علماء اللغة

عبد الله بن المقفع وأشهر مؤلفاته

ملخص المقال

    عبد الله بن المقفع وأشهر مؤلفاته، حول حياة ابن المقفع وترجماته التي نقلها من الفارسية إلى العربية، وكليلة ودمنة وأثره في حضارة الإسلام

الترجمة من الفارسية إلى العربية
ليس هناك كثير خلاف حول تأثير الفلسفة اليونانية في العلوم اﻹسلامية بعامّة، خصوصاً بعد اكتمال حركة الترجمة المنظمة من اليونانية إلى العربية عبر السريانية في نهاية القرن الرابع للهجرة / العاشر للميلاد. ولكنّ كثراً أغفلوا أن ترجمة كثير من تراث الفرس إلى العربية تمّ قبل ذلك بقرنين، أي في النصف اﻷول من القرن الثاني للهجرة / الثامن للميلاد.

وإن كانت الترجمة من الفارسية البهلوية إلى العربية لم تكن منظمة أو مموَّلة من الخلافة كما كانت الترجمة من اليونانية إلى العربية، ذلك ﻷن الكتّاب الفرس الذين يعملون في بلاط الخلافة وينعمون بإغداق الخلفاء واﻷمراء عليهم، هم من أنجزوا هذه الترجمة كجزء من تكاليف عملهم. يذكر النديم (ت 380 هـ) أسماء ما يقارب عشرين ناقلاً فارسياً متفصحين بالعربية، أبرزهم وأشهرهم هو ابن المقفع الذي ساهم مساهمةً بارزةً في رفد حضارة الإسلام بروافد متعددة من التراث البهلوي الساساني المتبقي من حضارة فارس الآفلة.

من هو عبد الله بن المقفع ؟
عندما أسلم روزبه بن داذويه تسمَّى بعبد الله بن المقفع، واكتنى بأبي محمد. ويصنفه النديم كاتباً من جملة الكتاب والمترسلين، ويصفه بأنّه كان شاعراً فصيحاً.

ولد ابن المقفع في فارس عام (١٠٦ﻫ/٧٢٤م) وعاش في البصرة ومات بها. واختُلف في تعيين سنة ميلاده ووفاته، ولكن المؤكد أنه قتل في فتنة خروج عبد الله بن علي، على ابن أخيه أبي جعفر المنصور، إذ وجد ابن المقفع نفسه متورطاً في هذا الصراع بسبب عمله كاتباً عند أعمام المنصور. وأوعز المنصور بقتله ﻷنه غالى في شروط عهد اﻷمان الذي سعى أعمام المنصور ليأخذوه ﻷخيهم تأميناً له من القتل، أو الأذى بعد هزيمته أمام المنصور.

وقيل إنَّ ابن المقفع قُتل بتقطيع أعضائه ثم حرقه، وفي رواية أخرى أنَّ ابن المقفع علم بأمر قتله، فقتل نفسه بشرب السم أو بالخنق. ومن المرجح أن حادثة قتله حدثت ما بين 139هـ إلى 142هـ.

وعلى رغم اشتهار الرأي القائل إنه مات عن عمر يناهز 36 عاماً، إلّا أنّ غزارة ونضج وتكامل ترجماته وتصانيفه تطرح تساؤلاً حول عمره الحقيقي، وترجح أنه مات في عمر الكهولة على أقل تقدير.

ترجمات ابن المقفع
تحظى ترجمات ابن المقفع بأهمية كبيرة، وذلك ﻷنه نقل كتب الفرس المشتملة على ثقافتهم وتراثهم وأخلاقهم وسير ملوكهم، وهو ما كان يتناسب مع مزاج الخلافة العباسية الصاعدة. وقد نقل هذا التراث الفارسي المكتوب بالبهلوية (الفارسية قبل اﻹسلام) في أربعة كتب، أولها كتاب “خداينامه” في سيَر ملوك الفرس، وثانيها كتاب “آئين نامه” وهو كتاب في قوانين الفرس القدامى ورسوم ملوكهم في قيادة الجيوش وفنون الحرب والآداب العامة، وثالثها كتاب “التاج في سيرة أنو شروان” وهو كتاب في سيرة الملك كسرى أنو شروان وأخلاقه، ورابعها “نامه تنسر” وهو كتاب في تشريعات الفرس القدامى.

وهذه الكتب اﻷربعة المنقولة إلى العربية في حكم المفقود، وذلك ﻷن مادتها استُوعبت في أعمال مؤلفين عرب تالين لابن المقفع مثل ابن قتيبة والثعالبي. لذا، فقد تكون الحاجة إليها قلّت مع مرور الزمن فتعرضت للضياع.

