المسلمون في أفريقيا جنوبي الصحراء

طابع الإسلام والثقافة الإسلامية فى شرق إفريقيا

بعد الحديث عن السلطنات الإسلامية وحركات الجهاد فى بلاد الحبشة والصومال وعلى طول الساحل الشرقى الجنوبى حتى نهر «زمبيزى» فى «موزمبيق» نلقى نظرة على طابع الإسلام فى تلك الجهات وعن مدى انفعال تلك الشعوب بالإسلام، ومدى انتشار الثقافة الإسلامية فى هذه المناطق.

تميزت الإمارات الإسلامية فى هذه المنطقة بطابع أثر فى كيانها السياسى وفى موقفها ضد الأحباش والبرتغاليين وفى عطائها الحضارى والثقافى. هذا الطابع تمثل فى أن هذه السلطنات والممالك لم يكن بينها أى نوع من أنواع الوحدة السياسية، وكان من أثر ذلك خضوع معظم هذه الإمارات للأحباش فى النهاية رغم حركات الجهاد التى استمرت نحو أربعة قرون من الزمان.

وترجع هذه الفرقة السياسية إلى أن هذه السلطنات تكونت من بطون عربية مختلفة فضلا عن اختلاف المذاهب الدينية فيما بينها.

فكانت هذه المدن والسلطنات تستقل كل واحدة منها عن الأخرى بنشاطها التجارى، وكانت العداوات لاتفتأ تشتعل فيما بينها، مثل النزاع بين «مالندة» و «ممبسة» والذى استمر حتى قدوم البرتغاليين الذين استغلوه فى السيطرة على هذه المنطقة، وقد بلغت البغضاء بين هذه المراكز الإسلامية حدا جعل بعضها يتعاون مع البرتغاليين نكاية فى الآخرين.

إذن كان طابع هذه الإمارات اقتصاديا صرفًا، فتنوعت مشروعاتها الاقتصادية، واشتغلت بالزراعة فى المناطق الخصبة، وجلبت مزروعات جديدة لم تألفها البلاد من قبل مثل البرتقال والذرة والفلفل والأرز والقرنفل. وكان لها أيضًا نشاط صناعى، فقد عرفت «مقديشيو» بصناعة المنسوجات الرفيعة التى كانت تصدر إلى العالم الإسلامى كما عرفت «سوفالة» باستخراج الذهب إلى جانب التجارة فى العاج وجوز الهند والرقيق. وقد أدى ذلك إلى ثراء هذه المدن والسلطنات ثراءً كبيرًا ظهر فى وصف الرحالة العرب وغيرهم لها.

وقد ترك هذا النشاط الاقتصادى أثره فى الحياة الاجتماعية وأدى إلى تنوع الطبقات، فهناك الطبقة الأرستقراطية من العرب، وطبقة الهنود الذين تركزت فى أيديهم الشئون المالية والمصرفية، وطبقة خليط من العرب وأهل البلاد الأصليين، ثم طبقة العبيد الذين كانوا يقومون بالأعمال اليدوية فى المزارع والمصانع والمتاجر.

وقد تأثرت الثقافة الإسلامية بهذا النوع من الحياة التجارية وبحركات الجهاد المستمر الذى فُرض عليها، سواء فى الشمال من مقديشيو ضد الأحباش أم فى جنوبها ضد البرتغاليين. فالمدن التجارية والسلطنات التى قامت على طول الساحل كانت ذات صلات وثيقة بالعالم الإسلامى، وشئون التجارة تفرض تلك الصلات وتنميها وتعمقها، وكان للتجارة جانبها المضىء فى نشر الإسلام وثقافته فقد أتت معها الفرق والمذاهب التى عرفتها الحياة الإسلامية وقد انتشر فقهاء اليمن والحجاز ومصر فى تلك المناطق، وكان هؤلاء غالبًا ما يعملون بالتجارة، وكان تأثيرهم كبيرًا فى إذكاء حركات الجهاد هناك، وقد وفد إلى الأزهر كثير من الطلاب والعلماء وأنشئ به رواق لأهل «زيلع» ورواق للجبرتية.

