مصر والشام والجزيرة العربية

دولة المماليك البحرية

[648 – 784 هـ = 1250 – 1382 م].

أصل المماليك

أكثر الأيوبيون من شراء المماليك الأتراك، وبنوا لهم الثكنات بجزيرة الروضة، وأطلقوا عليهم اسم «المماليك البحرية»، فقويت شوكتهم، وزادت سطوتهم، وسنحت لهم الفرصة بعد ذلك، فتولوا حكم «مصر».

كانت الغالبية العظمى من جماعات المماليك الذين جلبهم الأيوبيون وسلاطين المماليك من بعدهم تأتى من «شبه جزيرة القرم» و «بلاد القوقاز»، و «القفجاق»، و «آسيا الصغرى»، و «فارس»، و «تركستان»، و «بلاد ما وراء النهر»، فكانوا خليطًا من الأتراك، والشراكسة، والروم، والروس، والأكراد، فضلا عن أقلية من مختلف البلاد الأوربية. والمماليك طائفة من الأرقَّاء الذين اشتراهم سلاطين «مصر» وأكثروا منهم، لاسيما فى العهد الفاطمى، ثم تهيأت لهم الظروف ليحكموا «مصر» و «الشام»، وبلاد أخرى، ومع ذلك احتفظوا أثناء حكمهم لمصر بشخصيتهم، ولم يختلطوا بأى عنصر من عناصر السكان فى «مصر» وفى غيرها من البلاد التى حكموها.

وكان المماليك ينقسمون فيما بينهم إلى أحزاب وطوائف متنافسة، ولكن هذا الانقسام لم يكن يؤثر على وحدتهم أمام العالم الخارجى حين يواجهونه، فقد كانوا يظهرون كعصبة واحدة متحدة، ويفسر ذلك سر قوتهم وأسباب تفوقهم وانتصاراتهم الحربية.

وكان باب الترقى فى حكومة المماليك مفتوحًا على مصراعيه أمام كل مملوك يثبت كفاءته فى العمل، فيترقى من مملوك إلى أمير حتى يصل إلى عرش المملكة بكفاءته واجتهاده، فالسلطان لم يكن إلا واحدًا من أمراء المماليك، قدموه على أنفسهم لقوة شخصيته، ووفرة أنصاره، وكثرة جنوده، وقدرته على المنافسين الطامعين فى العرش، ولقد سطرت دولة المماليك الأولى «المماليك البحرية» صفحة مضيئة من تاريخ «مصر» خاصة، والتاريخ الإسلامى عامة، على أيدى سلاطينها الأقوياء الذين عملوا على توحيد البلاد، ورفع رايات الجهاد، وهم:

-1 العز أيبك:

بعد أن زالت دولة الأيوبيين، وانتقل الحكم إلى المماليك باختيار «عز الدين أيبك التركمانى» لعرش السلطنة (648 – 655هـ) لم تستقر الأوضاع تمامًا، شأن كل فترات الانتقال من نظام إلى نظام، أو بناء دولة وليدة على أنقاض أخرى بائدة، ولم يخلُ عهد «أيبك» من المنازعات التى نشبت بينه وبين المماليك على السلطنة، خاصة أن «فارس الدين أقطاى» رئىس «المماليك البحرية» لم يكن مقتنعًا بأيبك، فدارت بينهما مناوشات كثيرة، وتمكن «أيبك» من القضاء على «أقطاى»، ولكنه لم يلبث طويلا بعد ذلك وقُتل؛ ليتولى العرش من بعده ابنه «على».

2 – على بن أيبك (المنصور نور الدين) [655 – 657هـ]:

تولى «المنصور» عرش السلطنة عقب مقتل أبيه، وتلقب بالمنصور نور الدين، إلا أنه لم يكن أهلا لهذه المسئولية الجسيمة، خاصة أن البلاد الإسلامية – آنذاك – كان يتهددها خطر المغول، الذين سيطروا على مركز الخلافة الإسلامية، بالإضافة إلى أن «المنصور» كان لايزال طفلا فى الحادية عشرة من عمره، ولذلك لم يجد الأتابك «سيف الدين قطز» صعوبة فى عزله وتولى عرش السلطنة بدلا منه.

