المؤرخون

عز الملك المسبحي

ملخص المقال

    يعد الأمير المختار عز الملك المسبحي وزير مصر ومؤرخها صاحب التاريخ الكبير في أخبار مصر من أشهر مؤرخي مصر الإسلامية، فمن المسبحي وما مؤلفاته؟

نسبه ونشأته

هو الأمير المختار، عز الملك، محمد بن أبي القاسم عبيد الله بن أحمد بن إسماعيل (وقيل: إدريس) بن عبد العزيز، المعروف بـ المُسَبِّحيّ، الكاتب، الحرّاني الأصل، المصري المولد والنشأة. ولد بمصر حسبما ذكر في تاريخه ونقل إلينا الرواة المتأخرون في العاشر من رجب سنة 366هـ / 977م.

وأما نسبه “المُسَبِّحيّ” فقال السمعاني في الأنساب: “المسبحي: بضم الميم وفتح السين المهملة وبعدها الباء المنقوطة بواحدة وفي آخرها الحاء، هذه النسبة إلى الجد، وهو اسم لبعض أجداد المنتسب إليه، والمشهور بها محمد بن عبيد الله بن أحمد بن إدريس المسبحي، صاحب تاريخ المغاربة ومصر، قال ابن ماكولا: رأيت التاريخ عند فخر الدولة نقيب الطالبين بها، وهو كتاب كبير جدا”.

 والمسبحي سليل أسرة حّرانية نزحت إلى مصر قبل قيام الدولة العبيدية الفاطمية، واستوطنت مصر وسطعت فيها؛ وكان إحدى هاته الشخصيات القوية البارزة التي كانت الدولة الفاطمية إبان قوتها وفتوتها، تحشدها حولها، وتوليها ثقتها وعطفها، وتؤثر أن تختارها من غير المصريين البلديين. بيد أن المسبحي كان مصريًا بمولده، مصريًا بتربيته وبيئته.

ولا يٌعرف شيء عن حياته الأولى، ولا عن تربيته وتكوينه، ولكن يبدو من آثاره التي نسبت إليه، والتي وصل القليل منها، أنه تلقى ثقافة أدبية علمية واسعة متعددة النواحي، كذلك يظهر أن المسبحي بدأ حياته العامة جنديًا ورجل إدارة؛ لأنه كان يرتدي زي الجند، ولأنه تقلد بعض المناصب الإدارية الهامة.

المسبحي والحاكم بأمر الله العبيدي

وقد ذكر لنا المسبحي في تاريخه، أن اتصاله بخدمة الحاكم بأمر الله العبيدي الفاطمي حاكم مصر يرجع إلى سنة 398هـ، وذكر فيه أيضًا أنه تقلَّب قبل ذلك في بعض الوظائف الهامة، فتقلد أعمال القيس (الفيوم) والبهنسا من أعمال الصعيد، ثم تولى ديوان الترتيب وهو يومئذ من مناصب الوزارة الهامة، ثم اصطفاه الحاكم بأمر الله وعينه في بطانته الشخصية في سنة 398هـ. وكان الحاكم يومئذ فتى في نحو الثالثة والعشرين من عمره، ولكنه كان في ذروة القوة والسلطان والبطش، والتي فتك فيها الحاكم بكثير من الوزراء ورجال الدولة (سنة 395 – 400هـ). ويروى لنا المسبحي نفسه في تاريخه طائفة من الحوادث الدموية التي شهدها في هذا العهد، وكان الحاكم دائم الفتك بالزعماء والكبراء لأسباب تتصل بسياسته العامة أو لريب ومخاوف تساوره.

ولكن المسبحي تبوأ لدى الحاكم مركزًا من النفوذ والثقة لا تتطاول إليه الشكوك والريب، ولا تتجه إليه النقمة الغادرة، بل يظهر أن المسبحي كان من أخص خواص الحاكم، ويقول لنا ابن خلكان إن المسبحي نال لدى الحاكم حظوة وسعادة، وإنه كانت له مع الحاكم مجالس ومحاضرات حسبما يشهد بها تاريخه الكبير، وتبدو دلائل هذه الصداقة التي توثقت عراها بين الحاكم والمسبحي في كثير مما يرونه المؤرخ في تاريخه وينقله عنه الكتاب المتأخرون مثل المقريزي وابن تغرى بردى عن عصر الحاكم بأمر الله، وعن أحواله وتصرفاته الشخصية، ففي كثير من هذه المواطن يبدو المسبحي الصديق المخلص والمستشار الأمين.

