احداث المغرب العربي

عصر الولاة

– الولاة فى العصر الأموى

تعد فترة تبعية المغرب للخلافة (عصر الولاة) – والتى تمتد من سنة (96هـ = 715م) إلى سنة (184هـ =800م) – من أهم الفترات وأخطرها فى تاريخ المغرب الإسلامى، وقد اختلفت هذه الفترة عن سابقاتها، لأن فترة الفتح كان يغلب عليها النشاط العسكرى، واتسمت بالامتداد والانحسار، والخوف والاضطراب، ولم يعرف المسلمون شيئًا من الاستقرار بالمغرب إلا بعد تأسيس مدينة «القيروان» على يد «عقبة بن نافع»، ثم تمَّ لهم الاستقرار بفضل جهود: «زهير بن قيس»، و «حسان بن النعمان»، و «موسى بن نصير».

وقد اتسم عصر الولاة بسمات وصفات معينة؛ فهو عصر الاستقرار العربى على أرض «المغرب»، ووضح فيه موقف الخلافة من المنطقة، وما ترتب على ذلك من علاقة بين الخلافة والولاة، فضلا عن علاقة الولاة بسكان هذه البلاد، يضاف إلى ذلك الأوضاع السياسية المختلفة التى ترتبت على هذه العلاقات؛ حيث ثار «المغرب الأقصى» وانفصل عن «الخلافة الأموية»، ثم انتقلت عدوى الثورة إلى المغربين الأوسط والأدنى، وبذلت «الخلافة العباسية» جهودًا كبيرة، وأموالا طائلة، ورجالا كثيرين، فى سبيل الحفاظ على هذه الأقاليم، ولكن الأمور أسفرت عن مجرد سلطة اسمية للخلافة العباسية على «المغرب الأدنى» مُمثَّلة فى قيام «دولة الأغالبة»، وقامت دويلات مستقلة بالمغربين الأوسط والأقصى.

وسوف نعرض تاريخ هذا العصر، ونستعرض تاريخ ولاته، وهم:

– محمد بن يزيد

استشار الخليفة «سليمان بن عبدالملك» فيمن يصلح لولاية إقليم المغرب، فأشار عليه المحيطون به بمحمد بن يزيد مولى قريش، لما يتمتع به من صفات الفضل والحزم، فوقع عليه اختيار الخليفة «سليمان بن عبد الملك»، ومنحه ولاية «المغرب» وأوصاه بقوله: «يا محمد بن يزيد اتق الله وحده لاشريك له، وقم فيمن وليتك بالحق والعدل. اللهم اشهد عليه»، فعمل «محمد» بهذه الوصية منذ تولىمقاليد البلاد، واستقر بالقيروان، فأقام سياسة العدل بين سكان هذه البلاد، وسار فيهم بأحسن سيرة، ثم عمد إلى تجديد النشاط العسكرى، وأرسل السرايا والبعوث إلى أماكن متفرقة من أرض المغرب، فحققت نجاحًا ملحوظًا فيما ذهبت من أجله، وعادت بالمغانم الكثيرة والنصر المظفر. وظل «محمد بن يزيد» واليًا على «المغرب» حتى وفاة «سليمان بن عبدالملك»، فعزل من ولايته بعد أن قضى بها سنتين وعدة أشهر.

– إسماعيل بن عبدالله (100 – 101هـ= 718 – 719م):

اختاره الخليفة «عمر بن عبدالعزيز» لصفاته الحسنة وسمعته الطيبة، لتولى هذا المنصب فى سنة (100هـ=718م)، وبعث معه مجموعة من التابعين، منهم: «سعد بن مسعود التجيبى»، لمعاونته فى نشر الإسلام، وتعليم الناس قواعده، وقد أثمرت سياسة «إسماعيل» الطيبة بين الرعية، فى إقبال البربر على اعتناق الدين الإسلامى، وأسلم جميع البربر فى أيامه كما ذكر «ابن خلدون».