وبرز من هؤلاء العلماء الوافدين إلى مصر طائفة كبيرة من أمثال الشيخ الإمام الزيلعى «فخر الدين عثمان بن على» المتوفى سنة (742هـ = 1342م) والمحدث الزيلعى «جمال الدين عبدالله بن يوسف» المتوفى سنة (762هـ = 1362م) والعارف بالله «الشيخ على الجبرتى» المتوفى سنة (899هـ= 1493م)، وكان هؤلاء العلماء يعودون إلى بلادهم لمتابعة نشاطهم العلمى. وقد وفد إلى تلك البلاد بعض العلماء المصريين، فابن بطوطة يشير إلى وجود أحد علماء مصر وهو «ابن برهان المصرى» فى «مقديشيو».

وقد ترك الجهاد فى هذه السلطنات أثره فى الحياة الثقافية فقد صبغت الثقافة الإسلامية هناك بطابع دينى عميق، فقد كان الفقهاء والعلماء من وراء حركات الجهاد التى قام بها سلاطين «عَدَل»،وظهر الأمراء الأئمة منذ القرن الخامس عشر الميلادى، وكان هؤلاء السلاطين يأتمرون بأمر الفقهاء ويتلقون منهم التوجيه والإرشاد.

وكان انتشار الإسلام يسير فى ركاب حركات الجهاد التى قام بها السلاطين فى «أوفات» و «عدل» و «هرر». وليس ثمة شك فى أن انتشار الإسلام كان مصحوبًا بنشاط تعليمى واضح؛ إذ كلما انتشر الإسلام فى مكان خف إليه الفقهاء والمعلمون وأقاموا المدارس والكتاتيب، وقد لاحظ المستشرق «توماس أرنولد» أثناء تنقله فى بلاد الحبشة أن الوظائف التى تتطلب خبرة خاصة ومستوى ثقافيا معينًا كان لا يشغلها إلا المسلمون، ويعلل ذلك بأن المسلمين كانوا يعلمون أبناءهم القراءة والكتابة فى الوقت الذى كان فيه أبناء المسيحيين لايتعلمون إلا إذا أرادوا الانتظام فى سلك الكهنوت.

وربما كانت الحياة الثقافية فى السلطنات الإسلامية التى انتشرت من «مقديشيو» صوب الجنوب أكثر ازدهارًا منها فى مدن الشمال، فقد عاشت هذه المدن عيشة رخاء وطمأنينة منذ نشأتها الأولى حتى بداية الاحتلال البرتغالى فى أواخر القرن الخامس عشر الميلادى، ولم تشهد ما شهدته مدن الشمال من جهاد لأجل البقاء، ولذلك كان أمامها من الوقت ما تعطيه لرعاية الفنون والآداب وأنواع الثقافة الإسلامية المختلفة.

وقد حمل إليها العرب والفرس حبهم للأدب والشعر، ويبدو أن فترة الاحتلال البرتغالى وما أعقبها من تحرر وانطلاق أنتجت نهضة أدبية وصلت غايتها فى القرن الثامن عشر الميلادى، وامتدت إلى الأدب الشعبى السواحيلى، فظهر فى هذا الميدان شاعر من أهل الجنوب اسمه «موياس بن الحاج الغسانى» بلغ إنتاجه درجة عالية من التفوق.

كما أنتجت ثقافة دينية عميقة تمثلت فى مؤلفات السيد «عبدالله بن على» فى كتابه المسمى «الانكشاف» وكان يدرس فى المدن الجنوبية كلها فى الأربطة والزوايا وغيرها.

وأيضًا فى الهمزية التى ألفها السيد «عيد اروس بن الشيخ على» منأهل «لامو» والتى اشتملت على نزعة دينية عميقة.

وكان تأثر تلك البلاد بالتقاليد والحياة الإسلامية واضحًا فى انتشار الطرق الصوفية، وقد تم تبسيط هذه الطرق لتلائم عقلية البدائيين من أهل تلك البلاد.

ويبدو أن الطرق الصوفية لم يكن لها وجود كبير فى القرن الثامن الهجرى الرابع عشر الميلادى فى الوقت الذى زار فيه «ابن فضل الله العمرى» هذه البلاد، فهو يتحدث عن المدارس والخوانق والروابط والزوايا ولايشير إلى الصوفية إلا كأفراد.

