المؤرخون

عمر فروخ وجهوده في خدمة التاريخ الإسلامي

ملخص المقال

    اهتم عمر فروخ بالتاريخ، وكتب فيه الكثير من المؤلفات التاريخية، وهذا عرض لأهم جهوده في خدمة التاريخ الإسلامي في مراحله المحتلفة.

تعريف التاريخ عند فروخ

“التاريخ” كما يُعرِّفُه عمر فروخ رحمه الله: “رواية: ينقله راوٍ متأخِّرٌ عن راوٍ متقدِّم، وفي مسير أحداث التاريخ، من راوٍ إلى آخر، تتعرَّض تلك الأحداث للتبديل أو للزيادة والنقصان، ثم إنَّ الأحداث التي يُشاهدها المؤرِّخ بنفسه ثم يُدوِّنها بنفسه -أيضًا- تتعرَّض -في المدَّة التي تنقضي عادةً بين مشاهدة الحدث وتدوينه- لمثل ذلك: للتبديل أو للزيادة والنقصان، ثم هنالك حوادث مصنوعة لم تجرِ في الاجتماع الإنساني قط، أو لم تجرِ على الصورة التي وصلت إلينا؛ من ذلك الخرافات، وإن كانت في أصلها حادثة صحيحة رُوِيَت روايةً خاطئة”.

والأحداث المصنوعة في تاريخ الأمم كثيرةٌ جدًّا، من ذلك التاريخ اليهودي، كما يُروى في التوراة الموجودة بأيدي الناس. ويذكر عمر فروخ رحمه الله أنَّ نفرًا من المؤرِّخين -في القرن التاسع عشر- قسَّموا شعوب العالم أقسامًا ثلاثة، ثم نسبوهم جميعًا إلى أولاد نوحٍ الثلاثة: سامٍ وحامٍ ويافث، غير أنَّه أثبت أنَّ ليس من المقـبول في العقل، ولا من المعروف في العـلم، ولا من المشاهد في الاجتماع الإنساني، أن يخرج من نسل رجلٍ واحدٍ شعوبٌ تختلف صفاتها الجسديَّة وخصائصها اللغويَّة اختلافًا بيِّنًا، كالمشاهد بين الزنوج والجرمان، أو بين الصينيِّين والعرب، وعزا ذلك إلى أنَّ المؤرخين قبلوا ما في الرواية المذكورة في التوراة الموجودة بأيدي الناس على ما فيها من المطاعن.

لذلك اهتمَّ عمر فروخ رحمه الله بالتاريخ، وكتب فيه الكثير من المؤلَّفات التاريخـيَّة، درس فيها تاريخ العرب والدولة الأموية، ومكانة مصر في مستقبل العالم العربي، وتاريخ سوريا ولبنان، وتاريخ المغرب العربي، والباكستان، وسواها من الدراسات التاريخية المميزة، التي يغلب عليها التحليل والتعليل وفلسفة الأحداث والتطوُّرات، وناقش فيها نظريَّة تعليل التاريخ وتجديده.

وكان حريصًا على التأكيد أنَّ التعليم عامَّة وكتب التاريخ خاصَّة يجب أن تسمو عن أهداف التعصُّب والأحقاد والاستغلال، كأنْ يُستغل التعليم من أجل غاياتٍ لا علاقة لها بالعلم، مقدِّمًا نماذج عن كتابات التاريخ والأدب المعادية للعرب، فوضع عددًا من كتب التاريخ، لجميع المراحل الدراسيَّة بلبنان، لمواجهة حركة التزوير ضدَّ العرب والعروبة.

– دراسة التاريخ:

درس عمر فرُّوخ رحمه الله التاريخ، وحرص على إرشاد الدارسين له إلى أنَّ دراسة التاريخ تقوم على أحد الأسس التالية:

1- إمَّا أن يتناول الدارس تاريخ الحقبة التي يأخذ نفسه بدراستها بالتفصيل، وحينئذٍ لا يستطيع أن يدرس إلَّا جزءًا يسيرًا من تلك الحقبة، ثم لا تكون دراسته أكثر من الإلمام بتفاصيل لا فائدة منها؛ لأنَّ تلك التفاصيل لا يُمكن أن تبرز الصورة الصحيحة لعصرٍ من العصور، ولا لقطرٍ من الأقطار. ثم إنَّ التاريخ ليس “ثبتًا” بالحوادث المفردة حتى يستفرغ المؤرِّخ جهده في استقصاء الحوادث وفي تحشيتها بالتفاصيل.

2- وإمَّا أن يتناول المؤرِّخ “كبار الحوادث مجرَّدة”، وهذا شيءٌ لا فائدة منه أيضًا؛ لأنَّ المؤرِّخ لن يستطيع أن يدرس حينئذٍ إلَّا الحوادث المشهورة من تلك التي وجب أن يكون كلُّ إنسانٍ مثقَّفٍ قد مرَّ بـها في المدارس الثانوية أو في معارج الحياة، وإذا جاءت الحوادث مجرَّدة متقطِّعة، لا يجمع بينها تعليل للأسباب، ولا تنسيق للنتائج، ولا تبيان لأثرها كلها في حاضر الأمَّة التي نؤرِّخ حياتها وفي مستقبلها، لم يكن ذلك الذي يسرده المؤرِّخ تاريخًا.

3-الأساس الثالث (وهو الذي اصطفاه) وهو أن يتناول المؤرِّخ “أمَّهات الحوادث”، التي تترك على وجه التاريخ أثرًا ظاهرًا، وفي حياة الأمم أثرًا باقيًا، ثـم لا يكتفي بسـردها بل يُعلِّلها تعليلًا اجتماعيًّا يشمل نواحي الحياة المختلفة ما أمكن.