وهذه حقيقة تلفت النظر، فإن الحاكم كان أميرًا خطر النزعات عنيف الأهواء، وقلما نجا من نقمته أحد من رجال الدولة الذين خدموه. بيد أن الإمام الذهبي يقدم إلينا في تاريخه (العبر في خبر من غبر) تعليلًا لهذه الظاهرة، هو أن المسبحي “كان رافضيًا جاهلًا”. والروافض فرقة من غلاة الشيعة تغلو في حب علي بن أبي طالب وفي بغض أبي بكر وعثمان ومعاوية رضي الله عنهم ومن إليهم. وهنا نلمس سر هذه الصداقة التي توثقت بين المؤرخ وأميره، فقد كان الحاكم، جريًا على سنة آبائه، يصطفى غلاة الشيعة أبناء مذهبه ويوليهم مناصب النفوذ والثقة، وكان المسبحي يتمتع فوق صفته المذهبية بخلال باهرة تضاعف مكانته، فقد كان عارفًا بعلوم عصره، وكان راوية ومحدثًا ساحرًا، وكان أيضًا شغوفًا بعلم النجوم الذي يشغف به الحاكم بأمر الله، وقد وضع فيه أكثر من مؤلف، وهذه كلها عوامل وظروف تلقي أكبر الضياء على طبيعة هذه الحظوة التي نالها المؤرخ في بلاط الحاكم بأمر الله.

وقد وظلّ المسبحي ذا حظوة حتى وفاة الحاكم بأمر الله سنة 411هـ، ولا نعرف ماذا كانت صلة المسبحي بالبلاط الفاطمي في الأعوام التالية، والظاهر أنه اعتزل الحياة العامة وانقطع للبحث والكتابة. ووضع كثيرًا من مؤلفاته في هذه الفترة التي امتدت تسعة أعوام أخرى حتى وفاته في شهر ربيع الثاني سنة 420هـ / 1029م.

مؤلفات المسبحي

شغل المسبحي للحاكم منصب رئاسة ديوان الترتيب في الإدارة المركزية، وقد أتاح له هذا المنصب أن يحضر مجالس الحاكم واجتماعاته بصفة دائمة، ولعل مكانته هذه مكَّنته من الوصول إلى بواطن الأمور في عصره، ولذا فإن كتاباته تكتسب مزيدا من الثقة بمرور الزمن، واتصفت بالأصالة والصدق مما جعل من جاء بعده ينقلون عنها أو يقتبسون منها جملة وتفصيلا.

وقد عدّد ابن خلّكان في كتابه “وفيات الأعيان” مصنّفات المسبّحي، وفيها ما يدل على ما كان يتمتع به ذهن المسبّحي الممتاز من نواحي التفكير والثقافة المتعددة، فقد ألّف المسبّحي في التاريخ والجغرافيا والاجتماع والفلك، كتبًا بل موسوعات ضخمة بلغت نحو ثلاثين مصنَّفًا، منها:

كتاب “التاريخ الكبير” في ثلاثة عشر ألف ورقة، وهو عن أخبار مصر ومن حلّها من الولاة والأمراء والأئمة والخلفاء، وما بها من العجائب والأبنية، واختلاف أصناف الأطعمة، وذكر نيلها، وأسفار الشعراء، وأخبار المغنين، ومجالس القضاة والحكام، والأدباء، والمتغزّلين وغيرهم، وكتاب “التلويح والتصريح” وهو في معاني الشعر، وغيره، وهو في ألف ورقة، وكتاب “الراح والارتياح” وهو في ألف وخمسمئة ورقة، وكتاب “الغرَق والشَرَق” وهو في ذكر من مات غرقًا وشرقًا في مئتي ورقة، وكتاب “الطعام والإدام” وهو في ألف ورقة، وكتاب “درك البغية” في وصف العبادات والأديان، وهو في ثلاثة آلاف وخمسمئة ورقة، وكتاب في “قصص الأنبياء” عليهم السلام وأحوالهم وهو في ألف وخمسمئة ورقة، وكتاب “الأمثلة للدول المقبلة” وهو في النجوم والحساب، في خمسمئة ورقة، وكتاب “أصناف الجماع” في ألف ومائتا ورقة، وكتاب “القضايا الصائبة في معاني أحكام النجوم” في ثلاثة آلاف ورقة، وكتاب “جونة الماشطة” في غرائب الأخبار والأشعار والنوادر في ألف وخمسمئة ورقة، وكتاب “الشجن والسكن في أخبار أهل الهوى وما يلقاه أربابه” في ألفين وخمسمئة ورقة، وكتاب “السؤال والجواب” في ثلاثمئة ورقة، وكتاب “مختار الأغاني ومعانيها”. وغير ذلك كثير، غالبيتها العظمى ضاعت.

