطنة التى نمت وازدادت قوتها حتى استطاع صاحبها «عمر ولشمع» أن ينتهز فرصة ضعف سلطنة «شوا» المخزومية وأن يهاجمها عام (684هـ = 1285م) ويقضى عليها ويستولى على أملاكها كما رأينا عند الحديث عن هذه السلطنة.

وقد أدى هذا إلى اتساع سلطان «بنى ولشمع» السياسى، واستطاعت «أوفات» فى عهدهم أن تبسط نفوذها على بقية هذه الإمارات الصغرى التى أشرنا إليها وأن يصل هذا النفوذ حتى ساحل البحر الأحمر وحتى منطقة «زيلع» وسهل «أوسا».

وكانت مساحة الأراضى التى سيطر عليها المسلمون بزعامة «أوفات» تفوق مساحة أرض مملكة الحبشة المسيحية نفسها، بل كانت تحيط بالحبشة من الجنوب والشرق، فضلا عن إحاطة الإسلام بها من ناحية السودان من الشمال والغرب، مما أدى إلى عزل مملكة الحبشة عزلا تاما عن العالم الخارجى، ولاسيما بعد استيلاء المسلمين على ميناء «عدل» قرب «مصوع»، ولذلك لاندهش من أنه عندما تولت الأسرة «السليمانية» عرش الحبشة عام (669هـ = 1270م)، رسمت لنفسها خطة لتوسيع سلطان «الحبشة» على حساب جيرانها من المسلمين الذين كانوا يسيطرون على الموانى ومن ثم على التجارة الخارجية.

وبذلك بدأت أولى مراحل الجهاد والصراع بين «أوفات» وتوابعها من الإمارات الإسلامية وبين ملوك الحبشة من ذلك الحين، وكانت البداية المبكرة على أيام الملك «ياجبياصيون» (684 – 693هـ = 1285 – 1294م) الذى شن حملة صليبية عنيفة ضد إمارة «عَدَل» التابعة لأوفات، وكان قد استشعر خطر الاتحاد الإسلامى الذى كانت تدعو إليه سلطنة «أوفات»، فضلا عن أن تلك السلطنة أعلنت زعامتها على الممالك الإسلامية المجاورة لها فى بلاد «الزيلع»، وكان هذا أمرًا يتعارض مع مشاريع ملوك الحبشة الجدد، فقاموا بحملتهم تلك التى أشرنا إليها، وانتهت بانتصارهم.

وترجع هذه الهزيمة إلى أن حركة المقاومة التى تزعمتها «أوفات» لم تكن منبعثة عن وحدة وتعاون فعال بينها وبين الممالك الإسلامية، ولذلك هزمهم الأحباش من أول لقاء، بل يقال إن إمارتين إسلاميتين عاونتا ملك الحبشة فى هجومه الذى انتهى بنهب «عَدَل» وعَقْد هدنة بين الطرفين، وكان من الممكن أن تكون هذه الحرب هى القاضية لولا تدخل سلطان «مصر» المملوكى الذى هدد بقطع العلاقات وعدم الموافقة على تعيين «المطران» الذى طلبه الأحباش، وكان يعين من قبل بطرك مصر، وأثمر هذا التدخل، فقَبِل الأحباش الهدنة مع «أوفات».

استطاع المسلمون تقوية مراكزهم ودعم سلطانهم على طول منطقةالساحل، وكانوا يرتقبون فرصة ضعف أو تخاذل فى صفوف أعدائهم، وعندما علموا بوفاة ملك «الحبشة» عام (698هـ = 1299م)، قام شيخ مجاهد يدعى «محمد أبو عبدالله» بحشد طائفة كبرى من قبائل «الجَلا» و «الصومال» وأعدهم للجهاد، وقام بغزو الحبشة، ولم تعمد الحبشة إلى المقاومة بسبب بعض المتاعب الداخلية، واضطر ملكها إلى التنازل للمسلمين عن بضع ولايات على الحدود نظير الهدنة، ولم يكن سلاطين «أوفات» ليقنعوا بالهدنة، وخاصة أن قوتهم قد ازدادت، فلم يستطع الملك الحبشى «ودم أرعد» (698 – 714هـ = 1299 – 1314م) أن يرد هجماتهم.