تعليل التاريخ عند عمر فروخ

ويُفصِّل هذا الجانب بأنَّ تعليل التاريخ يحتاج إلى جرأة، ولكن إلى جرأةٍ مبنيَّةٍ على الإحاطة بالموضوع المدروس، وإلى التجرُّد عن الأهواء عند البحث، وعلى الموازنة بين الحوادث، مع بيان أسباب تلك الحوادث، ثم على تنتيج النتائج المقبولة في العادة وفي العقل، والذي يتعرَّض لتعليل التاريخ يجب أن يكون ملمًّا بعلومٍ كثيرةٍ متَّصلةٍ بالتاريخ من قربٍ ومن بعد؛ كالجغرافيا، وعلم الاقتصاد، وعلم النفس، والرياضيَّات .. وسواها؛ ذلك لأنَّ التاريخ في الحقيقة صورةٌ للحياة الاجتماعيَّة، وسجلٌّ لتطوُّرها، بما فيها من سياسةٍ وحربٍ وفنٍّ وآدابٍ وتنازعٍ وتغلُّب.

لذلك يُؤكِّد أنَّه حين ندرس تاريخنا لن ندرسه “درسًا مطلقًا مجرَّدًا، غايته أن نعرف الحقائق حبًّا بمعرفة تلك الحقائق وحدها؛ بل سنسعى إلى أن يكون تاريخنا الماضي “عبرةً” لنا في حاضرنا، إنَّ لنا في درس التاريخ هدفًا علميًّا؛ نرى حسنات الماضي وسيِّئاته، ثم نُحاول أن نتلافى في حاضرنا تلك الخطيئات التي ارتكبها أسلافنا في ماضيهم”.

وحين نأتي إلى تعليل تاريخنا يجب علينا -كما يُشِّدد فروخ- ألَّا نتبنَّى التعليل الغربي؛ بل يجب أن يكون لنا تعليلٌ مبنيٌّ على أهدافنا ومُثُلنا العليا، وعلى واقع الحياة التي نحياها نحن.

– مصادر التاريخ:

ومصادر التاريخ، كما يراها فروخ، نوعان:

الأول: المصادر المقصودة، كالوثائق الرسميَّة والكتب المؤلَّفة في التاريخ.

الآخر: المصادر المسـاعدة، كدواوين الشعر والمعاجم والكتب، التي لم تُؤلَّف في التاريخ، ولكن ورد فيها إشارات تاريخيَّة عَرَضًا.

ويرى أنَّ الوثائق الرسميَّة والكتب المؤلَّفة في التاريخ تأليفًا مقصودًا قد يتسرَّب إليها الخطأ، سهوًا أو عمدًا، وكثيرًا ما تأتي الوثائق الرسميَّة والإحصاءات الدُّوَليَّة أبعد ما يكون البعد عن الحقيقة، أمَّا أصحاب المصادر المساعدة كالشعراء وواضعي المعاجم من القدماء، فإنَّهم يستطردون أحيانًا إلى إشاراتٍ تاريخيَّةٍ عفوًا، ومن غير أن يكونوا خاضعين لأحوالٍ معيَّنة، وإذا جاز أن يخضع الشاعر في بعض شعره لمثل تلك الأحوال فإنَّ واضع المعجم يكون أقلَّ خضوعًا لها، لذلك كانت المصادر المساعدة -والمعاجم منها- ذات قيمةٍ كبيرةٍ عند فرُّوخ في دراسة تاريخ الحضارة وفي دراسة التاريخ السياسي أحيانًا.

– تجديد التاريخ:

الواقعة (الحادثة التاريخيَّة) الواحدة يُمكن في كثيرٍ من الأحوال أن تُكْتَب -كما يُؤكِّد فروخ- عددًا من المرَّات على أوجهٍ مختلفة، يُدوِّن المؤرِّخ عادةً كلَّ واقعةٍ على وجهٍ يستند فيه إلى ما يُعرف من التفاصيل المتَّصلة بتلك الواقعة، وإلى ما يُدرك من أسباب حدوثها، فإذا اتَّفق أن عرف ذلك المؤرِّخ فيما بعد عددًا جديدًا من التفاصيل، أو أدرك عددًا جديدًا من الأسباب، وجب عليه حينئذٍ أن يُعيد كتابة هذه الواقعة من جديد، حتى يدخل تلك التفاصيل الجديدة وتلك الأسباب التي أدركها استئنافًا في الإطار التاريخي، الذي يجعل هذه الواقعة نفسها أوضح في السرد، وألصق بالمنطق، وأقرب إلى الواقع؛ إلى الذي جرى في التاريخ.

وفي رواية التاريخ طرفان: السرد القصصي، والمعالجة المعلَّلة (المفَلْسَفة بالأسباب والنتائج).

أمَّا التاريخ الذي يجري في السرد القصصي (وهو ليس بتاريخٍ على الحقيقة) كقصَّة عنتر، ومغامرات الأبطال الخرافيِّين، والتاريخ الوطني للأطفال، ممَّا يُراد به تسلية عوامِّ الناس أو تحميسهم أو تنشئتهم تنشئةً معيَّنةً بضرب الأمثال، فيرى عمر رحمه الله أن يكتب مرَّةً واحدةً كتابة عاطفيَّة منمَّقة، ثم يبقى على صورته هذه أبدًا “إلَّا ما يُضاف إليه بين الحين والحين من زيادةٍ في المبالغـات، أو زيادة الألفـاظ، لزيادة التأثيـر في العواطف، أو ما ينقص أحيانًا بالنسيان، أو ما يبدل فيه تبعًا لرغبة السامعين، أو مداراة للحاكمين، أو تقرُّبًا لذوي البأس والوجاهة ممَّن يظهرون بين الحين والحين في ميدان الحياة السياسية أو على مسرح الحياة الاجتماعية”.

