المسلمون في أفريقيا جنوبي الصحراء

سلطنة عَدَل الإسلامية

[817 – 985هـ = 1414 – 1577م]:

كانت «عَدَل» إقليمًا من الأقاليم التى خضعت لسلاطين «أوفات».

وليس ببعيد أن تكون قد تأسست فيها إمارة محلية تدين بالولاء لبنى ولشمع، ويبدو أن موقعها المتطرف قد ساعد على نجاتها من التوسع الحبشى الذى أطاح بالإمارات السابقة. وكان طبيعيا أن يأوى «بنو سعد الدين» إلى إقليم قريب من البحر يتيح لهم الاتصال ببلاد اليمن بعيدًا عن مناطق النفوذ الحبشى. وكانت تلك السلطنة تضم البلاد الواقعة بين ميناء «زيلع» و «هرر» وتشمل ما يعرف بالصومال الشمالى والغربى وإقليم «أوجادين»، وسميت هذه البلاد «بر سعد الدين» تخليدًا لسعد الدين الذى مات بزيلع ودفن بها.

استأنف سلاطين «عَدَل» الجهاد مرة أخرى فى عهد «صبر الدين الثانى» الذى اتخذ مدينة «دَكَّر» عاصمة له، واستطاع الاستيلاء على عدة بلاد حبشية فيما يعرف بحرب العصابات، وبعد وفاته عام (825هـ = 1422م) خلفه أخوه «منصور» المتوفى سنة (828هـ = 1425م) الذى بدأ عهده بحشد عدد كبير من مسلمى «الزيلع» وهاجم بهم ملك الحبشة وقتل صهره وكثيرًا من جنده، وحاصر منهم نحوًا من ثلاثين ألفًا مدة تزيد على شهرين، ولما طلبوا الأمان خيَّرهم بين الدخول فى الإسلام أو العودة إلى قومهم سالمين، فأسلم منهم نحو عشرة آلاف وعاد الباقون إلى بلادهم، ولم يقتلهم «منصور» ولم يستعبدهم كما كان يفعل ملوك الحبشة بجنود المسلمين الذين كانوا يقعون فى أسرهم.

لكن ملك «الحبشة» «إسحاق بن داود» أعد جيشًا كبيرًا وهجم به على «منصور» وقواته وهزمها هزيمة شنيعة لدرجة أن السلطان «منصور» وقع هو وأخوه الأمير «محمد» فى أسر «إسحاق» عام (828هـ = 1425م).

ولكن راية الجهاد ضد عدوان الأحباش لم تسقط بهذه الهزيمة، فقد قام أخ للسلطان الأسير وهو السلطان «جمال الدين» برفع راية الجهاد من جديد.

وانتصر على ملك الحبشة فى مواقع كثيرة، ولكن أبناء عمه حقدواعليه ربما رغبة فى النفوذ والسلطان الذى حرموا منه فاغتالوه فى عام (836هـ = 1432م)، فتولى الحكم بعده أخوه السلطان «شهاب الدين أحمد بدلاى» الذى عاقب القتلة وحارب الأحباش واسترد إمارة «بالى» الإسلامية من أيديهم، ولكنه وقع صريعًا أمام الأحباش فى (848هـ = 1444م) نتيجة لخيانة أحد الأمراء الذين أظهروا التحالف معه. ومن ثم تمكن الأحباش من اجتياح سلطنة «عَدَل» وبقية الممالك الزيلعية الأخرى، وأصبحت الحبشة إمبراطورية كبيرة امتدت شمالا حتى مصوع وسهول السودان وضمت «أوفات» و «فطجار» و «دوارو» و «بالى» و «هدية»، ومنحت هذه الإمارات استقلالها الذاتى، وولت عليها عاملاًيسمى «الجراد» ينحدر من البيت المالك القديم.

