المسلمون في أفريقيا جنوبي الصحراء

سلطنة دارفور الإسلامية

[849=1292هـ = 1445 – 1875م]:

بلاد «دارفور» عبارة عن هضبة تنتشر فيها المراعى وتتخللها بعض المرتفعات، ويتألف سكانها من العنصر الزنجى والعنصر الحامى، وكانت هذه البلاد مستقرا لشعب يُسمَّى شعب «الداجو»، وفد عليها من الشرق أو من «جبال النوبا» الواقعة غرب «النيل الأبيض» قبل القرن الثانى عشر الميلادى وأسس فيها مُلكًا.

وفى القرن الثانى عشر الميلادى دخل هذه البلاد عنصر مغربى من «تونس» يتمثل فى «شعب التنجور» أو «عرب التنجور»، وهم عنصر من البربر أو العرب، وقد خالط هؤلاء شعب «الداجو» وصاهروهم، ونتج عن ذلك وجود جنس مختلط يُسمَّى شعب الفور استطاع أن يصل إلى الحكم.

كان أول السلاطين المولدين من «الداجو» «والتنجور» هو «أحمد المعقور» الذى تزوج من ابنة ملك «دارفور» الوثنى، بعد أن أثبت جدارته فى الإشراف على شئون بيت الملك، وقد اتخذه الملك مستشارًا، ولما لم يكن للملك أبناء ذكور، فقد زوج ابنته لأحمد المعقور، وعينه خليفة له، فتأسست بذلك أول سلطنة إسلامية فى «دارفور».

ولقد اقترنت إصلاحات السلطان «أحمد» وأولاده من بعده بنشاط ملحوظ فى نشر الدعوة الإسلامية، على أن «دارفور» لم تدخل فى الإسلام حقا إلا نتيجة جهود أحد ملوكها وهو «سليمان سولون» الذى وصل إلى الحكم نتيجة لإحدى الهجرات العربية التى وفدت على «دارفور» منحدرة من «وادى النيل» فى القرن الخامس عشر الميلادى وأصهر هؤلاء العرب إلى سلاطين «الفور»، كما أصهروا إلى ملوك «النوبة» من قبل.

وكان «سليمان سولون» وليد هذه المصاهرة، وتمكن من اعتلاء عرش «دارفور» (849 – 881هـ = 1445 – 1476م)، وفتح البلاد للهجرات العربية، فوفدت قبائل «الحبانية» و «الرزيقات» و «المسيرية» و «التعايشة» و «بنى هلبة» و «الزيادية» و «الماهرية» و «المحاميد» و «بنى حسين» وغيرهم، وبفضل هؤلاء العرب المهاجرين إلى «دارفور»، اصطبغت السلطنة بالصبغة الإسلامية الواضحة، وعمدالسلطان «سليمان سولون» إلى تنشيط الحركة الإسلامية، عن طريق استدعاء الفقهاء من الشرق ليعلِّموا الناس أصول دينهم، كما شجع التجارة وأسس المساجد والمدارس.

وبدأت الدولة تتسع، فامتد سلطانها على «كردفان» فى عهد السلطان «تيراب» (1768 – 1787م)، وبلغت أقصى اتساعها، فكان حدها من الشمال «بئر النترون» فى الصحراء الكبرى، ومن الجنوب «بحر الغزال»، ومن الشرق «نهر النيل»، ومن الغرب منطقة « واداى».

وقد وصل نفوذ الدولة أقصاه فى عهد السلطان «عبدالرحمن الرشيد» (1192 – 1214هـ = 1778 – 1799م)، الذى نقل العاصمة إلى مدينة «الفاشر»، واتصل بالسلطان العثمانى واعترف بسيادته، فمنحه لقب «الرشيد».

وفى عهد خلفاء «عبدالرحمن الرشيد» كان من الممكن أن تتسع السلطنة إلى آفاق أوسع لولا التوسع المصرى فى القرن التاسع عشر الميلادى، ذلك التوسع الذى قضى على هذه السلطنة عام (1292هـ = 1875م) فى عهد الخديوى «إسماعيل».

واصطبغت هذه السلطنة بالصبغة الإسلامية الواضحة؛ حيث عمل سلاطينها على ربط بلادهم بالعالم الإسلامى المعاصر، وتوثقت به صلاتهم الثقافية والدينية، فوصل طلاب «دارفور» إلى «مصر» والتحقوا بالأزهر، حيث أنشئ لهم رواق خاص بهم.