والقادرية هى أولى الطرق الصوفية التى دخلت بلاد الحبشة على أيدى المهاجرين من اليمنيين والحضارمة، وقد انتشرت الفرق الصوفية فى «مصوع» و «زيلع» و «مقديشيو» وفى المراكز الإسلامية على الساحل الشرقى جنوب «مقديشيو»، وفى الجزر الإفريقية المواجهة له.

وقد ذاعت بين مسلمى الحبشة والصومال عادة تقديس الأولياء وانتشرت أضرحتهم فى طول البلاد وعرضها، وأغلبهم من الغرباء الذين وفدوا على البلاد وادعوا انتسابهم إلى بنى هاشم، وقد ظهر فضلهم وتقواهم وتقشفهم وعلمهم، فتأثر بذلك المسلمون الذين نالوا حظًا محدودًا من التعليم ولاسيما فى المدن والقرى. وكان هؤلاء الشيوخ يؤمون الناس فى الصلاة ويعلمونهم القرآن والحديث، فإذا ماتوا أصبحت أضرحتهم مركزًا للتعليم يفد إليها الناس، ومن أشهر هؤلاء الأولياء «الشيخ سعد الدين» فى «زيلع»، والشيخ «عمر السكرى»، و «الأمير نور بن المجاهد» فى «هرر».

وعلى ذلك فقد قامت سلطنات وإمارات إسلامية فى بلاد الحبشة والصومال وجنوبًا على طول الساحل الشرقى حتى نهر «زمبيزى» فى «موزمبيق»، وفى الجزر الإفريقية المواجهة له. وكان نصيب هذه الإمارات هو الدخول فى صراع الحياة والموت أمام خطر الأحباش بالنسبة إلى السلطنات الشمالية وطوال أربعة قرون من الثانى عشر إلى السادس عشر، ذلك الصراع الذى انتهى بإخضاع معظم هذه الإمارات سياسيا للأحباش حتى تم تحرير معظمها فى النصف الثانىمن القرن العشرين، ثم مواجهة خطر البرتغاليين بالنسبة إلى سلطنات الجنوب بدءًا من القرن السادس عشر وطوال القرن السابع عشر، حتى تم تحرير تلك المناطق من البرتغاليين على يد العرب العُمانيين.

وإذا كان الإسلام قد انتشر فى إفريقيا جنوب الصحراء على هذا النحو الذى تحدثنا عنه، فقد أصبحت القارة الإفريقية هى القارة المسلمة الوحيدة فى العالم كله؛ حيث إن أغلبية سكانها بما لا يقل عن (65%) مسلمون، وأصبح الإسلام هو مستقبلها، فما هو الأثر الذى تركه منذ انتشاره فى هذه القارة؟

أثر الإسلام فى إفريقيا جنوب الصحراء

قبل أن نتحدث عن أثر الإسلام فى حياة الأفارقة جنوب الصحراء نود أن نقدم لهذا الحديث بشهادة وردت على لسان أحد الأوربيين المنصفين ويسمى «ميك» فى كتابه فقال: «إن الإسلام لم يترك أثرًا عميقًا فى التركيب الجنسى لهذه الشعوب فحسب، بل إنه جاء بحضارة أتاحت للشعوب الزنجية طابعًا حضاريا لايزال واضحًا حتى اليوم مؤثِّرًا فى نظمهم السياسية والاجتماعية، ذلك أن الإسلام حمل الحضارة إلى القبائل المتبربرة، وجعل من المجموعات الوثنية المنعزلة المتفرقة شعوبًا، وجعل تجارتها مع العالم الخارجى ميسورة. فقد وسع من الأفق ورفع من مستوى الحياة بخَلْق مستوى اجتماعى أرقى، وخلع على أتباعه الكرامة والعزة واحترام الذات واحترام الآخرين .. لقد أدخل الإسلام فن القراءة والكتابة، وحرم الخمر، وأكل لحوم البشر، والأخذ بالثأر، وغير ذلك من العادات الوحشية، وأتاح للزنجى السودانى الفرصة لأن يصبح مواطنًا حرا فى عالم حر».

