المسلمون في أفريقيا جنوبي الصحراء

سلطنة كلوة الإسلامية

[365 – 911هـ = 975 – 1505م]:

قامت هذه السلطنة نتيجة هجرة قدمت من «شيراز» بفارس، كان على رأسها «على بن حسن بن على» وأبناؤه الستة، حيث كانوا على متن سفنهم بما فيها من بضائع بقصد التجارة، ولما وصلوا إلى «جزيرة كلوة» التى تقع أمام الساحل الشرقى لإفريقيا، وهى ضمن دولة «تنزانيا» الآن، استقروا فيها منذ عام (365هـ = 975م)، ووفد عليهم كثير من العرب، وكان هؤلاء الوافدون يفضلون المعيشة فى الجزر لسهولة الدفاع عنها والاعتصام بها إذا ما حاول الأهالى الساكنون فى البر الإفريقى الاعتداء عليهم، وعند وفاة «على بن حسن بن على الشيرازى» كان نفوذه يمتد إلى مدينة «سوفالة» فى الجنوب، وإلى «ممبسة» فى الشمال، وبعد وفاته اعتدى الأهالى على ابنه، واضطروه إلى الفرار إلى «زنجبار» عام (1020م) وبعد قليل جمع السلطان المطرود جنوده وعاد بهم إلى «كلوة» ودخلها مرة ثانية، وازدهرت المدينة خلال القرن التالى بسبب تجارة العاج والذهب الذى كان يُصدَّر من «سوفالة» التى تقع جنوب نهر «الزمبيرى»، أى جنوب «كلوة» وحرمت «مقديشيو» من تلك التجارة التى كانت تحصل عليها من «سوفالة»، وخاصة فى عهد السلطان «داود بن سليمان» سلطان «كلوة» (1130 – 1170م)، وبذلك صارت الزعامة السياسية والاقتصادية لكلوة، ويعتبر القرنان الثانى عشر والثالث عشر الميلاديان هما العصر الذهبى لتلك السلطنة الزنجية الإسلامية، فقد أصبحت «كلوة» عروس الشاطئ الإفريقى، وقام سلطانها بسك النقود، وقد عثر فى «كلوة» و «مافيا» و «زنجبار» على نحو (10000) قطعة نحاسية من هذه النقود.

ولما كان مؤسسو «كلوة» الأوائل من الشيرازيين الفرس، فلا غرو أن يكون لهم تأثير كبير على أسلوب الحضارة الذى ازدهر هناك خلال القرون من العاشر إلى الثالث عشر الميلادى، فظهر الأسلوب الفارسى فى البناء بالحجارة، وفى صناعة الجير والأسمنتواستخدامهما فى البناء، وفن النقش على الخشب، ونسج القطن، وشيدوا عدة مساجد ومبانٍ جميلة الطراز، مازال بعض مخلفاتها باقيًا حتى الآن، ولكن الأثر العربى تغلب بعد ذلك بسبب كثرة الهجرات العربية واستقرارها.

وقد وصل إلينا كثير من المعلومات عن هذه السلطنة من الوثائق التاريخية المهمة وبفضل ما كتبه عنها الرحالة والجغرافيون العرب كالمسعودى، و «الإدريسى»، و «ابن بطوطة» الذى زار مدينة «كلوة» و «ممبسة». وقال عن الأخيرة: «إنها جزيرة كبيرة بينها وبين أرض الساحل مسيرة يومين فى البحر، وأشجارها: الموز والليمون والأترج، وأكثر طعام أهلها السمك والموز، والقمح يأتى لهم من الخارج لأنهم لايزرعون. وهم شافعيون يعنون بأمور دينهم ويشيدون المساجد من الأخشاب المتينة». وبعد أن قضى «ابن بطوطة» ليلة فى «ممبسة» ركب البحر إلى مدينة «كلوة»، وقال عنها: «إنها مدينة كبيرة، بيوتها من الخشب، وأكثر أهلها زنوج مستحكمو السواد، وهم شافعيون، ويحكمها السلطان «أبو المظفر حسن»، وقد كان فى قتال دائم مع السكان المجاورين، وعرف بتقواه وصلاحه، كما كان محسنًا كريمًا».