وأمَّا الطرف الثاني من رواية التاريخ، فهو التاريخ الذي يجري في المعالجة المعلَّلة، وهو المقصود ببحث “تجديد التاريخ” وهو مجموع الوقائع التي يجب أن نُعيد كتابتها مرَّةً بعد مرَّة، كلَّما وصل إلينا تفاصيلُ جديدة منها، أو انكشف لنا أسبابٌ مستأنفٌ لها.

– مسوغات تجديد التاريخ:

وتتعدَّد المسوِّغات لتجديد التاريخ عند عمر فرُّوخ رحمه الله، إلَّا أنَّ من أهمِّها أنَّ الوقائع تتوالى بتوالي الأيَّام؛ فكلُّ يومٍ جديدٍ يأتي بوقائع جديدة يجب أن تُدوَّن وتُضاف إلى سلسلة التاريخ التي لا تنتهي، ثم إنَّ عددًا من الوقائع تنكشف لها مع الأيَّام تفاصيل جديدة، وتختلف الأحوال باختلاف الأزمان، فيحتاج المؤرِّخ إلى عرض الوقائع القديمة عرضًا جديدًا، لفهم تلك الأحوال فهمًا أدقَّ وأصحَّ وأحسن.

ومنها أنَّه تحدث في العالم أحداث: من الحروب العامَّة، والثورات المحلِّيَّة، والنهضات الاجتماعيَّة، والكشوف العلميَّة، فتبرز في الحياة العامَّة عناصر جديدة من السياسة والاقتصاد والدين، ومن الحرِّيَّة أو الاستبداد، ومن الانتصار أو الهزيمة، ومن الرقيِّ أو التقهقر .. وسوى ذلك، فيرجع نفرٌ من المؤرِّخين إلى التاريخ؛ يُريدون أن يُفسِّروا به ما حدث من التغيير في بيئتهم الاجتماعيَّة الخاصَّة أو في الحياة العالميَّة العامَّة، لاعتقادهم أنَّ هذا الذي حدث لم يكن ابن ساعته، ولكنَّه نتيجة أسبابٍ كثيرةٍ ونهاية تطوُّرٍ طويل؛ فيُعيدون تدوين عددٍ من فصول التاريخ من جديد، ليُؤكِّدوا جانب العوامل الجديدة التي كانت قد برزت في بيئةٍ من البيئات الاجتماعيَّة أو في الحياة العامَّة منذ زمنٍ قريب.

ويربط عمر فروخ رحمه الله تجديد التاريخ بالعـدالة (بالعلـم والأمانة والخلق)؛ إذ ليس تجـديد التاريخ إلغاءً لِمَا سبق من الوقائع التي يُخالف بعض الناس فيها بعضًا من الرأي السـياسي، أو الديني، أو الاجتماعي، أو الشخصي؛ فبعض الأمراء أو الثُّوَّار أو السياسيِّين المستبدِّين إذا هم وصلوا إلى الحكم أشاروا بطمس آثار من سبقهم وإبراز آثارهم هم، وربَّما رجع بعض هؤلاء إلى التاريخ المدوَّن فأمر بتبديله أو تشويهه، حتى يكون اسمه هو بارزًا بين الأسمـاء، أو عاليًا فوق الأسماء، وربَّـما كان بعض هؤلاء مخلصًا فاعتقد أنَّ الحياة الماضية كانت خاطـئة، فعلى المجموع أن يبدأ حياةً جديدةً بتاريخٍ جديد، وفي مثل هذه الحال الثانية يقع التنبيه على ما حَسُن من الحياة الماضية “والحثُّ على الاحتفاظ به”، والتنبيه على ما ساء منها، “والحثُّ على إهماله وتناسيه”.

ثم إنَّ عمر فروخ رحمه الله أدرك أثر الكوارث التي نزلت بالمسلمين منذ بدء حركة الاستعمار، فدعا إلى تجديد كتابة تاريخنا الحديث، وعزا ذلك إلى سببين:

الأول: أنَّ المستعمر كتب لنا تاريخًا مصنوعًا، يُبرز فضل استعماره بلادنا، فجاء كثيرٌ منَّا فاعتمدوا هذا التاريخ المصنوع، عفوًا وغفلةً أو قصدًا واستنامة، فأصبح هذا التاريخ يُمثِّل جانبًا من ماضينا الضعيف المخزي، ثـم لا يدلُّ على وعينا الحاضر ولا يُوافق أملنا في الوثوب إلى مستقبلٍ أليق بنا.

والآخر: حاجتنا إلى أن نعرف تلك العوامل التي جعلت منَّا في الماضي القريب شعوبًا تخضع للاستعمار والاستعباد، ثم تصبر عليه هذه المدَّة الطويلة.

– تعليل التاريخ:

ذهب عمر فروخ رحمه الله إلى أنَّ الغاية من تعليل التاريخ أن يُدرك الطالب وهو يقرأ في المصـادر والمراجع التاريخيَّة مـدى الصحَّة والخطأ في ما يقرأ، وأن يُفرِّق بين التاريخ (الصحيح العلمي) وبين الحكاية (الشعبيَّة الخرافيَّة) لأحـداث الماضي، وهـذا التعليل يُعنى كثيرًا بالأسباب والنتائج، أمَّا الأحداث نفسها فتتفاوت قيمتها بمدى ثباتها على التعليل، وبتفسيرها للأسباب والنتائج.