ومما سبق نفهم أن المسبِّحي ترك مصنّفات ضخمة، وآثارًا حافلة، تنم على غزارة إنتاج فكري مدهشة، وتشهد هذه الآثار من حيث تنوعها لصاحبها بطرافة يندر توافرها في رجل واحد وفي آداب هذا العصر. بيد أنه لم يصل من هذا التراث شيء يذكر، وكل ما حُصِل عليه شذرات التقطت من بعض الكتب التي استقت معلوماتها من كتبه، وخاصة تاريخه الكبير عن مصر، والذي وصل منه القليل القليل.

كتاب أخبار مصر أو التاريخ الكبير للمسبحي

خصص عز الملك المسبحي حياته ومواهبه الممتازة لدراسة مصر وأحوالها وتاريخها، ووضع ذلك في تاريخه الكبير أو موسوعته الضخمة عن تاريخ مصر، والذي لو لم يذهب به الزمن وبكثير من آثاره، لبقي أعظم أثر عن مصر وتاريخها في المرحلة الأولى من الحكم العبيدي الفاطمي.

وقد اشتهر المسبحي بالأخص بتاريخه الكبير، الذي يصف لنا محتوياته في مقدمته فيما يلي: “التاريخ الجليل قدره الذي يستغنى بمضمونه عن غيره من الكتب الواردة في معانيه، وهو أخبار مصر ومن حلها من الولاة والأمراء والأئمة والخلفاء، وما بها من العجائب والأبنية واختلاف أصناف الأطعمة، وذكر نيلها، وأحوال من حل بها إلى الوقت الذي كتب فيه، وأشعار الشعراء، وأخبار المغنين، ومجالس القضاة والحكام والمعدلين والأدباء والمتغزلين وغيرهم”، وقد مدحه ياقوت الحموي في معجمه فقال: “كانت له عناية بالتواريخ تامة، وكتابه في ذلك من أحسن الكتب وأبسطها وأتقنها، وهو كتاب كبير نحو ثلاثين مجلدة، ووقفت على شيء منه فاستحسنته وكتبت منه”.

 وإذن فقد كان تاريخ المسبحي، سواء من حيث حجمه أو موضوعاته موسوعة قوية شاسعة؛ ولم يصلنا هذا الأثر الضخم الذي يلقى بلا ريب أعظم الضياء على تاريخ الدولة الفاطمية في عصرها الأول، ولا سيما عصر الحاكم بأمر الله، وشخصيته الغريبة التي درسها المسبحي عن كثب، ولكن الشذور القوية الممتعة التي وصلتنا منه على يد المقريزي وغيره من المؤرخين المتأخرين عن أحوال الدولة الفاطمية وقصورها وخزائنها وصروحها وبذخها وبهائها، تنوه بقيمة هذا الأثر ونفاسته وطرافته، وتدل أيضًا على أن مؤلفه قد تناول خطط وآثارها ومعاهدها في كثير من الإفاضة.

وقد لبث تاريخ المسبحي مستقى خصبًا لمؤرخي مصر الإسلامية حتى عصر متأخر جدًا؛ فالمقريزي وابن تغري بردي وشمس الدين السخاوي والسيوطي وغيرهم يقتبسون منه ويشيرون إلى وجوده؛ وكذلك يذكره حاجي خلفية (ت 1067هـ) في كتابه كشف الظنون بما يأتي: “ومنها تاريخ مصر لعز الملك محمد بن عبد الله المسبحي الحراني المتوفى سنة 420هـ، وهو كبير في اثني عشر مجلدًا؛ واختصره تقي الدين الفاسي والذيل عليه لابن مُيَسّر”.

وفي ذلك ما يدلي بأن تاريخ المسبحي كان موجودًا حتى القرن الحادي عشر الهجري / السابع عشر الميلادي؛ بل هنالك ما يدل على أنه كان موجودًا كله أو بعضه حتى القرن الثاني عشر الهجري / الثامن عشر الميلادي؛ فقد ورد في معجم مخطوطات الأسكوريال الذي وضعه الغزيري اللبناني باللاتينية في سنة 1770م بأنه يوجد في مكتبة الأسكوريال العربية (أربعة مجلدات من تاريخ مصر وأرضها وعجائبها مرتب حسب السنين لغاية سنة 414هـ، تصنيف محمد بن عبد الله بن عبد العزيز المسيحي (كذا) (معجم الأسكوريال رقم 531 فقرة 2)، وليس من شك في أن المقصود هو تاريخ مصر للمسبحي، وذلك رغم تحريف الاسم. على أننا عند مراجعة فهرس الأسكوريال الحديث الذي وضعه ديرنبورج، ثم ليفي بروفنسال (سنة 1928م) لم نجد في كتب التاريخ ذكرًا لكتاب المسبحي، مما يدل على أن ما كان موجودًا منه بقصر السكوريال في القرن الثامن عشر قد ضاع شأن كثير من الآثار التي أثبت الغزيري وجودها في معجمه.

