المؤرخون

صاعد الأندلسي

ملخص المقال

    يعتبر صاعد الأندلسي مؤرخ حضارات العالم، كما نستنتج ذلك من كتابه طبقات الأمم، الذي يوضح رؤية أحد أبرز علماء العرب المسلمين للأمم الأخرى

الصين والترك

»وأنبه هذه الأمم التي لم تعن بالعلوم الصين والترك. فأما الصين فأكثر الأمم عددًا، وأفخمها مملكة، وأوسعها دارًا، ومساكنهم محيطة بمشارق الأرض المعمور. وحظهم من المعرفة التي بزوا فيها سائر الأمم إتقان الصنائع العلمية وأحكام المهن التصويرية، فهم أصبر الناس على مطاوعة التعب وتجويد الأعمال ومقاساة النصب في تحسين الصنائع«.

وتظل مع صاحب كتاب “طبقات الأمم” صاعد الأندلسي، في التعرف إلى رؤية أحد أبرز علماء العرب المسلمين للأمم الأخرى، فبرغم أن العلوم وفق معايير هذا الزمان، القرن الخامس الهجري، تقتصر على العلوم النظرية والشرعية والتطبيقية بما يمكث في الأرض ويفيد الناس، إلا أن مؤلفنا لا ينكر على الأمم الأخرى فكرة التمدن، فالصين أمة متحضرة لم تبرع في العلوم بمعايير صاعد وغيره، إلا أنها أفخم الأمم مملكة، وتتقن الصنائع العملية والتصوير.

والرأي نفسه يقوله ينطبق على الترك، وهم قبائل تمتد في ذلك الوقت من غرب الصين إلى خراسان، ومن أقصى الشمال وحتى الهند، وفضيلتهم »معاناة الحروب ومعالجة آلاتها، فهم أحذق الناس بالفروسية«.

كتاب طبقات الأمم

في كتاب “طبقات الأمم” بإمكانك أن تقرأ عن علوم الأمم المختلفة، وإشارة هنا أو هناك إلى تاريخ أبرز أعلام هذه الأمة أو تلك، وبإمكانك التعرف إلى مدى انفتاح العلماء العرب على الآخرين وعدم نفيهم وتقبل أفكارهم واحترام ما قدموه للإنسانية، وأيضًا قراءة النظريات المنتشرة آنذاك حول أسباب نهضة العلوم في بلد دون الآخر، وفي سرده السريع لما يشبه أن يكون جرعة مكثفة للحضارات التي يعرفها.

يأخذك الأندلسي متجولًا بين حكمة وعدل الهند، وبراعة العرب في اللغة والعلوم الشرعية وحتى العلمية، وتفوق اليونان في المنطق والفلسفة، والكتاب مرة أخرى مكتوب في الأندلس بكل ما شهدته من نقاشات وحوارات بين أصحاب الديانات المختلفة، ولذلك هو يضع العبرانيين ضمن الأمم المتحضرة، تأثرًا بالتسامح الذي ساد هذا البلد الإسلامي ووصل فيه اليهود إلى مراكز عليا ومتقدمة.

لقد كان مؤلفنا يدرك أنه ابن حضارة متألقة، تبحث لها عن موقع متقدم بين الحضارات الكبرى: الهندية، اليونانية، الفارسية، الرومانية، المصرية، ولم يكن بإمكانه ذلك إلا بالبحث والتنقيب في عوامل نهوض تلك الحضارات.

مؤشرات التمدن

البشر على مؤشر التحضر وفق صاعد الأندلسي لابد أن يتميزوا بثلاث فضائل، يأتي في مقدمتها الأخلاق، فالقدرة على استخدام العقل وما ينتج عن ذلك من علوم وفلسفة ثم بساطة اللغات وتنوع آدابها. ووضع الأخلاق في المقدمة دلالة واضحة على أهميتها بالنسبة لعالم عربي مسلم، ويلفت الانتباه مثلًا توقفه أمام أخلاق أمة الهند “وكانت الهند عند جميع الأمم على مرّ الدهور وتقادم الأزمان معدن الحكمة وينبوع العدل والسياسة”.

وهو ما يؤكد لدى صاعد وغيره أن الأخلاق، أو التفكير في الأخلاق، لم تكن غائبة في فضاء الثقافة العربية الإسلامية كما سيردد بعض المُنظرين العرب حديثًا، والأخلاق هنا مرتبطة بالحكمة والعدل والسياسة، ولذلك كانت الأمة المتمدنة الأولى عند صاعد هي الهند “وكانوا يسمون ملك الهند ملك الحكمة، لفرط عنايتهم بالعلوم وتقدمهم في جميع المعارف”.