3 – سيف الدين قُطُز:

كان «قطز» أتابكًا للمنصور نور الدين على بن أيبك، ورأى هولاكو قائد المغول قد سيطر على «بغداد»، وقتل خليفة المسلمين، وزحف يهدد بغزو «مصر»، فأحس أن ظروف البلاد تتطلب منه أن يقوم بدور فعال فى إنقاذها من خطر الغزو فى هذه المرحلة الخطيرة، فعزل «على بن أيبك» الذى كان صغيرًا لا يدرك عاقبة الأمور، وتولى السلطنة، وقام بتنظيم الجيش وإعداده، وخرج لملاقاة التتار فى أواخر شهر شعبان عام (658هـ)، وتمكن فى رمضان من العام نفسه من إلحاق هزيمة نكراء بهم فى «عين جالوت» (تقع بين «بيسان» و «نابلس» بفلسطين)، وقتل من جيش التتار ما يقرب من نصفه، وأجبر الباقى على الفرار، ثم دخل بعد ذلك «دمشق»، ثم عاد إلى «مصر».

وفى «القصير» (بمحافظة الشرقية)، وفى طريق عودة «قطز» إلى«مصر» أمر جنوده بالرحيل تجاه «الصالحية»، وبقى مع بعض خواصه وأمرائه للراحة، فاتفق عدد من المماليك بزعامة «بيبرس» على قتله، وتم لهم ما أرادوا فى ذى القعدة سنة (658هـ)، بعد أن قام «قطز» بدحر التتار وهزيمتهم، وتشتيت جيشهم، وحفظ العالم الإسلامى من شرهم الذى لم يسلم منه أحد فى طريقهم.

4 – الظاهر ركن الدين بيبرس البندقدارى (658 – 679هـ):

انتقل عرش السلطنة بعد «قطز» إلى «ركن الدين بيبرس»، الذى يُعدُّ المؤسس الفعلى لدولة المماليك وأعظم سلاطينها؛ إذ اجتمعت فيه صفات العدل والفروسية والإقدام.

عقد «بيبرس» العزم على أن تكون «مصر» والشام من أعظم البلاد آنذاك، ووهب حياته للجهاد، وجعل هدفه رفع شأن الأمة الإسلامية، وإليه يرجع الفضل فى انتقال الخلافة العباسية إلى «القاهرة» بعد سقوطها فى «بغداد»، وأصبحت مصر دار الخلافة الإسلامية؛ إذ استقدم «بيبرس» «أحمد بن الخليفة الظاهر العباسى»، وبايعه بالخلافة فى حضرة الأمراء والعلماء ورجال الدولة.

وفى (4 من شعبان سنة 659هـ)، عقد الخليفة اجتماعًا منح فيه «بيبرس» تفويضًا منه لتسيير أمور البلاد، فكان ذلك تقوية له ضد خصومه ومنافسيه، كما كان إقرارًا بمشروعية النظام المملوكى، وبحقه فى تولى شئون البلاد.

عادت إلى العالم الإسلامى هيبته بإحياء الخلافة الإسلامية، وأضحت «القاهرة» مقر الخلافة، ومركز السلطة الإسلامية المركزية، ومقصد المسلمين من كل حدب وصوب، وظلت على ذلك حتى انتقلت منها الخلافة إلى «استانبول» بعد قرابة ثلاثة قرون.

ملامح من إصلاحات بيبرس

سَنَّ «بيبرس» نظام ولاية العهد لأول مرة فى تاريخ دولة المماليك البحرية، وحصر وراثة العرش فى أسرته بتعيين ابنه «محمد بركة خان» وليا للعهد، ليحد من تدبير الدسائس والمؤامرات حول عرش السلطنة، وما يجره ذلك من اضطراب وضعف للدولة.

قام «بيبرس» بإصلاحات جوهرية فى البلاد، وأعاد إلى الأسطولالبحرى قوته، وعين قضاة من المذاهب الأربعة للفصل فى الخصومات، بعد أن كان القضاء مقصورًا على المذهب الشافعى، فعادت إلى العالم الإسلامى قوته على أسس تنظيمية دقيقة، إذ كان «بيبرس» إداريا حازمًا، وقائدًا شجاعًا، فدأب على رعاية شئون البلاد، وتنمية مواردها، وحفر الترع، وأصلح الحصون، وأسس المعاهد، وبنى المساجد التى من أشهرها مسجده المعروف باسمه فى ميدان «الظاهر» بالقاهرة.