ويبدو أن الرغبة الصادقة فى الجهاد التى عرف بها الجيل الأول من سلاطين «أوفات» قد فترت عند أحفادهم سلاطين «عدل»، فقد سئموا القتال وجنحوا إلى المسالمة ولكن الشعب المسلم لم يتخل عن سياسته التقليدية فى جهاد الأحباش ومقاومتهم. وكان تخاذل سلاطين «عدل»، وتحمس الشعب للجهاد مؤذنًا ببداية الدور الأخير من أدوار الجهاد وهو دور «هرر».

وتميز هذا الدور بظهور طائفة من الأمراء الأئمة أشربت قلوبهم حب الجهاد وصارت لهم السلطة الفعلية فى البلاد، وبذلك أصبح فى المجتمع العَدَلى حزبان: هذا الحزب الشعبى الذى يتزعمه الأمراء الأئمة، وذلك الحزب الذى يريد أن يسالم الأحباش ويتكون من الطبقة الأرستقراطية والتجار، وعلى رأسه سلاطين عدل التقليديون.

وكان أول هؤلاء الأئمة ظهورًا هو الداعى «عثمان» حاكم زيلع الذى أعلن الجهاد بعد وفاة السلطان «محمد بن بدلاى» مباشرة عام (876هـ = 1471م)، ثم ظهر فى «هرر» الإمام «محفوظ» الذى تحدى السلطان «محمد بن أزهر الدين»، واشتبك مع الأحباش، غير أن البرتغاليين ظهروا على مسرح الأحداث وفاجئوا «زيلع» وأغاروا عليها وانتهى الأمر بفشل حركة «محفوظ»، وباغتيال السلطان «محمد» سنة (924هـ = 1518م).

وفى بداية القرن (16م) ظهرت تطورات كان لها تأثيرها فى مسرح الأحداث بين المسلمين والأحباش، تمثلت فى ظهور الأتراك العثمانيين وقيام حركة الكشوف الجغرافية بزعامة الملاحين البرتغاليين، كذلك أدخلت الأسلحة النارية إلى منطقة الأحداث فى بلاد «الزيلع» و «الحبشة»، وأهم من هذا كله إسلام قبائل البدو من الأعفار والصومالى، ودخولها ميدان الجهاد، ووقوفها وراء الإمام الذى رشحته الأحداث لتزعم حركة الجهاد الإسلامى فى ذلك الدور، وهو الإمام «أحمد بن إبراهيم الغازى» الملقب بالقرين أى الأشول.

اتبع الإمام «أحمد القرين» بعد أن سيطر على مقاليد الأمور فى سلطنة «عَدَل» وبعد أن اتخذ «هرر» مقرا له سياسة موفقة جمعت الناس حوله، فقد طبق الشريعة الإسلامية فى حكمه وخاصة فى توزيع أموال الزكاة والغنائم على مستحقيها وفى مصارفها الشرعية، وبذلك كسب حب الجند وحب الفقهاء والعلماء، كما كسب أيضًا محبة الشعب، فقد كان يلطف بالمساكين ويرحم الصغير، ويوقر الكبير، ويعطف على الأرملة واليتيم، وينصف المظلوم من الظالم، ولا تأخذه فى الله لومة لائم، كما قضى على قُطَّاع الطرق فأمنت البلاد وانصلح حال الناس وانقادوا له وأحبوه.

بهذه السياسة الداخلية السليمة استطاع الإمام «أحمد القرين» أن يوحد كلمة المسلمين ويتولى زعامتهم وعزم على رد عادية الأحباش، وذلك بفتح بلاد الحبشة ذاتها، وتمكن من التوغل فيها حتى وصل إلى أقاليمها الشمالية، ودارت بينه وبين الأحباش عدة معارك، كان أولها فى عام (933هـ = 1527م) حيث هزم الأحباش لأول مرة منذ بداية الجهاد. وفى عام (934هـ = 1528م) أحرز الإمام «أحمد» نصرًا حاسمًا على الأحباش فى موقعة «شنبر كورى»، ثم بدأ فى غزو بلاد الحبشة نهائيا.