ولاشك أن سياسة الدولة الإسلامية عامة، التى انتهجها الخليفة العادل «عمر بن عبدالعزيز»، كان لها أثرها الواضح على كل أقاليم الدولة، خاصة وأن الخليفة قد حرص على اختيار ولاة أكفاء؛ يتخلقون بأخلاق الإسلام، لذا أشار كثير من المؤرخين إلى الدور الإيجابى الذى قام به «إسماعيل بن عبدالله» فى تعليم «البربر» القرآن، وقواعد الحلال والحرام، وقد عُزل «إسماعيل» من منصبه عقب وفاة الخليفة «عمر بن عبدالعزيز» فى سنة (101هـ= 720م)، فتولى «يزيد بن أبى مسلم» ولاية «المغرب» خلفًا له.

– يزيد بن أبى مسلم

لم يُقر الخليفة «يزيد بن عبدالملك» -الذى تولى الخلافة خلفًا لعمر بن عبدالعزيز فى سنة (101هـ = 720م) – سياسة اللين والتسامح التى انتهجها الخليفة السابق «عمر»، واستوجب ذلك تغييرًا عاما فى سياسة الدولة، فعزل جميع الولاة، وعين آخرون مكانهم. وكان «يزيد بن أبى مسلم» من بين الولاة الجدد.

أقبل «يزيد» إلى «القيروان» فى سنة (101هـ=720م)، وتولى مقاليدالأمور فيها، واتبع سياسة الشدة والحزم تجاه أهل «المغرب» مثلما اتبعها مع أهل «العراق» من قبل، وفرض الجزية على مَن أسلم من أهل الذمة ليزداد الدخل المالى فى خزينة الدولة، كما أنه خصَّ طائفة من قبيلة «البتر» البربرية بحراسته دون غيرها، وأساء إلى آل «موسى بن نصير» وبعض الشخصيات العربية المقيمة بالقيروان، فأثار عليه ذلك حفيظة بعض حرسه من غير «البتر» وقتلوه.

– بشر بن صفوان

تحرك «بشر» تجاه «المغرب» فى أواخر سنة (102هـ=721م)، وقد بدأ أعماله بالتحقيق فى مقتل «ابن أبى مسلم»، واكتشف أن هناك بعض المحرضين للجند على فعل ذلك لإشعال الفتنة، فأمر بإعدامهم كما أمر بعزل «الحسن بن عبدالرحمن» والى «الأندلس» من منصبه، وولى مكانه «عبدالله بن سحيم الكلبى»، ثم قام فى سنة (109هـ= 727م) بحملة بحرية على «جزيرة صقلية»، وعاد منتصرًا ومحملا بكثير من المغانم والأسلاب، ثم مرض عقب عودته من هذه الغزوة، ومات فى العام نفسه.

– عبيدة بن عبدالرحمن السلمى

وصل القيروان فى سنة (110هـ=728م)، فأرسل «المستنير بن الحبحاب الحرشى» أحد القادة العسكريين على رأس حملة بحرية إلى «صقلية»، ولكن هذه الحملة لم تحقق نجاحًا، وغرقت معظم سفنها.

وقد عين «عبيدة» بعض الولاة من قِبله على «الأندلس» فى سنة (114هـ=732م)، ثم توجه إلى مقر الخلافة بدمشق، وطلب إعفاءه من منصبه، فأُجيب إلى مطلبه.

– عبيدالله بن الحبحاب

وصل «عبيدالله» إلى «المغرب» فى سنة (116هـ=734م)، وبدأ ولايته بتجهيز حملة بقيادة «حبيب بن أبى عبيدة بن عقبة بن نافع»، وبعث بها لفتح بعض المناطق؛ لتأمين الأقاليم الإسلامية بالمغرب، فتوغلت هذه الحملة حتى وصلت إلى «السوس الأقصى»، وأرض «السودان»، وحققت الأهداف التى خرجت من أجلها.