وكانت لبيبرس هيبة كبيرة فى قلوب أمراء البلاد، فخشوا بأسه لدرجة أن أحدهم لم يجرؤ على الدخول عليه فى مجلسه إلا بطلب وإذن منه.

وقام «بيبرس» بدوره على خير وجه فى محاربة المغول والصليبيين تقليدًا للقائد البطل «صلاح الدين»، وأصدر عدة قوانين لتطبيق الشريعة الإسلامية، وإصلاح الأوضاع الاجتماعية فى «مصر»، وأمر فى سنة (664هـ) بمنع بيع الخمور، وإغلاق الحانات، ونفى المفسدين.

وكان «بيبرس» قائدًا شجاعًا، ضُربَت ببطولته وشهامته الأمثال، فقد خاض معارك ومواقع عديدة، سجل فيها بطولات رائعة، وأبلى بلاءً حسنًا فى مطاردة الصليبيين وتشتيتهم وإجلائهم عن الشرق الأدنى، واستعاد فى سنة (666هـ) «قيسارية»، و «أرسوف»، و «صفد»، و «شقيف»، و «يافا»، و «طرابلس»، و «أنطاكية»، فأضعف ذلك الصليبيين، وأنهكهم، وزاد من قوة المسلمين، وحرص على أن يؤكد صورة الحاكم العادل الذى يجلس بنفسه للمظالم، ويعطف على الفقراء.

وفى (27 من المحرم سنة 676هـ = 1277م) تُوفِّى «الظاهر بيبرس» إثر عودته من واقعة «قيسارية» بالقرب من «دمشق»، وقد دُفن بها بعد حياة حافلة بالبطولة والشجاعة، سطر خلالها صفحات مجيدة مازال التاريخ يحفظها له وسيظل.

أولاد بيبرس فى السلطنة (بركة خان، وسلامش):

تولى «السعيد بركة خان» السلطنة عقب وفاة أبيه، وكان عمره تسع عشرة سنة، وكانت تنقصه الحنكة السياسية التى كانت متوافرة لأبيه، فنشبت الصراعات الحادة بين أمراء المماليك علىالسلطنة، واضطربت الأوضاع وزادت القلاقل، ولم يتمكن «بركة خان» من السيطرة على الموقف، أو النهوض بدوره؛ لقلة خبرته بمثل هذه الأمور، ولذا لم يتمكن من الاستمرار طويلا على عرش السلطنة، وتولى من بعده شقيقه «بدر الدين سلامش» فى سنة (678هـ)، ثم عين «سيف الدين قلاوون» «أتابكًا» له، وكان أحد أمراء «المماليك البحرية» الأقوياء، فتحكَّم فى أمور السلطنة، وجعلها جميعها فى يده، وذلك لضعف «بدرالدين سلامش» وقلة مهاراته السياسية والحربية، ولذا لم يستمر «سلامش» أكثر من ثلاثة أشهر فى حكم السلطنة خُلع بعدها من منصبه، وتولى «سيف الدين قلاوون» بدلا منه، لتدخل البلاد فى عهده مرحلة جديدة تنهض فيها سياسيا وحربيا وحضاريا.

السلطان قلاوون [679 – 689هـ = 1280 – 1290م]:

انتقل الملك بعد «سلامش» (ابن «الظاهر بيبرس») إلى أتابكه «المنصور سيف الدين قلاوون»، الذى استمرت السلطنة فى بيته وأسرته حتى انتهاء دولة المماليك البحرية فى سنة (784هـ)، ولعل التجارب السياسية التى مر بها وتعرض لها فى خدمة «بيبرس» ومن قبله «قطز»، هى التى مهدت له السبيل لكى يكون أحد سلاطين المماليك الأقوياء والبارزين، وسار على نهج «بيبرس» السياسى فى إدارة شئون البلاد والتقرب من الشعب، واستقدم كثيرًا من المماليك وأطلق عليهم اسم «البرجية» نسبة إلى أبراج القلعة التى أقاموا فيها وجعلهم عونًا له، وأعدهم ليكونوا عونًا لأبنائه من بعده فى تثبيت عروشهم.