وشهادة ثانية يتحدث فيها صاحبها «جرانفيل» (الكونغولى) فى العصر الحديث عن شىء من أثر العروبة والإسلام فى عمق القارة فيقول: «لقد زوَّر البلجيك فى الكونغو، فليست مدينة ستانلى فيل سوى مدينة تيبوتيب وهو الزعيم حميد بن محمد المرجبى العُمانى العربى الذى أقام هذه المدينة قبل قدوم الرحالة ستانلى، وليسالعرب كما قالوا لنا تجار رقيق، وإنما هم تلك الموجة الإنسانية التى اختلطت بنا وصاهرتنا وتركوا لنا لغة متولدة من لغتهم – يقصد اللغة السواحيلية – ودينًا، وحضارة، وسماحة تسرى بين كل الناس، كما تركوا على أرضنا دماءهم والبلجيك يحصدونهم بالأسلحة الحديثة، وليس أعز علينا شىء من هذا الدم العربى الذى سال فى الماضى كما سال ويسيل دمنا الآن فى بلادنا على أيدى أعداء العرب أنفسهم فى القرن الماضى».

ونشير الآن فى إيجاز شديد إلى أثر الإسلام وحضارته فى شتى ميادين الحياة فى إفريقيا جنوب الصحراء:

الدين والعقيدة

وفى هذا المجال نستطيع القول إن الإسلام قضى على العقائد الوثنية وحلت الوحدانية محل عبادة الأرواح والأسلاف ومظاهر الطبيعة، فاستبدل الناس الإسلام بهذا الشتات والفرقة الدينية الوثنية ذات الطبيعة الخرافية والوهمية، وتم القضاء على تحكم أرواح الأسلاف والأجداد – كما كانوا يعتقدون – فى حياة الأحياء؛ إذ كانت أرواح هؤلاء الأسلاف من الموتى هم الرؤساء الفعليون للأسرة وللقبيلة كلها، وهم القوامون والمراقبون لسلوك الأحياء، ولهم عليهم حق الثواب والعقاب، ولابد من استشارتهم فى كل أمر من أمور الحياة ومشاكلها. كما قضى الإسلام على الاحتفالات الدينية المهيبة التى كانت تقام لآلهتهم ولأسلافهم، والتى كانوا يشربون فيها الخمور ويقدمون فى أحيان كثيرة القرابين البشرية كى ترضى عنهم الآلهة وأرواح الأسلاف، حررهم الإسلام من كل ذلك ومن أعمال السحر والكهانة المرتبطة بهذه العقائد الوثنية، وحل الفقيه أو الداعية المسلم محل الكاهن أو الساحر، وحل المسجد فى القرية الإفريقية محل دار عبادة الأوثان ذات المنظر البشع، وحلت حلقات الذكر التى كان الصوفية يعقدونها محل حفلات الرقص الماجنة، وبذلك تحرر الأفارقة سودانًا كانوا أم زنوجًا من هذا التخلف العقيدى والفكرى وتم جمعهم على عبادة واحدة وإله واحد وشريعة واحدة ذات نظمواضحة تنظم حياة الفرد والمجتمع.

الحياة الاجتماعية

وفى هذا الصدد نستطيع القول إن الإسلام خلَّصهم من عادات سيئة كثيرة مثل العُرْى وأكْل لحوم البشر ودفن الجوارى والخدم والزوجات مع الملك المتوفى، ووأد الأطفال أحياءً، وكان هؤلاء الأطفال يوءدون لا لشىء إلا لأنهم وُلدوا مشوهين، أو وُلدوا وبهم مس من الشيطان كما كان يعتقد آباؤهم، أو لأن أسنانهم العليا ظهرت أولا، وهو فأل سيئ عندهم، فكانت بعض القبائل تترك هؤلاء الأطفال فى الغابة تخلصًا منهم، ولكن الإسلام عدَّل هذه العادة بين المسلمين الأفارقة.

