الطب والصيدلة

صاعد بن الحسن أبو العلاء

ملخص المقال

    يعد أبو العلاء صاعد بن الحسن بن صاعد الفلكي الطبيب المهندس من أعلام الحضارة الإسلامية والعالمية، فمن هو صاعد بن الحسن وما هي إسهاماته؟

يعد أبو العلاء صاعد بن الحسن بن صاعد من أعلام الحضارة الإسلامية والعالمية النابغين خلال القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي، وله من الإسهامات والاختراعات العلمية ما سبق به علماء العصر الحديث، منها أنه اخترع قلمًا حبرًا، وجسمًا فلكيًا فضائيًا، كما تمكَّن من اختراع رجلًا آليًا. ومما يميزه رحمه الله أنه كان طبيبًا ماهرًا، وفلكيًّا بارعًا، ومهندسًا عبقريًّا. وفي هذا المقال نبسط القول عنه.

نسبه ونشأته

هو أبو العلاء صاعد بن الحسن بن صاعد المتطبب، ينتسب إلى مدينة رحبة مالك بن طوق بن عتاب التغلبي، وهي بين الرقة وبغداد على شاطئ نهر الفرات. عُرف صاعد باسم “زعيم الدولة”، ولم تُشر المصادر والمراجع إلى سبب ذلك، سوى ما ذكره ابن عساكر في تاريخ ابن عساكر عن تقربه من السلطان وملازمته للديوان، حيث قال: “وصل إلى دمشق، وقرى من السلطان، ولابس الديوان، واستقر قراره مدة مقامه، فكان تغشاه ويميل إلى زيارته، جماعة وتتأكد مودته لعصبة مميزة”، كما أغفلت كتب التراث تاريخ ولادته ووفاته، وأشارت إلى تاريخ الفراغ من تأليف كتابه “التشويق الطبي” في 464هـ/1072م، أي إنه كان حيًا في ذلك التاريخ.

كان صاعد عالمًا في الطب والفلك والصناعات الميكانيكية والهندسية، كما كان أديبًا وشاعرًا. ولد هذا العالم الجليل في الرحبة، ولم تعرف سنة ولادته ولا سنة وفاته، وذكر أنه يعيش في دمشق في النصف الأول من القرن الخامس الهجري / الحادي عشر الميلادي، تلقى تعليمه في الرحبة، حيث درس فيها العلوم الدينية والمدنية والعلمية، وخلال وجوده في الرحبة أقام مع الأمير شرف الدين مسلم بن قريش بن بدران العقيلي أبي المكارم (ت 478هـ) صاحب الموصل وديار ربيعة من أرض الجزيرة علاقات شخصية، وصداقة حميمة، حيث الرحبة من ديار ربيعة، لذلك كانت تابعة له.

صاعد بن الحسن الطبيب

كتاب التشويق الطبي

وضع صاعد بن الحسن الطبيب كتابًا في أدب الطب وسلوك الأطباء، وأسماه “التشويق الطبي” وقدمه لخزانة الرئيس الأجل الكامل أبي المكارم علي بن عبد الوهاب، وفصّـل كتابه في ثلاثة عشر بابًا، عالج فيها السبب الداعي لوضع الكتاب، والتنبيه على جلالة قدر صناعة الطب وأهلها؛ وفي صفة الطبيب الماهر الذي يستحق التقدم على من ينتحل هذه الصناعة وينتهي إليها؛ ووضح الشروط والقوانين التي يجب أن يعملها ويكون عليها الطبيب الأبقراطي؛ وتحدث عن الآداب والوصايا والقوانين التي ينبغي أن يلزمها الطبيب.

يعد كتاب “التشويق الطبي” من أوائل الكتب التي اهتمت بأخلاق الأطباء، ويكشف عن مقدرة المؤلف المتميزة بالجانب العملي والعلمي لمهنة الطب، فقد حدد صاعد للطبيب تسلسل مراحل العلاج، فأولها بالغذاء ثم بالدواء ثم بالعمل الجراحي كتسلسلها في الطب الحديث. وكان من جملة أخلاق وصفات الأطباء التي ذكرها صاعد بن الحسن، قوله: “ويكون الطبيب كثير التودد، والسلام على من يستحقه، طويل الروح، مبشرًا بالخير، ضاحك السنّ”.