وكان سلاطين «دارفور» رغم ندرة أخبارهم ينهجون نهجًا إسلاميا، فيلتزمون بأحكام الكتاب والسنة، ويحرصون على تحرى العدل فى أحكامهم، كما حرصوا على تشجيع العلماء ومنحهم الهدايا، وعملوا على نشر العلم فى بلادهم، ويذكر «التونسى» أخبارًا كثيرة عن العلماء والفقهاء الذين وفدوا على «دارفور» لما وجدوه فيها من تشجيع وعدالة وكرم واحترام.

ومن مظاهر ارتفاع مكانة العلماء فى سلطنة «دارفور» الإسلامية أن مجلس السلطان كان لايتم إلا بحضورهم، وكانوا يجلسون عن يمينه، ويجلس الأشراف وعظماء الناس عن يساره، وعند موت السلطان واختيار سلطان جديد كان هؤلاء العلماء يدخلون ضمن مجلس الشورىالذى ينعقد لهذا الغرض، وإذا حدث تنازع فإنه لايتم حسمه إلا على أيديهم، وكان السلاطين يكثرون من الإنعام عليهم ويقطعونهم الإقطاعات الواسعة حتى يتفرغوا للعلم والدرس، ولم يكن هذا التشجيع وقفًا على السلاطين وحدهم، فقد شارك فيه الأهالى؛ حيث كان سكان القرية يسارعون لمقابلة العلماء الوافدين ويستضيفونهم، كما كانوا يستضيفون الطلبة الغرباء فى بيوتهم ويعاملونهم كأبنائهم أو ذوى قرباهم.

ومن المظاهر الإسلامية التى وضحت فى سلطنة «دارفور» أن سلاطينها كانوا يتلقبون بألقاب إسلامية مثل «أمير المؤمنين»، و «خادم الشريعة»، و «المهدى» و «المنصور بالله»، كما كانوا يحرصون على النسب العربى كعادة الحكام فى كل ممالك «السودان»، كما أن أختامهم التى يختمون بها كتبهم ورسائلهم كانت تحمل آية من القرآن، وكانوا يحرصون على إرسال محمل الحرمين الشريفين كل عام إلى «مكة» و «المدينة»، فكانت قافلة المحمل ترسل إلى «مصر» محملة بالبضائع، مثل ريش النعام وسن الفيل والصمغ وغير ذلك من منتجات البلاد، فتباع ويتكون من ثمنها نقود الصرة التى تحملها القافلة المصاحبة لقوافل الحجاج المصريين إلى الأراضى المقدسة، وهكذا نرى أن الحياة الإسلامية كانت زاهرة فى سلطنة «دارفور» الإسلامية.

الطابع الإسلامى والثقافة العربية فى سودان وادى النيل:

يمثل عصر «سلطنة الفونج» فى «سنار» أو فى «وسط السودان» و «سلطنة دارفور» فى «غربى السودان» عصر الازدهار الإسلامى فى ذلك الوقت. فقد امتزجت التقاليد الإسلامية الوافدة بالتقاليد المحلية سواء فى نظم الحكم أو فى الحياة الاجتماعية أو الثقافية، ونشأ لون جديد من الحضارة إسلامى الصورة سودانى الطابع مثلما حدث فى «بلاد السودان الغربى» والأوسط (غرب إفريقيا).

فالفونج عملوا على إقامة الشريعة الإسلامية لكنهم انتهجوا فى الحكم نهجًا محليا صرفًا، يتميز باللامركزية الصرفة؛ حيث سمحواللأمراء المحليين بالاستقلال الذاتى، ولم يكن سلطان سنار يحتفظ بأكثر من تعيين الأمراء أو فرض الإتاوة، وتظهر التقاليد المحلية فى طريقة التتويج أو التعيين حين يحضر الأمير إلى «سنار» ويحتفل به السلطان على «الككر» (أى كرسى العرش) ويلبسه طاقية لها ذُؤابتان عن اليمين والشمال محشوتان بالقطن كأنهما قرنان، ويمنحه سيفًا، وهى تقاليد نوبية قديمة، ثم يذهب الأمير بعد انتهاء مراسم التتويج إلى مكان معين فى انتظار دابة تخرج من الأرض يتفاءل بخروجها، إلى غير ذلك من التقاليد السودانية.

