المسلمون في أفريقيا جنوبي الصحراء

سلطنة الكانم والبرنو الإسلامية

[479 – 1262هـ = 1086 – 1846م]:

قامت هذه السلطنة فى «بلاد السودان الأوسط» الذى يتكون من حوض «بحيرة تشاد» وما تقع حواليها من بلدان تمتد من «نهر النيجر» غربًا إلى «دارفور» شرقًا، وكانت منطقة «بحيرة تشاد» مهد سلطنة «الكانم والبرنو».

وقد ضمَّت هذه الدولة عددًا كبيرًا من القبائل والعناصر، فهناك قبائل «الصو»، وقبائل «الكانمبو»، وقبائل «الكانورى» وهى خليط من العرب والبربر والزنوج، وهؤلاء يكوِّنون أغلب سكان هذه السلطنة، يضاف إلى ذلك قبائل «التبو» (التدا) من البربر، وكذلك «بربر الطوارق» من سكان المناطق الشمالية الصحراوية، وكذلك قبائل العرب الذين كانوا يُعرَفون هناك باسم (الشوا)، وقد قدموا إلى «تشاد» من «وادى النيل»، ومن القارة عبر الصحراء، وكانوا يتمثَّلون فى قبائل «جذام» و «جهينة» و «أولاد سليمان»، وقد أدَّى اختلاط هؤلاء العرب بالوطنيين إلى ظهور عناصر جديدة، منها: «التنجور» و «البولالا» و «السالمات» وغيرهم.

وينقسم تاريخ هذه السلطنة إلى عصرين: عصر سيادة «كانم»، ثم عصر سيادة «برنو»، ويقع إقليم «كانم» – الذى كان مهدًا لقيام هذه الدولة – فى الشمال الشرقى لبحيرة تشاد وبه العاصمة «جيمى»، أما إقليم «برنو» فإنه يقع غرب هذه البحيرة، وبه العاصمة «بيرنى نجازرجامو» التى انتقل الحكم إليها بعد انقضاء عصر سيادة «كانم».

وقد قامت هذه الدولة فى القرن التاسع للميلاد على يد أسرة من البربر البيض هى الأسرة «الماغومية السيفية»، التى تزعم أنها من أصل عربى من نسل «سَيْفِ بن ذِى يَزن الحِمْيَرِى»، واستطاعت هذه الأسرة أن تسيطر على حوض «بحيرة تشاد»، وأن تتخذ من مدينة «جيمى» عاصمة لها، وبدأ الإسلام يطرق أبواب هذه الدولة منذ قيامها، وخاصة من الشمال والشرق على يد التجار والمهاجرين الذين توافدوا عليها فى القرنين التاسع والعاشر الميلاديين. وتتحدثالمصادر عن قيام داعية إسلامى كبير هو الفقيه «محمد بن مانى»، الذى عاش فى القرن الحادى عشر الميلادى، وعاصر خمسة من ملوك «الكانم» الذين كانوا يعرفون باسم «المايات» (جمع ماى، وهو لقب بمعنى: ملك)، أولهم «الماى بولو» الذى كان يحكم نحو (411هـ = 1020م) وآخرهم هو «الماى أوم بن عبدالجليل» الذى بدأ حكمه فى عام (479هـ = 1086م) وهو الذى جعل الدين الإسلامى دينًا رسميا للدولة، وذلك نتيجة لجهود هذا الداعية العظيم الذى أسلم على يديه هؤلاء المايات الخمسة، وقد قام آخرهم وهو «الماى أوم بن عبدالجليل» (479 – 490هـ = 1086 – 1097م) بجهد كبير فى نشر الإسلام فى بلاده، ثم اتَّجه إلى الشرق، وذهب إلى بلاد «الحجاز» لأداء فريضة الحج، ولكن المنية وافته بمصر أثناء عودته من أداء هذه الفريضة، فدُفِنَ بها، ومنذ عهد هذا الماى لم يتول حكم دولة «الكانم» أى ملك وثنى، وأصبحت منذ ذلك التاريخ دولة إسلامية.