تأثر عدد من الأطباء بكتاب التشويق، واستفادوا منه في مؤلفاتهم، منهم العالم محمود بن مسعود الشيرازي (توفي 710 هـ/1311م). كما نشر المستشرق أوتو سبيس Spies Otto  الكتاب مخطوطةً مصورة مع بعض التصحيحات في ألمانيا عام 1968م، ثم قام مريزن عسيري بتحقيق الكتاب ودراسته ونشره في الرياض عام 1996م.

صاعد بن الحسن العالم الفلكي

ذكر ابن عساكر صاعد بن الحسن في كتابه تاريخ دمشق، بصفته أديبا فلكيا مهندسا ميكانيكيا، وذكره العالم الألماني “بروكلمان” من بين الفلكيين العرب المسلمين. وكتب صاعد بن الحسن في سنة 459هـ/1066م إلى بعض إخوانه -من دون أن يحدد اسمه- مقالة في علم الفلك اختصارًا، ولقبها بـ “التشويق التعليمي”، كما يشير المؤلف في مقدمة نسخة مخطوطة التشويق التعليمي المحفوظة في مكتبة طوبقابي سراي بإسطنبول والتي يبلغ عدد أوراقها154 ورقة.

التشويق التعليمي في الفلك

قسم صاعد مخطوطته إلى ثمانية عشر بابًا، عالجت موضوعات شتى، فقد تحدث عن شكل الأرض ووضعها في الفلك، وعن مراتب أفلاك الكواكب الخمسة والنيّرين، وعن فلك الكواكب الثابتة، وعن الفلك الأعلى وما يتوهم في سطحه الأعلى من الدوائر المتحركة المختلف وضعها عند المساكن المختلفة في العرض، ومقادير الليل والنهار، ووضح حركات الكواكب الثابتة وصورة منازل القمر، وكمية حركات الكواكب المتحيرة والنيّرين في الشهور والسنين بالتقريب، وأسباب الكسوف والخسوف، وأظهر كيفية كتابة الأعداد بالحروف وعلامات البروج والكواكب بها.

تكشف الموضوعات الفلكية التي عالجها صاعد عن تعمقه بعلم الفلك، ويدعم هذا الرأي ما ذكره ابن عساكر أن صاعدًا عمل لشرف الدولة أبو المكارم مسلم بن قريش، أحد أمراء بني عقيل في منطقة الموصل والمتوفى في سنة 478هـ/1085م: “فلكًا بالقابوسية فيه نجوم وما يشبهها”، وهذا يدل على مقدرة متميزة ومعرفة خاصة ببناء المراصد الفلكية أيضًا.

اختراعات صاعد بن الحسن الميكانيكية

ولصاعد مهارات ميكانيكية أشار إليها ابن عساكر إشارة عابرة، حيث قال: “وكان يعرب في أشياء يخترعها منها محان (مجان) عمله يشيل الحجارة الثقال وقلم حديد للحف يملأه مدادا يخدم قريبا من شهر لا يجف وأشياء من هذا الفن”.

اختراع القلم الحبر:

فقد اخترع صاعد بن الحسن قلم حبر في داخله كمية من المداد، تكفي لمدة شهر كامل من دون أن تنشف، وقد صنع القلم من الحديد، وجعل له سنًا مشقوقة مقطومة، تساعد الكاتب على التدوين بسهولة، فاختصر به الزمن الطويل، الذي يقضيه الكاتب في تدوين المخطوط أو الرسالة بالريشة، وهذا القلم الذي اخترعه صاعد يحمل نفس المواصفات الموجودة حاليًا في قلم الحبر “الأستيلو”، الذي ظهر في القرن العشرين، وبذلك سبق صاعد بن الحسن الأوروبيين في اختراع قلم الحبر بألف عام.