كان الأندلسي يبحث عن الحكمة ومعايير التمدن التي على أساسها تزدهر الأمم، ولم يكن لديه ذلك الولع بالثقافة اليونانية التي أسقط البعض أيضًا من مثقفينا المعاصرين ولعهم بها على القدماء من فلاسفة وعلماء العرب، بل ربما تقف أمام النص التالي لتقرأ ما يتقاطع مع أحدث الأطروحات الغربية المعاصرة لأصول الحضارة الإغريقية “وأما فيثاغورث .. كان قد أخذ الهندسة عن المصريين، ثم رجع إلى بلاد اليونان وأدخل عندهم علم الهندسة وعلم الطبيعة وعلم الدين”، “وأما سقراط فكان من تلاميذ فيثاغورث” .. “وأما أفلاطون، فشارك سقراط في الأخذ عن فيثاغورث”، أي أن فلاسفة اليونان الكبار أخذوا عن فيثاغورث الذي تعلم الهندسة وعلوم الطبيعة والدين في مصر.

والكلام هنا يأتي في سياق السرد العادي للتاريخ، أي أن هذه المعلومات كانت متداولة آنذاك، حيث لم تكن الثقافة اليونانية معجزة تاريخية أو طفرة من عدم كما روج لها فيما بعد في ثقافتنا المعاصرة، ولم يكن على المثقفين العرب المعارضين لهذه الأفكار انتظار أطروحة مارتن برنال “أثينا السوداء” في أواخر القرن العشرين التي ذهب فيها إلى تأكيد الأصول المصرية للحضارة اليونانية.

صاعد الأندلسي

صاعد الأندلسي، فقيه وعالم ومؤرخ وقاض، هو أبو القاسم صاعد بن أحمد بن عبد الرحمن التغلبي، من قبيلة تغلب التي استوطنت الأندلس بعد الفتح الإسلامي، ولد مؤلفنا في مدينة “المرية” في عام 420هـ، وبدأ تحصيله العلمي في قرطبة وأكمله في طليطلة، تتلمذ على يد ابن حزم الفقيه والعالم الشهير، تولى قضاء “طليطلة”.

كتب عدة مؤلفات أخرى بخلاف “طبقات الأمم”، منها كتاب عن الفلك، وكتاب آخر بعنوان “جوامع أخبار الأمم من العرب والعجم”، وكتاب ثالث عن ديانات الشعوب الأخرى، استفاد صاعد من ازدهار “طليطلة” العلمي في عصره وتوافر المصادر التي تؤرخ وتحلل ثقافات الأمم المختلفة، وتوفي صاعد في عام 462هـ.

العرب

وعندما يتحدث صاعد عن العرب، تجد فيه تلك القدرة على الدمج بين ما هو تاريخي وما هو اجتماعي. فالعرب إما بائدة أو باقية، الفرقة الأولى تضم “عاد وثمود وطسم وجديس والعمالقة وجرهم”، وهؤلاء ينتمون إلى الماضي السحيق الذي لا زال الكثير من الباحثين يشتغلون عليه، وأما الفرقة الثانية فتعود جذورها إلى جدّين: عدنان وقحطان، والعرب عند صاعد مرة ثانية ينقسمون إلى عرب ما قبل الإسلام، وعرب ما بعده، وهم مرة ثالثة أهل مدر “مدن وقرى”، وأهل وبر “البادية”.

ثم يسترسل في شرح عقائد العرب وعاداتهم على مدار قوس شبه الجزيرة العربية واليمن، وبرغم اختلاف العقائد “كانت حمير تعبد الشمس، وكنانة القمر”، إلا أن “جميع عبدة الأوثان من العرب موحدة لله تعالى”، ويستند إلى النص القرآني حيث عبادة الأوثان كانت للتقرب زلفى إلى الله “وجاء نص القرآن لمخالفتهم في البعث والنشور ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم”.

واللغة والشعر والخطب ليست الفنون التي تميز فيها العرب وحسب، ولكن هناك أيضًا معرفة واسعة بأخبار الأمم الأخرى “ليس يوصل إلى خبر من أخبار العرب والعجم إلا بالعرب ومنهم، وذلك أن من سكن بمكة من العماليق وجرهم وآل السميدع وخزاعة أحاطوا بعلم العرب العاربة والفراعين العاتية وأخبار أهل الكتاب. وكانوا يدخلون البلاد للتجارات فيعرفون أخبار الناس. وكذلك من سكن الحيرة وجاور الأعاجم”.