خلف «الماى دونمة بن أوم» والده فى حكم البلاد لفترة طويلة (491 – 546هـ = 1097 – 1151م) وبلغت فى عهده دولة «الكانم» درجة كبيرة من القوة والاتساع وطبقت شهرته الآفاق، وحج ثلاث مرات. وفى عهده بُنيت مدرسة «ابن رشيق» فى «فسطاط مصر» بأموال كانمية؛ كى تكون موئلا للحجاج القادمين من «كانم» وبلاد «التكرور». وتابع خلفاؤه العمل على توسيع حدود هذه الدولة حتى صارت إمبراطورية كبيرة، وخاصة فى عهد «الماى دونمه بن سالم بن بكر» (618 – 657هـ = 1221 – 1259م) الذى اشتهر بقوة فرسانه، وكثرتهم حتى قيل إنها بلغت نحوًا من (41) ألف فارس، ويُعرف هذا الماى باسم «دونمه دباليمى»، نسبة إلى والدته «دابال»؛ حيث كانت النسبة إلى الأم شيئًا مألوفًا ومشهورًا فى هذه السلطنة بالذات.

وقد حارب هذا الماى القبائل المتمردة، مثل قبائل «البولالا» الذين كانوا يعيشون فى حوض بحيرة «فترى الصغيرة» الواقعة إلى الشرق من «بحيرة تشاد»، وأخضعها وأقام علاقات طيبة مع «الدولةالحفصية» فى «تونس». واتسعت الإمبراطورية فى عهده حتى وصلت شرقًا إلى مشارف «وادى النيل»، وغربًا قرب نهر «النيجر»، مما يعنى أن بلاد «الهوسا» التى تشكِّل الآن «نيجيريا الشمالية» كانت تحت سيادته وسلطانه، كما امتدت حدود بلاده شمالا حتى وصلت قرب «فزان» الليبية واقتربت مساحتها من مساحة إمبراطورية «صنغى» الإسلامية التى سبق الحديث عنها، ولكن هذه الإمبراطورية الكبيرة لم تلبث أن دبَّ إليها الوهن نتيجة لعوامل كثيرة، منها الانقسامات التى ظهرت بين أبناء الأسرة الحاكمة، وظهور خطر قبائل «الصو»، التى كانت تسكن فى إقليم «بورنو» وقيامها بمهاجمة عاصمة الدولة؛ وتمكنها من قتل أربعة من المايات. كذلك اشتد خطر البولالا الذين ازدادوا ضراوة بعد أن تمكَّنوا من إقامة سلطنة صغيرة لهم فى حوض «بحيرة فترى» واتخذوها مركزًا لمناوأة أبناء عمومتهم من مايات «الكانم والبرنو». وقد استطاعت سلطنة «البولالا» التى ظهرت قوتها فى عهد سلطانها «عبدالجليل بن سيكوما» أن تشن حربًا شرسة ضد الأسرة «السيفية الماغومية» الحاكمة فى «كانم»، وتمكن «عبدالجليل» هذا من أن يقتل أربعة من المايات من هذه الأسرة.

وقد انتهى أمر الصراع بين الفريقين إلى طرد الأسرة «السيفية» الحاكمة فى «كانم» إلى إقليم «بورنو» الذى يقع غرب «بحيرة تشاد»، وذلك فى عهد «الماى عمر بن إدريس» (788 – 793هـ = 1386 – 1391م) الذى استأنف حكمه من إقليم «برنو» فيما يعرف بعصر سيادة «برنو»، هذا العصر الذى امتد حتى نهاية الدولة فى عام (1262هـ = 1846م)، وقد ترك طرد الماغوميين السيفيين إلى «برنو» فراغًا سياسيا فى «كانم»، ملأه «البولالا» الذين أقاموا سلطنة كبيرة ضمت هذا الإقليم بالإضافة إلى إقليم «بحيرة فترى» والمناطق المحيطة بها فى حوض «بحيرة تشاد». ورغم ذلك فقد استمر الصراع بين «البولالا» وبين الماغوميين فى مقرِّهم الجديد الذى جعلوه مركزًالدولتهم، وبنوا فيه مدينة تسمى «بيرنى نجازرجامو» واتخذوها عاصمة لهم. ولما تطلعوا إلى إعادة نفوذهم فى «كانم»؛ وقعت حروب كثيرة بينهم وبين سلاطين «البولالا»، وتبادل الفريقان النصر والهزيمة، وخاصة فى عهد «الماى إدريس بن عائشة» (908 – 932هـ = 1502 – 1526م) الذى أنزل بالبولالا هزيمة ساحقة، واستولى على العاصمة «جيمى» وأقام فيها فترة ثم عاد إلى عاصمته «بيرنى».