والحياة الإسلامية فى «دارفور» خضعت لهذا التطور نفسه، فقد تمسك السلاطين بالكتاب والسنة وطبقوا الشريعة الإسلامية تطبيقًا تاما، ولكنهم لم يهملوا التقاليد المحلية التى تمثلت فى قانون «دالى»، وهو مجموعة من الأحكام العرفية كان يقوم بتنفيذها حكام الأقاليم والقاضى الأعظم، وهو كبير الخصيان الملقب بأبى شيخ.

وهذا القانون ينص على وراثة الملك وعلى إقامة الحدود ودفع الغرامات من الأبقار التى يملكونها بكثرة، وكان لهم تقاليد خاصة فى جلوس السلطان على كرسى العرش، ففى يده اليمنى صولجان، وفى اليسرى سيف مستقيم، وعلى جنبه الأيسر سيف محدب، وفى الدخول عليه يخلع الداخل الطاقية والسلاح ويلقى بنفسه على الأرض ويحبو على ركبتيه ويديه كالسلحفاة.

أما فى ميدان الثقافة فلم يكن للسودان ثقافة قديمة، كما كان فى «مصر» وبلاد «الشام» و «العراق»، ولذلك كانت ثقافة «السودان» عربية إسلامية خالصة، لكنها تأثرت بعاملين:

الأول: ضعف النهضة الإسلامية فى هذا العصر عمومًا، وغرق الأمة فى الدراسات الصوفية التى انتشرت طرقها فى شتى بلدان العالم الإسلامى؛ ولقيت فى «السودان» جوا ساعدها على النمو والازدهار.

فقد شهد «السودان» فى هذا العصر كثيرًا من الحروب الداخلية، التى كانت تسيطر على البلاد وتعمل على تمزيقها، بالإضافة إلى أنالعرب الذين هاجروا إلى «السودان» كان معظمهم من الفارين من الدول الإسلامية بسبب التقلبات السياسية، وكان هؤلاء قد كرهوا الحياة السياسية، مما ولَّد فى نفوسهم ونفوس السودانيين رغبة شديدة فى الحياة، بعيدًا عن مزالق السياسة فلبوا دعوة شيوخ الصوفية فى ترحاب وحماس شديدين، وانتظموا فى الخلايا والزوايا، وكان لذلك أثر كبير فى التقريب والربط بين القبائل والأجناس فى بلاد «السودان».

أما الطرق الصوفية التى انتشرت فى «السودان» فى عصر «الفونج» فهما طريقتان: الأولى هى «القادرية»، وكان أتباعها أكثر عددًا من أى جماعة أخرى، وقد دخلت هذه الطريقة «السودان» على يد «تاج الدين البهارى»، الذى وصل إلى «السودان» عام (952هـ = 1545م)، ووفد عليه بعض الأمراء والمشايخ واتبعوا هذه الطريقة وظلت ذريتهم تباشرها حتى اليوم.

والطريقة الثانية هى الطريقة «الشاذلية»، المنسوبة إلى «أبى الحسن الشاذلى» (592 – 656هـ= 1196 – 1258م) الذى وُلد فى «شاذلة» بتونس، ويقال إن إحدى حفيداته تزوجت من الشريف «حمد أبو دنانة» الذى نزح إلى «السودان» عام (849هـ = 1445م) قبل عصر «الفونج» ونشر تلك الطريقة بين الناس.

أما العامل الثانى الذى أثر فى الثقافة العربية فى «السودان» فى عصر «الفونج»، فهو موقع «السودان» واتصاله الطبيعى بأمم إسلامية مجاورة، ومانتج عن ذلك من تبادل تجارى وثقافى؛ إذ اتصل أهل «السودان» بمصر، ووفد عليها علماؤه وطلابه؛ مما يؤكد أن «مصر» هى التى غرست البذور الأولى للثقافة العربية الإسلامية فى بلاد «السودان»، وهناك عامل لايقل شأنًا عما مضى إن لم يفقها جميعًا، وهو أثر القبائل العربية المهاجرة إلى «السودان النيلى»، وهى قبائل كثيرة يمكن أن نحصرها فى ثلاث مجموعات قبلية كبرى: أولها «مجموعة الجعليين» وهى عدنانية الأصل ومن أكثر المجموعات العربية نفوذًا وعددًا، وتركزت هذه المجموعة على«النيل» بين بلاد «النوبة» وموقع «الخرطوم» الحالية، ثم أخذت تنتشر نحو «النيل الأزرق» و «الأبيض» و «كردفان» و «دارفور».