ومضى على نهج «بيبرس» فى إخراج الصليبيين من بلاد الشام، واستعاد «اللاذقية» و «طرابلس» من أيديهم فى سنة (688هـ)، وتابع التتار وطارد فلولهم وهزمهم وأبعد أذاهم نهائيا عن «مصر» و «الشام».

ويُعدُّ «قلاوون» من أبرز سلاطين الدولة المملوكية العظماء، كما يُعد أحد مؤسسى هذه الدولة، إذ أنفق أموالا طائلة على الإصلاحات والإنشاءات، وأشرف على سير العمل فيها بنفسه فى حزم وعزمشديدين، ولعل أبرز الإنشاءات التى ترجع إلى عصره تلك القبة التى بناها، ودُفن تحتها، كما بنى «مدرسة» و «مارستانًا» -حملا اسمه – عام (688هـ)، ومازال هذا المارستان قائمًا حتى الآن ويُعرف باسم:

مستشفى قلاوون»، وظل «قلاوون» يقوم بدوره الحربى والسياسى والاجتماعى والحضارى فى البلاد على أكمل وجه حتى وفاته سنة (689هـ).

السلطان الأشرف خليل بن قلاوون [689 – 693هـ = 1290 – 1294م]:

خلف الأمير «خليل» أباه على عرش السلطنة، فعاد فى عهده نفوذ الأمراء، وتجددت الصراعات الداخلية، إلا أنه استطاع التغلب على هذه المصاعب كلها على الرغم من قصر مدة حكمه للبلاد، وبرهن على أنه حاكم كفء مهيب، شديد البأس، عارف بأحوال المملكة، لدرجة أن «ابن إياس» قال عنه فى تأريخه: «كان الأشرف بطلا لا يكل عن الحروب ليلا ونهارًا، ولا يُعرف من أبناء الملوك مَنْ كان يناظره فى العزم والشجاعة والإقدام».

ويكفى «الأشرف خليل» مجدًا يخلد اسمه بين أعظم قادة التاريخ الإسلامى أنه استطاع استعادة «عكَّا» من أيدى الصليبيين سنة (692هـ)، بعد أن استعصت على مَنْ كان قبله من السلاطين لحصانتها، كما تابع جهاده فى تتبع جيوش الصليبيين بالشام، واستعاد «صور» و «حيفا» و «بيروت»، وظل يضيف انتصارات عظيمة إلى سجل هذه الدولة كان من شأنها أن يظل العالم الإسلامى قويا مترابطًا، ويقوم بدوره فى البناء الحضارى.

السلطان الناصر محمد بن قلاوون [693 – 741هـ = 1294 – 1341م]:

بعد وفاة «الأشرف خليل» انتقل حكم السلطنة إلى «الناصر محمد ابن قلاوون» الابن الثانى للسلطان «قلاوون»، وكان قد نشأ فى بيت الملك محاطًا بالأمراء والنواب والحراس، غير أنه لم يتمتع طويلا بعطف ورعاية أبيه «قلاوون»، الذى مات ولما يبلغ «الناصر محمد» الخامسة من عمره، غير أنه لحسن حظه لم يحرم من عطف أخيه «الأشرف خليل» ورعايته، فاهتم بتربيته وأحسن معاملته، فنشأ «محمد» ولديهمن صفات أبيه وأخيه الكثير، فأصبح كأسلافه مهتما بالمشروعات الحيوية، ومحبا للغزو والجهاد.

اعتلى «الناصر محمد» عرش «مصر» ثلاث مرات، استمرت الأولى عامًا واحدًا فى الفترة: (من سنة 693 إلى سنة 694هـ)، ثم اغتصبها منه «زين الدين كتبغا» الذى لقب نفسه بالعادل، و «حسام الدين لاُين» الذى تلقب بالمنصور، واستمرت فترة الاغتصاب هذه أربع سنوات عاشت البلاد خلالها عهدًا من الفتن والاضطرابات، وانتابتها مظاهر الضعف والانحلال، مما هيأ السبيل إلى عودة «الناصر محمد» إلى السلطنة ثانية ليتدارك تفاقم هذه الأوضاع.