وتابع ابنه «الماى على بن إدريس» (952 – 953هـ = 1545 – 1546م) محاربة «البولالا» حتى لُقِّب بحارق «البولالا»، ولم يلبث أن لَقِىَ حتفه فى إحدى المعارك معهم. ولم يقضِ على خطرهم إلا «الماى إدريس ألوما» (978 – 1011هـ = 1570 – 1602م) الذى أقام معهم علاقة طيبة نتيجة ارتباط البيت البولالى بالأسرة السيفية برباط المصاهرة، مما سهل على هذا الماى أن يقضى على خطر «البولالا» وأن يعيد نفوذ أسرته إلى إقليم «كانم»، ووصلت الإمبراطورية فى عهده إلى أقصى اتساعها وقوتها وازدهارها.

وكما تكالبت عوامل الضعف الداخلية والخارجية على إمبراطوريتى «مالى» و «صنغى» حتى سقطتا، فقد تعرَّضت إمبراطورية «البرنو» للظروف نفسها وشهدت النتيجة نفسها ذلك أن الماى «إدريس ألوما» الذى بلغت الإمبراطورية فى عهده قمتها وازدهارها خلفه حكام ضعاف لم يكونوا فى مثل قوته وحزمه، بلغوا خمسة عشر سلطانًا على مدى قرنين ونصف قرن من الزمان، حدث فى أثنائها كثير من الوقائع التى أدَّت إلى القضاء على الإمبراطورية، فبالإضافة إلى ضعف هؤلاء المايات أو السلاطين أصيبت البلاد بموجة من المجاعات المتلاحقة وصلت إلى خمس مجاعات، استمرت إحداها أربع سنوات، وأخرى سبع سنوات، ويدل تكرار حدوث هذه المجاعات على التدهور السريع والضعف العام الذى أصاب البلاد نتيجة إهمال الزراعة وكثرة الفتن والاضطرابات، فضلا عن ظهور أخطار جديدة تمثلت فى ظهور قبائل وثنية فى منطقة «جومبى» تُسمى قبائل «كوارارافا»اشتهرت بالقوة والشجاعة، وتمكنت من اجتياح الأقاليم الغربية فى «برنو»، كما حدثت حروب بين «برنو» وجيرانها من إمارات «الهوسا» وخاصة إمارة «كانو» فى النصف الأول من القرن الثامن عشر الميلادى، غير أن أخطر ما تعرضت له إمبراطورية «البرنو» هو خطر «الفولانيين» وهم قبائل بيضاء انحدرت من الشمال وأقامت فى غربى القارة، ثم انحدرت إلى الشرق واستقرَّت فى إمارات «الهوسا» التى تتكون منها «نيجيريا» الشمالية الآن، وقامت على يد زعيمها الشيخ «عثمان بن فودى» بحركة ضخمة لنشر الإسلام بين من كان على الوثنية فى هذه الإمارات، وتمكنت من ضم هذه الإمارات فى دولة واحدة تحت زعامة هذا الداعية الكبير، الذى أعلن قيام دولة «الفولانى» فى بداية القرن التاسع عشر الميلادى هذا فى الوقت الذى كانت إمبراطورية «البرنو» تزداد ضعفًا على ضعف وتلقى سلطانها «الماى أحمد بن على» (1206 – 1223هـ = 1791 – 1808م) أكثر من هزيمة على يد الفولانيين فى عهد الشيخ «عثمان بن فودى» حتى اضطر هذا الماى إلى استدعاء أحد الكانميين والعلماء البارزين ويدعى الشيخ «محمد الأمين الكانمى» لمساعدته فى محنته ضد هذا الغزو الفولانى، واستجاب هذا الزعيم لهذا الطلب وتبادل عدة رسائل مع الشيخ «عثمان بن فودى»، كل منهما يحاجج الآخر عبرمناقشات فقهية يبرر كل منهما سياسته، ولكن هذه الرسائل لم تؤدِّ إلى إزالة حالة الحرب القائمة بين الفريقين، وأخيرًا نجح الفولانيون فى الاستيلاء على عاصمة «برنو» فاضطر الماى إلى الهرب منها ولجأ إلى الشيخ محمد الأمين الذى أصبحت له السيطرة الكاملة على المايات الذين صاروا حكامًا بالاسم فقط.