زد على ذلك أن الإسلام علمهم النظافة فأخذ الأهالى الذين لم يتعودوا من قبل على النظافة يغتسلون ويتنظفون، لأن إقامة الشعائر الدينية الإسلامية لا تصح إلا بطهارة البدن والملبس والمكان. يضاف إلى ذلك أن الإسلام نظمهم فى الزواج ونظام الأسرة، إذ جعل الرجل هو المسئول الأول عن الأسرة لا المرأة كما كان الشأن عند كثير من القبائل الإفريقية، فصار الأبناء ينسبون لآبائهم وليس لأمهاتهم، كما حدد عدد الزوجات فى أربع فقط وليس كما كان الحال عندما كان الرجال يختلطون بالنساء اختلاطًا جماعيا، أو كان للرجل ما يشاء من نساء حسب قدرته ومقدرته. وبذلك رفع الإسلام مكانة المرأة وأحاطها بسياج من الاحترام والطهر والعفاف، بعد أن كان الابن يرث زوجات أبيه بل ويتزوج بهن، وكان نظامهم أن ابن الزوجة الأولى هو الذى يختص بميراث أبيه كله عند وفاته ويحرم منه باقى الأبناء فوضع الإسلام نظامًا عادلا لتوزيع التركة بين أفراد الأسرة جميعًا إذا مات عائلها، حسب نظام دقيق يعطى لكل ذى حق حقه دون زيادة أو نقصان، ودون ظلم أو بهتان، مما أورث الحب والمودة فى قلوب الأبناء وزرعها محل الكراهية والبغضاء.

ولا يقل عن ذلك أهمية أن الإسلام أزال تقسيم الناس إلى طبقات حسب اللون أو العنصر أو الثروة أو المنزلة الاجتماعية، وجعل الإخاءوالمساواة والتعاون والتكافل أساس الحياة الاجتماعية، وأصبح الأسود باعتناقه الإسلام على قدم المساواة مع غيره داخل وطنه، ومع إخوته فى الإسلام فى أى مكان آخر، مما أشعره بالعزة والكرامة والاعتداد بالنفس بعد أن كان عبدًا مهانًا يتحكم الملك الإفريقى الوثنى أو شيخ القبيلة فى أموره كلها بل فى حياته نفسها، وأصبح سلوك الناس ملوكًا وعامة مضبوطًا بضوابط الإسلام وشريعته وأحكامه، ولم يصبح مرتهنًا بأوامر الملك المقدس ونزواته أو نزوات شيخ القبيلة. وبذلك حرر الإسلام الإنسان الإفريقى وكل إنسان يعتنقه من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.

الحياة الاقتصادية

كان النظام الاقتصادى يقوم على احتكار شيخ القبيلة أو الملوك أو الزعماء للأرض والثروة الحيوانية والمحاصيل الزراعية وحق المتاجرة فى سلع معينة، فلا يحق للناس العاديين تملك شىء فقد كانوا هم والأرض وما ينتجونه منها ملكًا للملك. فلما جاء الإسلام قضى على ذلك، فأطلق حق التملك حسب الجهد والطاقة وبَذْل المجهود والعمل، وجعل كسب المال أمرًا متاحًا للجميع كل حسب جده وكده، فقضى بذلك على الإقطاع والاستغلال والاحتكار، كما قضى على العبودية ونظام السخرة فصار العامل يأخذ أجره عما يقوم به من عمل بعد أن كان يعمل فى مزرعة الشيخ أو الملك دون أجر.

كما حرَّم الإسلام الربا وفرض الزكاة التى كان الأغنياء يدفعونها للفقراء، وكان السلاطين يأخذونها ويوزعونها فى مصارفها الشرعية، مما جعل حياة الناس محاطة بسياج من العدالة والأمن والرخاء.

وقد جلب الإسلام للأفارقة منافع مادية ضخمة؛ إذ ربط الساحل بالداخل من خلال قوافل التجارة التى توغلت حتى الكونغو ومنطقة البحيرات، وحتى أعماق الغابة فى غرب القارة مما أدى إلى القضاء على عزلة المناطق الداخلية، بل وعلى عزلة الأفارقة عامة وربطهم بالعالم الإسلامى الواسع وبتجارته الزاهرة، وقد أتاح لهم إسلامهمأن يخرجوا من أوطانهم المحلية ويتعرفوا هذا العالم الواسع، سواء أكان من خلال رحلات الحج التى كانوا يقومون بها إلى بلاد الحجاز، أم من خلال قوافل التجارة التى كانوا يرحلون معها إلى شتى الأقطار حتى وصل بعضهم إلى الهند والصين.