كتاب “خداينامه”
وظل كتاب “خداينامه” مصدراً أساسياً لجميع سير الملوك التي ألّفت بالعربية في العصر اﻹسلامي، فقد وردت منه فصول وقطع في “عيون اﻷخبار” ﻻبن قتيبة، وكتاب تاريخ الملوك واﻷمم للطبري، وكتاب “غرر أخبار ملوك الفرس” للثعالبي، كما كان مصدراً أساسياً لكتاب “تاريخ سني ملوك اﻷرض واﻷنبياء” لحمزة اﻷصفهاني، وكتاب الشاهنامه للفردوسي.

وإضافة إلى سرد تاريخ الملوك الفرس، فإنّ الكتاب اشتمل على قصص فارسية ممزوجة بأساطير دينية مأخوذة من كتاب “أوستا” لزرادشت. وﻻ يُنكر أنّ نقل تاريخ ملوك الفرس في هذا العهد المبكر من الحضارة اﻹسلامية كان له أبلغ اﻷثر في بلاط الخلافة العباسية، وفي حذو الخلفاء العباسيين حذو ملوك الفرس.

كتاب “آئين نامه”
وجرى لكتاب “آئين نامه” مثلما جرى لكتاب “خداينامه” فقد فُقد أصله البهلوي والعربي، ولكن قطعاً منه بقيت في “عيون اﻷخبار” لابن قتيبة، وغيره من الكتب. واﻵئين كلمة بهلوية تعني اﻵداب واﻷساليب والقوانين والعادات. وتعني “آئين نامه” مجموعة من الكتــب التــي تـهدف تـعليم فـن من الفنون مشتملة على قــواعد ذلك الفن وآدابه وأصوله، وقد يختص كتاب منها في فن معين مثل آئين الرمي وآئين الحرب.

كما تهتم هذه الكتب بتحديد اﻵداب العامة ورسمها في التعامل بين الناس وبين اﻷصدقاء، وبين الملك وخاصته وحاشيته. وأدّت هذه الكتب إلى تمكن اﻵداب واﻷساليب الفارسية في أروقــة الحكم وميـــادين الحــرب في عـــصر الخلافة العباسية.

كتاب “التاج في سيرة أنوشروان”
أمَّا كتاب “التاج في سيرة أنوشروان”، فهو يندرج تحت طائفة أخرى من الكتب تُدعى بتاجنامه، وهي كتب مكرسة لتقاليد الحكم الملكي، فيها آداب تتعلق بسياسة الملك وتدبير المملكة، وإصلاح أمور الرعية وتعاليم عملية للذين كانوا يقومون بأعباء الملك من الوزراء والكتاب وأصحاب بيوت اﻷموال والحجاب.

اشتملت “تاجنامه” كذلك على نصائح أخلاقية للملوك والحكام ترشدهم إلى أساليب حكم الرعية وإقامة العدل. هذه الكتب استُوعبت في البيئة العربية اﻹسلامية، وأعيد إنتاجها في قالب عربي، وكانت اﻷساس الذي بني عليه ما عرف في ما بعد اﻵداب السلطانية.

ومن اﻷعمال العربية التي استوعبت تقاليد ملوك الفرس في بيئة عربية، كتاب “التاج” في أخلاق الملوك للجاحظ (ت 255 هـ). والقارئ كتاب الجاحظ هذا يدرك كيف أنّ مادة الكتاب احتوت على أخبار كثيرة عن ملوك الفرس وسيرهم وأخلاقهم وعاداتهم، اﻷمر الذي يرجح اطلاع الجاحظ على ترجمات ابن المقفع بإجمال، خصوصاً إذا وضعنا في اﻻعتبار أن الجاحظ كان مولعاً به، كما يخبرنا المحقق أحمد زكي باشا، وكلاهما كان كاتباً مترسلاً.

كتاب “نامه تنسر”
أما الكتاب الرابع “نامه تنسر”، فهو أقدم وثيقة تشريعية وتاريخية وصلتنا عن تاريخ الفرس القدامى، وقد نقل عنها المسعودي في كتابيه “التنبيه واﻹشراف”، ومسكويه في كتابه “تجارب اﻷمم”، فحفظا لنا بعضاً مما أفقدنا الدهر إياه من هذه الوثيقة. ولكن شيئاً عجيباً حدث في تاريخ “نامه تنسر”، وهو أن محمد بن أسفنديار (ت بعد 750 هـ) أعاد ترجمة هذا العمل من العربية إلى الفارسية الحديثة، ثم ضمَّنه في كتابه “تاريخ طبرستان” باعتباره حافظاً التاريخ التشريعي لهذه المنطقة، وقد حفظ لنا الدهر “تاريخ طبرستان”، وترجم حديثاً إلى العربية، واهتم اﻷستاذ يحيى الخشاب بترجمة “نامه تنسر” إلى العربية ونشره مستقلاً.