ولم يكن السلطان «أبو المظفر حسن» الذى زار «ابن بطوطة» «كلوة» فى عهده فارسى الأصل، بل كان من أصل عربى صميم، فهو من بيت «أبى المواهب الحسن بن سليمان المطعون بن الحسن بن طالوت المهدلى» اليمنى الأصل. وقد انتقل الحكم من البيت الفارسى إلى هذا البيت العربى منذ عام (676هـ = 1277م)، وظل هذا البيت يحكم هذه السلطنة حتى جاء البرتغاليون وقاموا بغزوها فى عام (1505م). وقد ازدادت الهجرات العربية فى عهد هذا البيت العربى الحاكم فى «كلوة»، مما جعل الطابع العربى يتغلب على الطابع الفارسى فى مظاهر الحياة المختلفة، فاللغة الغالبة هى اللغة العربية التى كانت تُكتَب بها سجلات «كلوة» بجانب اللغة السواحلية، كما كان المذهب الدينى السائد هو المذهب الشافعى السُّنى وليس المذهب الشيعى،الذى أتى به البيت الحاكم الأول على يد «على بن حسن بن على الشيرازى»، وما زالت أغلبية المسلمين فى هذه المنطقة من السُّنة الشافعية حتى الآن.

على أية حال فقد انفعل سلاطين هذه السلطنة سواء أكانوا من الفرس أم من العرب بالحياة والتقاليد الإسلامية كل الانفعال، فأكثروا من بناء المساجد والمدارس، واهتموا بالعلوم الإسلامية، واستقدموا العلماء ورحبوا بالأشراف والصالحين، كما شاركوا فى الجهاد ضد الوثنيين الذين كانوا يقيمون فى الداخل، وقد أشار إلى ذلك «ابن بطوطة» وقال: «إن سلطانها كان كثير الغزو إلى أرض الزنوج، يغير عليهم ويأخذ الغنائم فيُخرج خمسها ويصرفه فى مصارفه المعينة فى كتاب الله تعالى، ويجعل نصيب ذوى القربى فى خزانة على حدة، فإذا جاءه الشرفاء دفعه إليهم، وكان الشرفاء يقصدونه من العراق والحجاز وسواها .. وكان هذا السلطان له تواضع شديد ويجلس مع الفقراء ويأكل معهم ويعظم أهل الدين والشرف».

غير أن ازدهار «كلوة» لم يتجاوز منتصف القرن الرابع عشر؛ إذ أخذ نجمها فى الأفول بسبب تعرضها لبعض الاضطرابات الداخلية، وبدأت مدينة «بات» فى شمالها تقوى وتثرى لانتقال تجارة الذهب إليها، وأخذت فى التوسع صوب «كلوة» فى عهد أسرة «بنى نبهان» العربية التى أسست سلطنة قوية فى مدينة «بات» فرضت سلطانها على كثير من بلاد الساحل الشرقى لإفريقيا، كذلك قام حاكم «سوفالة» بالتخلص من سيادة «كلوة» وأعلن استقلاله عنها، وانتهى الأمر إلى نزوح بعض العرب من «مالندة» (مالندى) إلى «كلوة» وتولوا مناصب الوزراء والأمراء وأبقوا على السلطان الذى لم يكن له من الحكم إلا الاسم فقط، وقام الصراع بين أفراد البيت الحاكم على منصب السلطان فى القرن الخامس عشر الميلادى، وتعاقبوا على العرش الواحد بعد الآخر، وقل المال حتى إن الحكومة لم تجد ما تنفقه على إصلاح المسجد الكبير بعد أن أصابه الخراب.

وقد أعطى كل هذا الفرصة للبرتغاليين للسيطرة على مقاليد الأمور فى البلاد، ففى عهد «فضيل بن سليمان» آخر سلاطين «كلوة» الذى بلغ عددهم (29) سلطانًا احتل البرتغاليون مدينة «كلوة» عام (1505م)، وفى أخريات القرن السابع عشر وقعت «كلوة» تحت سيادة سلاطين عُمان الذين قضوا على النفوذ البرتغالى فى بلادهم ثم فى شرق إفريقيا. ولما فصل هؤلاء السلاطين ممتلكاتهم الأسيوية عن ممتلكاتهم فى إفريقيا فى عام (1856م) آلت «كلوة» إلى سلطان «زنجبار» العُمانى، ثم استولى عليها الألمان عام (1885م)، وفى عام (1919م) أصبحت جزءًا من «تنجانيقا» (تنزانيا الحالية).

السابق
سلطنة عَدَل الإسلامية
التالي
سلطنة مالى الإسلامية