وقد انتهج «عبيدالله» سياسة مغايرة لسابقيه، فأسرف فى جمع الأموال مستخدمًا القسوة والقوة وشرع فى تخميس البربر، أى اعتبرمن أسلم منهم ومن لم يسلم فيئًا للمسلمين، بخلاف ما اعتاد عليه هؤلاء البربر حيث منح الولاة من أسلم منهم نفس الحقوق والواجبات الخاصة بالمسلمين كما أنه أزكى نار العصبيات القبلية، حيث حابى أبناء قبيلته من القيسية وأساء معاملة اليمنية وغيرهم، فكانت النتيجة أن قامت الثورات المدمرة فى أقاليم «المغرب»، ودخل البربر فى صراع مسلح مع ولاتهم من العرب، وترتب على ذلك انفصال «المغرب الأقصى» عن سلطة الخلافة بدمشق.

كلثوم بن عياض القشيرى

وقع اختيار الخلافة عليه، لتولى مقاليد الأمور بالمغرب، ومواجهة الأحداث الخطيرة التى نشبت على أرضه، وتوجه على رأس جيش كبير تعداده سبعون ألف مقاتل إلى هذه البلاد، ودعمته الخلافة بكل ما يحتاج إليه، ووصل على رأس جيشه إلى «بقدورة» بالمغرب الأقصى، ودخل فى معركة شرسة مع جحافل البربر، وقد انتهت هذه المعركة بهزيمة جيش العرب، فضلا عن مقتل «كلثوم» نفسه ومعه كثير من زعماء الجيش، وفرَّ الباقى إلى «طنجة» ومنها إلى «الأندلس».

– حنظلة بن صفوان الكلبى

كان «حنظلة» واليًا على «مصر»، وكان ذا كفاءة عالية وخبرة كبيرة، فضلا عن إلمامه بأخبار «المغرب» وأوضاعه بحكم الجوار بين «مصر» و «المغرب»، فوقع عليه اختيار الخليفة «هشام بن عبدالملك» لتولى شئون «المغرب»، وأمره بالتوجه إليها فى سنة (124هـ= 742م)، فخرج على رأس جيش بلغ تعداده ثلاثين ألف مقاتل، قاصدًا «القيروان»؛ لمواجهة أحداث المغرب.

ووصلت الأخبار إلى «حنظلة» بمسير البربر إليه فى جيشين كبيرين، أحدهما بقيادة «عكاشة الصفرى الخارجى»، والآخر بقيادة «عبدالواحد بن يزيد الهوارى»، وقد سار الجيشان فى طريقين مختلفين، فاضطر «حنظلة» إلى لقاء كل جيش على حدة، وبدأ بمحاربة جيش «عكاشة» وأنزل به هزيمة كبيرة؛ أعادت الثقة إلى نفوس جيشه، ثم كان اللقاء الثانى بجيش «عبدالواحد» عند «باجة»، ودارت بين الفريقين معركة عنيفة، انتهت بهزيمة جيش الخلافة،وعودة ما تبقى منه إلى «القيروان» استعدادًا لمحاولة ثانية. ثم حشد «حنظلة» كل ما استطاع من قوة، وخرج للقاء البربر، ودارت بينهما معركة، أثبت جيش «حنظلة» فيها كفاءة عالية وصبرًا على القتال، فانتصر جيش الخلافة وقُتل «عبدالواحد» قائد البربر، فضلا عن مقتل عدد كبير من جنوده، فمكن هذا النصر للأمويين فى البلاد، ودعم وجودهم فيها، وعمد «حنظلة» إلى إقرار الأمن والطمأنينة فى النفوس، ثم بعث بأخبار هذا النصر إلى مركز الخلافة «بدمشق» فى شعبان سنة (125هـ= يونيو 743م)، فتوافق هذا الوقت مع وفاة الخليفة «هشام بن عبدالملك»، وتولى «الوليد الثانى بن يزيد» خلفًا له.