السلطنة الثانية للناصر محمد [698 – 708هـ]:

لعل أبرز ما يميز الفترة الثانية لتولى «الناصر محمد» عرش السلطنة، الفتن والاضطرابات التى أحدثها وأشعلها أمراء المماليك سعيًا وراء الوصول إلى العرش، الأمر الذى اضطر «الناصر محمد» إلى الرحيل فى عام (708هـ) إلى «قلعة الكرك» للاحتماء بها بعيدًا عن مؤامرات الأمراء ودسائسهم، فمكن ذلك «بيبرس الجاشنكير» -أحد القادة العسكريين- من السيطرة على مقاليد الأمور، على الرغم من رسائل أمراء المماليك التى بعثوا بها إلى «الناصر محمد» يرجونه فيها العودة إلى «مصر»، إلا أنه تمهل حتى يقف على حقيقة الأمور، فلما رأى حاجة البلاد إليه قرر العودة إلى «مصر» ثانية، وتمكن من طرد «الجاشنكير»، وبدأ مرحلة ثالثة على عرش البلاد، كانت من أهم فترات تاريخ «مصر» والشام.

السلطنة الثالثة للناصر محمد [709 – 741هـ]:

استمرت فترة حكم «الناصر محمد» الثالثة على «مصر» و «الشام» وما يتبعهما اثنين وثلاثين عامًا متصلة، انفرد فيها بحكم البلاد، وتمكن من القضاء على الفتن والدسائس، ونعمت البلاد فى عهده بأطول فترة استقرار شهدتها فى العهد المملوكى، وتعلق الشعب به وأحبه لما قدمه من أعمال جليلة وعظيمة رفعت من شأنه.

تُعد فترة حكم «الناصر محمد» الثالثة من أزهى عهود دولة المماليكالبحرية على الإطلاق، ففيها توطدت دعائم البلاد، واستقرت أساليب الحكم والإدارة فيها، وازدهرت الفنون والعلوم، وباتت «القاهرة» حاضرة لإمبراطورية شاسعة تشمل «مصر» والشام والجزيرة العربية، وكذلك بلاد «اليمن» التى بسط «الناصر محمد» نفوذه عليها، فخطب وده ملوك «أوربا» و «آسيا»، وأبرموا معه المعاهدات وصاهروه، وأرسلوا إليه بالهدايا الثمينة والتحف النادرة؛ أملا فى رضاه.

لم يقتصر نشاط «الناصر محمد» على الحروب والغزوات على الرغم من أنه نجح فى طرد فلول الصليبيين، وصد ثلاث غزوات مغولية، بل اتجه إلى الأخذ بكل مقومات الحضارة فى عصره، وصبغها – لتدينه الشديد- بصبغة دينية ظهرت واضحة على العمائر التى شيدها، والتى مازال بعضها قائمًا – حتى الآن – شاهد صدق على بره وتقواه، وذوقه الراقى فى الفنون والعمارة، ولعل أشهرها: «المدرسة الناصرية» التى شيدها بشارع «المعز لدين الله الفاطمى»، وكذا المسجد الذى بناه بالقلعة سنة (718هـ)، ثم هدمه وأعاد بناءه سنة (735هـ) لتوسعته وزخرفة جوانبه، كما شرع فى سنة (703هـ) أثناء سلطنته الثانية فى تجديد «المارستان» الكبير الذى أسسه والده السلطان «قلاوون» سنة (688هـ)، وكذلك بنى سبيلا، وقبة، ومكتبة عظيمة، وأنشأ «خانقاه» فى «سرياقوس» لإقامة فقراء الصوفية خاصة القادمين منهم من البلاد الشرقية.

وقد أرخ «ابن إياس» لحكم «الناصر محمد»، وعبر عنه بقوله: «ولا يُعلَم لأحد من الملوك آثار مثله ولا مثل مماليكه، حتى قيل لقد تزايدت فى أيامه الديار المصرية والبلاد الشامية من العمائر مقدار النصف من جوامع وخوانق وقناطر، وغير ذلك من العمائر».