كتاب “كليلة ودمنة”
عمل ابن المقفع في بلاط الخلافة العباسية، ولم يأل جهداً في نقل تراث ملوك الفرس القدامى وسيرهم وأخلاقهم وعاداتهم وتشريعاتهم، عبر هذه اﻷعمال اﻷربعة الضخمة، والتي لم يحفظها لنا الدهر ولكن خلفاء اﻹسلام وكتاب الخلفاء حفظوا هذه العادات الفارسية في حياتهم وعاشوا بها، وما نقله الجاحظ في كتابه التاج يشهد بذلك. أمّا كتابه “كليلة ودمنة” الذائع الصيت، فيقول عنه الشيخ اليازجي: “لم يبلغ كتاب مثل ما بلغ إليه من ترامي الذكر وبُعد الشهرة، لما اشتمل عليه من اﻷغراض اﻷدبية والسياسية وما استبطنه من فنون العلم والحكمة”.

وعلى رغم أن الكتاب وضع في اﻷصل ﻷجل الملوك، فإنّ تعريب ابن المقفع البليغ له، جعل منه عملاً أدبياً كذلك. وﻷجل هذا الغرض البلاغي كان الكتاب مقرراً على تلاميذ المدارس الثانوية في مصر وسورية وغيرهما من اﻷقطار العربية من نهايات القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن العشرين.

وقد صدق اليازجي، فإضافة إلى قيمة الكتاب اﻷدبية، فهو ذو قيمة تاريخية مهمة. وذلك لسببين: أولهما فقد اﻷصل السنسكريتي للكتاب المرجحة كتابته ما بين 100 – 500 قبل الميلاد، وفقد الترجمة البهلوية التي اعتمد عليها ابن المقفع نفسه في ترجمته الحرة إلى العربية.

وثاني السببين: أنّ ترجمة ابن المقفع كانت اﻷساس الذي بنيت عليه ترجمات كثيرة إلى معظم لغات العالم على امتداد مئات السنين دون الترجمة السريانية السابقة تاريخياً على الترجمة العربية، وذلك لعدم شهرتها. فعن ترجمة ابن المقفع هذه تُرجم العمل إلى السريانية الحديثة والفارسية الحديثة واليونانية والعبرية واللاتينية والإسبانية القديمة ما بين القرنين العاشر والثالث عشر الميلاديين.

ترجمة ثلاثة كتب منطقية ﻷرسطو
وكان من المحاولات الرائدة لابن المقفع في الترجمة من البهلوية إلى العربية، ترجمة ثلاثة كتب منطقية ﻷرسطو، المقولات والعبارة والقياس (التحليلات اﻷولى)، إضافة إلى ترجمة المدخل لفرفوريوس الصوري. ويذكر النديم أن الفرس كانت قد نقلت في القديم شيئاً من كتب المنطق والطب إلى الفارسية فنقل ذلك ابن المقفع وغيره. وقد يكون هذا النقل من اليوناني إلى الفارسي حدث بعد فتح اﻹسكندر اﻷكبر بلاد فارس قبل الميلاد. وإن أخذ هذه الترجمة وتاريخها المبكر في اﻻعتبار، من الممكن أن يطرح تساؤلات جديدة حول علاقة تطور العلوم اللغوية العربية بالمنطق اﻷرسطي.

كتاب “الأدب الكبير” و “الأدب الصغير” و “اليتيمة”
وقد اشتهر ابن المقفع كذلك بكتاب “الأدب الكبير” الذي نقله عن كتاب “ماقراجسنس” البهلوي، وهي الكلمة التي تعني الحكمة العالية أو اﻷدب الرفيع. ويلحق بكتاب “الأدب الكبير”، كتاب آخر يدعى “اﻷدب الصغير” وكتاب ثالث حيَّر ألباب المحققين، وهو كتاب “اليتيمة” الذي لم تحدد هويته بعد.

أهمية ابن المقفع وأعماله
إنَّ خريطة أعمال ابن المقفع تظهر بوضوح أهميته من جهات عدة، أولها: جهة نقله تقاليد الفرس وآدابهم في الحكم الملكي إلى الخلافة اﻹسلامية الذي كان أساساً للآداب السلطانية.

ثانيها: حفظ التراث الفارسي البهلوي البائد الذي لم يبق منه سوى الترجمات العربية، والتي اتخذت أساساً في ما بعد ﻹعادة ترجمته إلى الفارسية الحديثة مرة أخرى.

ثالثها: عمله وسيطاً لنقل التراث السنسكريتي من آسيا إلى أوروبا عبر ترجمة “كليلة ودمنة”.

رابعها والأخير: مساهمته في إنشاء الفنون النثرية في الأدب العربي من خلال رسائله وترجماته الحرة البليغة.

إنّ تراث ابن المقفع المبكر المنتمي إلى النصف الأول من القرن الثاني للهجرة، ذو أهمية بالغة في فهم مدى تأثير روافد التراث الفارسي في حضارة الإسلام الناشئة.


المصدر: جريدة الحياة الدولية – السبت، ١٢ أبريل/ ٢٠١٤م.

السابق
العماد الأصفهاني – الوزير الأديب
التالي
الهمذاني رائد القصة والمقالة