ففى سنة (938هـ = 1531م) دخل «دوارو» و «شوا» و «أمهرة» و «لاستا». وفى سنة (940هـ = 1535م) سيطر المسلمون على جنوب الحبشة ووسطها، وغزوا «تجراى» للمرة الأولى وأصبح مصيرالأحباش فى كفة الميزان.

وفى هذا الوقت كان الزحف البرتغالى قد وصل إلى البحر الأحمر فاستنجد بهم الأحباش عام (942هـ = 1535م) فأرسل إليهم ملك البرتغال نجدة عسكرية وصلت البلاد عام (948هـ = 1541م)، وتقابل المجاهدون بقيادة «أحمد القرين» مع الأحباش والبرتغاليين فى عدة مواقع عام (949هـ = 1542م)، لكنه هُزم وتكررت هزيمته فى العام التالى حيث استشهد وتفرقت جموعه، ونجت الحبشة من السقوط، ولم يعد المسلمون مصدر خطر جدى يهدد الأحباش، ومع ذلك فإن حركة الجهاد لم تمت بموت «أحمد القرين»، بل استأنفها خلفاؤه من بعده وخاصة فى عام (966هـ = 1559م) بقيادة الأمير «نور» الذى اتخذ لقب أمير المؤمنين، والسلطان الأسمى المسمى «عليَّا» سليل أمراء «عَدَل» السابقين، لكن هذه الجهود باءت بالفشل.

وكانت انتفاضة «هرر» الأخيرة عام (985هـ = 1577م) حينما تحالفت مع أحد ثوار الأحباش للنيل من ملك الحبشة، وحدثت موقعة انتهت بمقتل «محمد الرابع» آخر أمراء «هرر» عند نهر «ويبى»، وانتهت هرر كقوة سياسية ذات شأن، فى الوقت الذى استطاع فيه الأحباش أن يقضوا على خطر الأتراك العثمانيين أيضًا بهزيمتهم وعقد هدنة معهم عام (997هـ – 1589م) واكتفى العثمانيون بالسيطرة على «مصوع» و «سواكن»، وبذلك انتهى الصراع فى الحبشة لصالح الأحباش.

وإذا كانت هذه الحركة لم تحقق أهدافها بالقضاء على مملكة الحبشة نهائيا، إلا أنها أثبتت عمق الشعور الإسلامى فى نفوس أهل شرق إفريقيا وعمق تمسكهم بالإسلام، فقد دأبوا على الجهاد وأصروا عليه طيلة أربعة قرون، وظهر أثر العلماء والفقهاء وأصبحت لهم الزعامة فى المجتمع فى ذلك الوقت.

وعلى الرغم من هذه الهزيمة التى منى بها المسلمون فى منطقة القرن الإفريقى وانصراف اهتمام العثمانيين إلى أوربا والعالم العربى، فإن المسلمين الزيالعة بقيت لهم بعض سلطناتهم وبلادهم.

ذلك أن الصراع الذى اندلع بينهم وبين الأحباش أنهك الطرفين معًا؛مما هيأ الفرصة لدخول قبائل الجلا الوثنية القادمة من الجنوب، فاحتلت «هرر» واستقرت فى النصف الجنوبى من دولة الحبشة، ثم أسلمت هذه القبائل أخيرًا، ولكن أوربا الغربية أعانت الأحباش على المسلمين فى القرن التاسع عشر الميلادى، وخاصة فى عهد «منليك الثانى» الذى استولى على سلطنة «هرر» فى عام (1302هـ = 1885م) وعلى غيرها من البلدان الإسلامية، ثم استولى الأحباش على سلطنة «أوسا»، ثم على «إريتريا» و «إقليم الأوجادين الصومالى» فى القرن العشرين. وظل الأمرعلى هذا النحو حتى نالت هذه البلاد استقلالها وتحررت من نير الأحباش، وإن كان بعضها لايزال تحت سيطرتهم حتى الآن.

السابق
سلطنة صنغى الإسلامية
التالي
سلطنة كلوة الإسلامية