علمًا أن بعض المصادر التاريخية تذكر أن عباس بن فرناس (ت 274هـ / 887م) قد سبق صاعد في اختراع أول قلم للحبر في القرن الثالث الهجري، لهذا يعد قلم الحبر الذي اخترعه صاعد، هو الثاني الذي اخترعه العرب المسلمون، كما أن بعض المصادر التاريخية تذكر أن القاضي النعمان ذكر في كتابه المجالس والمسايرات، بأن المعز لدين الله الفاطمي أمر عام 365هـ  / 976م أعوانه بصناعة قلم حبر.

فالقلم المخزِّن للحبر، الذي قام صاعد بإعادة صنعه، إبداع عربي منذ القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي، أي قبل ثمانية قرون من أول قلم حبر خزّان عُرف في أوربا، وهو قلم F.B.Foelsh سنة 1809م، وقلم J.Scheffer سنة 1819م.

اختراع صاعد بن الحسن آلة لحمل الأحجار الثقيلة اسمها “المجان”:

كما يذكر ابن عساكر في كتابه تاريخ دمشق، “وكان يعرب في أشياء يخترعها، منها مجان، عمله يشيل الحجارة الثقال”، هكذا ذكرها المؤرخون بدون أية معلومات تفصيلية أخرى. وفي هذا الاختراع يكون صاعد بن الحسن من أوائل المخترعين في العالم، ممن اخترعوا رافعة للحجارة الثقيلة في العالم.

اختراع إنسان آلي:

يعد صاعد بن الحسن أول من اخترع الإنسان الآلي، حيث اخترع تمثالًا من الحديد على صورة رجل، جعله يقوم بنفخ النار، ويعمل لعدة ساعات. ففي معرض ترجمته لإبراهيم بن سعيد الإسكندراني المعروف بالسديد، قال ابن عساكر: “قدم دمشق وذكره لنا أبو عبد الله بن الملحي فيمن لقيه من أهل الأدب بدمشق ..، شيخ جليل القدر واسع الأدب، مشهور بالفضل من بيت كبير، كلهم صحبوا بني حمدان بمصر واستغنوا من فضلهم، وكان هذا السديد نزل عند صاعد بن الحسن بن صاعد بزقاق العجم، وكان صاعد قد عمل شخص حديد ينفخ النار ساعات، فأراد السديد اعتباره فلم ينصبه كما يحب فأطفأ النار، فقال صاعد بديها:

نار تيممها السديد فردها *** بردا وكانت قبل وهي جحيم

وكأنما المنفاخ آية ربه *** وكــأن إبــراهيم إبراهيم“.

صاعد بن الحسن الأديب الشاعر

كان صاعد بن الحسن كذلك أديبا شاعرا بليغا، وقد ذكر ابن عساكر نقلا عن أبي عبد الله بن الملحي قوله: “الأمير زعيم الدولة أبو العلاء صاعد بن الحسن بن صاعد، شاعر غزير الشعر، مقتدر على النظم والنثر، له معان حلوة وألفاظ حسنة عن جميع ما يذكره، ولم يكن علمه بالعروض والنحو واللغة يضاهي شعره”.

ومن شعره في مدح شرف الدولة:

على مثلها من محظرات المراتب *** أخذت على الطلاب سيل المطالب

فاتهرتها غرما إذا ما انتصبه *** مضى حيث لا يمضي شفار الغواضب

بين صاعد بن الحسن الطبيب وصاعد بن الحسن الفلكي

ميز بعض المؤرخين بين صاعد بن الحسن الطبيب من صاعد الفلكي. أما الطبيب فقد أوجز ابن أبي أصيبعة ترجمته في كتاب (عيون الأنباء في طبقات الأطباء)، فقال: “أبو العلاء صاعد بن الحسن، من الفضلاء في صناعة الطب والمتميزين من أهلها، وكان ذكيا بليغا، ومقامه بمدينة الرحبة، وله من الكتب: كتاب التشويق الطبي، صنفه بمدينة الرحبة في رجب سنة 464هـ”.

