الطب والصيدلة

علي بن العباس – الطبيب البارع

ملخص المقال

    اشتهر علي بن العباس المجوسي باعتباره طبيبا بارعا في علاج الأمراض المتوطنة والمستعصية على العلاج لفترات طويلة

كما عرفنا الحضارة الإسلامية عظيمة وثرية بالعلم والعلوم والأعلام، ورائعة بما فيها من قيم أصيلة وإنسانيات خالدة، فإنها اليوم تُبرز لنا واحدًا من علمائها الأعلام الذين ذاع صيتهم في المجال الطبي شرقًا وغربًا، وهو علي بن العباس المجوسي[1]، الذي يُعدُّ رائدًا حقيقيًّا في النواحي التطبيقية والتنظيرية والأخلاقية في المجال الطبي.

فقد اشتهر علي بن العباس المجوسي باعتباره طبيبًا بارعًا في علاج الأمراض المتوطنة والمستعصية على العلاج لفترات طويلة، ولم يكن عليٌّ من أولئك الأطباء المفتقرين للنواحي العلمية النظرية أو التطبيقية، بل إن الذي جعله متفرِّدًا بين علماء عصره وحتى يومنا هذا هو إلمامه بكافَّة النواحي النظرية التي يحتاجها أي طبيب مثله من المعرفة والعلم والدراية بما كتبه الأولون في هذا الفنِّ؛ وبجانب ذلك سيره على ما يُسَمَّى في الواقع العلمي اليوم باسم (المنهج العلمي) القائم على التجربة والاستقصاء والملاحظات ومن ثَمَّ النتائج.

علي بن العباس.. المولد والنشأة

وُلِدَ علي بن العباس في منطقة الأهواز -شرقي إيران حاليًا- ولم يُعرف بالضبط تاريخ ميلاد، وقد ذكر بعضُ مَن ترجموا له ذكروا أنه كان حيًّا قبل عام (384هـ/ 994م)[2]، ومنهم من جزم بوفاته في هذا العام[3]، ومنهم من جعل وفاته في حدود عام (400 هـ/ 1010م)[4].

وقد ذكره القفطي في (أخبار العلماء) فقال: “علي بن العباس المجوسي، طبيب فاضل كامل، فارسي الأصل، يُعرف بابن المجوسي، قرأ عَلَى شيخ فارسي يُعرف بابن ماهر، وطالع هو واجتهد لنفسه، ووقف على تصانيف المتقدِّمِينَ، وصنف للملك عضد الدولة فناخسرو بن بويه كُنَّاشه[5] المسمَّى بالملَكِي، وهو كتاب جليل، وكُنَّاش نبيل اشتمل على علم الطبِّ وعمله، حسن الترتيب”[6].

علي بن العباس.. وكامل الصناعة الطبية

كامل الصناعة الطبية اشتهر علي بن العباس بكتابه المسمى (كامل الصناعة الطبية الضرورية) والمشهور باسم (الملكي)، فإنه يُعدُّ من أبرز مصنفاته وأشهرها على الإطلاق، وقد قال عنه ابن أبي أصيبعة: “صنفه للملك عضد الدولة فناخسرو بن ركن الدولة أبي علي حسن بن بويه الديلمي، وهو كتاب جليل مشتمل على أجزاء الصناعة الطبية؛ علمها وعملها”[7].

يقول علي بن العباس في أول كتابه هذا مشيرًا إلى الدافع إلى تأليفه وبيان أهميته: “أحببت أن أُصَنِّف لخزانته كتابًا كاملاً في صناعة الطب”. ثم قال: “وما سمعته فهو: (الملكي) كامل الصناعة الطبية، وهو جامع كامل لكل ما يحتاج إليه المتطبِّب”[8].

وما أن ظهر هذا الكتاب حتى قوبل بالاستحسان، ومال الناس إلى دراسته، يوضِّح ذلك القفطي فيقول: “مال الناس إليه في وقته، ولزموا درسه إلى أن ظهر كتاب القانون لابن سينا، فمالوا إليه، وتركوا الملكي بعضَ التَّرْك، والملكي في العمل أبلغ، والقانون فِي العلم أثبت”[9].