إذن هناك أكثر من رافد للمعرفة نتج عن تنوع سكاني في جزيرة العرب ومجاورة للأمم الأخرى وتجول في مختلف البلدان للتجارة، وكانت هناك أيضًا حاجة ضرورية للتعرف إلى الآخرين، يقول صاعد: “ولم يكن الملك منهم يغزو إلا إذا عرف البلاد وأهلها”، هناك علم آخر برع فيه العرب وهو مطالع النجوم، ومعرفة الكواكب المختلفة ومهاب الرياح.

مصر .. وعي متقدم

وتجد لدى صاعد أيضًا تلك الآراء المتناثرة في كتب المثقفين المصريين حول تنوع الثقافة المصرية وقدرتها على امتصاص وهضم الثقافات الأخرى: “وأما الأمة السادسة، وهي أهل مصر، كانوا أهل ملك عظيم وعز قديم في الدهور الخالية والأزمان السالفة، وكانوا أخلاطًا من الأمم ما بين قبطي ويوناني ورومي وعمليقي وغيرهم، إلا أن جمهرتهم قبط”.

ثم يتحدث عن عظمة مدن مثل منف الفرعونية والإسكندرية في العصر اليوناني والفسطاط في العهد الإسلامي. ولا يتورط صاعد في التاريخ المصري وإنما يركز على العلوم: الرياضيات والكيمياء والفلك، ويختتم حديثه عن مصر قائلًا: “ولا وصل إلينا من حكمتهم إلا القليل، الذي بالإضافة إلى ما تشهد به آثارهم بصعيد مصر، ومصانعهم الجليلة بسائر نواحيها من عجائب وغرائب دالة على سعة علمهم”.

الروم واليونان

وصاعد على وعي كذلك بإسهام الروم في الحضارة الإنسانية، والأهم أنه على وعي بذلك الخلط الذي وقع فيه بعض القدماء بين الروم واليونانيين: “الروم أمة ضخمة فخمة الملوك، وكانت بلادهم مجاورة لبلاد اليونانيين ولغتهم مخالفة للغتهم، فلغة اليونانيين الإغريقية ولغة الروم اللطينية (اللاتينية)”.

وهو يقارن بين علوم الأمتين، ويبدو تفوق اليونان في الحكمة والمنطق والفلسفة، والروم أو الرومان في القانون والفنون والطب.

عوائق للتمدن

أما الأمم التي لم يكن لها نصيب من التحضر، فتلك البلدان التي تقع في المناطق شديدة البرودة، ويرجع صاعد ذلك إلى قسوة المناخ التي تحرمهم من السير في طريق التمدن”.

نوابغ العلماء العرب

بعد أن يتتبع صاعد تاريخ وإسهامات الأمم المتحضرة نتيجة لمعيارين يهيمنان على الكتاب وهما العلم والأخلاق، يتفرغ لتتبع نوابغ العلماء العرب في مختلف العلوم: الكيمياء والطبيعة والفلك والفلسفة واللغة .. إلخ.

هل كان صاعد يقول: إن العرب استفادوا من جميع العلوم المتاحة في عصره، الإجابة نعم، حيث كثيرًا ما يسرد لعلوم أمة وفي سياق الحديث يشير إلى أبرز من برع من العرب في هذه العلوم نتيجة للترجمة، أما سرده في النصف الثاني من الكتاب لأعلام العلماء العرب فهو بمثابة تأكيد أن العرب لم يكتفوا بالنقل والترجمة، ولم يكونوا مجرد وسيط حضاري يحفظ العلوم القديمة حتى تأتي النهضة الأوروبية الحديثة لتستفيد منها، ولكنهم أخذوا هذه العلوم وطوروها فيما يشبه الإبداع الخالص أو الأصيل.

لقد كان صاعد ابن عصره، القرن الخامس الهجري، وابن بيئته الأندلس المنفتحة على مختلف ثقافات العالم، ولذلك لابد أن تأتي رؤيته الثقافية صحية من دون عقدة الإحساس برغبة المغلوب في تقليد الغالب، أو النظر بانبهار إلى ثقافات ومنتجات الآخرين الحضارية، أو نفي الآخر وسلبه ما قدمه للإنسانية من إسهام يستفيد منه جميع البشر.

السابق
خليفة بن خياط
التالي
أبو عمر الكندي