الحياة الثقافية

وفى هذا المجال كان أثر الإسلام أمرًا غير مسبوق، ذلك لأن الأفارقة لم تكن لهم ثقافة ناهضة راقية قبل اعتناقهم الإسلام، ولم يكونوا يعرفون مجرد القراءة والكتابة، بل لم يكونوا يعرفون من الثقافة إلا العادات والتقاليد المرتبطة بالكهانة والسحر والشعوذة، وبالطبيعة من مطر وجدب وإنبات وحصاد ونبوءات وأساطير، فلما جاء الإسلام أمدهم بالعلم والفن الرفيع، وعلَّمهم القراءة والكتابة، واستقدم لهم العلماء من مصر والمغرب وتونس وشتى أنحاء العالم الإسلامى، بل وأرسل طلابهم إلى هذه البلدان استزادة من العلم والفقه، وبنى لهم المدارس والكتاتيب، وزوَّدهم بلغة القرآن وهى اللغة العربية التى وحدت مشاربهم ونسقت أفكارهم وربطتهم بالدين والعقيدة الإسلامية، فمهدت السبيل أمام ظهور ثقافة إفريقية إسلامية مشتركة بعد أن صارت هذه اللغة هى لغة العلم والدراسة والإدارة والتجارة والعبادة بل والتخاطب بين قبائل كثيرة فى القارة. وأصبح العلماء الأفارقة هم حلقة الربط والوصل بين هذا المجتمع السودانى الزنجى وبقية المجتمعات الإسلامية، بذهابهم إلى هذه المجتمعات كما قلنا لمزيد من الدراسة والعلم أو تأدية لفريضة الحج، وبذلك تم القضاء على التخلف الثقافى والحضارى والفكرى الذى كان يسود المجتمعات الإفريقية، وأصبح الإفريقى يزهو بأنه يجيد القراءة والكتابة، بل يفخر بأنه أصبح من العلماء والفقهاء مثله فى ذلك مثل غيره من علماء المسلمين فى كافة ديار الإسلام.

ولقد أدى هذا الرقى العلمى والثقافى الذى وصلوا إليه أن الدول الإفريقية التى لايحكمها مسلمون كانت الوظائف التى تتطلب خبرةخاصة ومستوى ثقافى معين كان لايشغلها إلا المسلمون من أهلها، لأن هؤلاء المسلمين كما يقول «توماس أرنولد» كانوا أعلى همة وأوفر نشاطًا وأرفع مستوى من غيرهم من أصحاب الديانات الأخرى، لأن كل مسلم كان ملتزمًا بتعليم أبنائه القراءة والكتابة بينما كان غيرهم لايعلمون أبناءهم إلا عندما يريدون لهم الانتظام فى سلك الكهنوت. ولم يفعل المسلمون ذلك إلا لأن الإسلام جعل من التعليم فريضة على كل مسلم ومسلمة، وبذلك تغير حال الأفارقة وأنتجوا علمًا وفقهًا وأدبًا وحضارة لم يطمس معالمها إلا الاستعمار الأوربى الذى أصيبوا به فى مطلع العصر الحديث

الوحدة السياسية

لم تعرف إفريقيا جنوب الصحراء قبل الإسلام دولا كبيرة أو صغيرة إلا القليل، وكان النظام القبلى هو السائد، وعندما ظهر الإسلام ودخل القارة (جنوب الصحراء) لم يكن فيها من الدول المعروفة وقتذاك إلا مملكة «غانة» الوثنية فى غرب القارة، أما فى وسط القارة فلم يكن هناك إلا دولة «الكانم» الوثنية فى حوض بحيرة تشاد، وهذه الدولة لم تنشأ إلا فى القرن التاسع للميلاد، أى بعد ظهور الإسلام بحوالى قرنين من الزمان، أما فى شرق القارة فكانت هناك دولة واحدة هى مملكة الحبشة المسيحية، وفى أقصى الجنوب كانت هناك مملكة «مونوموتابا» الوثنية، وباقى إفريقيا جنوب الصحراء لم يكن فيها إلا المشيخات القبلية لا غير، وكانت حياة الناس لا ينظمها قانون أو شريعة، إلا ما يقوله الملك أو الشيخ، فكلمته هى القانون، لأنه هو الذى يهب الحياة ويقضى بالموت، ويبارك الزرع والحصاد، وينزل المطر، ويتحكم فى كل ما على وجه الأرض، لأنه ببساطة هو الإله والرب المعبود.