ولعل جملة القفطي: “الملكي في العمل أبلغ، والقانون في العلم أثبت”، توضِّح الأهمية الواقعية والتجريبية لكتاب (كامل الصناعة الطبية) بين العامة والخاصة، وأن هذا الكتاب يختلف عن (القانون) لابن سينا؛ لأن مؤلفه اعتمد فيه على مشاهداته العلمية في المستشفيات، لا على مجرَّد الدراسة النظرية، ويظهر ذلك في مقالتي الكتاب الأولى والثانية، والمشتملتين على فصول رائعة في التشريح، فكانت مرجعًا لعلم التشريح في سالرنو بإيطاليا مدة من الزمن[10].

ويتكوَّن كتاب (كامل الصناعة الطبية) من جزأين متكاملين؛ كل منهما يحتوي على عشر مقالات؛ فالمقالة الأولى من الجزء الأول تتناول الأمور العامة وأمزجة الأعضاء، والثانية والثالثة تختصَّان في تشريح وظائف الأعضاء، والرابعة تهتمُّ في ذكر القوى والأفعال والأرواح، والخامسة تشمل الأمور التي ليست طبيعية، والسادسة في الأمراض والأعراض، والسابعة في الدلائل العامة على الأمراض والعلل، والثامنة في الاستدلال على الأمراض الظاهرة للحسِّ وأسبابها وعلاماتها، والتاسعة تحوي ذكر الدلائل وأسبابها وعلاماتها. وأما الجزء الثاني فيشتمل على كلٍّ من: المقالة الأولى في الصحة العامة، والثانية في الأدوية، والثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والثامنة: خصَّصها لعلاج الأمراض ومداواتها، والتاسعة للجراحة، وأما العاشرة فهي لصنع المعجَّنات والدهونات والأشربة والأكحال وغيرها[11].

وقد وصفت زيجريد هونكه كتاب علي بن العباس بقولها: “كل ما تمناه الرازي وحال المرض والعمى ثم الموت دون إبرازه إلى حيز الوجود حَقَّقَه علي بن العباس في أكمل صورة، وجاء كتابه تحفة علمية رائعة، جمعت بين عمق كتاب (الحاوي) وتماسك كتاب (المنصوري)… وكان كتابًا ملكيًّا بالفعل كعنوانه: (الكتاب الملكي)، وما يزال يستحق إعجابنا وتقديرنا حتى العصر الذي نعيش فيه”[12].

وقال فليب حتي عن هذا الكتاب أيضًا: “كتاب جليل، وكُنَّاش نبيل، اشتمل على علم الطب وعمله، وكانت أفضل أقسامه القسم الذي يبحث في علم الأغذية الصحية وعلم العقاقير الطبية”[13].

علي بن العباس.. ومنهج نقدي متميز

مما يُدلِّل على مقدرة علي بن العباس العقلية الفاحصة لكل ما قرأه واطَّلع عليه، ومما يُدلل أيضًا على تبحُّره ومكانته الفائقة في المجال الطبي، وكذلك على منهجه الذي اعتمد عليه إزاء الدراسات السابقة عليه، أنه قد انتقد كثيرًا من المؤلفين السابقين عليه، وخاصة ما ألَّفه اليونانيون في هذا المجال، ولم يكن هذا الانتقاد منطلِقًا من التشفِّي لكل ما كتبه القدماء، بل كان انتقادًا بالأدلة العلمية الصحيحة والعقلية المقبولة في كتابه القيِّم (الملكي).

وهذا الأمر تُثبته وتنقله المستشرقة الألمانية زيجريد هونكه في كتابها (شمس العرب تسطع على الغرب) عن علي بن العباس، حيث تنقل عنه أنه قال: “إني لم أجد بين مخطوطات قدامى الأطباء ومحدثيهم كتابًا واحدًا كاملاً يحوي كل ما هو ضروري لتعلُّم فنِّ الطب؛ فأبقراط يكتب باختصار، وأكثر تعابيره غامضة بحاجة إلى تعليق… كما وضع جالينوس عدة كتب لا يحوي كل منها إلاَّ قسمًا من فنِّ الشفاء، ولكن مؤلفاته طويلة النفس، وكثيرة الترديد، ولم أجد كتابًا واحدًا له يصلح كل الصلاح للدراسة… وأما أنا فإني سأعالج في كتابي كل ما يلزم للحفاظ على الصحة وشفاء الأمراض، والمستلزمات التي يجب على كل طبيب قدير مستقيم أن يعرفها”[14].