فالتاريخ للعبرة .. نتَّعظ بأخطاء الماضي، فلا نُكرِّرها، ونجعل من صحيح الأفعال حافزًا لنا، مؤكدًا: “أنَّ التاريخ يجب أن يُتَّخذ حافزًا للهمم في الأمَّة، ولكن لا يجوز أن يُصبح التاريخ وعاءً للألفاظ الوطنيَّة الجوفاء، ولا وسيلةً إلى تبرير خمول الأمَّة وتأخُّرها، يجب أن ندرس أحداث الماضي حتى نُدرك أحوال حاضرنا، ثم نُحاول أن نتلافى تكرار سيِّئات الماضي في المستقبل.

وينقل عن ابن خلدون -وهو أوَّل من كتب في قيمة التعليل الاجتماعي للتاريخ- أنَّ التعليل العاقل للتاريخ يقوم على ما هو آت:

1- العوامل التي تُؤثِّر في سيرة التاريخ كثيرة، فلا يجوز الاكتفاء بعاملٍ واحدٍ منها عند التعليل.

2- إنَّ بعض العوامل يكون في بعض وقائع التاريخ أشدُّ أثرًا من بعضها الآخر.

3- إنَّ الدافع الأول في سير التاريخ إنَّما هو العصبيَّة (الخصائص المادِّيَّة في العدد والسلاح والمال والعلم)، وأنَّ ظَفَر جماعة بجماعة يقوم على أوجهٍ مختلفةٍ من القوَّة في العصبيَّة الظافرة.

4- إنَّ طبيعة البيئة تُؤثِّر تأثيرًا ظاهرًا في سير التاريخ بين أهلها.

5- إنَّ التاريخ صورةٌ للحضارة كلِّها، فيجب أن يتناول المؤرِّخ أوجه الحضارة كلِّها عند كتابة التاريخ، من أجل ذلك وجب أن يكون المؤرِّخ ملمًّا إلمامًا كافيًا بعددٍ من العلوم والفنون حتى يستطيع فهم عوامل التاريخ، وتدوين نتائج التاريخ على وجهها الصحيح، ووصف تطوُّر الحضارة.

6- إنَّ أحوال المجتمع تتبدَّل باستمرار ولكن ببطء، فعلى قارئ التاريخ وعلى مدوِّن أحداث التاريخ أن يَفْطِنا لذلك.

7- لا يجوز لنا أن نقبل خبرًا إذا كان مستحيلًا في العقل أو في العادة، وكذلك يجب أن نتروَّى في قبول الأخبار الممكنة في العقل وفي العادة، حتى تثبت لنا صحَّتها بثبوت صدق قائلها.

– دفاع عمر فروخ عن العثمانيين:

يصف عمر فروخ رحمه الله العصر العثماني بأنَّه عصرٌ إسلاميُّ الإيمان، عربيُّ الثقافة. ويقول: إنَّ الذين يذمُّون هذا العصر يجهلون التاريخ السياسي للدولة العثمانيَّة، والتاريخ العربي، والتاريخ الأوربِّي، ومجرى التاريخ. ويُشيـر إلى أنَّ الأمم كلَّها تمرُّ في أطوارٍ مختلفةٍ في تاريخها: من قوَّةٍ وضعف، ومن صـعودٍ وهبوط، ومن غـنًى وفقر، ومن ازدهارٍ وانحطاط. والحكم الصحيح في منطق التاريخ أن نصف كلَّ طورٍ بخصائص ذلك الطور.

ويُبيِّن أنَّ الدولة العثمانيَّة -ككلِّ دولةٍ أخرى- شهدت في أوَّلها عهود قوَّةٍ ثم خضعت في آخر أيَّامها لعوامل ضعف، والأمم في أيَّام ضعفها تكون عرضةً لكلِّ تهمة، وكثيرًا ما تُصدَّق تلك التُّهم عليها، ويذكر أنَّ الذين يحملون على الحكم العثماني في البلاد العربيَّة منذ مطلع القرن العشرين يغفلون عن جوانب كثيرة من حقائق التاريخ، منها:

– أنَّ الدولة العثمانيَّة قد ضعفت فعلًا في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، فاضطربت أحوالها، وفي الأحوال المضطربة تحدث عادةً حوادث من الظلم، ومن سوء الحكم، ومن التخلُّف السياسي والاجتماعي والثقافي.

– في مثل هذه الأحوال تنشأ في الأمم عناصر تنتسب في الظاهر إلى الأمَّة الضعيفة، ثم تكون في الحقيقة من أعداء تلك الأمَّة الضعيفة.

– ويكثر أولئك المؤرِّخون الغافلون الكلام في أمرين: التخلُّف الذي لحق بالعرب (من أثر الحكم العثماني في رأيهم)، ثم حوادث الإعدام التي قام بها العثمانيُّون في البلاد العربيَّة بشنق نفرٍ من العرب القوميِّين.

ويثبت أنَّ الكلام في نسبة تخلُّف العرب إلى الحكم العثماني ساقطٌ مرَّةً واحدة؛ فقد ترك العثمانيُّون بلاد العرب ولم يزل أهل هذه البلاد منذ تركها العثمانيُّون حيث كانوا، أو قد أصبحوا أسوأ ممَّا كانوا، ثم إنَّ العثمانيِّين لم يدخلوا المغرب الأقصى وموريتانيا، ولم يحكموا المسلمين في الهند وأندونيسيا، ولم يحكموا الحبشة وليبريا، وكلُّ هذه الشعوب لا تختلف في تخلُّفها عن العرب في تخلُّفهم، وأمَّا شَنْقُ نفرٍ من العرب في أثناء الحرب العالميَّة الأولى، فيعدُّه عمر فروخ رحمه الله من أخطاء الدولة العثمانيَّة الضعيفة؛ إذ إنَّ الجماعات الضعيفة تعتقد أنَّ قتل فردٍ واحدٍ أو أفرادٍ كثيرين يُمكن أن يُبدِّل مجرى التاريخ.