وثانيها «مجموعة جهينة» وهى قبائل قحطانية تلى «مجموعة الجعليين» فى العدد، وفدت إلى «مصر» بعد الفتح، ثم مضت فى طريقها إلى «السودان النيلى» منذ القرن الرابع عشر الميلادى، واتخذت شرقى «السودان» مركزًا لها، ومنه انتشرت بعض بطونها غربًا حتى وصلت إلى بلاد «البرنو».

وثالثها «مجموعة الكواهلة» التى نزلت فى «عطبرة» و «النيل الأزرق» وحول «النيل الأبيض» و «كردفان».

وقد أقامت هذه المجموعات مشيخات عربية كبيرة وممالك متعددة، مثل مملكة «العبدلاب» ومملكة «تقلى» التى أسسها العرب من الجعليين فى منطقة جبال النوبا بكردفان فى أواسط القرن السادس عشر الميلادى واتخذت هذه المملكة لنفسها منهجًا فى نشر الإسلام والعروبة فى هذه المناطق الوعرة، فكانت تشجع القبائل العربية على الهجرة والاستيطان، فهاجر إليها كثير من «الجعليين» و «البديرية» و «الجوامعة».

وكانت هذه القبائل ذاتها أداة لنشر الإسلام وثقافته فى أرجاء «السودان»، من ذلك ما قام به «الجعليون» خصوصًا «عشيرة المجذوبين»، التى تنتسب إلى الفقيه «حامد بن محمد المجذوب»، وكان كثيرٌ من أبناء هذه العشيرة يرحلون إلى «القاهرة» أو «مكة» طلبًا للعلم، ثم يعودون إلى «السودان» لمتابعة رسالتهم، فيبنون المساجد وينشئون الزوايا لتصبح مدارس ومعاهد للتعليم، يفد إليها الطلاب من مختلف الآفاق.

وقد أنشأت هذه العشيرة مدينة «الدامر» التى أصبحت حاضرة روحية للجعليين، بل للسودان النيلى كله، وبانتشار العرب فى «السودان النيلى» على هذا النحو اكتسبت هذه المنطقة النسب والدم العربيين، بجانب اللغة العربية وثقافتها، وبذلك انضم إلى العالم العربى والإسلامى قطر فسيح الرقعة يسهم فى الحياة الإسلامية مساهمة الأقطار الأخرى، ومن أقدم المراكز الإسلامية فى «السودان النيلى»مدينة «دنقلة» التى دخلها الإسلام قرب منتصف القرن الرابع عشر الميلادى وارتفعت مكانتها بعد سقوط «مملكة علوة» المسيحية، وقيام «سلطنة الفونج» الإسلامية محلها، وانتشرت فيها المدارس والمساجد، ووفد إليها كثير من العلماء والفقهاء من أمثال «غلام الله اليمنى»، الذى وفد إليها فى النصف الثانى من القرن الرابع عشر الميلادى وأنشأ فيها مدارس لتعليم القرآن والفقه والحديث.

على أن أعظم هذه المراكز فى المنطقة الشمالية وأوسعها نفوذًا وأبعدها أثرًا مدينة «الدامر» مركز «الجعليين» وكعبتهم الثقافية، وقد زارها الرحالة «بركهارت» وتحدث عنها طويلا مشيرًا إلى مكانتها العلمية وإلى توقير الناس لفقهائها وانتشار نفوذهم فى جميع أرجاء «السودان النيلى»؛ وقد وصف مسجدها وتحدث عن أهميته وعن الحركة العلمية المزدهرة، وعن المدارس الكبيرة وعن الطلاب الوافدين من «دارفور» و «سنار» و «كردفان»، وعن الكتب الكثيرة التى اشتريت من «القاهرة»، وعن معاهد العلم التى تعلم تجويد القرآن والتفسير والتوحيد والمنطق وغيرها من العلوم الإسلامية.