علي بن العباس.. إنجازات وإسهامات

في صدد إنجازات وإسهامات علي بن العباس ومكانته العلمية الفريدة، كانت تعليقات زيجريد هونكه، والتي ذكرت ما تفرَّد به عن أسلافه من أطباء اليونان والمسلمين؛ فقالت: “وقد قال أبقراط ومن جاء بعده: بأن الطفل في جوف الأم يتحرَّك بنفسه تلقائيًّا، ويخرج بواسطة من هذه الحركة من الرحم، فجاء علي بن العباس ليكون أول من قال بحركة الرحم المولِّدة التي تدفع بالثمرة (الجنين) إلى الخروج بواسطة انقباض عضلاته”[15].

وتقصد هونكه أن علي بن العباس قد أثبت أن الطفل في الولادة لا يخرج من تلقاء نفسه كما كان يُعتقد قبل ذلك، بل يخرج بفعل تقلصات عضلية داخل الرحم.

وإضافةً إلى ذلك كتب علي بن العباس عن الخرَّاج في رحم الأم، وفي حلقه، وعن سرطان الجوف الداخلي، وغيرها من التوصيفات المرضية التي توجد داخل أمعاء الإنسان، أو رحم الأمهات، وقد أشار في كتابه (الملكي) إلى ضرورة العمل في المستشفيات لمن أراد أن يكون طبيبًا ناجحًا[16].

ولعَلَّ علي بن العباس المجوسي -كما يذكر الدكتور عامر النجار- من أوائل من أشاروا إلى وجود صلات بين الشرايين والأوردة؛ وفي ذلك إرهاصة متواضعة إلى وجود الأوعية الشعرية، كما يشتمل كتابه (الملكي) على ملاحظات إكلينيكية قد تكون متواضعة في زماننا هذا، لكنها كانت أكثر قيمة بالنسبة لعصره ووقته[17].

هذا، وقد تناقل مؤرخو العلوم الطبية بكل إعجاب النزعات العلمية والأخلاقية عند علي بن العباس؛ فمنها على سبيل المثال ما يلي:

1- يجب الاعتماد على تقويم صحة المريض؛ إذ (الوقاية خير من العلاج).

2- يلزم أن يُعَالَج العليل بالغذاء قبل اللجوء إلى الأدوية.

3- ينبغي التركيز على الأدوية المفردة وتجنب المركبة قدر الإمكان.

4- عدم تناول الأدوية الغريبة المجهولة.

5- النبض رسول لا يكذب، ومنادٍ أخرس يُخبر عن أشياء خفية بحركاته الظاهرة.

6- القلب والعروق الضوارب تتحرك كلها حركة واحدة، على مثال واحد في زمن واحد.

7- يعتبر علي بن العباس أول من أشار إلى صعوبة شفاء المريض بالسل الرئوي بسبب حركة الرئة.

8- أوصى باستعمال القسطرة[18] لإخراج البول من المثانة.

9- عالج بنجاح الغدد اللمفاوية (الدرني).

10- عالج أم الدم “الأنورسما” جراحيًّا.

11- وصف علاجًا لكل من الخلوع والكسور والتجبير.

12- وصف علاجًا لالتهاب اللوزتين.

13- بحث عن التقيد بتقاليد الصنعة وآدابها.

14- تواتر عنه أنه قال: “الطبيب والمريض والمرض ثلاثة، فمتى كان المريض يقبل من الطبيب ما يصف له ويتوقَّى ما ينهاه عنه، كان الطبيب والمريض محاربين للمرض، واثنان على واحد يغلبانه ويهزمانه، وإن كان المريض لا يقبل من الطبيب ما يصفه له ويتبع شهواته، كان المرض والمريض محاربين للطبيب، وواحد لا يقوى على محاربة اثنين”.