ويلفت الانتباه إلى أنَّ الذين يكرهون الحكم العثماني، وفي الطور الذي كان الحكم العثماني حكمًا صالحًا، هم الذين يذهبون في السياسة مذهب القوميَّة؛ ذلك الاختراع الذي جاءت به الدول الأوربيَّة من قرنٍ ونيِّفٍ لتسهيل تجزئة البلاد العثمانيَّة وتقاسم منافعها. ويتسـاءل: “وإذا كانت الدعوة إلى قوميَّة عربيَّة دعوةً صحيحة، غايتها -كما قيل- توحيد البلاد العربيَّة واسـتقلالها، فلماذا نجد في البلاد العربيَّة اليوم نحو عشرين دولة، قلَّ أن تجد دولتين منها على وفاق؟ أنا لا أقول: إنَّ العرب مخطئون في السير على منهاج قومي، ولا أنا قلت -أيضًا-: إنَّهم مصيبون. ولكنِّي أقول شيئين اثنين:

– إنَّ العرب لم يصلوا من طريق القوميَّة إلى الأمل الذي أرادوا تحقيقه.

– إنَّ العرب كانوا مخطئين -في جميع ميادين حياتهم السياسيَّة والاجتماعيَّة- لمـَّا تركوا الإسلام، الذي نهض بهم من قبل، ثم تبدَّلوا به نظريَّاتٍ قوميَّةً أو سياسيَّةً انحدرت بهم إلى حيث هم الآن”.

لقد اعترض العثمانيُّون الدول الأوربِّيَّة التي كانت تُريد احتلال بلاد المغرب (ليبيا وتونس والجزائر والمغرب) منذ القرن السادس عشر للميلاد، وحاربوها وقاتلوها، وحموا المغرب بضعة قرون، فهذه الأقطار الأربعة مجتمعة لم تكن قادرة على أن تقف في وجه الدول الأوربِّيَّة الواثبة على المغرب لاستعماره، ولم يكن في العالم الإسلامي يومذاك دولةٌ قادرةٌ على الوقوف في وجه أوربَّا إلَّا الدولة العثمانيَّة، فطلب أهل الأقطار المغربيَّة معونة الدولة العثمانيَّة، وكانت الدولة العثمانيَّة حكيمة فلم تُرسل جيوشها وأساطيلها جهرة؛ بل آثرت أن تترك الأمر في يد “المرابطين في البحر”.

إنَّ دفاع عمر فروخ رحمه الله عن العثمانيين لم يكن لأنَّهم عثمانيُّون؛ ولكن لأنَّ ذلك ممَّا يقتضيه منطق التاريخ وحقيقة الإنصاف. ويقول: “ليس من منطق التاريخ ولا من حقيقة الإنصاف أن نُدافع عن العثمانيِّين لأنَّهم عثمانيُّون، ولا أن نُسوِّد صفحة الإنجليز لأنَّهم إنجليز، ولكن من منطق التاريخ ومن حقيقة الإنصاف أن نأخذ بقواعد التاريخ حينما نأتي إلى الحكم على جماعةٍ من الجماعات، فنذكر لها ما أحسنت فيه، ونُحمِّلها وزر ما أساءت فيه”.

– إنصاف عمر فروخ للحجاج بن يوسف:

يَعْجَبُ عمر فروخ رحمه الله ممَّا رسخ في أذهان الناس من أنَّ الحجَّاج بن يوسف سفَّاكٌ للدماء، جبَّار، ظالم، هدم الكعبة؛ وأُطْلِقت عليه نعوت القسوة، والظـلم، والجبروت، ما جعـل النفوس تتقزَّز من ذكره، وتشمئزُّ ممَّا نُسِب إليه، مع أنَّ الإنصاف يقضي أن نكتب ما له وما عليه، وعلَّة هذا أنَّ علماءنا لم يعنوا بنقل التاريخ عنايتهم بنقل السنة، ولم يُتعبوا أنفسهم في تصحيح إسناده وتمحيص رواياته كما أتعبوا أنفسهم فيها، وأنَّ التاريخ دُوِّن في عهد العباسيِّين، فكان فيه من التحامل على “بني أميَّة” شيءٌ كثير، وقد امتدَّ ذلك إلى عصرنا هذا؛ إذ نجد العلماء يتشدَّدون في قبول الحديث، ويُحاكمون متنه، ويرفضونه إذا خالف العقل والمنطق، ويتساهلون في قبول الروايات الضعيفة والموضوعة، ولا أبالغ إذا قلت: الخرافات التاريخيَّة.

إنَّك تسمع وتقرأ لمن يُحدِّثك عن الحضارة الإسلاميَّة وفضلها على الحضارات الأخرى، ولا يستطيعون تقديم الإسلام السياسي؛ لأنَّهم يُقدِّمونه مشوَّهًا، ويُبرزون سلفنا الأوَّل أقزامًا ملتاثين، أو سباعًا تتهاوش على أعراض الدنيا ومآربها الخسيسة، وبهذا المنطق “الصبياني” لا يبقى في تاريخ المسلمين رجلٌ موضع ثقة.