استمر الشيخ «محمد الأمين» يحكم ما بقى من إمبراطورية «البرنو» و «الكانم» وأجرى مفاوضات مع سلطان الفولانيين «محمد بلو» الذى خلف أباه الشيخ «عثمان بن فودى» فى زعامة الفولانيين، واتخذ مدينة «سوكوتو» عاصمة له، وأرسل له الشيخ الكانمى رسائلأوضح له فيها أنهم أهل دين واحد هو الإسلام، وأنه لا ينبغى أن يحارب بعضهم بعضًا وأن كلا منهما يجب أن يحترم حدود الآخر، فهدأت الأحوال بين الدولتين حتى تُوفِّى الشيخ «محمد الأمين الكانمى» فى عام (1251هـ = 1835م) وخلفه ابنه الشيخ «عمر».

وفى عهد هذا الشيخ حاول «الماى إبراهيم بن أحمد» (1232 – 1262هـ = 1817 – 1846م) أن يسترد سلطاته التى سلبها منه الشيخ «محمد الأمين» ثم ابنه «عمر»، واستعان فى ذلك بأمير دويلة صغيرة تقع بين «كانم» و «دارفور» تُسمَّى «واداى» وتآمر معه لغزو «برنو».

ونفذ أمير «واداى» الخطة المتفق عليها وأباد جيش «برنو» فى (1262هـ = 1846م) منتهزًا فرصة غياب الشيخ «عمر» عن العاصمة؛ لحرب كانت واقعة بينه وبين أحد جيرانه الآخرين، ولما علم هذا الشيخ بنبأ هذا الغزو وهذه المؤامرة عاد إلى «برنو»، وأخرج الغزاة منها نظير مبلغ كبير من المال دفعه لهم، وقبض على الماى «إبراهيم» ومستشاريه وأعدمهم جميعًا، ثم تخلَّص من الماى «على بن دالاتو» عام (1262هـ = 1846م) الذى لم يحكم سوى أربعين يومًا وكان مفروضًا عليه كشرط لرحيل جيش أمير «واداى» عن «برنو».

وبمقتل «على بن دالاتو» انتهى حكم الأسرة «السيفية الماغومية» التى ظلت تحكم هذه البلاد أكثر من ألف عام، وأصبحت «برنو» تحت حكم الأسرة الكانمية فِعليا ورسميا منذ ذلك التاريخ وحتى وقوعها فى قبضة الاستعمار الفرنسى فى عام (1318هـ = 1900م)، وقد أعيد تقسيم أملاك إمبراطورية «برنو» بين «إنجلترا» و «فرنسا» و «ألمانيا» بعد القضاء على مقاومة أحد المجاهدين ضد الاستعمار الأوربى وهو «رابح الزبير». فأخذت «فرنسا» إقليم «كانم»، وأخذت «إنجلترا» إقليم «برنو»، وظفرت «ألمانيا» بالمناطق الجنوبية لبرنو، وهكذا تلاشت إمبراطورية «برنو» التاريخية على يد الغزاة الأوربيين فى بداية القرن العشرين الميلادى، وظل الأمر على هذا النحو حتىقامت حركة الكفاح الوطنى فى هذه المنطقة ضد المستعمر الأوربى، وتكللت جهودها بالنجاح وظفرت بالاستقلال، وقامت على أنقاض إمبراطورية «الكانم والبرنو» عدة دول حديثة، هى جمهورية «تشاد» التى استقلَّت عن «فرنسا» فى عام (1380 هـ = 1960م)، وهى دولة إسلامية يدين (85%) من سكانها بالإسلام، ويتكلمون اللغة العربية بجانب اللغات المحلية واللغة الفرنسية هى اللغة الرسمية، وجمهورية «إفريقيا الوسطى» التى استقلَّت عن «فرنسا» فى العام نفسه أيضًا، وتضم هذه الدولة الأطراف الجنوبية من إمبراطورية «البرنو» التاريخية، ولذلك فإن نسبة المسلمين فيها قليلة. وجمهورية «النيجر» التى استقلَّت عن الفرنسيين فى العام نفسه، وضمت أغلب الأجزاء الشمالية الغربية من إمبراطورية «البرنو» ولذلك فإن (95%) من سكانها مسلمون يتكلمون اللغة العربية بجانب اللغات المحلية، واللغة الفرنسية هى اللغة الرسمية، و «نيجيريا» التى استقلَّت عن «إنجلترا» فى عام (1381هـ = 1961م) وضمت إقليم «برنو» الذى يقع غرب «بحيرة تشاد»، كما ضمت جميع بلاد «الهوسا»، وأكثر من (70%) من سكانها مسلمون يتكلم الكثير منهم اللغة العربية ولغة الهوسا بجانب اللغة الإنجليزية، وهى اللغة الرسمية، كذلك ضمت «جمهورية الكمرون» التى استقلَّت عن «فرنسا» فى عام (1380هـ = 1960م) وتضم بعض الأجزاء الجنوبية والجنوبية الشرقية من «برنو»، وكذلك فإن هذه الدولة دولة إسلامية؛ إذ إن أكثر من (55%) من سكانها مسلمون، واللغة الفرنسية هى السائدة بجانب اللغة العربية واللهجات المحلية.