واجه «حنظلة» مشكلة كبيرة، تمثلت فى نزول «عبدالرحمن بن حبيب» أحد زعماء العرب على شواطئ «تونس» قادمًا من «الأندلس»، وقد استغل هذا الرجل اضطراب الأوضاع فى «دمشق»، وضعف والى «القيروان» بسبب الحروب الكثيرة التى خاضها مع البربر، وسعى إلى جمع عناصر من العرب والأفارقة والبربر حوله، ثم نزل بهم منطقة «سمنجة» فى سنة (127هـ=745م)، استعدادًا للاستيلاء على «القيروان» وعلى مركز السلطة فيها.

وحاول «حنظلة» معالجة الأمور بطريقة ودية، فاختار خمسين من فقهاء «القيروان» وزعمائها، وأرسلهم إلى «عبدالرحمن» للتفاوض معه، فألقى القبض عليهم وهدَّد بقتلهم إن لم يتخلَّ «حنظلة» عن الإمارة، ويترك «القيروان» خلال ثلاثة أيام، وألا يأخذ من بيت المال إلا ما يكفيه مئونة السفر، فوافق «حنظلة» على مطالب «عبدالرحمن» حفاظًا على أرواح مَن بعث بهم إليه، وترك «القيروان» فى جمادى الآخرة سنة (127هـ= مارس745م) فدخلها «عبدالرحمن».

ثم وافقت الخلافة على تعيينه واليًا على بلاد «المغرب».

الولاة فى العصر العباسى

استقر «عبدالرحمن بن حبيب» بالقيروان فى سنة (127هـ)، وعمل على الاستقلال بالمغرب، فواجه العديد من ثورات البربر، ولكنه تمكنمن التغلب عليها، وهاجم معاقلهم، وقضى على تجمعاتهم، ثم أرسل حملتين عسكريتين فى سنة (135هـ= 752م) إلى جزيرتى «صقلية» و «سردانية»، فحققت الحملتان أهدافهما، وعادتا منتصرتين.

فلما قامت الدولة العباسية، أسرع «عبدالرحمن بن حبيب» بالخطبة للعباسيين على المنابر، وأرسل لهم مبايعته وطاعته، فرحب به الخليفة العباسى «أبو العباس السفاح» وأقرَّه على ولايته، ولكن الأمور تغيرت فى عهد «أبى جعفر المنصور»، الذى تولى الخلافة فى ذى الحجة سنة (136هـ= مايو 754م)، حيث أقر «عبدالرحمن» على «المغرب» فى البداية، ثم توترت بينهما العلاقات، فخلع «عبدالرحمن» طاعة العباسيين واستقل بحكم إقليم «المغرب الأدنى».

ولقد حاول «عبدالرحمن بن حبيب» نقل ولاية العهد من أخيه «إلياس» إلى ابنه «حبيب»، فدبر له «إلياس» مؤامرة انتهت بقتله فى سنة (137هـ=754م) بعد أن قضى نحو عشر سنوات بالحكم، أمضاها فى معارك متصلة ضد الثائرين والخارجين، ومن ثَم ثارت جموع البربر، وعادت الاضطرابات إلى المنطقة ثانية، وتمكن «إلياس» من إحكام سيطرته على «القيروان»، إلا أن «حبيب بن عبدالرحمن» دخل فى صراع طويل معه، وانتهى الأمر بمقتل إلياس فى سنة (138هـ= 755م)، وتولى «حبيب» مقاليد الحكم بالقيروان، ولجأ عدد من أفراد أسرته إلى قبيلة «درفجومة» البربرية، وكان زعيمها «عاصم بن جميل كاهنًا» يدعى النبوة، فدخل «حبيب» فى حروب مع هذه القبيلة، ولكنهم هزموه، فاضطر إلى الفرار، ودخل «عاصم» «القيروان» واستحل حرماتها وخرَّب مساجدها وقضى على مظاهر حضارتها.