أو ليس عجيبًا أنَّ القوم -من غير المسلمين- إن رأوا من عظمائهم خيرًا أذاعوه، وإن رأوا شرًّا دفنوه؟ لقد أُلِّفت عشرات الكتب عن “نابليون” تُنوِّه بأمجاده، وتتواصى بالسكوت عن استبداده وفساده وغدره وشذوذه وخسَّته، أمَّا نحن فمبدعون في تضخيم الآفات إن وُجِدَت، واخـتلاقها إن لم يكن لـها وجود، والنتيجة أنَّه لن يكون لنا تاريـخ، إنَّنا نحن وحدنا الذين نعرض تاريخنا بالصورة الشوهاء الممزَّقة، ونُطيل الوقوف عند مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه، و(الجمل)، و(صفين)، و(مهزلة التحكيم)، و(هرقليَّة معاوية)، و(كلاب يزيد وقروده)، و(كربلاء)، و(الحرَّة)، و(ضرب الكعبة بالمنجنيق)، و(الحجَّاج)، و(الظلام التركي)، و(الجهل المملوكي)، مع كلِّ ما في كلِّ ذلك من أكاذيب وافتراءات، أمَّا قرن الاستعمار الذي ديست فيه ديار الإسلام بأحذية العدوِّ الثقيلة، فهو بدء النهضة وعصر التنوير!!

يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله: “إنَّ الجهود المجنونة التي تستبيح قادتنا وكبراءنا في ميدان العلم والأدب والفلسفة، لها غايةٌ يجب فضحها والتحذير من مغبَّتها، إنَّها تُريد القضاء على تاريخ أمَّة، وعندما تكون أمَّتنا بلا تاريخٍ فلن تكون أمَّـة .. ما قيمـة أمَّةٍ ليس لها رجـال؟ وما قيمة دينٍ لم يصنع رجالًا على تراخي العصور؟!”.

لقد عمل عمر فرُّوخ رحمه الله على إنصاف الحجَّاج، فذكر له أمورًا عظيمة، منها:

1- أنَّه أمر بإعجام (نَقْطِ) القرآن الكريم، وضبطه بالحركات (تشكيله)، مع أنَّه لَقِيَ معارضة، ونحن اليوم نذكر الحجَّاج بالخير؛ لأنَّه بعمله هذا قد حفظ القرآن الكريم من التحريف.

2- نقل الدواوين (سجلَّات الدولة) من اللُّغات القبطيَّة (في مصر) واليونانيَّة (في الشام) والفارسيَّة (في العراق) إلى اللغة العربيَّة، فجعل بهذا اللغة العربيَّة لغـة دولةٍ بعـد أن كانت لغةً للحياة الدينيَّة في الإسـلام .. ولمـَّا اضطرَّ جميع الساكنين في البلاد الإسلاميَّة إلى تعلُّم اللغة العربيَّة (لغة الدولة)، اصطبغ أولئك بصبغةٍ واحدة، وجمعت بينهم ثقافةٌ واحدة.

3- سكَّ عملةً للبلاد الإسلاميَّة .. إنَّ العملة المسكوكة باللغة العربيَّة قد خلعت على الدولة العربيَّة شخصيَّةً مستقلَّة، وجعلت لها وجاهةً بين العرب أنفسهم، ولدى الدول الأخرى. ويُلاحـظ أنَّ ما جاء في الفقرة الثانية والثالثة يُنسـب إلى “عبد الملك بن مروان”.

4- فتح السند وما وراء النهر .. إنَّ الفـتوح لـم تتَّسع في المشـرق إلَّا حينما ولَّى الحجّاجُ قتيبة بن مسلم خراسان، ووجَّهه في فتوحاته حتى وصل إلى “كاشغر” على حدود الصين، ثم جهَّز الحجَّاج جيشًا من الشباب بقيادة ابن عمِّه “محمد بن القاسم الثقفي” وأرسله لفتح السند، ففتحها بلدًا بلدًا، وهذا يدلُّ على سعة الدراية بالناس، ونفوذ بصره إلى دخائل نفوسهم.

– إصلاحات الحجاج في العراق:

ثم إنَّ عمر فروخ رحمه الله وهو يسعى لإنصاف الحجَّاج، ذكر عددًا من إصلاحاته في العراق، من ذلك:

1-أنَّه مسح العراق (أي قاسه واستخرج مساحاته، وعيَّن أماكنه، وقيَّد الأملاك فيه)، ثم جعل كلَّ صاحب أرضٍ مسئولًا عن الجريمة التي تقع في أرضه، فساعد بذلك على نشر الأمن في العراق.

2- أعاد حفر الأقنية الكبرى بعد أن كانت الحروب والفتن قد طمرتها، فانتعشت بذلك الزراعة.

3- وحَّد المكاييل والمقاييس والموازين، فسهل بذلك الأعمال التجاريَّة وضبط الأسعار.

4- منع الهجرة الداخلية من القرى إلى المدن؛ لئلَّا تقفر القرى فتقل الزراعة ثم تزدحم المدن وتضيق بالعاطلين من أهلها.

5- عُني بالنظافة العامَّة، فقتل الكلاب الشاردة، وحبس من بال في الشارع بمدينة واسط.

6- نظم الجيش (جعله نظامًا إجباريًّا) واختار له الأحداث فقط، وكان يفحص المتقدِّمين إلى الجيش فحصًا طبِّيًّا.

ثم يقول عمر فروخ رحمه الله بعد هذا كلِّه: “إنَّ هذا الذي تفتَّحت له عبقريَّة الحجَّاج بن يوسف في القرن الأوَّل للهجرة (أوائل القرن الثامن للميلاد)، لم تَرَهُ العبقريةُ الفرنسيَّة إلَّا في آخر القرن الثامن عشر للميلاد (أوائل القرن الثالث عشر للهجرة) بعد أحد عشر قرنًا!”. ويُضيف: “وبينما كانت الفتوح العربية في المشرق على أشد اتِّساعها، تُوفِّي الحجَّاج .. فتوقَّفت الفتوح عند الحدِّ الذي كانت قد بلغت .. ومات الحجاج ولم يخلف إلَّا سيفًا ومصحفًا وعشرة دراهم فضَّة”.