وإذا كنا قد تحدثنا عن التاريخ السياسى لسلطنة «الكانم والبرنو» منذ أن أصبحت دولة إسلامية فى عام (479هـ= 6801م) وحتى نهايتها على يد الاستعمار الفرنسى، فإن الواجب يحتم علينا أن نتحدث باختصار عن الطابع الإسلامى ومظاهر الحياة الإسلامية فى هذه السلطنة الكبيرة.

وفى هذا الصدد نستطيع القول بأن سلطنة «الكانم والبرنو» قد قامتبالدور نفسه الذى قامت به سلطنتا «مالى» و «صنغى»؛ فقد اتصلت بالقوى المعاصرة لتأكيد روح الأخوة الإسلامية وللإفادة من خبراتها الثقافية والعلمية والإدارية والحضارية فقد اتَّصلت بمصر أثناء ذهاب أهلها وسلاطينها لتأدية فريضة الحج، وقد سبقت الإشارة إلى قيام أول سلطان فى «كانم» وهو «أوم بن عبدالجليل» بأداء هذه الفريضة، وإلى وفاته فى «مصر» عام (490هـ = 1097م) عند عودته إلى بلاده، وقام ابنه «دونمة» بأداء هذه الفريضة ثلاث مرات مرَّ خلالها بمصر وفى حجته الثالثة غرق فى مياه «البحر الأحمر» عند مدينة «عيذاب» فى عام (546هـ = 1151م) وواصل مايات «الكانم والبرنو» أداء هذه الفريضة.

ومن مظاهر الاتصال بالدول الإسلامية الرسائل المتبادلة بين سلاطين «مصر» و «البرنو»، من ذلك رسالة أوردها «ابن فضل الله العُمَرِى» و «القَلْقَشَنْدِى» وأشارت إلى استغاثة سلطان «البرنو» بسلطان «مصر» «الظاهر برقوق» فى عام (795هـ = 1393م) لمساعدته فى القضاء على تمرد القبائل العربية التى ساعدت خصومه السياسيين من «البولالا».

كذلك كانت هناك علاقات ثقافية وتجارية بين «مصر» وسلطنة «الكانم والبرنو» من ذلك ما ترويه لنا المصادر من أن «الأزهر» كان به رواقٌ خُصِّص للطلاب القادمين من هذه السلطنة يُسمَّى «رواق البرنوية» كما سمحت «مصر» للكانميين بإنشاء مدرسة تُسمَّى مدرسة «ابن رشيق» فى مدينة «الفسطاط» بمصر لتدريس الفقه المالكى؛ ولكى تكون مقرا ينزل به حجاج «البرنو».