وأما الفلكي والمهندس، ذكره ابن عساكر، فقال: ” صاعد بن الحسن بن صاعد أبو العلاء المعروف بزعيم الدولة ..، وكان يعرب في أشياء يخترعها منها محان (مجان) عمله يشيل الحجارة الثقال، وقلم حديد للحف يملأه مدادا يخدم قريبا من شهر لا يجف، وأشياء من هذا الفن، وعمل لشرف الدولة مسلم بن قريش فلكا بالقابوسية، فيه نحو وممن يشبهها”.

وقد علق الزركلي في الأعلام، على ترجمة ابن عساكر تلك، وترجمة ابن أبي أصيبعة، فقال: “قلت: لم يزد المؤرخ ابن عساكر على هذه النبذة الضئيلة من حياة (صاعد) غير الإطناب في ذكر أدبه، وإيراد بعض شعره، في مدح (شرف الدولة) وممدوح آخر سماه لحسن الحظ، وهو (أرتق) وأرتق هذا، يقول صاحب النجوم الزاهرة 5: 115 و 124: إنه كان يقاتل القرامطة في بلاد الشام، قبل سنة 475هـ وبرح دمشق إلى القدس في هذه السنة، ثم عاد إليها، وبرحها أيضا سنة 479هـ بعد مقتل شرف الدولة. ومن هذا نستفيد أن (صاعدا) كان حيا في بعض هذه السنوات. ولم يذكر ابن عساكر الجهة التي جاء منها صاعد إلى دمشق، ولا أفادنا بشئ عن أواخر أيامه. وقد يكون من المفيد أن نقرنه بصاحب الترجمة السابقة لهذه (أي الطبيب): كلاهما اسمه (صاعد بن الحسن) وكنيته (أبو العلاء) وكلاهما وصف بالذكاء والبلاغة، وكلاهما سكت مؤرخه عن مصيره. فهل يكون صاعد صاحب الترجمة السابقة (الطبيب) الذي تكلم عنه مؤرخ الأطباء من الناحية الطبية، وأفادنا بأنه كان مقيما في (الرحبة) على شاطئ الفرات، وألف فيها كتابا في الطب سنة 464هـ هو نفس صاعد الذي نزل بدمشق حوالي سنة 470هـ واخترع لشرف الدولة وغيره ما اخترع؟ هذا ما يجب البحث عن مصادر تهدي إلى حقيقته”.

والحقيقة أن القرائن كافة تشير إلى أن صاعد بن الحسن إنما هو شخصية واحدة.

كان صاعد بن الحسن مثالا ًللعَالِم العربي المتعدد المواهب، فقد كان طبيبًا موهوبًا، وفلكيًا ناجحًا، ومهندسًا ميكانيكيًا مبدعًا، وأديبًا معبّرًا. فرحمه الله رحمة واسعة.

_______________

المصادر والمراجع:

– ابن أبي أصيبعة، عيون الأنباء في طبقات الأطباء، شـرح وتحقيق نزار رضا، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت، 1965م.
– ابن عساكر، تاريخ دمشق،حققه عمرو بن غرامة العمروي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 1415هـ / 1995م.
– ابن عساكر، تهذيب تاريخ ابن عساكر، هذبه ورتبه ابن بدران، منشورات المكتبة العربية، دمشق، 1349هـ.
– زهير حميدان، أعلام الحضارة العربية الإســلامية في العلوم الأساسية والتطبيقية، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، 1995م.
– مصطفى موالدي: صاعد بن الحسن بن صاعد، الموسوعة العربية العالمية.
– زبير سلطان: رحبة مالك بن طوق .. في الطب والفقه والتقنيات، مجلة الوعي الإسلامي.

السابق
ابن الطفيل – الطبيب الفيلسوف
التالي
ابن زهر – الطبيب الإكلينكي ورائد علم الأورام