الفرق بين أبطال المسلمين وقادة الغرب:

يرى عمر فروخ رحمه الله أن القادة الكبار العباقرة -حقًّا وصدقًا- منذ كان العالم إلى اليوم وإلى ما بعد اليوم، هم: خالد بن الوليد، وأبو عبيدة، وسعد بن أبي وقاص، رضي الله عنهـم، ومحمـد بن القاسـم، وموسى بن نصير، وصلاح الدين الأيوبي، والظاهر بيبرس، ومحمد الفاتح، وأمثالهم من الذين فتحوا البلاد شرقًا وغربًا، ثم بقيت آثارهم في السياسة وفي الحضارة ظاهرة فيما عملوا؛ ذلك لأنَّهم لم يقوموا بما قاموا به اندفاعًا من طموحهم وغرورهم، بل لأنَّهم كانوا يلمحون مثلًا أعلى فَرَجَوْا تحقيقه، وكانوا يرون حقًّا مهضومًا فأرادوا أن يُدافعوا عنه، إنَّ هؤلاء كانوا معالم في موكب التاريخ الإنساني، ساروا فيه على هدىً وبصيرة، فأصبحوا بأعمالهم جزءًا من تراث الإنسانيَّة كلِّها.

أمَّا الذين كانوا مثل الإسكندر المقدوني ونابليون في القدماء، ثم هتلر وموسوليني في المعاصرين لنا، فيرى أنَّهم كانوا عباقرةً لأنَّهم فعلوا في الزمن الأقصر ما لم يستطع كثيرون أن يفعلوه في الزمن الأطول، ولكنَّهم ليسوا عباقرةً في فَنـيَّ الجنديَّة والحكم؛ لأنَّهم قدَّموا على مَذْبح طموحهم وغرورهم تضحيَّاتٍ كبارًا كثارًا، ثم لم يُحدثوا سوى تبديل جغرافي قصير عمره -على سعة مداه- قليل ظله، هذا إذا لم نذكر الأسى الذي أدخلوه على النفوس الإنسانيَّة بين أبناء قومهم وبين غير أبناء قومهم.

ويُوازن بين نابليون وخالد بن الوليد رضي الله عنه، فيقول:

“إنَّ المعارك التي خاضها نابليون وظفر فيها كانت محاولةً لإلقاء صورةٍ من خياله على أرض هذا العالم، ثم ما لبثت هذه الصورة من خياله أن زالت قبل أن يزول هو .. لنتخيَّل نحن الآن معركة اليرموك كما كانت في ذهن خالد بن الوليد رضي الله عنه، يوم أعدَّ خالد بن الوليد رضي الله عنه معركة اليرموك ثم قادها: إنَّها معركةٌ أزالت حضـارة شائخة فاسـدة، ثـم جاءت بحضـارةٍ فتيَّةٍ صالـحة .. إنَّها معركةٌ جاءت إلى العالم بوجوهٍ من الحضارة: في الدين، واللغة، والاجتماع، والثقافة، ثـم ثبتت على وجـه الدهر. فإذا نحن جعـلنا خـالد بن الوليد -بما رأينا من نتاج معاركِه في الحضارة- ثم قسنا بها معارك نابليون بونابارت من حيث النتائج أيضًا، بدا لنا نابليون طفلًا كبيرًا يلهو في غفلةٍ من أهل زمانه بتشويه معالم بيئته. فلمَّا تنبَّه أهل زمانه وأدركوا ما كان يعمل، ضربوا على يديه، ثم أعادوا كلَّ شيءٍ إلى ما كان عليه، بعدئذٍ حجزوه حتى لا يعود إلى مثل ما كان قد فعل”.

ويُبيِّن عمر فروخ رحمه الله أنَّ العمل الذي يقوم به البطل الفرد مقطوعًا عن جهود قومه وأتباعه يزول بموت ذلك البطل، أمَّا إذا أشرك البطلُ قومه معه وجعل من جهوده حركة اجتماعية، فإنَّ العمل الذي قام به في حياته يبقى ويرسخ ويزداد قوَّة.

– عمر فروخ ورد الأساطير والخرافات التاريخية:

– إحراق طارق بن زياد السفن:

لم يكن عمر فروخ رحمه الله يأخذ بالروايات التاريخيَّة لشيوعها؛ بل كان يأخذ بها لصحَّتها، فردَّ ما بطل منها وإن ترسَّخ في الأذهان على أنَّها حقائق، من ذلك: إحراق طارق بن زياد السفن التي جاء بها إلى الأندلس، وخطبته المشهورة. فيذكر أنَّه لا يُمكن أن يكون طارق قد أحرق السفن؛ لأنَّ هذه السفن كانت ليوليان، ولأنَّ الحاجة إليها كانت شديدة للتردُّد بين الشاطئين؛ فإنَّ سبعة آلاف رجلٍ مع سلاحهم وأعتادهم لا يُمكن أن ينتقلوا مرَّةً واحدةً في أربع سفن، ثم إنَّ موسى بن نصير كان في هذه الأثناء يُنشئ سفنًا جديدة، فليس من المعقول أن يحرق طارق السفن المبنيَّة، ولو أنَّ طارقًا أحرق تلك السفن لكان في عمله ذلك غفلةً عسكريةً تمنعه من الانسحاب فيما لو اضطرَّ إليه.

أمَّا الخطبة المشهورة التي تُنسب إلى طارق ومطلعها: “أيُّها الناس، البحر من ورائكم والعدوُّ من أمامكم، وليس لكم -والله- إلَّا الصدق والصبر …”. فينفي أن تكون له، ويُعلِّل هذا بأنَّ طارق بن زياد بربري الأصل، دخل في الإسلام وفي ولاء موسى بن نصير، ولمـَّا جاز طارق برجاله إلى الأندلس للفتح لم يكن قد مرَّ على إسلامه وتعلُّمه اللغة العربية إلَّا خمس سنوات، فلا يعقل أن تبلغ مقدرة طارق في اللغة العربية والبلاغة إلى الحدِّ الذي يبدو في الخطبة، ثم إنَّ في الخطبة صناعةٌ هي أقرب إلى ما عُرف في العصر العباسي، ولم تُذكر إلَّا في المراجع المتأخِّرة.