وهكذا سقطت «القيروان» فى قبضة هذه القبيلة التى أساءت معاملة الناس، فاضطر بعضهم إلى اللجوء والاستنجاد بالخلافة العباسية، ولجأ آخرون إلى «أبى الخطاب عبدالأعلى بن السمح المعافرى» وكان أحد وجوه العرب، ويعتنق المذهب الإباضى، فهبَّ لنجدتهم، وجمع مَن حوله من البربر المعتنقين لآراء الخوارج، وأثار فيهمالحمية، ثم خرج بهم لملاقاة قبيلة «درفجومة»، فاستولى على «طرابلس»، ثم قصد «القيروان» فى سنة (141هـ= 758م)، وتمكن من قتل «عاصم بن جميل» وعدد كبير من أتباعه، ودخل مدينة «القيروان».

وحين علم الخليفة العباسى «أبو جعفر المنصور» بما حدث ببلاد المغرب، عين «محمد بن الأشعث بن عقبة الخزاعى» على ولاية «مصر»، وأمره بمعالجة الأمور بالمغرب، فاضطر «ابن الأشعث» بعد فترة إلى الخروج بنفسه على رأس الجيش إلى «المغرب» للقضاء على نفوذ الإباضية فيها، وقد تمكن من ذلك بعد عدة حروب، وقتل «أبا الخطاب» وأتباعه، ثم دخل مدينة «القيروان» فى سنة (144هـ= 761م)، وتولى مقاليد الأمور بها، وبنى حولها سورًا كبيرًا لحمايتها، ثم هاجم معاقل البربر، وقضى على تجمعاتهم، ولكنه أساء معاملة جنده، فثاروا عليه، وأجبروه على التخلى عن الولاية، والعودة إلى المشرق فى ربيع الأول سنة (148هـ= إبريل 765م).

– الأغلب بن سالم التميمى

وقع اختيار الخلافة عليه لتولى إفريقية، لحزمه وشجاعته وسداد رأيه، فدخل «القيروان» فى جمادى الآخرة سنة (148هـ= يوليو 765م)، وبلغه احتشاد البربر بقيادة «أبى قرة بن دوناس» الخارجى فى «تلمسان» للتوجه إلى «القيروان»، فخرج «الأغلب» بجنوده لملاقاتهم، ولكنهم انسحبوا إلى «المغرب الأقصى» دون قتال، فانتهز «الحسن بن حرب الكندى» فرصة خروج الجيش من «القيروان» واحتلها، فلما علم «الأغلب» بذلك دخل مدينة «قابس» استعدادًا لطرد هذا المحتل، ثم دخل معه فى معركة حامية، واستشهد «الأغلب»، وصمد جيشه، وتمكن من قتل «الحسن بن حرب» وهزيمة جيشه.

– عمر بن حفص

وقع عليه اختيار الخلافة لتولى مهام إقليم «المغرب» عقب استشهاد «الأغلب بن سالم التميمى»، وكان «عمر» رجلاً شجاعًا، ذا شخصية قوية، فدخل مدينة «القيروان» فى سنة (151هـ= 768م)، وانتهج سياسة جديدة تجاه أهلها وعاملهم بالحسنى، وتودد إلى زعمائهاوأنزلهم منازلهم، فاستقرت له الأوضاع، وهدأت الأمور، ثم خرج إلى مدينة «طبنة» لإصلاح أحوالها، وبناء سورها، ففاجأته جموع البربر، وحاصرت مدينة «القيروان»، كما حاصرته مع جنوده بمدينة «طبنة»، فلجأ إلى استعمال الحيلة، وأغدق بالأموال على الجيش المحاصر لطبنة، فانصرف عدد كبير من جنود البربر عن المدينة، وتمكن «عمر» من هزيمة الجزء المتبقى منهم، ثم دخل «القيروان» بالحيلة والتمويه، وتولى مهمة الدفاع عنها، ولكن «إباضية» «طرابلس» بزعامة «أبى حاتم» كانوا قد أحكموا حصارهم وسيطرتهم على «القيروان»، وظلوا كذلك ثمانية أشهر، فساءت الأوضاع داخل المدينة، واضطر الناس إلى أكل دوابهم وخيولهم، وفشلت كل محاولات «ابن حفص» لفك الحصار عن المدينة، فخرج على رأس قواته، ودخل فى معركة شديدة مع المحاصرين، فاستشهد هو وكثير من رجاله فى سنة (154هـ = 771م) ودخل «الإباضية» بقيادة «أبى حاتم» المدينة.