وهناك مدينة «سنار» وهى أعظم المراكز الثقافية فى ديار «الفونج»، وكانت مركزًا تجاريا قبل كل شىء فقد عرفت بغناها الوافر وتجارتها الرابحة، وكان التجار يجلبون إليها البضائع من «مصر» و «الحجاز»، وكان يجلب إليها من «كردفان» التبر والحديد والرقيق، كما جلبت إليها تجارة «الحبشة» وأصبحت مركزًا علميا تتطلع إليه جميع المناطق السودانية شرقًا وغربًا.

ومن المراكز الإسلامية أيضًا مدينة «الفاشر» التى أصبحت بعد إنشائها من المراكز الثقافية المهمة فى غربى «السودان النيلى»، وإن كانت أقل شأنًا من «سنار»، وقد لاحظ الرحالة «محمد بن عمر التونسى» انخفاض المستوى العلمى فى هذه المدينة، ويعود هذا الأمر إلى أن الإسلام تأخر فى انتشاره فى «دارفور» عن بقية أقاليم «السودان النيلى» الأخرى، كما يعود إلى الترحال والتنقلالذى دأبت عليه القبائل العربية التى سكنت «دارفور»، وهو أمر لايؤدى إلى ازدهار العلم الذى يحتاج إلى الاستقرار، ويعود أيضًا إلى قلة عدد العلماء الذين رحلوا إلى هذا الإقليم، ربما بسبب بعده عن مراكز الثقافة الإسلامية الزاهرة فى «بغداد» و «دمشق» و «القاهرة».

أما معاهد التعليم فى «السودان» فى ذلك العصر فهى: المسجد، والزاوية، والخلوة. والخلوة أو الكُتاب أو المكتب من أقدم هذه الأماكن وهى منتشرة فى جميع القرى، وعرفها أهل «السودان» على بداية عهد «الفونج» على يد الشيخ «محمود العركى»، الذى قدم من «مصر» عام (926هـ = 1520م)، وأسس خمس عشرة خلوة فى «سنار» وعلى «النيل الأبيض» وكان يُدرَّس فيها القرآن ويتعلم فيها الأطفال القراءة والكتابة ومبادئ الحساب فيما يمكن أن نطلق عليه المرحلة الأولية أو الابتدائية.

وفى المساجد كان الطلاب يدرسون فيما يشبه المرحلة الثانوية أو العليا، وفيها كانوا يدرسون العلوم الدينية وعلوم العربية والتاريخ؛ حيث يلتف الطلاب حول شيوخهم فى حلقات دراسية.

أما الزاوية فهى تتميز عن الخلوة والمسجد بأنها تجمع بين السكنى والعبادة والدرس، ففيها ينقطع الطلاب للدرس والعبادة، وهى غالبًا للصوفية، وكانت فى زمن «الفونج» منتشرة فى جميع البلاد.

وكانت الطريقة التعليمية فى ذلك العهد تعتمد فى جملتها على الاستظهار والحفظ كما فى سائر البلدان الإسلامية، وعرف «السودان» معظم العلوم التى عرفها العالم الإسلامى من نحو وصرف وبيان وبديع وعروض ومنطق وتوحيد وتفسير وحديث وفقه وتصوف وجبر ومقابلة وتاريخ، ولكن كان أعظمها شأنًا هو علم الفقه والتوحيد.

وقد ظلت الثقافة الإسلامية مزدهرة طوال ثلاثة قرون فى أرجاء «السودان النيلى»، ولكن التعصب القبلى والتنازع على الحكم وسياسة العزلة التى فرضها حكام «الفونج» فى القرن الثامن عشر الميلادى أدى إلى انحلال هذه السلطنة، واستطاع «محمد على»حاكم «مصر» أن يقضى عليها فى عام (1235هـ = 1820م). أما سلطنة «دارفور» فقد تم القضاء عليها بعد ذلك بنحو نصف قرن على يد «إسماعيل بن محمد على»، ثم تمكن الإنجليز من احتلال «مصر» نفسها عام (1299هـ = 1882م) ووضعوا «السودان» تحت سيطرتهم ونفوذهم، وبعد استقلال «مصر» فى عام (1371هـ = 1952م) أبرمت «اتفاقية السودان» بين «مصر» و «بريطانيا» التى نصت على إعطاء حق تقرير المصير لأهل «السودان»، فاختاروا الاستقلال وقامت «جمهورية السودان» فى عام (1376هـ = 1956م).

السابق
سلطنة بات النبهانية فى شرق إفريقيا
التالي
سلطنة شوا الإسلامية