ولاشك أن هذه المنشآت كانت تعتمد على اقتصاد قوى، ورؤية حضارية من «الناصر محمد»، الذى وضع أسس السياسة العامة لدولة المماليك، وعُدَّ المنفذ الأكبر لها، فكان شديد البأس، سديد الرأى، يتولى أمور دولته بنفسه، مطَّلعًا على أحوال مملكته، محبوبًا منرعيته، مهيبًا فى أمراء دولته، فكان المثل الأعلى لرجل السياسة فى دولة المماليك، كما كان «بيبرس» المثل الأعلى للقائد الحربى، وانطلقت بوفاته فى سنة (741هـ)، ألسنة الشعراء والأدباء لتأبينه والثناء عليه، والإشادة بذكره، وقد أطراه المؤرخ «أبو المحاسن بن تغرى بردى» بقوله: «إنه أطول الملوك فى الحكم زمانًا، وأعظمهم مهابة، وأحسنهم سياسة، وأكثرهم دهاء، وأجودهم تدبيرًا، وأقواهم بطشًا وشجاعة، مرت به التجارب، وقاسى الخطوب، وباشر الحروب، وتقلب مع الدهر ألوانًا، ونشأ فى الملك والرياسة، وله فى ذلك الفخر والسعادة، خليقًا بالملك والسلطنة؛ فهو سلطان ابن سلطان، ووالد ثمانية سلاطين؛ فهو أجل ملوك المماليك وأعظمهم بلا مدافع».

وكانت وفاة «الناصر محمد» فى (20 من ذى الحجة سنة 741هـ).

أولاد الناصر محمد وأحفاده [741 – 784هـ = 1341 – 1382م]:

جلس على عرش «مصر» بعد «الناصر محمد» أولاده وأحفاده فى الفترة من سنة (741هـ) إلى سنة (784هـ)، يتعاقبون عليه واحداً بعد الآخر حتى سقوط دولة المماليك البحرية عام (784هـ)، وفى مدة بلغت ثلاثًا وأربعين سنة علا عرش «مصر» من البيت الناصرى ثمانية أولاد وأربعة أحفاد، بلغ متوسط حكم الواحد منهم ثلاث سنوات ونصف السنة، وتميز هذا العهد بصغر سن السلطان، وقصر مدة حكمه، لسهولة خلعه على أيدى الأمراء، ولظهور نفوذ الأتابكة ظهورًا واضحًا، وكذلك اشتداد تنافس الأمراء فى بسط نفوذهم للسيطرة على الدولة، ولذا أصبح السلطان ألعوبة فى أيدى أمرائه، يعزلونه أو يبقونه على العرش حسب هواهم، وما تقتضيه مصالحهم؛ فاضطربت أحوال البلاد، وكثرت فيها الفتن.

بعد وفاة «الناصر محمد» تولى العرش ابنه «سيف الدين أبو بكر» (741 – 742هـ)، وسرعان ما ساءت العلاقات بينه وبين أتابكه، لامتناعه عن الاستجابة لمطالب هذا الأتابك، فحرض الأتابك عليه الأمراء وعزلوه. وتولى من بعده أخوه «علاء الدين كجك» (742هـ=1341م)، وعمره إذ ذاك يتراوح بين خمس وسبع سنوات، وتم عزله بعد فترة وجيزة. ثم تولى أخوه «أحمد» عرش السلطنة ولقب نفسه بالناصر فى سنة (742 – 743هـ)، إلا أنه لم يستمر طويلا فى الحكم كسابقيه، ووقع الاختيار على أخيه «إسماعيل» سنة (743هـ)، ولكنه مالبث أن مرض ومات سنة (746هـ)، فتولى ابنه «شعبان» من بعده سنة (746 – 747هـ)، ولم يكن عهده خيرًا من سلفه، فخلفه أخوه «حاجى» سنة (747هـ)، ولم يستكمل عامًا واحدًا حتى اعتلى العرش «الناصر حسن» سنة (748هـ)، وهو لايزال فى الحادية عشرة من عمره، ولم يلبث أن عُزل، ثم عاد وتولى السلطنة ثانية فى سنة (755هـ)، وظل على العرش ست سنوات ونصف السنة، فعاد فى عهده الاهتمام بالعمائر الإسلامية، وبنى مسجده الشهير المعروف باسمه «مسجد السلطان حسن» بالقاهرة، ومع ذلك فقد ظلت حالة عدم الاستقرار فى البلاد سائدة، فكانت فرصة سانحة لظهور دولة المماليك الثانية المعروفة «بدولة المماليك البرجية».

السابق
اليمن
التالي
عهد المماليك البرجية