– يزيد بن حاتم

تولى «يزيد بن حاتم» إمرة «مصر» فى عهد الخليفة «أبى جعفر المنصور» فى سنة (144هـ=761م)، وأثبت فيها كفاءة عالية، فوقع عليه اختيار الخلافة ليكون واليًا على «المغرب»، وجهز له الخليفة جيشًا كبيرًا، ضم تسعين ألف مقاتل، وتم تجهيزه بثلاثة ملايين درهم، وخرج «يزيد» على رأس الجيش قاصدًا إفريقية، ووصلها فى سنة (154هـ= 771م)، فانضمت إليه فلول الجند المنهزمة أمام «أبى حاتم»، وتم اللقاء بين الجيش العباسى وجيش الخوارج بقيادة «أبى حاتم» فى شهر ربيع الأول سنة (155هـ= فبراير 772م)، فكانت المعركة حاسمة، وهُزم جيش الخوارج، وقتل قائده «أبو حاتم»، وبعث «يزيد» بجنوده لاستئصال شأفة الخوارج ثم دخل «القيروان» رافعًا أعلام العباسيين، وبث الطمأنينة فى نفوس أهلها، ومات «يزيد بن حاتم» بالقيروان فى سنة (170هـ= 786م)، فخلفه ابنه «داود» فى الولاية. – داود بن يزيد بن حاتم: تولى «داود» مقاليد الأمور خلال فترة مرض والده كمعاون له، فلمامات والده، تولى إدارة البلاد ريثما تتخذ الخلافة قرارها، وواجه ثورة الإباضية بحزم، وحافظ على ما حققه والده من انتصارات ومكاسب، ولم يستمر فى الحكم سوى تسعة أشهر، ثم سلم مقاليد الأمور إلى عمه «روح ابن حاتم»، وعاد إلى المشرق. – روح بن حاتم: اختاره الخليفة «هارون الرشيد» خلفًا لأخيه «يزيد» فقدم إلى إفريقية فى سنة (170هـ=787م)، وتولى مقاليد أمورها، وأحدث تغييرات فى إدارتها، وقضى على ثورات ما تبقى من البربر بها، فهدأت أوضاعها، واستقر أمنها ثم مات «روح» فى رمضان سنة (174هـ= يناير 791م). – نصر بن حبيب: اقتفى «نصر» سياسة الوالى السابق، وعدل بين الناس وحسنت سيرته بينهم، ولكنه لم يستمر طويلا فى الولاية، حيث تم عزله بعد سنتين وثلاثة أشهر قضاها فى الحكم. – الفضل بن روح بن حاتم: اختاره «الرشيد» بدلا من «نصر ابن حبيب»، فوصل إلى مدينة «القيروان» فى سنة (177هـ= 793م)، وجعل ابن أخيه «المغيرة ابن بشير بن روح» على مدينة «تونس»، وكان «المغيرة» غِرا تنقصه التجارب والكياسة، فأساء معاملة الجند، وفرق بينهم فى المعاملة، فثاروا عليه بقيادة «ابن الجارود» المعروف بابن عبدويه، وعزلوه عن «تونس»، وأجبروه على تركها، فأدرك «الفضل بن روح» خطورة الموقف، وأرسل «عبدالله بن يزيد» واليًا جديدًا على «تونس» لتهدئة الموقف، ولكن الثوار قتلوه على أبواب المدينة، وشرعوا فى استمالة قادة الجيش بالقيروان وزعماء الجند إليهم للتخلص من «الفضل»، وقد نجحوا فى ذلك، وحاصروا مدينة «القيروان»، ثم دخلوها، وأرغموا «الفضل» على تركها مع بعض أفراد أسرته، ولكن «ابن الجارود» أرسل