بيد أنه يبدو من هذا الوصف الذي أثبته الغزيري في معجمه أن المسبحي استمر في تتبع حوادث مصر وحوادث عصره حتى سنة 414هـ، وربما استمر إلى ما قبل وفاته في سنة 420هـ إذا لم يكن الغزيري قد وقف على نهاية كتابه. وهذا وقد كتب ابن ميسر المصري المتوفى سنة 677هـ ذيلًا لتاريخ المسبحي، يبدأ فيه من حيث انتهى المسبحي، وسماه (أخبار مصر)، وانتهى الينا منه قسم يبدأ في سنة 439هـ وينتهي سنة 553هـ، وهذا الذيل هو الذي أشار إليه صاحب كشف الظنون فيما تقدم.

المسبحي الشاعر

هذا وقد كان المسبحي شاعرًا رقيقًا، وله شعر جيد نقل إلينا ابن خلكان شيئًا منه،، ومنه هذه الأبيات التي رثى بها أم ولده، وهي:

ألا في سبيلِ اللهِ قلبٌ تقطّعا *** وفادحـةٌ لم تبـقِ  للعينِ مدمعا

أصبرًا وقد حلّ الثرى مَنْ أودّهُ *** فللهِ همٌّ ما أشدَّ و أوجعــا

فياليتني للموتِ قد متُّ قَبْلَها *** وإلا فليتَ المـوتَ أذهَبْنا معـا

ومن شعره أيضًا، هذه الأبيات التي أنشدها على البديهة حين زاره أبو محمد عبيد الله بن أبي الجوع، الأديب الوراق:

حللْتَ فأحللْتَ قلبي السرورا ***  وكادَ لفرحتهِ أنْ يطيـرا

وأمطرَ عِلمكَ سُحُب السماءِ  *** ولولاكَ ما كان يومًا مطيرا

تضوّعَ نَشْرُك لمّا وردْتّ *** وعــادَ الظلامُ ضياءً منيـرا

وكان ابن أبي الجوع شاعرًا أديبًا، له أشعار كثيرة  في المراسلات والمعاتبات، وكان نسخه في غاية الجودة.

وللمسبِّحي أيضًا قصيدة رثى بها والده حين تُوفي بمصر سنة 400هـ، جاء فيها:

خطبٌ يقلُّ له البكاءُ وينطوي *** عنه العزاءُ ويَظْهَرُ المكتومُ

يا دهرُ قد أنشَبْتَ فيّ مخالبا *** بالأســودين لوقعهنّ كلومُ

بأبي فجعْتُ فأيُ ثكلٍ مِثْلُه *** ثكلُ الأبوةِ في الشبابِ أليمُ

قد كنتُ أجزعُ أن يلمَّ بهِ الردَى *** أو يعتريهِ مِنَ الزمانِ همومُ

____________________

المصادر والمراجع:

– الأمير المختار عزّ الملك محمد بن عبيد الله المسبّحي: أخبار مصر، تحقيق: وليم ج. ميلود، طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1980م.

– ياقوت الحموي: معجم الأدباء، تحقيق: إحسان عباس، الناشر: دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة: الأولى، 1414هـ / 1993م.

– ابن خلكان: وفيات الأعيان، تحقيق: إحسان عباس، الناشر: دار صادر – بيروت/ ط1، 1971م.

– محمد عبد الله عنان: مؤرخو مصر الإسلامية، القاهرة 1969م.

السمعاني: الأنساب، تحقيق: عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني وغيره، الناشر: مجلس دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد، الطبعة: الأولى، 1382هـ / 1962م.

– محمد عبد الله عنان: أقطاب الرواية المصرية، عز الملك المسبحي جندي ومؤرخ وسياسي، مجلة الرسالة، العدد 115، تاريخ، 16/ 9 / 1935م.

السابق
الزبير بن بكار
التالي
شمس الدين السخاوي