أما العلاقات التجارية فقد ازدادت بين «مصر» وبلاد «الكانم والبرنو»، ومما يدل على ذلك أن طائفة من أهل «كانم» اشتهرت باسم «التجار الكارمية» رحلوا إلى «مصر» وأقاموا فيها واشتركوا بنصيب موفور فى تجارتها الخارجية وخاصة فى تصريف المحاصيل السودانية، وتجارة البهار القادمة من «اليمن» و «الهند» و «الصين»، واتخذت من مدينة «قوص» بصعيد «مصر» مركزًا لها.

وكان لهؤلاء التجار الذين عُرِفوا بالتقوى والورع فضل كبير فى نشر الإسلام وخاصة فى بلاد الحبشة.

كذلك كان لسلطنة «الكانم والبرنو» علاقات تجارية وثقافية مع شمال إفريقيا وخاصة «تونس» فقد اتصل سلاطين «الكانم» بحكامها من «بنى حفص» وتبادلوا الرسائل والهدايا، من ذلك سفارة أرسلها الماى «عبدالله بن كادى» إلى السلطان الحفصى «أبى يحيى المتوكل» فى عام (727هـ = 1307م)، كذلك تبودلت الرسائل والسفارات مع «طرابلس» فى عام (908هـ = 1502م) وسفارة بعث بها أيضًا فى عام (941هـ = 1534م) وأخرى فى زمن الماى «إدريس ألوما» المتوفَّى عام (1011هـ = 1602م) كذلك نشطت العلاقات التجارية بين «برنو» وهذه البلدان.

ويمثل الجهاد قمة إيمان السلطنة بالإسلام، فقد اتخذه سلاطينها طريقًا لرد العدوان والتعريف بالإسلام بين الوثنيين الذين كانوا يقومون بالاعتداء على هذه الدولة الإسلامية، وخاصة الوثنيين المقيمين فى الجنوب، فقد حاربهم السلاطين ودخل كثير منهم فى الإسلام، بالإضافة إلى اتِّباع أسلوب الإقناع الذى اتبعه بعض السلاطين وخاصة السلطان «إدريس ألوما»، الذى اشتهر ببناء المساجد الضخمة من الحجارة، وطبق الشريعة الإسلامية خاصة فى معاملة الأسرى، ونظم الجهاد بما يتمشى مع تعاليم الإسلام، فازداد الدخول فى هذا الدين وانتشر فى منطقة «بحيرة تشاد» كلها.

كذلك فقد شجع سلاطين «الكانم والبرنو» انتشار الثقافة العربية الإسلامية، فأكثروا من بناء المساجد والكتاتيب، وكانت اللغة العربية هى لغة التعليم ولغة الحكومة الرسمية، فضلا عن كونها لغة المعاملات التجارية ولغة المراسلات الدولية، كما كان الحال فى جميع الدول الإسلامية التى قامت فى بلاد «السودان الغربى»، وظلت الحال على هذا النحو حتى عصر الاستعمار الأوربى الذى قضى على اللغة العربية ولم يعد لها إلا وجود محدود بين قليل من الأهالى، ووجود كبير فى المدارس الدينية الإسلامية.

وفى ظل تشجيع سلاطين «الكانم والبرنو» للثقافة الإسلامية ارتقى العلماء والفقهاء منزلة رفيعة، وحرص السلاطين على رعايتهم والإغداق عليهم، وإصدار المحارم (أى الفرمانات) التى كانوا يمنحونهم بمقتضاها كثيرًا من الامتيازات المادية والإقطاعات، ويحرِّمون على أى شخص مهما بلغت منزلته وقدره أن يسلبهم شيئًا منها. ولذلك ظهر فى هذه السلطنة كثير من العلماء والفقهاء، منهم الفقيه «محمد بن مانى» الذى سبق الحديث عنه، والإمام «أحمد بن فرتو» الذى كان معاصرًا للماى «إدريس ألوما»، والذى تعد كتاباته المرجع الرئيسى لتاريخ «برنو»، والعالم الكبير «عمر بن عثمان بن إبراهيم»، والعالم «عبداللاه ديلى بن بكر»، وغيرهم من العلماء الذين صدرت لهم محارم (فرمانات) تشجيعًا لهم على التفرُّغ للعلم والبحث والتدريس؛ مما أدَّى إلى انتشار العلوم الإسلامية بين أهالى هذه البلاد.

السابق
سلطنة الفونج الإسلامية فى سنار
التالي
سلطنة بات النبهانية فى شرق إفريقيا