– امرؤ القيس .. ونبأ مقتل أبيه:

ونراه يردُّ الرواية التي تناقلتها كتب تاريخ الأدب من أنَّ امرأ القيس تلقَّى نعي أبيه وهو يشرب الخمر بمكانٍ اسمه دمُّون، فقال: “اليوم خمرٌ وغدًا أمرٌ”. بعد أن ذكر أنَّ معظم الدارسين المحدَثين قد أخذوها وقبلوها في كتبهم ومحاضراتهم، ومع أنَّ هذه الرواية غير معقولة، فلم يكن بإمكان أحد أن يردها؛ ذلك لأنَّ تاريخ الأدب من العلوم النقليَّة، التي تعتمد الرواية وحدها، أو التعليل إذا أمكن، ولكن بالاستناد إلى الرواية.

ويُشير إلى أنَّه صدر في عام 1913م ديوان عبيد بن الأبرص الأسدي، وهو معاصرٌ لامرئ القيس وأسنُّ منه، وكان عبيد من زعماء بني أسد الذين ثاروا على حِجْر والد امرئ القيس، وقاتلوه وقتلوه، ويبدو أنَّ امرأ القيس وإخوته كانوا في المعركة مع أبيهم، ولقد خاطب عبيد امرأ القيس فقال له:

وَلَقَدْ أَبَحْنَا مَا حَمَيـْ *** ـتَ وَلَــا مُبِيحَ لِمَا حَمَيْنَا

هَذَا وَلَوْ قَدَرَتْ عَلَيْـ *** ـكَ رِمَاحُ قَوْمِي مَا انْتَهَيْنَا

ثم إنَّ عبيد عيَّر امرأ القيس هَرَبه من المعركة، فقال له:

وَرَكْضُكَ لَوْلَاهُ لَقِيتَ الَّذِي لَقُوا *** فَذَاكَ الَّذِي أَنْجَاكَ مِمَّا هُنَالِكَ

ويقول عمر رحمـه الله، بعد ذلك: “فسقطت بذلك الرواية التي تتعلَّق بدَمُّون، ووجب أن تحـلَّ محلـَّها هذه الرواية التي يرويها معاصرٌ لأمرئ القيس”.

– تهمة الزندقة:

يلفت عمر رحمـه الله النظر إلى أنَّ “تهمة الزندقة” في العصر العباسي كانت وسيلةً للتخلُّص من الخصوم السياسيِّين، لا للدِّفاع عن الدين؛ فكم من زنديقٍ كان يمرح ويسرح لا يلقى تأنيبًا، فضلًا عن تعذيب .. وكم من تقيٍّ اتـُّهم بالزندقة وقُتل بـها، وما ذلك إلَّا لأنَّ الأوَّل لم يكن خطرًا على الدولـة، بينما الثاني كان خطرًا عليها، من ذلك أنَّ بشارًا عاش طول حياته زنديقًا فلم يتعرَّض له أحد، فلمَّا هجا وزير المهدي “يعقوب بن داود” وأخاه “صالحًا” والي البصرة، أُثيرت قضيَّة زندقته وقُتِل بها.

– عمر فروخ ومفهوم العصور الوسطى:

يُؤكِّد عمر فروخ رحمه الله أنَّه حينما نقول في العصور الوسطى: إنَّها العصور المظلمة. فإنَّنا ننعت بذلك حال أوربَّا المسيحيَّة، لا حال الشرق الإسلامي في مصر والشام والعراق وفارس وما حولها، ولا حال المغرب الإسلامي في ليبيا وتونس والجزائر والمغرب؛ فإنَّ أوربَّا المسيحيَّة كانت غارقةً في ظلامٍ دامسٍ من التخلُّف والجهل، قد تقوَّضت فيها الحضارة وامَّحى العمران، ونسي الناس العلم.

حَسْبُنا في الموازنة -كما يذكر عمر فروخ- بين حال الإسلام والحال النصرانيَّة في العصور الوسطى المظلمة في الأوطان المسيحية، والمشْرِقة في الأوطان الإسلامية، ما قام به شارلمان، الذي تُوفِّي مع أبي نُوَاس في عامٍ واحدٍ (199هـ= 813م)؛ إذ إنَّ كتب التاريخ الأجنبيَّة تُثني عليه إلى اليوم؛ لأنَّه أنشأ في قصره مدرسةً لأبناء الأمراء يتعلَّمون فيها شيئًا من القراءة والكتابة والحساب، وكان هو نفسه يحضر معهم هذ الدروس الابتدائيَّة؛ لأنَّه لم يكن أقلَّ منهم حاجةً إليها، هذا بينما كان المسلمون يبتدعون علم الجبر وعلم الكيمياء، ويرصدون النجوم رصدًا علميًّا، ويقيسون محيط الأرض، ويُؤسِّسون المذاهب الفقهيَّة، التي تنحو نحو إسعاد البشر في مواطنهم المختلفة من سطح الأرض.

____________________

المصدر: أحمد العلاونة: عمر فروخ رحمه الله وجهوده في خدمة الإسلام، الناشر: سلسلة كتاب الأمة، وزارة الشئون الإسلامية – قطر، (كتاب رقم 102)، 2004م.

السابق
الفتح بن خاقان – أديب مؤرخي الأندلس
التالي
الإمام الذهبي شيخ المحدثين ومؤرخ الإسلام