خلفه مَن يأت به إلى «القيروان» ثانية، وأودعه السجن فترة، ثم قتله فى شعبان سنة (178هـ= نوفمبر 794م)، فلما بلغ «الرشيد» ذلك بعث بيحيى بن موسى إلى «تونس» برسالة ليُهدِّىء النفوس، ويدعو «ابن الجارود» إلى «بغداد»، فامتثل «ابنالجارود» للأمر، وهدأت الثورة، وعين الخليفة «الرشيد» «هرثمة بن أعين» على إفريقية. – هرثمة بن أعين: تسلم «هرثمة» مهام منصبه بالقيروان فى ربيع الآخر سنة (179هـ= يونيو 795م)، فنهج سياسة حسنة فى رعاياه، وأعاد إليهم استقرارهم وأمنهم، ثم شرع فى العمران والبناء، فأنشأ سورًا حول «طرابلس»، وبنى القصر الكبير بالمنستير، ولم تحدث فى عهده ثورات ذات أهمية، سوى ثورة «عياض بن وهب الهوارى»، إلا أن «هرثمة» استطاع القضاء عليها فى مهدها. ظل «هرثمة» بإفريقية نحو سنتين ونصف السنة، ثم ألح على الخلافة فى أن تعفيه من منصبه، فأجابه الخليفة إلى طلبه، وعاد «هرثمة» إلى المشرق. – محمد بن مقاتل العكى: اختاره «الرشيد» لتولى إمرة بلاد «المغرب الأدنى»، فوصلها فى رمضان سنة (181هـ= أكتوبر 797م)، ويبدو أنه لم يكن على دراية بأوضاعها، وظروف الجند بها، فوقع فى عدة أخطاء، وقطع أرزاق الجند، وأساء معاملة وجوه القوم وزعمائهم، فثاروا عليه بقيادة «تمام بن تميم التميمى» ثم توجه بها إلى «القيروان» وحاصرها، ثم دخل مع «العكى» فى معركة وهزمه فيها، ولكن «إبراهيم بن الأغلب» والى «الزاب» من قبل «العكى» كانت له طموحات فى هذه المنطقة، فأسرع إلى نجدته بقواته، وقضى على جموع الثائرين. وعمد «إبراهيم بن الأغلب» إلى التقرب إلى أهالى «القيروان» لتحقيق أهدافه ومطامعه بالمنطقة، وظهر بمظهر المدافع عن سلطة الخلافة وممتلكاتها، وقد ساعدته كراهية الناس لابن مقاتل العكى فى تحقيق مبتغاه، وطلب منه وجهاء القوم مراسلة «الرشيد» وإعلامه بمسلك «العكى» العدائى تجاه السكان، ومطالبة الرعية بعزله، فاستجاب لمطلبهم، وبعث إلى «الرشيد» برسالة وضح له فيها هذه الأمور، فعينه «الرشيد» على هذه الولاية، ودخل «المغرب الأدنى» فى مرحلة سياسية جديدة عقب تولية «إبراهيم بن الأغلب» عليه، الذى سعى إلى تحقيق أهدافه، والاستقلال بحكم المنطقة عنالخلافة، وباتت السلطة الحقيقية فى يده، وأورثها من بعده أبناءه، ولم تعد المنطقة مرتبطة بالخلافة سوى بالدعاء للخليفة على المنابر. وهكذا انتهى عصر الولاة بالمغرب الأدنى وبدأ عصر الاستقلال الذاتى وظل الحكم إرثًا فى «بنى الأغلب» بالمنطقة طيلة قرن من الزمان حتى سقطت هذه الأسرة على أيدى الفاطميين فى سنة (296هـ=909م).

السابق
دولة بنى مدرار فى سجلماسة
التالي
المسلمون في المدينه