وعندما جاء الإسلام لم ينشئ دولا صغيرة شبيهة بالتى أشرنا إليها من قبل فقد أقام إمبراطوريات إسلامية كبرى سبق الحديث عنها، وجمع القبائل المتفرقة المتنازعة والعناصر المتباينة داخل هذه الإمبراطوريات الكبيرة، وقضى على عادات هذه القبائل فى النهبوالسلب والإغارة، وقضى أيضًا على استبداد الحكام وتألههم وظلمهم للرعية، بل وجعلهم يخضعون لرجال من رعيتهم نالوا قسطًا وافرًا من العلم والثقافة هم العلماء والفقهاء، فكانوا لا يبرمون أمرًا إلا بعد استشارتهم، فعل ذلك – أيضًا – الملوك الوثنيون الذين لم يكونوا قد دخلوا الإسلام بعد و «البكرى» يقص علينا نبأ ملك «غانة» الوثنى الذى اتخذ من العلماء المسلمين الذين كانوا يقيمون فى عاصمته وزراءه ومستشاريه.

وقد أقام الحكام والسلاطين دُورًا للشورى كان واحدها يسمى «المشور» وكان هذا «المشور» هو المكان الذى يلتقى فيه الحاكم بالمحكومين، فإذا أصيب أحد من الرعية بظلم أو أصابه مكروه على يد غيره من الرعية أو الحكام كان يلجأ على الفور إلى «المشور» ويرفع مظلمته، فكان يقضى فيها على الفور على يد العلماء والفقهاء أو على يد الوزراء والسلطان نفسه حسب نوع المظلمة.

ولذلك ساد الأمن والأمان والطمأنينة حياة الناس فيما عدا أوقات الفتن والاضطرابات والحروب.

ونتيجة لذلك كله ارتقت الحياة المادية والعمرانية وازدهرت الحضارة فى إفريقيا جنوب الصحراء، ويكفى فى ذلك ما سقناه فى صدر هذا الحديث من شهادات قالها بعض الغربيين المنصفين، وما قاله آخرون منهم من أن الدول الإسلامية فى إفريقيا جنوب الصحراء شهدت ظهور مئات المدن ذات المنازل الجميلة المبنية بالحجارة، وكانت هذه المنازل ذات حدائق جميلة وبعضها – وكما تُبيِّن الحفريات والآثار – كان مصممًا لأكثر أنواع المعيشة رفاهية وفخامة وكان الناس الذين يعيشون فى هذه المنازل وتلك المدن ذات الشوارع الفسيحة يرتدون الملابس الحريرية والقطنية ويتزينون بمقادير كبيرة من الذهب والنحاس والعاج، كما سكَّوا العملة الذهبية ووجدت عندهم صناعات راقية حتى إن المنسوجات المقدشية كانت تباع فى مصر وفى شتى أنحاء العالم الإسلامى.

هذا هو الإسلام وذاك هو تأثيره، وتلك حضارته التى أدهشت الرحالةالمسلمين والبرتغاليين ومن أتى بعدهم من الأوربيين، ولكن هذه الحضارة تلقت ضربة عنيفة على يد الغزاة البرتغاليين وإخوانهم من الأوربيين الآخرين فى العصر الحديث حيث أخضعوا هذه القارة بكاملها لنفوذهم وسيطرتهم ونهبهم واستغلالهم، وحاربوا الإسلام وثقافته وحضارته ولغته بقدر ما وسعهم الجهد وبكل وسيلة ممكنة ولكن إفريقيا جنوب الصحراء بعد أن نالت استقلالها بدأت تفيق من هذا الكابوس الرهيب وتلتمس فى الإسلام طوق النجاة من جديد

السابق
سلطنة مالى الإسلامية
التالي
طرق الصوفيه