15- ينصح الأطباء أن لا يكون هدفهم طلب المال بل الأجر والثواب، وألا يُعطوا دواءً قتالاً ولا يصفوه، ولا يدلُّوا عليه أو ينطقوا به، ولا دواء للنساء لإسقاط الأجنة، وأن يكون الطبيب رقيق الكلام، طاهرًا، بعيدًا عن كل نجس وفجور، وبعيدًا عن اللهو وشرب النبيذ، صافي النية في نظراته للنساء، وأن لا يُفشي سرًّا، وأن يكون رحيمًا وعفيفًا مع الفقراء.

16- يحثُّ الأطباء على تَذَكُّر الأعراض التي تعتري المريض.

17- كما يحثُّ الطبيب على ضرورة مداولة أمور المرضى مع زملائه وأساتذته حذّاق الأطباء[19].

علي بن العباس.. الأثر والتأثير

كغيره من علماء المسلمين في الحضارة الإسلامية، كان لعلي بن العباس صدًى كبير في الأوساط والمحافل العلمية والدولية، وكان له أثر عظيم على سير النهضة والحضارة الأوربية.

وإن كتابه (الملكي) ليُعدُّ من أوائل الكتب المترجمة من العربية إلى اللاتينية؛ فقد ترجمه قسطنطين الإفريقي (1020 – 1087م) عميد مدرسة الطب في سالرنو الإيطالية، والغريب أنه نسبه إلى نفسه. وقد انتشر هذا الكتاب في الغرب انتشارًا مذهلاً، وصار كتابًا منهجيًّا في جميع المدارس الطبية وقتئذٍ، كما تُرجم الكتاب مرَّة أخرى بواسطة باحث معروف هو إتيان الأنطاكي، وذلك في عام (521هـ/ 1127م)، الذي شكَّ في مقدرة قسطنطين الإفريقي على إنتاج مثل هذا العمل، فبحث عن مصدر هذا العمل، ومِن ثَم نسبه إلى صاحبه[20].

وهكذا كان علي بن العباس شعلة وهَّاجة في سماء الحضارة الطبية، وكان له دوره الذي لا يُنْكَر في مسيرة الحضارة الإسلامية الإنسانية.

د. راغب السرجاني


[1]عُرِفَ بهذه النسبة إلى أحد أجداده، الذي كان يدين بالمجوسية.

[2]عمر كحالة: معجم المؤلفين 7/116.

[3]حاجي خليفة: كشف الظنون 2/1380.

[4]الزركلي: الأعلام 4/297.

[5]الكُنَّاش والكُنَّاشة: أوراق تجعل كالدفتر يقيَّد فيها الفوائد والشوارد للضبط.

[6]القفطي: أخبار العلماء ص155، 156.

[7]ابن أبي أصيبعة: طبقات الأطباء 1/223.

[8]انظر: حاجي خليفة: كشف الظنون 2/1380.

[9]القفطي: أخبار العلماء ص156.

[10]انظر: عامر النجار: في تاريخ الطب في الدولة الإسلامية ص117.

[11]انظر: حاجي خليفة: كشف الظنون 2/1380، وعلي عبد الله الدفاع: رواد علم الطب في الحضارة العربية والإسلامية ص246، 247.

[12]زيجريد هونكه: شمس العرب ص285.

[13]فليب حتي وآخرون: تاريخ العرب 2/685.

[14]زيجريد هونكه: شمس العرب ص284، 285.

[15]المصدر السابق ص271.

[16]انظر: عامر النجار: في تاريخ الطب في الدولة الإسلامية ص119.

[17]المصدر السابق ص118.

[18]القسطرة: أنبوبة من المطاط تدخل في مجرى البول لتفرغ المثانة. انظر: المعجم الوسيط ص734.

[19]علي عبد الله الدفاع: رواد علم الطب في الحضارة العربية والإسلامية ص248، 249.

[20] المصدر السابق ص249، 250.
السابق
النجيب السمرقندي – الطبيب الحكيم
التالي
أبو بكر الرازي