ورأت «أوفات» أن تظهر قوتها للحبشة بل وتتوسع فى أملاكها وتقضى على عدوانها، فتقدم السلطان «حق الدين» وتوغل فى أملاك الحبشة وغزا بعض الولايات المسيحية؛ مما جعل ملك الحبشة يقوم بغزو «أوفات» فى عام (728هـ = 1328م) وهاجمها من جميع الجهات وأسر «حق الدين» ووضع يده على مملكته وعلى «مملكة فطجار» الإسلامية وجعلهما ولاية واحدة وعين عليها «صبر الدين» وهو شقيق «حق الدين» بشرط الاعتراف بسيادة الحبشة.

غير أن «صبر الدين» لم يطق صبرًا على هذه التبعية وكوَّن حلفًا إسلاميا من إمارتى «هدية» و «دوارو»، ثم تقدم لغزو الحبشة واستولى على كثير من الغنائم، وهدد ملك الحبشة الذى خرج على رأس جيشه وهاجم الحلفاء منفردين بادئًا بإمارة «هدية»، فحطمها قتلا ونهبًا وأسرًا، وأرغمها على الخروج من الحلف، وحمل ملكها أسيرًا إلى عاصمته، ثم تقدم إلى «أوفات» ودخلها ودمرها ونهب معسكر المسلمين فيها، ثم تقدم إلى «فطجار» واستولى عليها وعلى مملكة «دوارو».

وعلى ذلك يمكن القول بأنه فى هذه الفترة انتهى استقلال الممالك الإسلامية فى «أوفات» و «هدية» و «فطجار» و «دوارو». وعين عليها ملك الحبشة «جلال الدين» أخا «صبر الدين» حاكمًا، فقبل على أن يكون تابعًا للحبشة، وهكذا اتسعت مملكة الحبشة وضعف أمر المسلمين.

وفى غمرة هذا الصراع الدموى اتفقت كلمة المسلمين بين عامى (1332 و 1338م) على الاستنجاد بدولة المماليك فى «مصر»، وذلك بإرسال سفارة إلى سلطان «مصر» «الناصر محمد بن قلاوون» برئاسة «عبدالله الزيلعى» ليتدخل السلطان فى الأمر لحماية المسلمين فى بلاد «الزيلع». فطلب «الناصر محمد» من بطرك الإسكندرية أن يكتب رسالة إلى ملك الحبشة فى هذا الصدد. غير أن ملك الحبشة لم يكفَّ عن مهاجمة المسلمين الذين لم يتوانوا في انتهاز الفرص للثأر منه.

وتحالفت إمارتا «مورا» و «عدل» مع بعض القبائل البدوية وأخذوا يشنون حربًا أشبه بحرب العصابات، وأخذ ملك الحبشة فى مطاردتهم وتقدم فى أراضى «مورا» الإسلامية، حتى وصل إلى مدينة «عَدَل» وقبض على سلطانها وذبحه، فتقدم أولاد السلطان الثلاثة إلى ملك الحبشة مظهرين الخضوع.

وفى تلك الأثناء انتاب إمارة «أوفات» بعض الفتن الداخلية بسبب النزاع على العرش بين أفراد الأسرة الحاكمة، وانتهى النزاع بانفراد «حق الدين الثانى» وإعلان استقلاله عن الحبشة، واستطاع أن يهزمها ويردها عن إمارته فترة طويلة حتى هُزم ومات عام (788هـ = 1386م)، والتف المسلمون للمرة الأخيرة حول خليفته وأخيه «سعد الدين»، واستأنفوا حركة الجهاد ودحروا الأحباش، وتوغلوا فى أرض «أمهرة» (مملكة النجاشى) لكن «سعد الدين» هُزم فى معارك تالية، واضطر إلى الفرار إلى جزيرة «زيلع» حيث حوصر وقتل عام (805هـ = 1402م) نتيجة لخيانة رجل دلَّهم على مكمنه.

ويعتبر احتلال الأحباش لزيلع بمثابة إسدال الستار على سلطنة أوفات التى احتلها الأحباش نهائيا، ولم يعد يسمع بها أحد، وانتهى دورها فى الجهاد، وتفرق أولاد «سعد الدين» العشرة مع أكبرهم «صبر الدين الثانى»، وهاجروا إلى شبه الجزيرة العربية حيث نزلوا فى جوار ملك اليمن «الناصر أحمد بن الأشرف» الذى أجارهم وجهزهم لاستئناف الجهاد ضد الحبشة، فعادوا إلى إفريقيا حيث انضم إليهممن بقى من جنود والدهم، فقوى أمرهم واستأنفوا النضال واتخذوا لقبًا جديدًا هو لقب «سلاطين عَدَل».

السابق
الطرق التى سلكها الإسلام إلى قارة إفريقيا
التالي
سلطنة البلالة الإسلامية فى حوض بحيرة تشاد